فقه المقامات
| بقلم |
![]() |
| الهادي بريك |
| فقه مقامات المشرّع ومنازل التّشريع الحلقة 5: مقام الدّولة ـ الجزء الثالث ـ |
مقام الدّولة مقام واسع عريض، بل هو أوسع مقام نبويّ. من فروعه ومطالبه ما به ربّما نوصد صفحة هذا المقام في هذه الحلقة الخامسة من هذه السّلسلة حتّى نتفرّغ لمقامات أخرى.
1. الاستعانة بغير المسلمين على عدوّ معتد
من أكبر المشكلات التي تواجه المتعجّلين في طلب العلم هي سياسة الانتقاء، أي عدم لزوم الاستقراء الشّامل حتّى تكتمل الصّورة العلميّة لتكون صحيحة، أو تعمّد انتقاء صورة واحدة واردة لأجل إعمال الهوى وإنفاذ ما يريده الباحث. وكلا القصورين كثير شاغب على أكثر النّاس. الاستعانة بغير مسلم مثال واحد من أمثلة كثيرة لذلك القصور سواء كان هوى متّبعا أو جهلا متعمّدا. ثبت أنّه عليه السّلام قال فيما روته الأمّ عائشة وأخرجه مسلم وغيره ـ« لا نستعين بمشرك» وردّ ذلك المشرك الذي طلب الاستعانة به. ولكنّه استعان بخزاعة المشركة على قريش المشركة، فكان ذلك سببا في فتح مكّة.
الحاصل هو أنّ هذا من السّياسة الشّرعيّة التي تحكم بالمصالح والمفاسد، إذ هذا إلى الدّنيا أقرب منها إلى الدّين. القرب إلى الدّنيا هنا من الدّين أو انتماء معالجة إلى السّياسة الشّرعيّة لا يعني التّضحية بالقيم الإسلاميّة الثّابتة. ولكن ذلك يعني التّمييز بين ما هو دينيّ محض وبين ما هو دنيويّ محض. وما كان دنيويّا محضا فقيم الدّين عليه قيّومة، فهي تغذّيه وتوجّهه. إذ من فقه دراية الحديث التّمييز في موضوعه بين الدّين والدّنيا. لو قلت إنّ فقه التّمييز هو أمّ فقه الدّراية ما أخطأت.
2. إنشاء الأحلاف وأنّه « لا حلف في الإسلام « :
فقه المقامات، كما تقدّم معنا، هو وجه من وجوه فقه الدّراية التي هي مقصود الحديث النّبويّ الشّريف عندما يصحّ سندا. دراية الحديث منوطة بوجوه من الفقه، منها مناسبته إذا وجدت، وفقه لغته بين حقيقة ومجاز وغيب وشهادة، وهل هو وسيلة أم غاية، وهل هو خاصّ إذا وجدت خصوصيّة، وما هي مطلقاته أو مقيّداته وعموماته وخصوصيّاته نسبة إلى حديث آخر أو إلى نصّ آخر من القرآن الكريم وغير ذلك ممّا هو مبسوط. ومن تلك الوجوه المقام الذي يتقمّصه محمّد عليه السّلام في ذلك الحديث.
في هذا الحديث « لا حلف في الإسلام وأيّ حلف في الجاهليّة ما زاده الإسلام إلّا قوّة». توقّف لا مناص منه لأجل فهم قيمة الحلف ومعنى الأحلاف، خاصّة أنّ هذا اللّفظ جار اليوم على ألسنتنا ولنا فيه أفهام. هل معنى ذلك أنّ التّحالف على أيّ شيء في الإسلام محرّم؟ هل أنّ التّحالف على فعل الخير محرّم؟ قطعا لا. إذ التّحالف ليس هو إلّا تعاوناً وتكافلاً وتضامناً من مجموعة من النّاس. العبرة في الأحلاف بالمتحالف عليه وليس بالمتحالفين. قد يتحالف مؤمن مع كافر على حلف كثيره محرّم وقليله واجب. ومن ذا يجتهد المؤمن ومن معه، لأنّ الأحلاف عادة ما تكون بمجموعات تقلّ وتكثر، لزمانه ومكانه وحاله وعرفه وبإرساء سلّم المصالح والمفاسد فيخلص إلى أنّ ذلك الحلف،أي موضوعه الذي كثيره محرّم وقليله واجب، مشروع. من مثل الانتماء إلى حزب غربيّ ينتصر للمثليّة الجنسيّة، ولكنّه ينتصر بمثل ذلك أو أقلّ أو أكثر لمصلحة ما من مصالح الوجود المسلم في بلاد غير إسلاميّة. الانتماء هنا، ومثله مجرّد انتخاب ذلك الحزب أو مرشّحيه ـمصلحة مقدّمة معتبرة. ألم يتحالف عليه السّلام مع قبيلة مشركة بالكامل وهي خزاعة؟ ألم يفتح الله له سبحانه مكّة بسبب ذلك الحلف. إذ اعتدى بعض رجال قريش على بعض رجال خزاعة فخرج إلى نصرة حليفه المشرك ضدّ مشرك آخر فكان فتح مكّة؟ ألم يتحالف عليه السّلام مع مشرك هو عبد الله ابن أرقط أو أريقط ليكون دليله في رحلة الهجرة؟ الحلف في الإسلام يكون حكمه الشّرعيّ نظرا إلى موضوعه وليس إلى أعضائه. كما ينظر فيه إلى المصالح والمفاسد ميزانا بينها، وليس يتحالف إلّا مع من يحمل مصلحة خالصة لا تكدّرها مفسدة.
