مراجعات

بقلم
د. سعيد الشبلي
قراءات في التّأويل(الحلقة 5/9) علم القلوب: نظام الفهم وحدود التّأويل (الجزء الأوّل: مدخل إلى علم ال
 نواصل في هذا المحور مقارنتنا العميقة بين الغزالي وابن عربي في «علم القلوب»، مقسّمين المبحث إلى حلقتين متكاملتين. نتناول  في هذه الحلقة «نظام الفهم» من خلال الغوص في ماهيّة علم القلوب عند الغزاليّ، مبرزة دور القلب كمرآة لتلقّي المعرفة الإلهيّة وأسرار القرآن بعيدا عن المعرفة العقليّة المجرّدة. ونسلّط في الحلقة القادمة الضّوء على «نظام التّأويل وحدوده»، ونعقد مقارنة حاسمة بين التزام الغزاليّ بحدود الشّرع وضوابط اللّغة في التّأويل، وبين مسار ابن عربيّ وتأويلاته المطلقة الّتي أفضت إلى القول بوحدة الوجود، لتنتهي الدّراسة بترجيح كفّة يقين الغزاليّ وتنزيهه على حيرة ابن عربيّ وتأوّلاته.
علم القلوب 
هو علم التصوف أو هو العلم الذي يتكشف للصوفية عبر مجاهداتهم وسيرهم في طريق الله (المحبوب)، وكيفية معاملتهم لله سبحانه والتي ينشأ عنها كيفية خاصة في معاملته إياهم. هذا العلم الذي كثرت أسماؤه «فسمّي علم القلوب وعلم الأسرار وعلم المعارف وعلم الباطن وعلم الأحوال والمقامات وعلم السلوك وعلم الطريقة وعلم المكاشفة»(1). ويمكن أن نستخلص تعريف الغزالي لعلم القلوب من خلال التركيز على ما جاء في «الإحياء» وخاصة « كتاب العلم» وما جاء في «المنقذ من الضلال» وفي «كيمياء السعادة»، فقد ركز في كتاب العلم على الفصل بين علوم الدنيا وعلوم الآخرة حيث يقول « مصالح الدنيا ويحويه كتب الفقه والمتكفل به الفقهاء وهم علماء الدنيا والثاني ما يتعلق بمصالح الآخرة وهو علم أحوال القلب وأخلاقه المحمودة والمذمومة وما هو مرضي عند الله تعالى وما هو مكروه»(2).
فعلم الكلام وما قصد إليه من الذب عن العقائد الإيمانية ومن فضح البدع والعقائد الكفرية وضروب الزندقة، وعلم الفقه وموضوعه استخراج الأحكام من أدلتها وحماية العمل من كل آفات الانحراف هما بالنسبة للغزالي من علوم الدنيا لأنهما لا يعدوان كونهما صناعتين قد يتقنهما المختص فيهما دون أن يكون له من العلم الإلهي نصيب. وبذلك نعرف لم يشبّه الغزالي المتكلمين والفقهاء بمن يقدّم الزاد لركب الحج، حيث لا يعدوان كونهما وسيلتين من وسائل السير وتأمين الطريق ولكن لا تغنيان عن الوصول ولا تنوبان عن القصد إلى العلم الإلهي الذي يطلبه الحاج. 
  إن علم القلوب هو علم الآخرة، وبما أنّ الآخرة من الدنيا بمثابة الهدف من الوسيلة والغاية من الذريعة فإنّ علمها هو أشرف العلوم «العلم الذي هو أشرف العلوم وهو علم الآخرة أعني قسمي المعاملة والمكاشفة، فغاية المعاملة المكاشفة  وغاية المكاشفة- معرفة الله تعالى»(3).
