تحت المجهر
| بقلم |
![]() |
| د. محمد البشير رازقي |
| الولايات المتّحدة والبلاد التونسيّة: محاولة في التاريخ السّياسي (1860-1980) |
يتمثّل الرهان الأساسيّ لكتاب «الولايات المتّحدة والبلاد التونسيّة: محاولة في التاريخ السياسيّ (1860-1980)» في التخلّص من الصور النمطيّة والوصوم الاجتماعيّة المرتبطة بسرديّة علاقة تونس بالقوى الدوليّة بوصفها خضوعًا متكرّرًا.
لم تظهر تونس ضعيفةً أو خاضعةً للهيمنة في علاقتها مع الولايات المتّحدة خلال الفترة قيد الدرس؛ فقد سعى الفاعل السياسيّ التونسيّ إلى إنتاج ممارسات سياسيّة مبتكرة في زمنَي الأزمة والرّخاء، وأسهمت هذه الممارسات في جعل تونس نقطة ارتكاز حيويّة للقوى الدوليّة ولذاتها أوّلًا. والخطوة الأولى هنا هي إنصاف السياسة الخارجيّة التونسيّة أوّلًا، وتجنّب السقوط في سرديّة شيطنة الولايات المتّحدة ثانيًا. يعتمد العمل، إذًا، على دراسة الماضي لاستيعاب الحاضر وفهم المستقبل واستشرافه. فهو رهان دولة ورهان إمبراطوريّ أيضًا بامتياز.
سعيت في سياق إشكاليّات العلاقات التونسيّة الأمريكيّة بدءًا من منتصف القرن التاسع عشر وصولًا إلى الربع الأخير من القرن العشرين (سنة 1980)، وبالاعتماد أساسًا على الوثائق الأمريكيّة، سواء كانت قنصليّة أو أمنيّة أو مخابراتيّة، في الفترة نفسها، إلى البحث عن روايات أخرى مغايرة ومبتكرة عن تاريخ البلاد التونسيّة خلال فترة أزمة داخليّة ودوليّة معقّدة. وقد تبيّنت لنا مجموعة من الاستنتاجات وهي:
* تميّزت الوثائق الأمريكيّة بعقلانيّة واضحة وحياديّة مقبولة، وهذا ما مكّن مؤسّسة القنصليّة/السفارة ووزارة الخارجيّة والأجهزة الأمنيّة الأمريكيّة من قراءة دقيقة للواقع التونسي.
* سمحت خصائص الوثائق الأمريكيّة لهذه المؤسسات والأجهزة بتشبيك تاريخ البلاد التونسيّة المحليّ بسياقه الدولي، ولهذا لم تَخْفَ مثلًا طبيعةُ الصراع الفرنسي البريطاني على الإيالة، بل بدت لنا الوثائق أحيانًا راويةً محايدةً.
* بدأ الدور الأمريكي يتطوّر في البلاد التونسية مع التوغّل في القرن التاسع عشر وخاصّة بعد نهاية الحرب الأهليّة الأمريكيّة (1865)، ولهذا بدأت تبرز سياسة متوسطيّة أمريكيّة، ومن الطبيعي أن تكون الإيالة من محاورها الأساسيّة، ومن البديهي أيضًا أن تكون على حساب القوى الأوروبيّة الكلاسيكيّة.
* اعتمدت الولايات المتّحدة سياسة مغايرة مع بداية القرن 20 وصولًا إلى نهاية الحرب العالميّة الأولى، فقد سعت للتعرّف على طبيعة البلاد التونسيّة من دون إثارة عداء الاستعمار الفرنسي، والسعي أساسًا إلى تشبيك تونس بالمعاهدات الدوليّة، واستغلال الضعف الفرنسي الناتج عن استنزافها خلال الحرب أو قبلها بسبب نزاعاتها الكثيرة مع إيطاليا وخاصّة ألمانيا. إذ اعتمدت الولايات المتّحدة في تونس دبلوماسيّة المعاهدات والتغلغل السلمي، ولم يكن الهدف الأساسي مدّ النفوذ بل التعرّف إلى البلاد وفهم جغرافيّتها الطبيعيّة والبشريّة، واستغلال الهوامش القانونيّة التي سمحت بها فرنسا. ولا يمكن أن نغفل هنا إقدام الولايات المتّحدة على إعلان مبادئ ويلسون (8 جانفي 1918) وأهمّها التجارة الحرّة وحقّ تقرير المصير.
