مكاشفات

بقلم
أ.د عبد الفتاح داودي
حين تستعيد العبادة روحها: نحو تديّن ينبض بالحياة ويصنع التاريخ
 حين تستعيد العبادة روحها ويستعيد الدّين رسالته، تنقشع غواشي المادّيّة الجافّة عن وجه الإنسانيّة، ولا يعود الدّين طقوسًا جامدة، أو كلماتٍ ميّتةً تتردّد في فضاءاتٍ بلا صدى، بل يتفجّر نهرًا متدفّقًا من المعنى، ينبع من سويداء قلب الإنسان ليغسل درن الوهم، ويروي روحه الظمأى، ويحرّر فكره المكبّل، ويصنع من الفرد إنسانًا متوازنًا، ومن الأسرة مجتمعًا متماسكًا، ومن الأمّة حضارةً شاهدةً تفيض بالرّحمة. إنّ الدّين في جوهره مشروع حياة شامل، وضعه الشّارع الحكيم ليربط بين السّماء والأرض، الرّوح والتّاريخ، العبادة والعمل، والدّنيا والآخرة. وتكمن الأزمة الراهنة التي تعيشها الأمّة في غياب روح الدّين وحركيّته الحيّة في الأنفس والآفاق، إذ تحوّلت العبادات من أدوات تغيير ومحرّكات تاريخيّة كبرى إلى عاداتٍ ميكانيكيّة مفرغة من الفاعليّة.
ومن هنا، فإنّ هذا الواقع المأزوم يضع الفكر الإسلامي المعاصر أمام إشكاليّة رئيسيّة مفادها: كيف يمكن للانتقال بالتّديّن من مجرّد طقوس وشكليّات جامدة إلى أفق الحركة المقاصديّة الرّحبة أن ينقذ الإنسان من طغيان المادّيّة المعاصرة، ويعيد بناء شخصيّته ليكون صانعًا حقيقيًّا للحضارة والتّغيير التّاريخي؟
وتتفرّع عن هذه الإشكاليّة جملة من الأسئلة الجوهريّة التي يسعى هذا المقال للإجابة عنها:
(السّؤال المقاصدي): كيف تُسهم غايات العبادات ومقاصدها الحركيّة في حفظ الضّروريّات الوجوديّة وتوجيه حركة المجتمعات؟
(السّؤال الإصلاحي): ما هي الآليّات الكفيلة بتفكيك التّديّن الميّت وتقويم السّلوك البشري لمواجهة مظاهر الانفصام بين الشّعيرة والمعاملة؟
(السّؤال البنّابي): كيف يعمل الدّين كـ «مركّب حضاري» يعيد صياغة شبكة العلاقات الاجتماعيّة وتوجيه عناصر الحضارة والإنسان والتّراب والوقت، وفقًا لفلسفة المفكّر مالك بن نبي؟
(السّؤال العرفاني الحركي): كيف يمكن لمقام الإحسان والشّهود القلبي أن يتحوّل من تجربة وجدانيّة منزوية إلى طاقة دافعة لتغيير الواقع وصناعة التّاريخ؟
بناءً على ذلك، يصبح لزامًا علينا تفكيك هذه الظّاهرة وإعادة بناء الفهم الدّيني عبر استحضار الأبعاد المقاصديّة والإصلاحيّة والبنّابيّة والعرفانيّة المنسوبة إلى مالك بن نبي، مدمجين في ثناياها البعد الحركي الصّاعد، ليتجاوز التّديّن ركوده التّقليدي ويغدو طاقةً حيويّة تصنع التّاريخ وتقود الحضارة البشريّة برؤية أخلاقيّة متكاملة.
أوّلًا- البعد المقاصدي
يتجلّى البعد المقاصدي في أبهى صوره حين ندرك أنّ الشّريعة وسيلة حركيّة عظمى لتحقيق كلّيّات الوجود الإنساني، وهو ما سطّره الإمام الشّاطبي بعمق في كتابه الموافقات حين أكّد «أنّ وضع الشّرائع إنّما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا، وأنّ كلّ حكم شرعي إنّما يدور حول حفظ الضّروريّات الخمس»(1). هذا التّأصيل المقاصدي ينقل العبادة من إطار الحركة المجرّدة إلى فضاء الغائيّة الحيّة والاندفاع نحو حركة تاريخيّة واعية، حيث تصبح الصّلاة والزّكاة والصّيام أوتادًا عمليّة تحفظ سفينة المجتمع من الغرق في أمواج المادّيّة العاتية. والقرآن الكريم يُلخّص هذا المآل الإخلاصي والمقاصدي الجامع في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: 5)، فالقيمة الحقيقيّة للدّين تكمن في هذا الامتداد القائم على الإخلاص المقترن بالبناء والنّماء الفعلي في الأرض.