والمعاملة ثمّ المكاشفة ليسا علمين ينتقلان بطريق الوراثة ولا بطريق الجدال والكلام بل هما «نوع يقين هو ثمرة نور يقذفه الله تعالى في قلب عبد طهّر بالمجاهدة باطنه عن الخبائث حتى ينتهي إلى رتبة إيمان أبي بكر رضي الله عنه الذي لو وزن بإيمان العالمين لرجح.(4)
وإذا كان الغزالي يجعل علم طريق الآخرة متكونا من المكاشفة والمعاملة فإنه يفصل منهجيا بينهما مؤكدا على أن المعاملة باب المكاشفة وأنّ المكاشفة هي غاية المعاملة وهدفها يقول: «لأن العلم الذي يتوجه به إلى الآخرة ينقسم إلى علم المعاملة وعلم المكاشفة. وأعني بعلم المكاشفة ما يطلب منه كشف المعلوم فقط. وأعني بعلم المعاملة ما يطلب منه مع الكشف العمل به»(5). هذان العلمان اللذان هما عماد علوم الآخرة وأساسها المتين، يتضامنان من حيث الهدف والغاية، حيث إنّ العمل متمثلا في كل نظام وتشريع علم المعاملة إنما يهدف إلى تحصيل المكاشفة باعتبارها المستوى والحد الأقصى الذي يسعى إليه العبد وهو معرفة الله تعالى.
ويؤسس الغزالي علم القلوب منهجيا ومضمونيا على أساسين: أولا من حيث الموضوع أو المصدر، حيث يتركز هذا العلم على استفادة أسرار القرآن الكريم مما لا يطمع في الوصول إليه إلا أهل الله، يقول:«وكان العلم بالقرآن هو العلم كله، وكان التوحيد عندهم عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر المتكلمين وإن فهموه لم يتصفوا به وهو أن يرى الأمور كلها من الله عز وجل رؤية تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط فلايرى الخير والشر»(6) . ويضيف: « فكم من معان دقيقة من أسرار القرآن تخطر على قلب المتجردين للذكر والفكر تخلو عنها كتب التفاسير ولا يطلع عليها إلا أفاضل المفسرين وإذا انكشف ذلك للمريد المراقب وعرض على المفسرين استحسنوه وعلموا أن ذلك من تنبيهات القلوب الزكية وألطاف الله تعالى بالهمم العالية المتوجهة إليه» (7) . إنّ علم القلوب هو علم أصحاب الهمم العالية الذين يأخذون من القرآن الكريم فيفتح لهم فيه من ضروب الفتح بالفهم والأسرار ما لا يطمح مفسر مقتدر بأسباب البيان ومتزود بأساليب البرهان في أن يبلغه. وأمّا من حيث الهدف، فإنّ علم القلوب هدفه اليقين ولا شئ غير اليقين. يقول الغزالي:«ومنها أن يكون شديد العناية بتقوية اليقين فإن اليقين هو رأس مال الدين قال رسول الله ﷺَ :« اليقين الإيمان كله». فلابد من تعلم علم اليقين أعني أوائله ثم ينفتح للقلب طريقه. ولذلك قال ﷺَ: « تعلموا اليقين» ومعناه جالسوا الموقنين واستمعوا منهم علوم اليقين وواظبوا على الاقتداء بهم ليقوى يقينكم كما قوي يقينهم وقليل من اليقين خير من كثير من العمل»(8) 
نخلص إلى أن علم القلوب إذا كان موضوعه القرآن الكريم وأسراره وهدفه اليقين، فإن آلته الفعالة ودليله الموصل إليه هو القلب. إنّ القلب هذا الجوهر الروحاني الإلهي الذي هو من عالم الأمر وليس من عالم الخلق، هو القادر وحده على تجاوز عالم الحس والعالم المجرد العقلاني إلى عالم الغيب، والعيان الذي يطلبه العبد وليس مجرد البرهان، لا يمكن أن يتم إلا بواسطة القلب. لذلك يؤكد الغزالي على ضرورة تطهير القلب وتصفيته ليقوم بهذه المهمة الشريفة أعني معرفة الله تعالى. « فنعني بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى تتضح له جلّية الحق من هذه الأمور اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا شك فيه وهذا ممكن في جوهر الإنسان لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها وخبثها بقاذورات الدنيا» (9).
وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ صقل مرآة القلب يصبح أحد أهم المعاني التي ينصرف إليها مسمى علم القلوب:«وإنما نعني بعلم طريق الآخرة العلم بكيفية تصقيل هذه المرآة عن هذه الخبائث التي هي الحجاب عن الله سبحانه وتعالى وعن معرفة صفاته وأفعاله. وإنما تصفيتها وتطهيرها بالكف عن الشهوات والاقتداء بالأنبياء صلوات الله عليهم في جميع أحوالهم. فبقدر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطر الحق تتلألأ فيه حقائقه ولا سبيل إليه إلا بالرياضة ... وبالعلم والتعليم» (10).
نحن إذن أمام العلم النبوي أو «علم الأسرار» الذي أشار إليه الرسول ﷺَ في قوله « إنّ من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله تعالى فإذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار بالله تعالى» (11). 
العلم النّبوي الغيبي المكنون هو بالضّبط العلم الذي طلبه الصّوفيّة أو هو علم التّصوّف الذي تبلور في تجربة الطّالبين بدءا بسيّد الطائفة الذي عرّفه بقوله « أن يميتك الحق عنك ويحييك به».  يقول الغزالي منوّها بطريقة الصوفية :«وانكشف  لي في أثناء هذه الخلوات أمورا لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها والقدر الذي أذكره لينتفع به أني علمت يقينا أن الصوفية هم السابقون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشّرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدّلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلا. فإنّ جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوّة وليس وراء نور النبوّة على وجه الأرض نورا يستضاء به»(12).
نظام الفهم
إذا كان نظام العرفان ومنهجه عند الغزاليّ يندرج ضمن الإطار العامّ للنّظام العرفانيّ الصّوفيّ الّذي يؤسّس لمركزيّة التّجربة الذّوقيّة باعتبارها رأس سنام المعرفة حتّى لو كانت انطلاقتها حسّيّة ثمّ بعد ذلك عقليّة، فإنّ خصوصيّة التّجربة الغزاليّة شأنها شأن أيّ تجربة فرديّة قد أضافت إلى معين العرفان الذّوقيّ لونا جديدا وأنفاسا متميّزة جعلت من الغزاليّ أستاذا في هذا الفنّ. وقد يمكن أن نبلور هذا النّظام من ملاحظة موضوع الفهم حيث أكّد الغزاليّ أنّ «وراء العقل طورا آخر تنفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل وأمورا أخرى العقل معزول عنها» (13).
وهذا القول بقدر ما ينبّه إلى أنّ جوهر المعرفة يتعلّق بمعرفة الغيب باعتباره الموضوع الأعمق للمعرفة، ينبّه إلى أنّ وسيلة تحقيق هذه المعرفة الغيبيّة لا تكون سوى عين ذات جوهر وذات هويّة غيبيّة هي عين البصيرة الباطنة وعين القلب كما يتحدّث عنها الغزاليّ في مؤلّفات أخرى. إنّ المعرفة بالغيب تحيل جوهريّا إلى الموضوع الأسمى للمعرفة الصّوفيّة وهو معرفة الله سبحانه وتعالى هذه المعرفة الّتي سيصبح تحقيقها برهانا على مدى القرب من الحقيقة أو البعد عنها. إنّ الله تعالى هو الحقّ، وإنّ الاقتراب من الذّات الإلهيّة اقتراب في الوقت نفسه من الحقيقة. ولمّا كانت الذّات الإلهيّة ذاتا حيّة ووجودا قاهرا هو أسمى بل أقوى حتّى من ذات العارف، فإنّ المعرفة بها ستصبح مغامرة المغامرات وأساسا مستمرّا لتخليق كلّ أنواع التّوتّر والتّرقّب