* تغيّرت الاستراتيجيّة الأمريكيّة في البلاد التونسيّة بعد الحرب العالميّة الثانية، فقد أصبحت أكثر اندفاعًا وتدخّلًا في الشأن التونسي مع السعي إلى عدم إثارة عداء فرنسا قدر الإمكان، مع المجاهرة باهتمامها بالموقع الاستراتيجي المهمّ لتونس وارتباطه بشبكات مصالحها العالميّة، وعدم إخفاء رغبتها في منح تونس استقلالها. وترجع هذه الجرأة الأمريكيّة في تونس لأسباب عديدة وأهمّها تزايد ضعف فرنسا بعد الحرب العالميّة الثانية وعجزها عن حماية مستعمراتها. ومن هذه الأسباب أيضًا اقتناع الولايات المتّحدة بعدم جدوى مؤسّسة الاستعمار الكلاسيكي في تونس وسعيها لإنتاج استعمار اقتصادي مؤسّساتي سياسي غير مباشر، وهذا ما جعلها تساهم في استقلال البلاد التونسيّة عبر ضغطها القويّ على فرنسا.
كما رفعت إكراهات الحرب الباردة أهميّة البلاد التونسيّة كموقع حيويّ للولايات المتّحدة ولحلف شمال الأطلسي مع توجّس تمدّد المشروع السوفياتي نحو تونس بعد نجاحه النسبي في مصر أوّلًا ثمّ في الجزائر. وهذا ما شجّع مرّة أخرى أمريكا على تقليص نفوذ فرنسا بتونس خاصّة بعد أن تزايد المدّ الاشتراكي في فرنسا وعدم ثبات موقفها في الناتو خاصّة زمن شارل ديغول. إذ مثّلت فرنسا، حسب المدوّنة المصدريّة، مصدر توتّر للولايات المتّحدة استفادت منه البلاد التونسيّة بطريقة مباشرة.
* ازدادت أهميّة الولايات المتّحدة في البلاد التونسيّة بعد الاستقلال، ولا سيّما مع تراجع الدور الفرنسي في تونس، سواء على مستوى الدعم العسكري أو الغذائي أو الاقتصادي أو السياسي. وقد استفادت تونس مرّة أخرى من هذه الأزمة، إذ تكفّلت الولايات المتّحدة بجزء كبير من هذه الأعباء، مع سعي حثيث إلى تقليص نفوذ فرنسا في البلاد، وخاصّة لدى النخبة الحاكمة والمتعلّمة.
* خدم متغيّر الأزمة مرّة أخرى البلاد التونسيّة في ظلّ تحالف الجزائر مع الاتّحاد السوفياتي وتمدّد نفوذ عبد الناصر فيها، وفيما بعد مع وصول العقيد معمّر القذافي للحكم في ليبيا. كانت الأزمة سندًا للبلاد التونسيّة حيث حرصت الولايات المتّحدة على حماية تونس من جارَيها الجنوبي والغربي. بل كثيرًا ما وظّفت تونس ضعفها العسكري والاقتصادي بالمقارنة مع جيرانها لجني مكاسب من الولايات المتّحدة، فقد تحوّلت نقاط الضعف نفسها إلى أوراق سياسيّة رابحة وحاسمة حافظت على استقلال تونس وأمنها وسط صراع إقليمي ودولي قاس.
* تميّز الوجود الأمريكي في البلاد التونسيّة خلال دولة الاستقلال بثنائيّة المحافظة على حماية تونس من كلّ نفوذ شيوعي مع السعي لتقليص نفوذ فرنسا من دون إثارة عدائها للمحافظة على سلامة وجودها في حلف الناتو وتوازن القوى في القارة الأوروبيّة. أي بقيت البلاد التونسيّة «لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء». ولم يكن هذا الأمر معطًى سلبيًّا؛ فقد منح الحريّة للدولة في اختيار نماذج سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة متنوّعة ومختلفة في فترات زمنيّة محدودة. وهذا ما يمكّننا من فهم سبب تأرجح مشروع الدولة القوميّة بين الرأسماليّة والدولة الراعية والاشتراكيّة. فلم تكن الولايات المتّحدة تتوجّس من ميل تونسيّ كامل نحو الاتّحاد السوفياتيّ، لأنّ أمريكا هي التي ساهمت في رسم هذه الصورة واستفادت منها تونس مباشرة. فقد حصلت تونس من ناحية على حريّة التحرّك داخليًّا ونوعًا ما في نسج شبكات علاقات خارجيّة متنوّعة (في المشرق وأوروبا الشرقيّة)، في المقابل كانت تونس أيضًا واضحة في ولائها للولايات المتّحدة بل سعى بورقيبة لإقامة علاقة تحالف مع أمريكا رغم إصرار الولايات المتّحدة على إبقاء طبيعة علاقته معها في إطار «الصداقة» لحمايته من جيرانه وإقليمه والاستفادة منه ومن تونس خير استفادة.
