تدبير
| بقلم |
![]() |
| محمد أمين هبيري |
| الأساس الأنثروبولوجيّ للإستراتيجيا: الإنسان كفاعل نفعيّ قابل للإدارة |
تعدّ الإستراتيجيا، في جوهرها، منهجًا لتوجيه الفعل وتحقيق الأهداف ضمن سياقات معقّدة ومتغيّرة. ورغم تنوّع المدارس الإستراتيجيّة وتعدّد أدواتها، إلّا أنّها تشترك جميعًا في افتراض ضمنيّ حول طبيعة الفاعل الذي توجّهه أو تتعامل معه. هذا الافتراض، الذي يمكن تسميته بالأساس الأنثروبولوجيّ، يحدّد إلى حدّ كبير كيفيّة صياغة الإستراتيجيّات، وتصميم الهياكل التّنظيميّة، وتحديد آليّات التّحفيز والرّقابة. إنّ الانتقال من الأساس الفلسفيّ العامّ الذي يتناول الإنسان ككائن وجوديّ إلى الأساس التّصوّريّ الذي يحدّد خصائصه ووظيفته في سياق الفعل الإستراتيجيّ، يكشف عن نموذج محدّد للإنسان تتبنّاه الإستراتيجيا الحديثة، وهو نموذج «الإنسان النّفعيّ القابل للإدارة».
يهدف هذا المقال إلى تحليل الأساس الأنثروبولوجيّ للإستراتيجيا، مركّزًا على التّصوّر الذي يقدّم الإنسان كفاعل نفعيّ يسعى لتعظيم مصالحه، وقابل للتّحكّم والتّوجيه ضمن منظومة إستراتيجيّة. وسيتناول المقال هذا التّصوّر بالنّقد والتّحليل، مبيّنًا أبعاده التّاريخيّة والنّظريّة والعمليّة، ومستعرضًا الإشكاليّات التي يثيرها هذا الاختزال لطبيعة الإنسان.
1. تعريف المصطلحات
لتوضيح الإطار المفاهيميّ، لا بدّ من تعريف المصطلحات الأساسيّة:
1. الأساس الأنثروبولوجيّ:
يُقصد بالأساس الأنثروبولوجيّ هنا التّصوّر النّظريّ لطبيعة الإنسان: خصائصه الجوهريّة، دوافعه، وحدود فعله. وهو ليس مجرّد وصف فلسفيّ، بل هو نموذج عمليّ يوجّه فهمنا للسّلوك الإنسانيّ في سياقات محدّدة، مثل السّياق التّنظيميّ والإستراتيجيّ. إنّ كلّ نظريّة في الإدارة أو الإستراتيجيا تنطلق من تصوّر معيّن للإنسان، سواء كان هذا التّصوّر صريحًا أو ضمنيًّا، وهذا التّصوّر هو الذي يحدّد كيفيّة توجيه الفعل وصناعة القرار(1) .
2. الفاعل النّفعيّ:
يشير مفهوم الفاعل النّفعيّ إلى الإنسان بوصفه كائنًا يسعى لتعظيم منفعته الشّخصيّة، سواء كانت هذه المنفعة مادّيّة أو معنويّة، وبأقلّ تكلفة ممكنة. هذا التّصوّر، الذي يُعرف غالبًا بـ «الإنسان الاقتصاديّ» (Homo Economicus)، يفترض أنّ السّلوك الإنسانيّ محكوم بالحسابات العقلانيّة للمكاسب والخسائر، وأنّ الدّوافع الأساسيّة للفرد هي تحقيق أقصى قدر من الرّضا الذّاتيّ. وقد نشأ هذا المفهوم في الفكر الاقتصاديّ الكلاسيكيّ والنّيوكلاسيكيّ، ثمّ امتدّ تأثيره ليشمل مجالات أخرى كالإدارة والإستراتيجيا (2).
3. قابليّة الإدارة:
تعني قابليّة الإدارة تحويل الإنسان من فاعل حرّ ذي أبعاد متعدّدة إلى «مورد» (Human Resource) يمكن قياسه، والتّنبّؤ بسلوكه، والتّحكّم فيه ضمن منظومة محدّدة. يرتكز هذا المفهوم على فكرة أنّ السّلوك البشريّ يمكن هندسته وتوجيهه لتحقيق أهداف تنظيميّة محدّدة، وذلك عبر آليّات مثل الحوافز، العقوبات، والتّدريب. يختلف هذا عن التّوجيه الأخلاقيّ الذي يهدف إلى تنمية الفرد ككلّ، ويركّز بدلًا من ذلك على التّحكّم الوظيفيّ الذي يضمن أداء المهامّ المحدّدة بكفاءة (3).
