دراسات
| بقلم |
![]() |
| عبير خلف الله |
| جدليّة الأخلاقي والسّياسي في فلسفة الفارابي (5-5) تصوّر الفارابي للمدينة الفاضلة |
يشكّل التّداخل بين الأخلاقيّ والسّياسيّ إحدى أهمّ القضايا التّي استقطبت اهتمام الفكر الفلسفيّ والإنسانيّ منذ القدم؛ وذلك لأثرها المباشر في تشكيل طبيعة الحكم وتحديد غايات الاجتماع البشريّ. ولا تزال جدليّة الأخلاقيّ والسّياسيّ قضيّة متجدّدة عبر العصور، تذكيها حاجة الإنسان الفطريّة إلى الاجتماع وميله للعيش في كيانات جماعيّة، ساعيا دوما للارتقاء بها نحو مراتب المثاليّة، ضمن ترابط عضويّ يبلغ درجة التّمازج، وهو ما يتجلّى بوضوح في فلسفة الأخلاق والسّياسة عند الفارابيّ. ويعدّ «المعلّم الثّاني» الرّائد المؤسّس للفلسفة السّياسيّة الإسلاميّة؛ حيث أرسى دعائم دولة فاضلة مثاليّة، تجسّد تطلّعات الإنسانيّة على اختلاف شرائعها ومرجعيّاتها واقعا. فلم يفصل الفارابيّ بين تدبير المدينة وتهذيب النّفس، بل أحكم الرّبط بين السّياسة والفضيلة، جاعلا من السّعادة القصوى للإنسان غاية الغايات.
وقد سعينا في هذه الدّراسة، التّي ارتأينا تقسيمها إلى خمس حلقات، إلى تتبّع جذور مبحث «جدليّة الأخلاقيّ والسّياسيّ في فلسفة الفارابيّ» بدءا من مهدها الأوّل في الفلسفة الإغريقيّة. فانطلقنا من «سقراط»، مؤسّس فلسفة الأخلاق الملقّب بـ«أبي الفلسفة» وواضع اللّبنة الأولى للتّفكير الأخلاقيّ السّياسيّ، ثمّ واكبنا مسار تطوّر هذه النّظريّة مرورا بأفلاطون وأرسطو، وصولا إلى المدرسة الرّواقيّة.وتأسيسا على ذلك، أفردنا الحلقة الأولى لمقاربة مفهوم الأخلاق عند هذه المدارس، بينما خصّصنا الحلقة الثّانية لمفهوم السّياسة لديها، متجاوزين في مقاربتنا حدود التّحليل اللّغويّ الصّرف للمصطلحين. وانطلاقا من هذه الرّؤية التّأسيسيّة، توجّهنا نحو تبيان الأسس النّظريّة لعلاقة الأخلاقيّ والسّياسيّ في فلسفة الفارابيّ؛ فحلّلنا مفهومي «الأخلاق» و«السّياسة» في نسقه الفكريّ، وكشفنا عن التّلازم الحتميّ بين الفضيلة والسّلطة (في الحلقتين الثّالثة والرّابعة)، لنتوّج هذا المسار باستعراض تصوّره للمدينة الفاضلة، بوصفها النّموذج الحضاريّ الأرقى لتكامل القيم مع التّنظيم السّياسيّ (في الحلقة الأخيرة).
1. البناء السّياسي والأخلاقي للمدينة الفاضلة
يتّسم التّصوّر الفلسفيّ للمدينة الفاضلة عند الفارابي بتشابك عميق بين البعدين السّياسيّ والأخلاقيّ، إذ لا تقوم هذه المدينة إلّا على اجتماع بشريّ يسعى إلى غاية عليا هي السّعادة، ويبنى على أسس من الفضائل العقليّة والخُلقيّة. فالسّياسة عنده ليست مجرّد تنظيم للمصالح أو تدبير للعيش، بل هي في جوهرها فنّ توجيه الإنسان نحو كماله الممكن؛ الأمر الّذي يجعل من المدينة الفاضلة تجلّيًا لعلاقة ضروريّة بين الأخلاق والسّياسة.
وعليه، فإنّ فهم البناء السّياسيّ والأخلاقيّ للمدينة الفاضلة يقتضي الوقوف على المبادئ الأساسيّة لهذا التّصوّر، بدءًا من حاجة الإنسان إلى الاجتماع، مرورًا بطبيعة المدينة وأصنافها، وانتهاءً بشروط القيادة الفاضلة، وما يترتّب عليها من ارتقاء المدينة إلى مرتبة الأمّة الفاضلة.