وبذلك تنعتق العبادات من أغلال الصّوريّة لتصبح محرّكات كبرى للحضارة والعمران البشري، وتتحوّل من مجرّد تكاليف مُجهدة إلى مصالح ضروريّة تستقيم بها حياة النّاس وتحفظ بها المجتمعات دينها ونفوسها وعقولها ونسلها وأموالها. وفي هذا الإطار يؤكّد حجّة الإسلام الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدّين «أنّ العبادات شُرعت لتطهير القلوب وتزكية النّفوس لتأهيلها لعمارة الدّنيا والوصول إلى جوار ربّ العالمين» (2)؛ فالمقصد ليس حركات الجسد بل أثرها في النّفس والواقع، وهو ما يُعضده قوله تعالى في غاية إرسال الرّسل والشّرائع: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: 25)، فالقسط والعدل الاجتماعي هما الثّمرة المقاصديّة الحركيّة الكبرى لكلّ تشريع شعائري؛ فهي تدفع المؤمن ليتحرّك في محيطه شاهدًا بالحقّ ومقاومًا للجور.
ثانيًا- البعد الإصلاحي
من هذا المنطلق المقاصدي الرّحب، يبرز البعد الإصلاحي بوصفه ضرورة لإعادة صياغة السّلوك البشري ومحاربة الانفصام النّكد بين شعائر العبادة وواقع المعاملات؛ فالدين رسالة حركيّة تتجسّد في حياة الناس ومعاملاتهم، تواجه الظّلم وتقود التّغيير. والعبادة التي لا تُصلح الفرد والواقع هي عبادة مدخولة، أصابها الرّكود الذي يفرغها من طاقتها الحركيّة. إنّ الإصلاح يبدأ من خلخلة العادات الرّتيبة ونفخ الرّوح في الشّعائر، فالصّلاة في الرّؤية القرآنيّة ثورة إصلاحيّة واعية وحركة دؤوبة لمقاومة الفساد الأخلاقي والاجتماعي، كما ينطق التّنزيل العزيز: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت: 45). وإذا لم تَنْهَ الصّلاةُ صاحبها عن الدّناءة والظّلم، فإنّها تفقد فاعليّتها وتتحوّل إلى روتين بارد، وهو ما أكّده المفسّر ابن جرير الطّبري في جامع البيان في أثرٍ مرويّ عن ابن مسعود أنّه قال : «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلّا بُعدًا» (3) .
وكذلك الصّيام مدرسة إصلاحيّة لضبط النّفس، وبناء إرادة حرّة فاعلة قادرة على مجابهة طغيان الشّهوات والاستهلاك الأعمى، تحقيقًا للتّقوى التي هي جماع الصّلاح الفرديّ والاجتماعيّ، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183). لقد حذّر النّبي ﷺ بأبلغ بيان من مغبّة إفراغ هذه الشّعائر من محتواها الإصلاحي الحركي، فقال في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ» (4) .
وفي صحيح البخاري يقول ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (5) . وفي الحديث تحذير نبوي ينبّه إلى أنّ العبادات الجوفاء التي لا تثمر رحمة وعدلًا وأمانة في الأسواق والمجالس إنّما هي أشكال فارغة من مضامينها، أما التديّن الحيّ، فيحوّل كل تسبيحة في السّحر إلى حركة إصلاحيّة تواجه المنكر في وضح النّهار، في امتثال للتّوجيه القرآني الصّارم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135).
وفي هذا السّياق يبرز فكر رائد النّهضة الجزائريّة الإمام عبد الحميد بن باديس، الذي يقرّر في مجمل مقالاته التّفسيريّة أنّ العبادة الحقيقيّة والتّوحيد الخالص يثمران تحرير العقل وتغيير واقع الأمّة، منتقدًا بشدّة الرّكود والجهل الباعثين على تديّن شكلي ميّت لا يحرّك هِمّة الإنسان (6). وقد خصّص الشيخ مبارك الميلي كتابه الشهير «رسالة الشّرك ومظاهره»، لمحاربة هذا الانفصام، حيث أوضح أنّ الانكفاء على رسوم العبادات وظواهرها دون تطهير المعاملات اليوميّة وبناء العقيدة الواعية هو أصل تدهور المجتمعات ووقوعها في جمود يُعطّل الفاعليّة التّاريخيّة (7) .