يتجلّى تحليل الأساس الأنثروبولوجيّ للإستراتيجيا في ثلاث أهمّيّات رئيسيّة:
تاريخيًّا، شهدت الحداثة تحوّلًا جذريًّا في النّظرة إلى الإنسان. فبعد أن كان يُنظر إليه في العصور السّابقة ككائن أخلاقيّ، روحيّ، أو اجتماعيّ بالدّرجة الأولى، بدأ الفكر الحديث، خاصّة مع الثّورة الصّناعيّة وظهور الرّأسماليّة، في التّركيز على الإنسان كفاعل وظيفيّ إنتاجيّ. هذا التّحوّل أدّى إلى بروز النّموذج الاقتصاديّ-الإداريّ للإنسان، حيث أصبحت قيمته تقاس بمدى قدرته على المساهمة في الإنتاج وتحقيق الأهداف التّنظيميّة. وقد تجلّى ذلك بوضوح في نظريّات الإدارة العلميّة لفريدريك تايلور، التي اختزلت الإنسان إلى مجموعة من الحركات القابلة للقياس والتّحسين لزيادة الكفاءة الإنتاجيّة (4).
نظريًّا، يحتلّ التّصوّر الأنثروبولوجيّ موقعًا مركزيًّا في بناء الإستراتيجيا ونظريّات الفعل والتّنظيم. فالنّموذج الذي تتبنّاه الإستراتيجيا للإنسان يؤثّر بشكل مباشر في تصميم النّماذج التّحليليّة، وتحديد آليّات اتّخاذ القرار، وصياغة الأهداف. إنّ افتراض الإنسان كفاعل نفعيّ عقلانيّ يؤدّي إلى اختزال التّعقيد الإنسانيّ، وتجاهل الأبعاد غير المادّيّة للسّلوك، ممّا قد يؤثّر على فعّاليّة الإستراتيجيّات في التّعامل مع الواقع البشريّ المتعدّد الأوجه (5).
عمليًّا، تتجلّى الأهمّيّة العمليّة لهذا التّصوّر في كيفيّة توظيف الإنسان كعنصر ضمن المنظومة الإستراتيجيّة. فبناء السّياسات على افتراضات نفعيّة بحتة، مثل ربط الأداء بالحوافز المادّيّة فقط، يؤدّي إلى إدارة السّلوك بدلًا من تربية الفعل. وهذا يعني التّركيز على التّحكّم الخارجيّ في الأفراد لضمان الامتثال للأهداف، بدلًا من تنمية الالتزام الدّاخليّ والقيم الأخلاقيّة التي قد تدفع إلى أداء أفضل وأكثر استدامة (6).
تطرح هذه النّظرة للإنسان في سياق الإستراتيجيا إشكاليّة محوريّة: أيّ صورة للإنسان تفترضها الإستراتيجيا الحديثة؟ هل الإنسان فاعل حرّ ذو إرادة وقيم، أم هو مجرّد مورد قابل للإدارة والتّحكّم؟ وما هو أثر هذا التّصوّر الاختزاليّ على توجيه الفعل الفرديّ والجماعيّ؟ إنّ الإجابة على هذه الأسئلة تكشف عن التّوتّرات الكامنة بين طبيعة الإنسان المعقّدة والمتعدّدة الأبعاد، وبين النّماذج المبسّطة التي تتبنّاها الإستراتيجيا لتحقيق أهدافها.
2. الجزء الأوّل: تشكّل الإنسان النّفعيّ في الفكر الإستراتيجيّ
1.2. العنصر الأوّل: الإنسان بوصفه فاعلًا عقلانيًّا يسعى للمصلحة
لقد ترسّخ مفهوم الإنسان كفاعل عقلانيّ يسعى لتعظيم مصلحته في الفكر الإستراتيجيّ والإداريّ، متأثّرًا بشكل كبير بالنّموذج الاقتصاديّ لـ «الإنسان الاقتصاديّ» (Homo Economicus). هذا النّموذج يفترض أنّ الأفراد يتّخذون قراراتهم بناءً على حسابات دقيقة للمكاسب والخسائر، وأنّ دوافعهم الأساسيّة هي تحقيق أقصى قدر من المنفعة الشّخصيّة. ونتيجة لذلك، أصبحت مركزيّة الحساب والمنفعة هي المحرّك الأساسيّ لتصميم الإستراتيجيّات، حيث يتمّ تقليص الدّوافع الإنسانيّة المعقّدة إلى مجرّد مصالح يمكن قياسها وتحفيزها. هذا التّصوّر غالبًا ما يغيّب الأبعاد القيميّة والرّوحيّة والأخلاقيّة للسّلوك الإنسانيّ، معتبرًا إيّاها عوامل ثانويّة أو غير قابلة للقياس، وبالتّالي لا تدخل في صلب الاعتبارات الإستراتيجيّة (7).
2.2. العنصر الثّاني: من الفاعل الحرّ إلى المورد الوظيفيّ
مع تطوّر الفكر الإداريّ، خاصّة في سياق الإدارة العلميّة، تحوّل الإنسان تدريجيًّا من فاعل حرّ ذي إرادة إلى مجرّد مورد وظيفيّ ضمن المنظومة التّنظيميّة. لقد تمّ إدماج الإنسان في النّظم التّخطيطيّة كعنصر يمكن برمجته وتوجيهه لتحقيق أهداف محدّدة. وأصبح التّركيز على قابليّة القياس والتّوجيه، حيث يتمّ تحديد المهامّ بدقّة، وتوضع معايير للأداء، وتطبّق أنظمة للحوافز والعقوبات لضمان الامتثال. هذا التّحوّل جعل الإنسان مجرّد متغيّر إداريّ، يمكن التّحكّم فيه وتعديل سلوكه ليتناسب مع متطلّبات الإستراتيجيا، ممّا يفقده جزءًا كبيرًا من حرّيّته وإبداعه (8).