فما هي الأسس الّتي يقوم عليها البناء السّياسيّ والأخلاقيّ في المدينة الفاضلة؟
1.1. حاجة الإنسان إلى الاجتماع والتّعاون
أشرنا سابقًا إلى أنّ الإنسان ميّال بطبعه إلى العيش ضمن جماعات، وأنّه عاجز منفردًا عن تحقيق مآربه، وتلبية احتياجاته. فهو مدنيّ بالطّبع، يسعى إلى تحقيق الكمال الإنسانيّ في إطار جماعة منظّمة؛ فالفرد بمفرده عاجز عن تحصيل ضروريّات الحياة من مأكل ومشرب ومسكن آمن، فضلًا عن نيله الكمال العقليّ والأخلاقيّ الّذي لا يُبلغ إلّا بتبادل المعرفة وتكامل الفضائل داخل مجتمع متعاون.
فالمدينة لا تبنى فقط على تبادل المنافع المادّيّة، بل تقوم على توزيع الفضائل وتكامل الأدوار بين أفرادها لتحقيق الخير الأسمى، ممّا يجعل الاجتماع البشريّ اجتماعًا أخلاقيّ التّأسيس والتّوجيه. وهكذا فإنّ التّعاون لا يكون فاضلًا إلّا إذا نُظّم وفق مبادئ العقل، وقاد أفراده نحو الكمال الإنسانيّ، الأمر الّذي يرسّخ التّلازم بين السّياسيّ والأخلاقيّ منذ النّشأة الأولى للمجتمع الفاضل.
2.1. تصنيف المدن:
يقسّم «المعلّم الثّاني» المجتمعات إلى صنفين: كاملة وغير كاملة، حيث يقول: «فمنها الكاملة، ومنها غير الكاملة. والكاملة ثلاث: عظمى، ووسطى، وصغرى»(1).
والمجتمع الكامل هو ما يحصل فيه التّعاون الاجتماعيّ التّامّ بين أفراد تلك المجموعة للوصول إلى السّعادة، وأمّا غير الكامل فهو قاصر عن تحقيق التّعاون الكامل، وتنتفي لديه سبل الوصول إلى السّعادة. «فالاجتماعات الكاملة الّتي يمكن أن تتحوّل إلى مدن فاضلة ثلاثة: عظمى، ووسطى، وصغرى. وما دونها فهي غير كاملة لأنّ قلّة عدد أفرادها لا يؤهّلهم لتأمين حاجاتهم»(2).
فالعظمى مجموعة أمم كثيرة على هذه الأرض تجتمع وتتعاون فيما بينها، فلا يعوق ذلك التّعاون حدود ولا مسافات، أمّا الوسطى فيقصد بها الفارابيّ الأمّة، وأمّا الصّغرى فهي «المدينة». والمدينة هي أوّل مراتب الكمالات.
«وأمّا الاجتماعات في القرى والمحالّ والسّكك والبيوت فهي الاجتماعات النّاقصة، وهذه منها ما هو أنقص جدًّا وهو الاجتماع المنزليّ، وهو جزء للاجتماع في السّكّة. والاجتماع في السّكّة هو جزء للاجتماع في المحلّة، وهذا الاجتماع هو جزء للاجتماع المدنيّ. والاجتماعات في المحالّ والاجتماعات في القرى كلتاهما لأجل المدينة. غير أنّ الفرق بينهما أنّ المحالّ أجزاء للمدينة والقرى خادمة للمدينة. والجماعة/المدينة هي جزء للأمّة والأمّة تنقسم مدنًا»(3).
يمثّل كلام الفارابيّ تلخيصًا لتقسيمه للمجتمعات، والّذي جعل فيه الكثافة السّكّانيّة شرطًا أساسيًّا لحصول التّعاون، وبالتّالي لنيل السّعادة الخالدة الّتي هي بالأساس غاية كلّ اجتماع أخلاقيّ-سياسيّ.
وقد ميّز فيلسوفنا مدينته الفاضلة بمجتمعها الملتفّ حول رئيسها، كما جعلها تتميّز أيضًا بتفاضل المراتب بين طبقاتها. ورغم هذا التّفاضل، إلّا أنّ السّمة الّتي تجمع بينهم هي سمة التّعاون والإصرار على تحقيقه، إذ به تحصل السّعادة. وتتوزّع الوظائف بين أفراد الطّبقة الدّنيا بحسب الأهليّة.