إذًا، نُسجت خيوط دقيقة وصلبة في الآن ذاته بين تونس وأمريكا كان هدفها المحافظة على تونس ضمن المعسكر الغربي مع إعطائها حرّية التحرّك السياسي، واستفادت هنا تونس من ضعفها الاقتصادي وقدراتها الشرائيّة والإنفاقيّة (دولة وسكّان) المحدودة وضعف ثرواتها الطبيعيّة، ولم يبرز للعيان إلّا موقعها الجغرافي العبقريّ.
* نلاحظ إذًا اعتماد كلّ القوى الاستراتيجيّة التونسيّة على نقاط ضعف بارزة، وهذه مفارقة مهمّة سعينا لإبرازها في الكتاب كأطروحة أساسيّة وحاسمة. فقد استفادت تونس من «ميزة التخلّف» سواء اقتصاديًّا أو عسكريًّا. راهنت الدراسات الاستراتيجيّة على أهميّة استثمار ميزة التخلّف للمحافظة على البقاء وتطوير الدول، ولمَ لا تحوّلها مستقبلًا إلى إمبراطوريّات.
بيّن جاك غودي(1) أهميّة تفهّم «الفكر الشبكي» وتجنّب الفكر الثنائي أو الخطّي من أجل فهم التحوّلات والمراهنة على استيعاب المناطق الرماديّة(2)، إلى جانب أهميّة تعدّد الأفكار المتناقضة والمعاكسة والمستفزّة (3)، إلى جانب «ميزة التخلّف» والعيش ضمن الأطراف (أي على الحدود) الحضاريّة وليس ضمنها (4). ونفس هذا الأمر أكّد عليه إيان موريس(5)حيث سمّاه «مزايا التخلّف» (6)، ومن الأدلّة التي قدّمها هي الأجر المتدنّي للعامل الصيني الذي جلب كلّ استثمارات أوروبا والصين، حيث استفادت الصين هنا من ميزة تخلّفها.
استفادت البلاد التونسيّة من نقاط ضعفها لترسيخ علاقتها بالولايات المتّحدة الأمريكيّة من ناحية، وتقليص نفوذ فرنسا من ناحية أخرى، وخاصّة لحماية نفسها من جيرانها العدائيّين. بل سعت إلى تحويل هواجسها (من فرنسا وجيرانها ومصر عبد الناصر...) إلى نقاط ضعف ظاهريّة ولكنّها في الباطن نقاط القوّة الأساسيّة في لعبة العلاقات الدوليّة والعناصر الحاسمة لرسم طبيعة الوجود الأمريكي بتونس. لم تكن إذًا البلاد التونسيّة وسياستها الخارجيّة مجرّد فاعل سلبيّ أو ضعيف في علاقتها مع فرنسا وأمريكا ودول الجوار والإقليم، بل حوّلت نقاط ضعفها لنقاط قوّة حاسمة واستفادت من الأعداء، ولو لم يوجدوا لأوجدتهم.