3. الجزء الثّاني: حدود النّموذج الأنثروبولوجيّ للإستراتيجيا
1.3. العنصر الأوّل: اختزال الإنسان وتعقيد الواقع
إنّ النّموذج الأنثروبولوجيّ الذي تتبنّاه الإستراتيجيا الحديثة، والقائم على الإنسان النّفعيّ القابل للإدارة، يعاني من قصور جوهريّ يتمثّل في اختزال طبيعة الإنسان المعقّدة. فإهمال الأبعاد النّفسيّة والأخلاقيّة، وتجاهل الدّوافع غير المادّيّة، يؤدّي إلى فهم قاصر للسّلوك البشريّ. هذا الاختزال يجعل الإستراتيجيّات المبنيّة على هذا النّموذج عرضة للفشل في التّنبّؤ بالسّلوك الإنسانيّ الفعليّ، الذي غالبًا ما يتجاوز الحسابات العقلانيّة البسيطة. إنّ الإنسان ليس مجرّد آلة حاسبة للمنفعة، بل هو كائن ذو مشاعر، قيم، معتقدات، وتطلّعات تتجاوز المصلحة المادّيّة الضّيّقة. هذا التّوتّر بين النّموذج المبسّط للإنسان وتعقيد الواقع البشريّ يؤدّي إلى نشوء علاقة متوتّرة بين الإنسان والمنظومة، حيث يشعر الأفراد بالغربة أو الاستغلال (9) .
2.3. العنصر الثّاني: آثار هذا التّصوّر على الفعل الإنسانيّ
تترتّب على هذا التّصوّر الاختزاليّ للإنسان آثار سلبيّة عميقة على الفعل الإنسانيّ، سواء على المستوى الفرديّ أو الجماعيّ. فمع التّركيز على المنفعة والحسابات المادّيّة، يحدث تآكل للمسؤوليّة الفرديّة، حيث يصبح الأفراد أقلّ ميلًا لتحمّل المسؤوليّة الأخلاقيّة عن أفعالهم، ما دامت هذه الأفعال تخدم مصلحتهم الشّخصيّة أو الأهداف التّنظيميّة المحدّدة. كما يضعف المعنى والالتزام، حيث يفقد العمل قيمته الجوهريّة ويتحوّل إلى مجرّد وسيلة لتحقيق غايات خارجيّة. هذا بدوره يؤدّي إلى أزمات ثقة وشرعيّة داخل المنظّمات والمجتمعات، حيث يشعر الأفراد بأنّهم مجرّد أدوات في يد قوى أكبر، ممّا يقوّض الرّوابط الاجتماعيّة والأخلاقيّة (10).
4. ختامًا،
يخلص هذا المقال إلى أنّ الإستراتيجيا الحديثة، في كثير من تجلّياتها، تقوم على تصوّر أنثروبولوجيّ يختزل الإنسان إلى فاعل نفعيّ قابل للإدارة. هذا التّصوّر، الذي نشأ وتطوّر مع الحداثة والفكر الاقتصاديّ والإداريّ، يرى الإنسان ككائن عقلانيّ يسعى لتعظيم منفعته، ويمكن التّحكّم في سلوكه وتوجيهه لتحقيق أهداف تنظيميّة محدّدة. ورغم أنّ هذا النّموذج قد حقّق نجاحات في مجالات معيّنة، إلّا أنّه يفسّر في الوقت ذاته كثيرًا من اختلالات الفعل الإستراتيجيّ، من خلال إهماله للأبعاد الإنسانيّة العميقة، وتسبّبه في تآكل المسؤوليّة والمعنى والالتزام.
الهوامش
(1) Melé, D. (2016). Understanding Humanistic Management. Humanistic Management Journal, 1(1),p 35
(2) الببلاوي، حازم. (1995). دليل الرجل العادي إلى تاريخ الفكر الاقتصادي. دار الشروق. ص 45
(3) Melé, D. (2016). Understanding Humanistic Management. Humanistic Management Journal, 1(1),p 38
(4) Taylor, F. W. (1911). The Principles of Scientific Management. Harper & Brothers, p65.
(5) Simon, H. A. (1947). Administrative Behavior. Macmillan, p80
(6) Melé, D. (2016). Understanding Humanistic Management. Humanistic Management Journal, 1(1),p 42
(7) الببلاوي، حازم. (1995). دليل الرجل العادي إلى تاريخ الفكر الاقتصادي. دار الشروق. ص 78
(8) Taylor, F. W. (1911). The Principles of Scientific Management. Harper & Brothers, p90
(9) باومان، زيجمونت. (2014). الحداثة والهولوكوست. (ترجمة دينا رمضان). المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.ص 112
(10) الشماس، عيسى. (2005). علم الإنسان (الأنثروبولوجيا). اتحاد الكتاب العرب. ص 55
|