وفي سياق الحديث عن تصنيف المدن، لا يمكننا طبعًا أن نتجاوز المدن المضادّة للمدينة الفاضلة، والّتي سمّاها أيضًا بالمدن الجاهلة. وهي المدن الّتي تفشل في تحقيق الكمال الإنسانيّ والوصول إلى الغاية الحقيقيّة من الاجتماع، ألا وهي السّعادة. تعكس هذه الاجتماعات مجتمعات فاشلة، يسعى فيها كلّ فرد إلى تحقيق مصالحه الفرديّة على حساب مصالح الجماعة، وتُقدَّم فيها الشّهوات المادّيّة على الغايات المعنويّة. وقد عدّد المعلّم الثّاني هذه المدن في كتابه «آراء أهل المدينة الفاضلة» بقوله: «والمدينة الفاضلة تضادّها المدينة الجاهلة، والمدينة الفاسقة، والمدينة المتبدّلة، والمدينة الضالّة، ويضادّها أيضًا من أفراد الناس نوابتُ المدن»(4). وتجسّد هذه المدن المثال الحقيقيّ لانفصال السّياسة عن الأخلاق، وانهيار منظومة المبادئ في ظلّ استغلال النّفوذ للمصلحة الخاصّة.
وإذا ما وقفنا أيضًا على أصل التّسميتين: «فاضلة» و«جاهلة»، لوجدنا أنّ فيلسوفنا يولي اهتمامًا عظيمًا لتصنيف المدن، وبالتّالي لسبل تحصيل السّعادة. «وهذا الدّور للعلم يربط فيه الفارابيّ بين النّفس الإنسانيّة وتحصيل السّعادة، فالسّعادة تكون عندما تسيطر النّفس العاقلة (وفضيلتها الحكمة) على النّفس الغضبيّة (وفضيلتها الشّجاعة) والنّفس الشّهوانيّة (وفضيلتها العفّة) فيصل الإنسان للسّعادة. هذا بالنّسبة للمدينة الفاضلة، أمّا المدينة الجاهلة: عكس المدينة الفاضلة، يطلب أهلها السّعادة الآتية من النّفس الغضبيّة والشّهوانيّة»(5).
كما يذكر لنا أبو نصر المدينة الفاسقة، والمدينة المتبدّلة؛ أمّا الأولى، فأفعال سكّانها مضادّة للسّلوكيّات الفاضلة الجميلة، رغم معرفتهم بسبل تحصيل السّعادة. وأمّا الثّانية، فهم مَن بُدّلت فضائلهم جهلًا وحادوا عن سبيل تحقيق الخير الأسمى.
وبالعودة إلى التّركيب العضويّ لمدينة الفارابيّ الفاضلة، نجده بنيانًا متماسكًا شبّهه الفارابيّ بعلاقة أعضاء الجسم، وهو بناء قائم على التّعاون بين جميع مكوّنات المدينة الفاضلة..
3.1. رئيس المدينة الفاضلة
رئيس المدينة هو القلب النّابض بالحياة، وهو صاحب الكمال وطريق نجاة أمّته من الشّرور الّتي تحيط بها. بيده سعادة المجتمع؛ وذلك عن طريق حسن تربيته لهم، وتعاونه مع قومه لتحقيق السّعادة الخالدة، فمكانته تضاهي أهمّيّة القلب داخل جسم الإنسان.
«وكما أنّ القلب يتكوّن أوّلًا، ثمّ يكون هو السّبب في أن يكون سائر أعضاء البدن والسّبب في أن تحصل لها قواها وأن تترتّب مراتبها، فإذا اختلّ منها عضو كان هو المرفد بما يزيل عنه ذلك الاختلال، كذلك رئيس هذه المدينة ينبغي أن يكون هو أوّلًا، ثمّ يكون هو السّبب في أن تحصل المدينة وأجزاؤها، والسّبب في أن تحصل الملكات الإراديّة لأجزائها وأن تترتّب مراتبها، وإن اختلّ منها جزء كان هو المرفد له بما يزيل عنه اختلاله»(6).
