التنمية الطيبة

بقلم
الحبيب غربال
النمو الاقتصادي الطيب
 يستعرض هذا المقال تطور مفاهيم تقييم الدول، متجاوزاً الاعتماد الحصري على المؤشرات الاقتصادية الكلاسيكية للنمو، نحو مقاربات تنموية أوسع كدليل «الإسكوا» الذي يدمج الحوكمة والاستدامة. ويَخْلُص النص إلى طرح رؤية استراتيجية مبتكرة تحت مسمى «النمو الطيب»، تسعى لبناء وطن سيّد ومستدام عبر أربعة مؤشرات متكاملة تقيس: النمو المباشر، والحوكمة الرشيدة، والرفاه المجتمعي والقيمي، ومستوى الحرية.
مقدّمة:
عند الحديث عن تصنيف الدّول وتقييم مستواها، تبرز مصطلحات مثل «النمو» و«التقدم»؛ فنقول: دولة متقدّمة، أو دولة ذات معدّل نموّ عالٍ، أو دولة كبرى، أو دولة عظمى. ويختلف الأمر بحسب المجال الذي نتحدّث فيه، وبحسب اختصاص الجهة التي تصف هذا المستوى.
فعند اعتماد مقياس استقلال الدّول واستقلال قرارها السياسيّ والاقتصاديّ، تُعدّ الدّولة متقدّمة إذا امتلكت القدرة على تصنيع أسلحتها، وتفوّقت في تقنيّاتها الدفاعيّة، وباتت قادرة على حماية نفسها. وإذا اعتمدنا مقياس المعرفة والتكنولوجيا، قيل إنّ الدولة متقدّمة إذا امتلكت التكنولوجيا الحديثة والقدرة على إنتاجها وتطويرها. وإذا اعتمدنا مقياس السيادة والتحرّر، عُدّت الدولة متحرّرة إذا سيطرت على ثرواتها ومارست السيادة عليها، وكان الدَّيْن الخارجيّ خياراً سيادياً لا ضرورة قاهرة.
وفي المقابل، نُطلق وصف «دولة متخلّفة» أو «فقيرة»، أو الوصفين معاً، على الدّول التي تفتقر إلى ذلك، ونُسمّي الدولة «نامية»، أي في طور النموّ، إذا كانت مؤشّرات نموّها الاقتصاديّ في تحسّن مستمرّ. ويبقى «النموّ» هو المصطلح السائد، خاصّة عند المقارنة بين الدّول، أو مقارنة وضع الدولة بين فترة وأخرى. وتشمل المؤشّرات المعتمدة عادةً: معدّل النموّ، ومعدّل البطالة، ومتوسّط دخل الفرد، وحالة الميزان التجاريّ، وميزان المدفوعات، والتداين الخارجيّ، ومستوى التضخّم، والناتج المحليّ الإجماليّ، فضلاً عن تقلّبات سعر الصرف وسوق الأسهم.
1. النّموّ الاقتصاديّ
يُعرّف النموّ الاقتصاديّ بأنّه زيادة إنتاج السلع والخدمات قياساً إلى فترة زمنيّة سابقة؛ لذلك يُستخدم هذا المفهوم لقياس تغيّر الأداء الاقتصادي عبر فترات طويلة، وله مؤشّرات وأدوات متعدّدة. وتجدر الإشارة إلى أنّ النموّ الاقتصاديّ يختلف عن التنمية الاقتصاديّة؛ فالتنمية تشير إلى تحسّن أوسع في بنية الاقتصاد ونوعيّة الحياة، أمّا النموّ فيقيس الزيادة الكميّة في الناتج أو دخل الفرد.