هذا في عالم الشّأن العامّ محال. الحقل العامّ كلّه تخترمه المصالح والمفاسد معا. وفي أحيان مصالح مختلفة الأوزان أو مفاسد متنوّعة الأثقال. ومن ذا جاء فقه الموازنات والمقاربات والأفضليّات. فلا حلف في الإسلام بمعنى لا حلف على فعل الشّرّ أو الضّرّ أو العدوان، لا مع مسلم ولا مع غير مسلم. ولكنّ الحلف على فعل الخير مشروع. بل مأمور بقوله سبحانه ﴿..وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى..﴾ (المائدة: 2). أرأيت كيف أنّه أمر بفعل التّعاون على البرّ وليس على المتعاون معه على ذلك.
أسّ كلّ حلف في الخير وفي كلّ حقل هو سيرته عليه السّلام. إذ ساقته أقدار الله سبحانه ليكون مع عمّه في حلف الفضول المطيّبين، وهو حلف موضوعه الانتصاف من أيّ قرشيّ أي المواطن الأصليّ بالتّعبير المعاصر، لاسترداد الحقّ منه لمن ظلمه حتّى لو كان غير قرشيّ. بل تحالف عليه السّلام مع بني إسرائيل تحالفا كتابيّا موثّقا لأجل حماية المدينة، وهو تحالف عسكريّ أمنيّ خطير. فكرة الدّولة نفسها هي فكرة التّحالف لتأمين المصالح العامّة للنّاس. ومن قبل ذلك كانت القبيلة. ومن الأحلاف التي ما زادها الإسلام إلّا توثيقا وترسيخا هو حلف العاقلة التي أقرّها الإسلام. وخير صور الحلف المشروع، بل المطلوب اليوم في الحياة الإسلاميّة هي الأحزاب والجمعيّات والمنظّمات والمبادرات وكلّ صنوف فعل الخير في كلّ حقل سياسيّ أو اجتماعيّ أو تربويّ تعليميّ أو إغاثيّ إنسانيّ أو حقوقيّ وغير ذلك ممّا لا يحصى ولا يعدّ. فكرة الأوقاف والأحباس نفسها هي فكرة الحلف والتّحالف. كلّ عمل خير يتحالف عليه النّاس بصرف النّظر عن دينهم هو حلف وجب على المسلمين الاشتراك فيه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ألم يتحالف النّبيّ الكريم يوسف عليه السّلام مع حكومة غير مسلمة لأجل التّخفيف من وطآت الجوع التي تبطش بالنّاس في سنيّ مسغبة شديدة؟
ما لم يرتق إليه -إلّا قليلا -العقل الإسلاميّ المعاصر هو أنّ الحقول العامّة كلّها لا تتمحّض البتّة لا لخير مطلق ولا لشرّ مطلق. ومن ذا فلا مناص من معالجتها بفقه الموازنات، وهو الفقه ذاته الذي عالجه القرآن الكريم نفسه حتّى فيما هو محرّم بالكلّيّة من مثل الخمر والميسر. إذ ما حرّما إلّا لغلبة الإثم فيهما على المنافع. الرّسالة القرآنيّة هنا هي : سيما في مجال المعاملات كلّما اختلط خير بشرّ فما عليكم إلّا فرز ذلك بميزان يبيّن لكم قدر الخير وقدر الشّرّ. فما غلب فهو مشروع مباح، وقد يكون أحيانا واجبا مفروضا سيما في حقّ الجماعة. العقل الإسلاميّ المعاصر-إلّا قليلا -أحاديّ المزاج، فإمّا حلال بيّن أو حرام بيّن، وهذا محال في الشّأن العامّ. خرق سفينة المساكين حرام بيّن لو نظرنا إلى الصّورة مشوّهة منقوصة مبتورة. ولكن عندما علمنا أنّ ذلك الخرق وسيلة إلى حفظ ما بقي منها أضحى ذلك الفعل المحرّم ابتداء واجبا مفروضا.