فالمدينة في فلسفة الفارابيّ ناتجة عن حاكمها، أي أنّه هو الّذي وُجد قبلها، فجمع أشتات سكّانها الّذين كانت الفُرقة والتّشتّت أهمّ صفاتهم، ليكوّن بذلك تجمّعًا ضخمًا هو «المدينة». «فإليه إذن يرجع الفضل في وجودها على صورة مدينة بالمعنى الاجتماعيّ لهذه الكلمة، وإليه كذلك يرجع الفضل فيما يحصل عليه كلّ فرد من أفراد المدينة من ملكات إراديّة تولّيه وجهته، وتهديه إلى وظيفته في المجتمع، وتنزّله في مرتبة بالنّسبة لغيره»(7).
والرّئيس كذلك هو المسؤول عمّن يحيد عن الطّريق السّويّ، ويتجاوز ما رُسم له من حدود، فمسؤوليّته أن ينصحه ويرشده إلى جادّة الصّواب.
والدّارس لفلسفة الفارابيّ السّياسيّة، سيعلم يقينًا أنّ زعيم المدينة خُلق فقط لأجل رئاسة هذا التّجمّع، خُلق ليكون حاكمًا لا محكومًا؛ ذلك لأنّه يستفرد بصفات خُلقت خصّيصًا لشخصه دون غيره. فـ «رئيس المدينة يسمو إلى درجة العقل الفعّال، وهو مصدر الحياة والنّظام في المدينة، جيّد الفهم محبّ للعلم وعادل»(8).
فالمعرفة، حسب المعلّم الثّاني، شديدة الارتباط بالمجال السّياسيّ. والعلم هو الأساس الّذي تقوم عليه المدينة الفاضلة، وهو السّمة الرّئيسيّة لقائدها وحاكمها الّذي لا يشبهه أحد، ولا يُسمح له بشكل من الأشكال أن يكون مواطنًا عاديًّا، إذ خُلق ليكون حصرًا زعيمًا حكيمًا للأمّة الفاضلة.
والإنسان الفاضل حاكم المدينة هو إمّا نبيّ عانق درجة الكمال، وإمّا فيلسوف حكيم وصل إلى التّأمّل الّذي يؤدّي به إلى الحقيقة القصوى. «وهذا الإنسان هو الّذي يقف على كلّ فعل يمكن أن يُبلغ به السّعادة»(9). فهو حسب المعلّم الثّاني «الإمام، وهو الرّئيس الأوّل للمدينة الفاضلة، وهو رئيس الأمّة الفاضلة، ورئيس المعمورة من الأرض كلّها»(10).
خصال رئيس المدينة الفاضلة: إنّ هذا الإنسان الفاضل الّذي تتبلور مهمّته في رئاسة المدينة، والمتميّز بالكمال العقليّ والرّوحيّ، لن يكون مؤهّلًا لتولّي الرّئاسة حسب الفارابيّ إلّا إذا اجتمعت فيه بالطّبع اثنتا عشرة خصلة قد فُطر عليها(11). ولهذا الحاكم أيضًا ستّة شروط تترأّسها الحكمة، الّتي يجعلها الفارابيّ أساسًا لا بدّ من توفّره في رئيس المدينة الفاضلة، حيث يعتقد أنّ بقيّة الصّفات يمكن أن تتفرّق على أشخاص مختلفين يشكّلون في اجتماعهم «رؤساء الأفاضل» للمدينة المثاليّة الفاضلة. أمّا إن غابت الحكمة فستبقى المدينة بدون ملك، وسيكون مآلها الهلاك والاندثار.
فالمدينة الفاضلة إذن لن توجد دون ملك حكيم جمع في ذاته كلّ الصّفات الّتي اشترطها الفارابيّ. فإن لم تجتمع في شخص واحد، وجب وجود رئيس ثانٍ يخلفه (الرّئيس السُّنّيّ)، له ستّة شروط لا بدّ من توفّرها فيه لتجوز له الرّئاسة. أمّا الحكمة فهي الأساس الّذي عليه يُحدَّد ملك الأمّة ونبيّها الموحى إليه، إذ يُؤذن غيابها بالخراب والاندثار، وبضياع كلّ الأسس الّتي جُعلت لقيام هذه المدينة. وقد جعل الفارابيّ من هذا الحاكم مزيجًا متجانسًا بين الحنكة السّياسيّة والفضائل الأخلاقيّة، ليقرّ بذلك بضرورة التّلازم بين الأخلاق والسّياسة في مدينته الفاضلة..