إذًا لم تكن السياسة الخارجيّة التونسيّة، خاصّة بعد أزمات الاستقلال، بالليّنة أو المنصاعة أو الغبيّة، بل سعت لاستثمار نقاط قوّتها ومنها نقاط الضعف ذاتها. وهنا يمكن القول إنّ البلاد التونسيّة سعت إلى توظيف فكرة أساسيّة في سياستها الخارجيّة وهي توظيف الدبلوماسيّة كدرع لحماية ضعفها بدلًا من القوّة العسكريّة (7)، حيث اغتنمت نعمة الموقع والموضع ومتغيّر الأزمة، وهذا ما وفّر لها حماية سياسيّة راسخة معتمدة على استراتيجيّات البقاء حيث تراوح الدولة بين الدفاع والهجوم. فلو غابت شخصيّة جمال عبد الناصر في مصر، أو خفتت التوتّرات مع ليبيا والجزائر، لبحثت السياسة الخارجيّة التونسيّة عن عناصر ضغط بديلة توظّفها في تعزيز موقعها الإقليمي والدولي. وهذا ما يمكن أن يسمّى بدبلوماسيّة الأزمة مع توظيف الجيوبوليتيك (8).
وفي هذا الإطار وظّفت أيضًا البلاد التونسيّة مفاهيم متنوّعة جدًّا للقوّة غير القوّة العسكريّة أو الاقتصاديّة (القائمة أساسًا على الثروة الريعيّة)، فهي أوّلًا سعت إلى ربط علاقاتها مع قوّة عظمى (أمريكا) بدل قوّة استعماريّة منهارة، وثانيًا راهنت على عدم عداء قوى أخرى مهمّة لتوفير بطانة داعمة وقت الحاجة (مجمل الدول الأوروبيّة مثلًا أو أجزاء من المعسكر الشرقي)، وثالثًا الاعتماد على القوى الذاتيّة وأهمّها الميزات الاجتماعيّة وخاصّة الجغرافيا (9).
* ساهمت هذه العوامل والرهانات في تشبيك المصالح الأمريكيّة بالمصالح التونسيّة مع تجنّب الولايات المتّحدة التدخّل المباشر في تونس ليس بسبب ضعف وإنّما لعدم حاجتها لذلك. فالهاجس الأمريكي الأساسي حول تونس هو موقعها، وما دامت الولايات المتّحدة لم تحرم منه (بنزرت مثلًا) فلا داعي للتدخّل السافر في تونس. وهذا ما جعل الولايات المتّحدة تتعامل بتحفّظ أو بحياديّة وأحيانًا بحذر مع أزمات البلاد الداخليّة أو الصراع حول السلطة. بالمقابل، لم تخفِ الولايات المتّحدة انحيازها لتونس في أزماتها الخارجيّة سواء مع فرنسا أو ليبيا وغيرها. وهكذا تعاملت أمريكا مع تونس من زاوية نظر استراتيجيّة على مستوى الماكرو من دون الغرق في رهانات الراهن، مع تجنّب الأساليب التكتيكيّة اليوميّة المعتمدة أساسًا على مقاربات الميكرو.
* من المهمّ أن نفهم طبيعة تعامل الولايات المتّحدة مع تونس من زاويتين: الأولى جغرافيّة بحكم بعد أمريكا عن شمال إفريقيا وقربها من أوروبا، والثانية متّصلة بطبيعة التفكير الاستراتيجيّ الأمريكي المتأثّر بسيرورة نشأة أمريكا ذاتها كدولة وتحوّلها لمشروع إمبراطوريّ، حيث تسعى لتجنّب الغرق بعيدًا عن مجالها الحيوي الأمريكي. تستفيد الإمبراطوريّة من مجموعة من السياقات منها الجغرافي. فقد تشابك صعود الولايات المتّحدة مع ذروة الإمبرياليّة الأوروبيّة لكن مع بعد جغرافيّ عن القارة الأوروبيّة سمح لها من ناحية بمعارضة كلّ وجود أوروبيّ في القارة الأمريكيّة (كندا، المكسيك، كوبا: بالنسبة لإنجلترا وفرنسا وإسبانيا) مع صعوبة أوروبيّة تكاد تبلغ حدّ الاستحالة في محاربة الولايات المتّحدة الأمريكيّة.
البعد الجغرافي نفسه مكّنها من تمثّل واستيعاب مرتكزات الثورة الصناعيّة مع هامش زمنيّ وسياسيّ للقيام بالإصلاحات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والقانونيّة. وترسّخ ذلك باستثمار مثاليّ لنتائج الحرب الأهليّة الأمريكيّة وأهمّها إتمام السيطرة على الجنوب وبالتالي على ثرواته المتوجّهة للقارة الأوروبيّة وخاصّة القطن والشروع في حيازة شاملة للشرق الأمريكي.
نشأت القوّة الأمريكيّة إذًا أمام أعين الهيمنة الأوروبيّة وفي الآن ذاته من دون قدرةٍ على منعها (10). وفي هذا السياق يمكن تفهّم التمثّلات الأمريكيّة تجاه البلاد التونسيّة، فهي موقع استراتيجيّ عبقريّ وحيويّ ولا يمكن التفريط فيه، فتونس بوّابة القارة الإفريقيّة وهي في قاعدة أوروبا والبوّابة الغربيّة للمشرق ومحاذية للأطلسي.
* انتقلت علاقة الولايات المتّحدة بتونس من المقاربة والمراقبة والحياد النسبي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى التدخّل القانوني والمؤسّساتي خلال الفترة الاستعماريّة وصولًا إلى المساهمة في شكل دولة الاستقلال ومصيرها (طبيعة التحالفات، حماية الاقتصاد وتجنّب الإفلاس...). إذ تطوّرت علاقة تونس بأمريكا بالتوازي مع انتقال الولايات المتّحدة من مؤسّسة الدولة إلى مؤسّسة الإمبراطوريّة، أي من المعاينة إلى المشاركة.
* من خلال هذا الكتاب تبيّن لنا أنّ السياسة الخارجيّة التونسيّة وظّفت أهمّ النظريّات في العلوم السياسيّة والعلاقات الدوليّة التي تعالج أساليب الدول الصغيرة جغرافيًّا والفاقدة للثروة الماديّة لتجنّب طغيان الدول الأقوى. سواء من خلال نظريّة التوازن والحياد أي الموازنة أو الانضمام إلى التيّار السائد، أو الميل إلى قوّة ثالثة، أو البقاء على الحياد، أو التحوّط من المخاطر للحفاظ على بقائها كوحدة مستقلّة (11)، وهذا ما سمح للبلاد التونسيّة بتحويل نقاط ضعفها لركائز قوّة راسخة ومؤثّرة وهذا ما بيّنته نظريًّا ميريام إلمان (12) خاصّة مع قدرتها في التحكّم في «توزيع القوّة» و«توازن التهديدات» سواء الداخليّة أو الخارجيّة (13). كما مثّلت المؤسّسات الدوليّة حليفًا استراتيجيًّا للدول «الصغيرة»(14)، وهذا ما وقع أيضًا مع البلاد التونسيّة خاصّة بعد الاستقلال وسعي الولايات المتّحدة لتشبيكها مع مجمل المؤسّسات الدوليّة مثل البنك الدولي أو الأمم المتّحدة وغيرها. ومثّلت هذه المؤسّسات عنصر توازن خاصّة لتقليص النفوذ الفرنسي ومحاربته في بعض الأحيان.
وهذا أيضًا ما أكّده مرجع آخر مهمّ سعى إلى كسر الصورة النمطيّة المرتبطة بمفهوم «الدول الصغيرة» والموصومة أحيانًا بالدولة «الضعيفة»، فهذه الدول عادة ما تتوفّق في مجال معيّن لا بديل عنه ولا معوّض له سواء ثروة ماديّة أو بشريّة أو استراتيجيّة ويعوّض ذلك غياب القوّة العسكريّة. ولهذا لا يمكن النظر للدول الصغيرة على أنّها قدر محتوم بل يمكن للدبلوماسيّة الناعمة أو «القوّة البديلة» أن ترسّخ مكانة دوليّة محترمة للدول الصغيرة. وهذا ما جعل برتراند بادي (Bertrand Badie) يؤكّد في مقدّمة الكتاب نهاية ضعف مفهوم «القوّة الخشنة» ونظر إلى مسألة «الضعف» كأداة استراتيجيّة وتحوّل «الضعف» إلى ميزة، حيث يمكن استثماره لجذب التحالفات الدوليّة أو الدعم أو التخوّف من فقدان الاستقرار الدولي (15). وهذا ما برز لنا حقيقة في هذا الكتاب وأيضًا ما وقع فعلًا للبلاد التونسيّة عبر المراهنة على الموقع والإنسان وحسن توظيف متغيّر الأزمة كما برز لنا في البحث.