3. القرشيّة لتولّي الحكم ومعالجة النّاس :
تواترت الأحاديث الصّحيحة في هذا الموضوع، ولكنّ العبرة دوما بحسن فقه الدّراية، فلا تكفي صحّة السّند. في القرآن الكريم -عدا رعاية اختلاف الرّوايات والقراءات- لا نهتمّ بسند. إذ هو محفوظ بإرادة إلهيّة. ولكنّ الأمر مع الحديث مختلف. فهو مزدوج : رعاية السّند، فإذا صحّ ننظر في الدّراية. لو كان شرط القرشيّة هنا أي لتولّي الإمامة العظمى التي هي خلافة عن رسول الله عليه السّلام ـ محكما قطعيّا لا مجال فيه لاجتهاد لكانت الأيلولة إلى أحد سوءين : إمّا القول ببطلان كلّ من لم يكن قرشيّا من الخلفاء والأمراء والملوك على امتداد تاريخنا، أو بإبطال الأصل القرآنيّ الحاكم ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾. ولكن يجب فهم القرشيّة هنا فهما عصبيّا بتعبير ابن خلدون، أي أنّ القرشيّة سيما في السّنوات الأولى والعقود الأولى من بعد موته عليه السّلام من أكبر الضّمانات لاستقرار مؤسّسة الدّولة خاصّة حال تعرّضها إلى المنازعات.
القرشيّة هي امتداد لرعايته عليه السّلام للتّركيب القبليّ العربيّ السّائد في الجاهليّة، أي عوامل تأمين انتقاليّة تضمن الأمن والأمان والسّلم والسّلام وتجفّف منابع التّنازع في مناخات عربيّة قبليّة شديدة التّعصّب. عندما يكون الحاكم قرشيّا في تلك الأيّام يكون الخروج عليه ليس أمرا سهلا بسبب ما يعرفه العرب من قوّة قريش التي كانوا يدينون لها قبل الإسلام. وهو بعد ذلك كلّه ليس حديثا ملزما إلزاما تشريعيّا عامّا عابرا للقارّات والزّمان والمكان. إنّما هو من قبيل الفقه العمرانيّ الانتقاليّ. بذلك الفقه نرعى التّكامل المطلوب بين محكمات القرآن الكريم، وهو الحاكم الأوّل على كلّ ما يليه من مصادر تشريعيّة بما فيها السّنّة النّبويّة وبين السّنّة نفسها. ألا ترى أنّ مرحلة الفاروق عمر لم تشهد أيّ اضطراب بخلاف ما تلاها؟ السّبب الأكبر أو من أكبر الأسباب لذلك هو شخصيّة الفاروق عمر. لم يكن قرشيّا فحسب بل كان أمّة في قوّته وصلابته وشدّته بما يجعل النّاس يهابونه حتّى وبعضهم ـ ربّما له كارهون. ها هو عثمان عليه الرّضوان قرشيّ، ولكن لم يستقرّ له الأمر. لم؟ لأنّ النّسبة العصبيّة وحدها لا تكفي. النّاس يجترؤون على الضّعيف حتّى لو قويت نسبته العصبيّة والقبليّة.
الرّاحلة التي تقود النّاس لا مناص فيها من استجماع لأكثر ما يمكن من أسباب القوّة : القوّة العصبيّة القبليّة واحدة من تلك القوى. ولكنّها لا تكفي وحدها. مقامه إذن عليه السّلام هنا في مسألة القرشيّة في المعالجة السّياسيّة هو مقام المشير النّاصح الموجّه لسبب من أكبر أسباب الاستقرار وحفظ البيضة وصون الصّفّ. وليس هو بمقام تشريعيّ ملزم لا ينفكّ.