2. مؤشّرات النّموّ الاقتصاديّ
يُستدلّ على مستوى النموّ الاقتصاديّ ببعض المؤشّرات، وهي بيانات يستخدمها المحلّلون لتحليل اقتصاد دولة ما وتقييمه. وفيما يلي توضيح لأهمّها:
1.2 الناتج المحليّ الإجماليّ: 
وهو القيمة السوقيّة الإجماليّة للسلع والخدمات المنتَجة داخل الدولة خلال عام واحد. ويُقاس النموّ الاقتصاديّ عبر رصد الزيادة في هذا الناتج..
2.2 الناتج القوميّ الإجماليّ: 
في حين يقيس الناتج المحليّ الإنتاج المتحقق داخل حدود الدولة، يشمل الناتج القوميّ الدخل المتأتي من الاستثمارات الخارجية، ويستبعد الدخل الذي يحققه المستثمرون الأجانب في الداخل. كما يرتبط بالإنتاج الناتج عن القطاعات الاقتصاديّة، كالزراعة والخدمات والصناعة، وبزيادة الدخل وما يصاحبها من ارتفاع القدرة الشرائيّة والتبادل التجاريّ.
3.2 التضخّم: 
وهو الزيادة المستمرّة في أسعار السلع والخدمات خلال فترة زمنيّة معيّنة، مما يؤدي إلى انخفاض القوّة الشرائيّة، وقد ينعكس في تراجع قيمة العملة أو اضطراب سعر الصرف.
4.2 معدّل البطالة: 
ويعني نسبة الأفراد القادرين على العمل والباحثين عنه دون أن يجدوه، وغالباً ما يقترن انخفاض البطالة بتحسّن النشاط الاقتصاديّ.
5.2 الرقم القياسيّ الوطنيّ لأسعار المستهلك: 
وهو متوسّط التغيّر الذي يطرأ على أسعار السلع والخدمات المخصّصة للاستهلاك.
6.2 ميزان المدفوعات: 
يُعرّف بأنّه سجلّ يبيّن المعاملات الاقتصاديّة والنقديّة التي تتمّ خلال مدّة زمنيّة محدّدة بين المقيمين في الدولة وبقيّة العالم.
ومن النتائج الإيجابيّة للنموّ الاقتصاديّ: زيادة دخل الأفراد، وارتفاع مستوى المعيشة، وتحسين جودة الخدمات، وتحقيق الرفاه الاقتصاديّ عموماً. أمّا العوامل التي تساعد على النموّ، ففي مقدّمتها تحسين ظروف الاستثمار وتنشيط الدورة الاقتصاديّة، ولا سيّما الإنتاج. وترتبط هذه العوامل بالتعليم، والبنية التحتية في مختلف مجالاتها، والحوكمة الرشيدة، ومقاومة الفساد، ومستوى الحريتين الاقتصادية والسياسية؛ لأن الإبداع والابتكار يحتاجان إلى مناخ واسع بعيد عن الاستبداد والحكم الفرديّ..
3. «الإسكوا» تطرح رؤية جديدة لقياس التّنمية
أطلقت اللجنة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لغربي آسيا «الإسكوا»، وهي إحدى اللجان الإقليميّة الخمس التابعة للأمم المتحدة، تقريراً بعنوان «تحدّيات التنمية في العالم: نحو رؤية أشمل لقضايا التنمية». وتعمل الإسكوا على دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمستدامة في الدول العربية، وتعزيز التكامل الإقليميّ. وجاء التقرير ليطرح دليلاً جديداً لتحديات التنمية، يقيس مواطن القصور في مسار الإنجاز التنمويّ ضمن ثلاثة مجالات: جودة التنمية البشرية، والاستدامة البيئية، والحوكمة الرشيدة. وجرى إطلاقه خلال جلسة نقاش عقدتها الإسكوا بالتعاون مع مركز السياسات والبحوث الإنمائية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) التابعة لجامعة لندن.