* نسترجع مرّة أخرى الفرضيّات التي طرحناها في المقدّمة وهي اعتماد علاقة البلاد التونسيّة والولايات المتّحدة على متغيّر: التوازنات، الأزمة، الجغرافيا السياسيّة للبلاد التونسيّة، السياسات الإمبراطوريّة في البحر الأبيض المتوسّط وتعاقب الإمبراطوريّات الكلاسيكيّة، السياسة التفاوضيّة التدريجيّة الأمريكيّة لتقليص النفوذ الفرنسي بتونس بدون إثارة غضب فرنسا، نخبة تونسيّة منفتحة على الغرب وخاصّة الولايات المتّحدة بدون إعلان عداء مع فرنسا في تكملة للنقطة السابقة، عدم تناقض هذه السياسات مع الإسلام الرسمي ولمَ لا التأثيرات الإسلاميّة على الممارسات السياسيّة بتونس، استفادة البلاد التونسيّة من ضعفها العسكري والاقتصادي النسبي مقارنة مع الجزائر وليبيا وهذا الأمر أفرز ضرورة بناء علاقة مع الولايات المتّحدة في ظلّ الحرب الباردة. يتبيّن أنّ العمل أثبت كلّ هذه المرتكزات مع ترجيح أهميّة مرتكز الأزمة والجغرافيا السياسيّة.
* هل يمكن أن تساعدنا هذه السيرورة لهذا الكتاب الممتدّة على 120 سنة على فهم طبيعة العلاقات المستقبليّة بين الولايات المتّحدة وتونس؟ أي هل يسمح لنا هذا التاريخ بممارسة الاستشراف؟ يمكن القول إنّ الولايات المتّحدة مستقبلًا لا يمكن أن تتخلّى عن جغرافيّة البلاد التونسيّة وإمكانيّات النفاذ التي تحوزها سواء سواء إلى إفريقيا أو إلى أوروبا أو إلى المشرق وانفتاحها على الأطلسي، ولهذا ستحافظ تونس على استقرارها (الاقتصادي والسياسي والاجتماعي) وستزداد أهميّتها كلّما اقترب الصراع الصيني الأمريكي من الاندلاع سواء في شكل حرب ثنائيّة أو حرب عالميّة ثالثة. لذلك ستبقى الأزمات المتشابكة مع عبقريّة الجغرافيّة التونسيّة هي الجندي الأوّل للبلاد. كما أنّ ترسّخ أهميّة البلاد التونسيّة لدى الولايات المتّحدة الأمريكيّة سيسمح لها بالبقاء، كما سيجعل الولايات المتّحدة تساهم -راغبة في ذلك أو مكرهة - في تقوية أساسات الدولة التونسيّة سواء العلميّة أو الاقتصاديّة أو المؤسّساتيّة. أيضًا كلّما اشتدّ الاستقطاب عالميًّا (ترسّخ قوّة الاتّحاد الأوروبي بمعزل عن أمريكا، الصين، الاتّحاد الإفريقي...) تزايدت أهميّة البلاد التونسيّة لدى السياسة الخارجيّة الأمريكيّة.
ونستنتج هنا أنّ البلاد التونسيّة لن تكون رهينة للقرار الأمريكي، بل ستستفيد من طبيعة الصراعات العالميّة وترسّخ قوّتها بدون أيّ عداء للولايات المتّحدة. كما يمكن أن نقول أنّ الولايات المتّحدة ستحافظ على حضورها الباهت (شكلًا) في تونس غير المستفزّ للتونسيّين ولأوروبا والجيران وخاصّة الجزائر، مع ترسّخ هذه العلاقة مضمونًا سواء بالحماية الدوليّة المؤسّساتيّة أو التعاون العلمي والتقني والجامعي والاتّصالي والمعلوماتي وغيره. استنادًا لهذه الرهانات، ستزداد أهميّة البلاد التونسيّة في حوض المتوسّط وفي إفريقيا باعتبارها بوّابة أساسيّة للقارّة، وممكن أن ينتج عن تموقع البلاد التونسيّة ضمن هذه الرهانات قائمة من الأعداء في إفريقيا وآسيا وأوروبا.
سمح لنا هذا المبحث ومجمل هذه المنطلقات بتتبّع سيرورة تطوّر علاقة البلاد التونسيّة مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة على مدى 120 سنة، وقد ازداد اقتناعنا بعد الانتهاء منه بأهميّة تونس ماضيًا وحاضرًا، وخاصّة مستقبلًا.