4. رعاية الشّاهد الدّوليّ واعتبار آثاره :
من مشاهد رعايته عليه السّلام للشّاهد الدّوليّ بتعبيرنا المعاصر، قوله لمّا دعي إلى قتل رأس النّفاق سيما بعد تسديده لسهم مكين كاد يعصف بالبيت النّبويّ في حديث الإفك «أخشى أن يقول النّاس إنّ محمّدا يقتل أصحابه». هذا من خير الشّواهد على رعاية الشّاهد الدّوليّ. مقامه هنا عليه السّلام ليس هو مقام البلاغ الدّينيّ الذي لا يتغيّر ولكنّه مقام سياسيّ ربّما يكون عنوانه : رعاية الشّاهد ورصد تأثيراته. كان ذلك في زمن لا يقارن تواصل التّأثير الإعلاميّ فيه بزماننا. يعني أنّ قتل رأس النّفاق ليس محرّما شرعا من حيث الأصل، ولكنّ الواقع المحيط هو الذي نزل به من حكم الوجوب إلى حكم التّحريم. أليس التّعليل من أكبر عوامل فقه الدّراية؟
من تلك المشاهد كذلك عدم إعادة بناء الكعبة وفق منوال إبراهيم عليه السّلام إذ قال لعائشة « لولا أنّ قومك حديثو عهد بشرك لأعدت بناء الكعبة على قواعد إبراهيم». هذا وحي، وليس من رأيه هو عليه السّلام، ولكنّه يعلّمنا أنّ الوحي نفسه ـ سيما في حقل الشّأن العامّ ـ لا ينفّذ حتّى ينظر في محالّه : هل تقبل ذلك أو لا تقبله. إعادة بناء الكعبة في تلك الأيّام وفق قواعد إبراهيم يهمّ المشركين كذلك وغيرهم ممّن يحجّ الكعبة. ومن ذا فإنّ الأمر مشترك بين كلّ أولئك النّاس. وقد يكون المساس بها فتنة يشعلها الجهلاء والغيورون على الكعبة بجهل كذلك، ويكون المآل سيّئا على الدّعوة. ألا ترى أنّ القول منه عليه السّلام ـ في أحيان كثيرة لا يكفي وحده ليكون دليلَ فعل حتّى يعضد بفعل. إذ أقوى السّنّة ما ترادف فيها القول مع الفعل أو على الأقلّ القول مع الإقرار. تصرّف هنا كذلك عليه السّلام تصرّف القائد الذي يرعى التّوازنات والشّاهد الدّوليّ وتأثيرات حركة الإعلام وقالات النّاس.
5. الجزية والخراج ومعالجات أخرى
الجزية معالجة جاء بها القرآن الكريم، وهي معالجة راعت الأوضاع العمرانيّة السّائدة في تلك الأيّام. إذ لكلّ أهل دين أرضهم فلا يتعايش في العادة دينان فوق أرض واحدة. فكان نظام الجزية إجراء ماليّا يؤدّي به غير المسلمين ما عليهم من أداء ماليّ إلى الدّولة التي تحميهم كما تحمي المسلمين الذين يؤدّون الزّكاة. الجزية على غير المسلمين هي الزّكاة على المسلمين نشدانا للمساواة في الانتماء إلى وطن. ولمّا تغيّرت الأوضاع وأضحت المواطنة ممكنة بين أهل ملّتين فوق وطن واحد وسادت الدّولة بقوانينها الماليّة كان كافيا ليؤدّي كلّ مواطن ما عليه بغضّ النّظر عن دينه. وبذلك ظلّ مقصد الجزية قائما وهو أداء المواطن واجبه حيال المجموعة الوطنيّة، وتغيّر اسمها. كما قبل بذلك الفاروق لمّا كان خليفة للمسلمين حيال نصارى تغلب العرب. إذ أخذها منهم ورضي بتغيير اسمها. الجزية لفظا هي أداء الجزاء الماليّ من المختلف دينا للدّولة التي تحميه مقابل ذلك كما تحمي المسلم الذي تحميه وهو يؤدّي زكاة ماله. الخراج وهو معالجة نبويّة، هو بمثل ذلك، إذ هو أداء جماعيّ عامّ من مجموعة من غير المسلمين لشيء من مالهم في مقابل رعاية شؤون من الدّولة. وهو شبيه اليوم بحقّ النّظام الفدراليّ في نصيب من ثروة الولايات والمحافظات والمقاطعات المحلّيّة التّابعة له. وهو شبيه بالحكم المحلّيّ. إذ التّناصر الماليّ بين المتكافلين على سيادة وطن واحد هو أسّ المواطنة. كلّ تلك المعالجات قابلة للتّغيّر بحسب المصلحة والمفسدة فتحفظ مقصدها العامّ ـ الذي هو تأمين السّيادة ـ وتتبدّل أشكالها وتتغيّر صورها ولا ضير في ذلك. |