والمغامرة في قلب الذّات العارفة. إنّ الله تعالى هو سرّ الوجود وهو جوهر عالم الغيب المكنون الّذي لا نفع للعقل في التّعرّف عليه. فإذا أمكن للعارف ومن خلال تعطّف إلهيّ خالص بنور «يقذفه الله في الصّدر» على حدّ قول الغزاليّ، فإنّ العرفان يتوسّع ليكشف عن كلّ الأبعاد الغيبيّة للوجود ومن أهمّها ولا شكّ المعرفة بسرّ الإنسان وهو القلب. يقول الغزاليّ متحدّثا عن قلب الإنسان «ولست أعني بالقلب اللّحم المحسوس بل هو سرّ من أسرار الله عزّ وجلّ لا يدركه الحسّ، ولطيفة من لطائفه تارة يعبّر عنه بالرّوح وتارة بالنّفس المطمئنّة والشّرع يعبّر عنه بالقلب لأنّه المطيّة الأولى لذلك السّرّ وبواسطته صار جميع البدن مطيّة وآلة لتلك اللّطيفة وكشف الغطاء عن ذلك السّرّ من علم المكاشفة وهو مضنون به لا رخصة في ذكره وغاية المأذون فيه أن يقال هو جوهر نفيس ودرّ عزيز أشرف من هذه الأجرام المرئيّة وإنّما هو أمر إلهيّ كما قال تعالى ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ..﴾(الإسراء: 85)» (14).
القلب إذن هو روح الإنسان وهو الغيب منه القادر على الاتّصال بالغيب من الوجود حيث لا يكون مفتاح المعرفة بالغيب إلّا غيبا كما سيقول ابن عربيّ بعد ذلك. فإذا أمكن وبواسطة تعطّف إلهيّ خاصّ كما أسلفنا، الجمع بين المعرفتين الغيبيّتين أعني المعرفة بالله تعالى باعتباره سرّ الوجود والمعرفة بالإنسان أي بالقلب منه باعتباره سرّ الذّات وروحها الفعّال، فإنّ المعرفة بالحقيقة يكتمل بنيانها الأعمق ويظهر معناها الأوضح بما هي معرفة بالغيب وإيمان به. هنا تلتقي تجربة المعرفة بتجربة التّديّن حيث إنّ الإيمان الدّينيّ ليس سوى التّوجّه بكنه الهمّة نحو الغيب من الوجود قصد إعلان الاعتراف به والتّأسيس لوجوده وإعلان هيمنته على عالم الشّهادة.
ومثلما سعى إلى تحرير المعرفة الدّينيّة من حجابها الأعظم متمثّلا في علم الرّسوم وهو العنوان الأكبر لكلّ علوم الظّاهر حتّى لو كانت شرعيّة المحتوى، فإنّ الغزاليّ سعى إلى إحداث التّجديد والإحياء لعلوم الدّين من خلال إعادة تدبّر المصطلح الدّينيّ برمّته أي إعادة إنتاج المعنى الفعليّ والحقيقيّ والحيّ لمسمّيات الأسماء أي لمعانيها وأسرارها وعدم أخذها على ظاهرها الّذي لا يغني من الحقّ شيئا. فعابد الصّنم مثلا كما يقول الغزاليّ، ليس في التّحليل الأعمق سوى عابد لهواه لأنّه ما عبد ذلك الصّنم إلّا لهوى في نفسه هو رغبته وميله إلى اتّباع الآباء على دينهم. ومن هنا يتبيّن أنّ عبدة الأصنام إنّما هم عبّاد أهواء يلتقون مع أهل الأهواء والشّهوات في نفس الدّيانة.. وبمثل هذا التّحليل العميق ينطلق الغزاليّ في تمحيص المعاني العميقة والأسرار الّتي تستبطنها المصطلحات الدّينيّة فيحدث بذلك ثورة على مستوى المعرفة الشّرعيّة لم تجعل هدفها استحداث جديد في الدّين بل الكشف عن حقيقة الدّين بواسطة الفهم الجديد القائم أساسا على العبور من ظاهر المعنى إلى باطنه ومن حجاب الاسم إلى نور المسمّى. إنّ إحياء علوم الدّين ليس في المحصّلة سوى قراءة أسراريّة أي تفحّص بالقلب للمعاني الأساسيّة للدّين أي الإسلام والإيمان والإحسان ثمّ للمعاني والأفعال التّطبيقيّة للشّريعة أي للصّلاة والزّكاة والحجّ وسائر الأركان.