الهوامش
(1) جاك غودي John Rankine Goody، أنثروبولوجيّ اجتماعيّ بريطانيّ وُلد سنة 1919 وتوفّي سنة 2015، ودرّس في جامعة كامبريدج. اشتهر بأعماله المقارنة حول الكتابة، والقرابة، والعائلة، والفروق التاريخيّة بين إفريقيا وأوراسيا، ومن أبرز كتبه: The Domestication of the Savage Mind
(2) جاك غودي، سرقة التاريخ، ترجمة: محمد محمود التوبة، العبيكان للنشر، الرّياض، 2010، ص.234
(3) نفس المرجع، ص.234 - 235
(4) نفس المرجع، ص.339
(5) إيان موريس Ian Matthew Morris مؤرّخ وعالم آثار بريطاني، وُلد سنة 1960، ويعمل أستاذًا للكلاسيكيات في جامعة ستانفورد. اشتهر بأعماله في التاريخ العالمي والمقارن، خاصّة كتاب Why the West Rules—For Now، حيث يربط تطوّر الحضارات بعوامل الجغرافيا والطاقة والتنظيم والحرب
(6) إيان موريس، لماذا يهيمن الغرب اليوم؟ أنماط التاريخ وما تكشفه لنا عن المستقبل، ترجمة: روان القصاص، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، 2018
(7) Sverrir Steinsson,and Baldur Thorhallsson, “The Small-State Survival Guide to Foreign Policy Success”, National Interest, September 28, 2017 (https://nationalinterest.org/feature/the-small-state-survival-guide-foreign-policy-success-22526); Sverrir Steinsson,and Baldur Thorhallsson, “Small State Foreign Policy”. Oxford Research Encyclopedia of Politics. Retrieved 21 Mar. 2026, from (https://oxfordre.com/politics/view/10.1093/acrefore/9780190228637.001.0001/acrefore-9780190228637-e-484
(8) للتوسّع في مفهوم دبلوماسيّة الأزمة وخاصّة في علاقته بالسياسة الخارجيّة للولايات المتّحدة الأمريكيّة أنظر مثلا:
Doris Appel Graber, Crisis Diplomacy: A History of U. S. Intervention Policies and Practices, Forgotten Books, 2017 Ron Gurantz
“The Return of Crisis Diplomacy: Ukraine, Taiwan and Beyond”, The Washington Quarterly, Volume 46, 2023 - Issue 4, pp.159- 174
(9) درس توم لانغ Tom Long هذه الثلاثيّة سعيا لفهم طبيعة تموقع الدول «الصغيرة» في شبكة العلاقات الدوليّة. أنظر:
Tom Long, “Small States, Great Power? Gaining Influence Through Intrinsic, Derivative, and Collective Power”, International Studies Review, Vol. 19, No. 2 (June 2017), pp. 185- 205
(10) Andrew Priest, Designs on Empire: America›s Rise to Power in the Age of European Imperialism, Columbia University Press, 2021
(11) Ksenia Efremova, “Small States in Great Power Politics Understanding the “Buffer Effect””, Central European Journal of International and Security Studies, 2019, v.13, no. 1: 100–121.
(12) ميريام فنديوس إلمان Miriam Fendius Elman باحثة في العلوم السياسيّة والعلاقات الدوليّة، عُرفت بعملها حول سياسات الدول الصغيرة وسلوكها الخارجي.اشتهرت خصوصًا بمقالها The Foreign Policies of Small States سنة 1995، الذي ناقشت فيه حدود الواقعيّـــــــــــــــــة الجديدة في تفسير خيـــــــــــــــــارات الدول الصغيرة.
(13) Elman MF. “The Foreign Policies of Small States: Challenging Neorealism in Its Own Backyard”. British Journal of Political Science. 1995, n.25(2), pp.171-217
(14) Adam Lupel, Kaewkamol Pitakdumrongkit, and Joel Ng, “Small States and the Multilateral System: Transforming Global Governance for a Better Future,” International Peace Institute, September 2024. (https://www.ipinst.org/wp-content/uploads/2024/09/Small- States-and-the-Multilateral-System-web.pdf)
(15) Delmas Tsafack (Sous-direction), Le petit État en relations internationales : Entre vulnérabilité et aspiration à la puissance, Generis Publishing, 2021, p.7 -11
|