يستند دليل «الإسكوا» إلى مؤشّر التنمية البشرية كإطار للقياس، ويطوّره بإدخال أبعاد جديدة تعكس تطوّرات الفكر التنمويّ خلال العقود الثلاثة الماضية؛ فيضيف عاملَ جودة المخرجات بوصفه أحد المحدّدات الرئيسة، وبُعدَين أساسيَّين هما الاستدامة البيئية والحوكمة. وينظر الدليل في تحدّيات التنمية مع التركيز على البلدان الأشدّ مواجهة لها، بهدف توجيه الاهتمام إليها في الحوار العالمي حول التنمية البشرية وأهداف التنمية المستدامة.
ومن بين الحلول، يطرح التقرير مجموعة من التوصيات، منها: تعزيز المنظومات البيئية والصحية لتحسين جودة حياة الناس، وبناء اقتصادات قائمة على المعرفة تستند إلى أنظمة متكاملة للتعليم وسوق العمل، وتعزيز الصلة بين فاعلية الأداء الحكومي والحوكمة الديمقراطية، وإعطاء الأولوية للبلدان التي تواجه أعلى مستوى من التحديات، وضمان الأمن البشري في المناطق المتضرّرة من النزاعات.
ويرى العديد من المفكرين المعاصرين أنّ الحاجة ملحّة لاعتماد مؤشرات جديدة للتنمية؛ فعالمنا اليوم يشهد تهديدات بيئية متفاقمة تمثّل عقبات كبرى أمام تحقيق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي. وأصبح من الضروري اعتماد أسس الحوكمة الرشيدة، وتعزيز المشاركة السياسية والمدنية، وتحسين فاعلية المؤسسات العامة وتعزيز مساءلتها.
4. رؤية تنمويّة: النّموّ الطّيّب
وطن يطيب فيه العيش، يمتلك سيادته، ويحقّق توازناً اقتصادياً بين الطلب والعرض؛ وطن حرّ يتمتع أفراده بالحرية، وتنميته طيّبة ومستدامة، ومجتمعه عادل، متماسك، ومنظّم، يمتلك نظاماً راسخاً وأعرافاً قوية ومرجعيّات ثابتة. ولتحقيق ذلك، أو لقياس مدى تحقّق هذه الأهداف والغايات وفق منظور تنمويّ استراتيجيّ، نقترح على الباحثين والأكاديميين المؤشرات التالية، وتتوزع على أربعة أقسام:
1.4  المؤشرات الاقتصادية المباشرة: 
معدّل النموّ، التضخّم، البطالة، العجز التجاريّ، ومتوسط دخل الفرد. ويمكن ترميز هذه المؤشرات أو ترتيبها أبجدياً: أ، ب، ج، د.
2.4  الحوكمة الرشيدة: 
مستوى الفساد، ومدى التوازن الاقتصادي، ونعني به أن يكون الإنتاج متنوّعاً بما يحقّق قدراً من الاكتفاء الذاتيّ النسبي، مع مراعاة الجدوى الاقتصادية قدر الإمكان، وأن تُستهلك المنتجات الوطنية داخلياً في المقام الأول، وألا يعتمد الاقتصاد كلياً على التصدير، إضافة إلى مدى التحرّر الاقتصادي بما يضمن امتلاك الثروات واستقلال القرار الاقتصادي..
3.4  مؤشرات الرفاه: 
مؤشّر الصحة، ومتوسط العمر المتوقع، ونسبة التغطية الصحية، ونسبة الالتحاق بالتعليم، والحدّ من تعاطي المواد الضارّة والآفات الاجتماعية، كالخمور والتدخين والمخدرات. ويُقاس التوازن الأسري والمجتمعي عبر معدلات الطلاق، والجريمة، والانحرافات الاجتماعية، ومتوسط سنّ الزواج.
4.4  مؤشرات الحرية: 
مستوى مشاركة المجتمع المدني في الحياة الاقتصادية والسياسية، واستقلال المؤسسات، والفصل بين السلطات، ومدى ديمقراطية الاقتصاد أو إشراك المجتمع في القرار الاقتصادي.