4.1. الأمّة الفاضلة
شرحنا سابقًا نظريّة «الرّئيس الفاضل» الّذي يمثّل في حقيقة الأمر العمود الّذي تقوم عليه مدينتنا الفاضلة، ولكن هل من الممكن أن تُبنى أمّة كاملة على صلاح شخص واحد؟
طبعًا من غير الممكن لهذا الإنسان المثاليّ أن يحقّق كمال وجوده بشكل فرديّ؛ بل إنّ فيلسوفنا قد جعل من الاجتماع شرطًا أساسيًّا في بناء أمّة فاضلة متماسكة. «فالرّئيس الفاضل لا بدّ أن يرأس مجتمعًا من الأخيار لا مجتمعًا من الأشرار، أي أنّ هناك علاقة وثيقة بين رئيس المدينة وأبناء مدينته. فهنا يخفّف الفارابيّ من تركيزه على الفرد الرّئيس في تشكيل مدينته وتحديدها، ويعطي أهمّيّة للشّعب كعنصر أساسيّ وهامّ في صنع التّاريخ وتوجيهه»(12).
وأهل المدينة الفاضلة في فلسفة الفارابيّ ينالون السّعادة بالعلم والعمل والتّعاون فيما بينهم، والسّهر على تحقيق الغاية القصوى الّتي تتلخّص في نيل مرضاة الله، وبالتّالي الوصول إلى أعلى درجات الكمال الرّوحيّ المتمثّل في السّعادة.
إذن فالاجتماع الإنسانيّ لا يكون فاضلًا إلّا إذا وُجّه نحو السّعادة، بقيادة رئيس حكيم، وفي إطار تعاون جماعيّ يحقّق الكمال الممكن؛ ممّا يؤكّد التّلازم العميق بين السّياسة والفضيلة في فكر الفارابيّ.
2. البعد الحضاري لمدينة الفارابي
إذا كان الفارابيّ قد أسّس تصوّره للمدينة الفاضلة على أسس أخلاقيّة وسياسيّة، فإنّ هذا التّصوّر لا يستقيم من غير امتداد حضاريّ يجعل من الاجتماع الإنسانيّ وسيلة لبلوغ الكمال الإنسانيّ الممكن، عبر نظام مدنيّ متكامل يسعى إلى تحقيق السّعادة القصوى. فالحضارة عند الفارابيّ ليست بناءً مادّيًّا فحسب، بل هي أيضًا بناء روحيّ وعقليّ واجتماعيّ يجعل من المدينة الفاضلة نموذجًا إنسانيًّا أعلى.
ولذلك، فإنّ الاجتماع البشريّ هو اللّبنة الأولى لهذا البناء الحضاريّ، لأنّ الإنسان بحسب الفارابيّ «مدنيّ بالطّبع»، لا يمكنه أن يوفّر احتياجاته أو يحقّق كماله منفردًا. من هنا كان التّعاون بين أفراد المدينة وتوزيع الوظائف والأدوار بينهم شرطًا أساسيًّا لاستمرار الوجود الاجتماعيّ وارتقائه. بل إنّ الفارابيّ يرى أنّ المدينة الفاضلة لا تقوم إلّا على أساس اجتماع جماعة تعمل بجدّ على تحقيق الأفعال الجميلة الّتي تؤدّي إلى السّعادة. فهذا التّعاون لا يقتصر على تبادل المنافع المادّيّة، بل يهدف إلى تحقيق غاية عليا هي السّعادة باعتبارها «الخير الأقصى».
كما أنّ الكثافة تمثّل بُعدًا حضاريًّا أساسيًّا في هذا التّصوّر؛ فالفارابيّ يعتبر أنّ المدينة لا تبلغ درجة الفضل إلّا إذا ضمّت عددًا كافيًا من الأفراد باختلاف توجّهاتهم واستعداداتهم الفطريّة، ممّا يتيح توزيع الوظائف والمهن، ويحقّق اكتفاءها الذّاتيّ واستقرارها. وهذا الشّرط يبرز وعي الفارابيّ بالعوامل الواقعيّة المؤسّسة للتّمدّن، والّتي لا تنفصل عن الأبعاد الأخلاقيّة والسّياسيّة.