وفي سبيل تحقيق هذا الإحياء لعلوم الدّين الّذي لن يتمّ إلّا بتجاوز الأسوار الّتي سيّجها علماء الرّسوم حول المعنى والحقيقة الدّينيّة برمّتها، فإنّ الغزاليّ يعلن أنّه لا بدّ من التّخلّي عن منهج التّقليد القائم على الحفظ وتكرار مقالات السّابقين حيث يقول متحدّثا عن منهج علوم الآخرة «..ومنها أن يكون الطّالب لعلوم الآخرة اعتماده في علومه على بصيرته وإدراكه بصفاء قلبه لا على الصّحف والكتب ولا على تقليد ما يسمعه من غيره... فإن اكتفى بحفظ ما يقال كان وعاء للعلم ولا يكون عالما» (15).
وإذا كان التّقليد لمقالات العلماء السّابقين لن يجعل من المقلّد عالما بل «وعاء للعلم»، أي عقلا ممتلئا بمدوّنات وتعاليم الآخرين، فإنّ تجاوز ما كتب في المدوّنات السّابقة وما سطّره الأقدمون بقدر ما يؤسّس لحرّيّة التّديّن باعتباره تجربة معرفة وتعرّف ذاتيّين، يؤسّس لتقليد آخر هو محمود هذه المرّة وليس مذموما إنّه تقليد واتّباع الرّسول ﷺَ  والسّلف الصّالح الّذين يعني بهم الغزاليّ الصّحابة والتّابعين رضي الله عنهم كما جاء في كتابه «إلجام العوامّ عن علم الكلام»(16). هذا الاتّباع لمنهج السّلف الصّالح لن يتحقّق إلّا إذا تجاوز العارف حدود المعرفة العقليّة الوهميّة الموحية بالاكتفاء والمدّعية للتّحصيل إلى نور التّسليم القائم على الوعي العميق بأنّ عمق الدّين اتّباع وليس ابتداعا. يقول الغزاليّ: «فيكفيك من منفعة العقل أن يهديك إلى صدق النّبيّ ﷺَ ويفهّمك موارد إشارته. فاعزل العقل بعد ذلك عن التّصرّف ولازم الاتّباع فلا تسلّم إلّا به والسّلام»(17). واضح أنّنا هنا بإزاء ما اصطلح الصّوفيّة على تسميته بعلم الوراثة الّذي يحظى به الأتباع المحمّديّون ويحجب عنه أرباب العقول المعوّلين على البرهان أوّلا وآخرا. إنّ توظيف العقل كآلة موصلة إلى باب النّبوّة المباركة حيث ستنقلب المعرفة بعدها وهبا لا كسبا واتّباعا لا ابتداعا وتلقّيا لا تدبّرا وتسليما وإسلاما وليس فلسفة أو تحبير أقلام يشكّل في الحقيقة القاعدة المركزيّة لنظام الفهم الصّوفيّ القائم على أساس الإيمان واليقين بأنّ المعرفة وعي أو لا تكون، وأنّ ما سوى منطوق الوحي ومضمونه ممّا جاءت به النّصوص ليس سوى تلمّس للسّبل وطرق للأبواب. والواقع أنّه لمّا كان عمق الوجود كونا غيبيّا هو ربّه الخالق وسرّه الموجد، ولمّا كان جوهر الإنسان هو روحه المستكنّ في أطواء جسده، فإنّ الظّاهرة الكونيّة وأختها الظّاهرة الجسديّة ليستا سوى منطقتي عبور من العبارة إلى الإشارة ومن الظّاهر إلى الباطن. وما لم يتمّ هذا العبور الّذي لن يحصل إلّا بتجاوز العقل لحدوده أي بانتحاره وبعبارة الصّوفيّة بفنائه، فإنّ نور الحقيقة لن ينبجس، وسرّ الوجود لن يظهر. إنّ المجاهدة الكبرى تتمثّل في سعي «السّالك» إلى صقل مرآة قلبه الّتي يرين عليها الصّدأ بمباشرة الشّهوات وارتكاب الذّنوب. فإذا تطهّر القلب، أصبح مرآة صافية تقبل صور كلّ الموجودات إذا ما انطبعت على صفحتها. يقول الغزاليّ «وتحتاج أن تعرف ضمن ذلك أنّ القلب مثل المرآة، واللّوح المحفوظ مثل المرآة أيضا لأنّ فيه صورة كلّ موجود. وإذا قابلت المرآة بمرآة أخرى، حلّت صورة ما في إحداهما في الأخرى. وكذلك تظهر صور ما في اللّوح المحفوظ إلى القلب إذا كان فارغا من شهوات الدّنيا، فإن كان مشغولا بها كان عالم الملكوت محجوبا عنه»(18). إنّ حيازة أسرار اللّوح المحفوظ المنعكسة على مرآة قلب صاف هي لحظة التّجلّي الأعظم الّذي يبوح بالعلم كلّه، حيث ليس العلم كلّه سوى تجاوز العبد بإرادته واختياره لحظوظ نفسه ولحدود عقله، أي لكلّ نظام الأسباب إلى مسبّب الأسباب وربّ الأرباب؛ عندئذ تبدأ مسيرة جديدة هي مسيرة معاملة المحبوب ومكاشفة علّام الغيوب. إنّها لحظة الجمع القرآنيّة بامتياز، فيها يرأب الصّدع وتعالج الشّقوق وتبرأ كدمات وجروح الانشقاق والانهيار. يقول الغزاليّ «وكان العلم بالقرآن هو العلم كلّه، وكان التّوحيد عندهم عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر المتكلّمين وإن فهموه لم يتّصفوا به، وهو أن يرى الأمور كلّها من الله عزّ وجلّ رؤية تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط فلا يرى الخير والشّرّ»(19).
فإذا اجتمع الوجود في ربّه، واجتمع الإنسان في قلبه وروحه، واجتمع المعنى في قرآنه، فإنّ القراءة بروح الجمع سوف تكون عندئذ هي القراءة القادرة على ممارسة التّأويل وفق نظامه الصّحيح أي بما هو جمع وتوحيد وقرآن.
الهوامش
(1) مصطفى عبد الرازق، دائرة المعارف الإسلامية- مادة تصوف: مجلد 8 ص282
(2) إحياء علوم الدين- كتاب العلم- مصر – دار التقوى – ط1 – 2000: 1/58
(3) ن م : 1/106
(4) ن م، ن ص
(5) ن م :1/38
(6) ن م :1/80
(7) ن م :1/132
(8)  ن م :1/133
(9)  ن م :1/63
(10)  ن م ، ن ص
(11) قال الحافظ العراقي معلّقا على الحديث :» سنده ضعيف»: هامش الإحياء:1/63
(12) المنقذ من الضلال ، ضمن رسائل الإمام الغزالي،بيروت ، دار الكتب العلمية،دت : 1/63
(13) ن م :ص66
(14) إحياء علوم الدين :1/109
(15)  ن م ، ن ص
(16) انظر الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام، تقديم رياض مصطفى العبدالله، سورية، دار الحكمة، ط3 ، 1996: ص45 حيث يقول :» على أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف، أعني مذهب الصحابة والتابعين».
(17) إحياء علوم الدين: 1/78
(18) الغزالي، كيمياء السعادة،ضمن رسائل الإمام الغزالي: ص 135
(19) إحياء علوم الدين : 1/80