وفي صميم هذا البناء الحضاريّ، نجد حضورًا قويًّا لما يمكن تسميته بـ «بُعد التّرقّي الرّوحيّ والعقليّ»؛ حيث لا تنحصر غاية المدينة في تلبية الحاجات الأساسيّة، بل تتجاوزها إلى توفير بيئة تسمح بترقّي النّفوس نحو عالم الخلود. إذ يتجرّد الإنسان هنا من المادّة، مودّعًا أغلال الجسد الّذي كان يعوق النّفس بطريقة أو بأخرى عن الوصول إلى السّعادة الخالدة، والاتّصال بالعقل الفعّال، والاتّحاد مع بقيّة الأنفس الّتي سبقتها في رحلة الخلود. «وفي عالم الأنفس تتّصل مواكب النّفوس بأشباهها، وتتعارف الأرواح على نظائرها وتجتمع بها وتأتلف. وهكذا دواليك تتّصل نفوس كلّ جيل لاحق بنظائرها من نفوس السّابقين وتجتمع بها وتأتلف. فالنّفوس جنود مجنّدة ما تعارف منها ائتلف»(13). أي أنّ التّعاون في المدينة ليس مادّيًّا فقط، بل هو تعاون مستمرّ يمتدّ لمجال الكمالات النّفسيّة والعقليّة.
ومن الأبعاد الحضاريّة الأخرى الّتي أشار إليها الفارابيّ، ما يتعلّق بازدهار الصّناعات الجميلة والفنون النّبيلة، وهي الّتي تمثّل جانبًا من الكمال الحضاريّ في المدينة الفاضلة؛ لأنّها تعبّر عن الذّوق السّليم وتهذيب النّفس، وتؤسّس لجمال العيش ونظام الحياة، بما يتجاوز الضّرورات إلى الكماليّات الممدوحة.
الحضارة عند الفارابيّ إذن ليست مجرّد عمران أو تجمّع بشريّ، بل هي تجلٍّ لفعل إنسانيّ جماعيّ موجّه نحو غاية كبرى هي الكمال والسّعادة. وهي بهذا المعنى بُعدٌ ملازم للبناء السّياسيّ والأخلاقيّ، وتعبير عن التّناسق بين العقل والشّرع، وبين الفرد والمجتمع، في أفق تحقيق حياة فاضلة ينعم فيها الإنسان بالسّلام الدّاخليّ والخارجيّ على حدّ السّواء.
خاتمة
إنّ المقتضيات النّظريّة لبناء مشروع فلسفيّ سياسيّ عربيّ-إسلاميّ، تحتّم العودة إلى لحظات التّأسيس الأولى الّتي شكّلت فيها الأخلاق أساسًا لكلّ تدبير مدنيّ. ولعلّ فلسفة الفارابيّ تمثّل إحدى أهمّ تلك اللّحظات، بما أتاحته من رؤية تجعل السّياسة امتدادًا لمطلب الكمال الأخلاقيّ لا قطيعة معه.
فالمدينة الفاضلة كما تصوّرها، ليست مجرّد بناء مؤسّساتيّ، بل هي ثمرة لاجتماع بشريّ هادف يعيد للعقل قيادته وللإنسان قيمته، ويجعل من السّعادة غاية وجوده ووجود الجماعة. ومن شأن هذا التّصوّر أن يُحيِــيَ النّقاش حول شروط السّياسة الرّشيدة في مجتمعاتنا الرّاهنة، ومآلات الانفصال الحاصل بين الأخلاق والسّياسة.
الهوامش
(1) الفارابي (أبو نصر): آراء أهل المدينة الفاضلة، ص:117.
(2) إسماعيل (عبد الله): نظريّة السّعادة عند الفارابي، مجلّة كليّة الشّريعة والدّراسات الإسلاميّة، العدد(25)،1428ه/2007م. مجلّة علميّة محكمة، جامعة قطر، ص: 151.
(3) الفارابي (أبو نصر): السّياسة المدنيّة، المطبعة الكاثولوكيّة، اهداءات 1998 وزارة التّراث القومي سلطنة عمان، ص: 69-70.
(4) الفارابي (أبو نصر): آراء أهل المدينة الفاضلة، ص: 131
(5) إسماعيل (عبد الله): نظريّة السّعادة عند الفارابي، ص:152.
(6) الفارابي (أبو نصر): آراء أهل المدينة الفاضلة، ص:120.
(7) وافي (علي عبد الواحد): المدينة الفاضلة للفارابي، ص:47.
(8) أبو ريّان (محمّد عليّ): تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام.
(9) الفارابي (أبو نصر): آراء أهل المدينة الفاضلة، ص: 126.
(10) المصدر نفسه، ص:127.
(11) م.ن، ص.ن.
(12) عاتي (إبراهيم): الإنسان في الفلسفة الإسلاميّة (نموذج الفارابي)، ص:261.
(13) وافي (عليّ عبد الواحد): المدينة الفاضلة للفارابي: ص: 95.
|