ويمتدّ هذا المنزع الإصلاحي في العبادات كلّها، فالشّعائر وسيلة لتشييد منظومة القيم والأخلاق الحاكمة للمجتمع البشري، والرّسول ﷺ حصر غاية بعثته الشّريفة في هذا المدار حين قال في الحديث الذي رواه البيهقي: «إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأَخْلاقِ» (8) . وفي المنحى ذاته، يؤكّد الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي في مقالاته وآثاره التوجيهيّة أنّ غاية التّشريع الإسلامي في شعائره كالصّلاة والزّكاة هي بناء منظومة أخلاقيّة متينة، يمتدّ أثرها إلى بناء الوطن وتطهير المعاملات في الأسواق والسّياسة، رافضًا مسلك العزلة الصّوفيّة السّلبيّة التّواكليّة (9) .
ثالثًا- البعد البنّابي
حين نغوص في فكر فيلسوف الحضارة مالك بن نبي، يتجلّى لنا ربط الدّين بالحركة التّاريخيّة وشروط النّهضة؛ فابن نبي يرى أنّ الدّين هو المحفّز (Catalyseur) الذي يدمج عناصر الحضارة الثّلاثة: الإنسان والتّراب والوقت (10). العبادة في المنظور البنّابي هي الطّاقة الرّوحيّة التي تتدخّل لصياغة شبكة العلاقات الاجتماعيّة، ومن دونها لا يمكن للإنسان أن يخرج من حالة البدائيّة أو حالة «ما بعد الموحّدين» إلى حالة التّحضّر والفاعليّة. لقد وصف مالك بن نبي في كتابه «شروط النّهضة» التّديّن الشّكلي المفرغ من حركيّته الغائيّة بأنّه تديّن ميّت يفقد مقوّمات الحركة، ويتحوّل في حياة المجتمع إلى مجرّد غلاف مفرغ من الفاعليّة والبركة، واصفًا إيّاه بأنّه مجرّد «حركة بلا بركة» تكرّس التّخلّف والقابليّة للاستعمار (11).
إنّ العبادة في هذا السّياق البنّابي هي الأداة التي تحوّل الفرد من كائن معزول مستهلك إلى شخصيّة اجتماعيّة تتحرّك لإنتاج الحضارة. كان المسجد عند أصحاب رسول الله ﷺ منطلقًا لتوجيه طاقة الإنسان نحو التّراب والوقت، ففيه تُعقد ألوية الجيش، ومنه تنطلق بعثات العلم، وفيه تُدار شؤون الحكم والشّورى، وتُرسى قواعد العدالة الاجتماعيّة. إنّ الزّكاة في هذا الفضاء البنّابي تخرج من دائرة التّصدّق الفردي المحدود الأثر لتصبح نظامًا ماليًّا تكافليًّا يعيد صياغة شبكة العلاقات الاجتماعيّة، ويطهّر النّفوس من الشّح، ويحرّر رأس المال من الاحتكار، ليتحوّل المجتمع إلى بنيان يشدّ بعضه بعضًا، كما قال سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (التوبة: 103)، ولتتحقّق الغاية الكبرى المذكورة في سورة الحشر: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ (الحشر: 7).
والزّكاة أداة للبناء والتمكين الاقتصادي للضّعفاء وإدماجهم حركيًّا في الدّورة الإنتاجيّة، وبذلك يسدّ الإسلام منافذ الفقر والحقد الاجتماعي، ويشيّد صرحًا متماسكًا من التّعاون الإنساني النّبيل الذي يصنع النّهضة الحقيقيّة، ويعيد صياغة العلاقات الماليّة على أسس أخلاقيّة متينة لا تظلم عاملًا ولا تهضم حقًّا. وبذلك ندرك عمق ما ذهب إليه المفكّر مصطفى السّباعي في كتابه اشتراكيّة الإسلام حين رأى التكافل والعبادات الماليّة تشريعًا بنائيًّا أصيلًا لتأسيس مجتمع متراحم خالٍ من الأزمات الطّبقيّة القاتلة ومن الفقر المدقع (12)؛ وهو تمامًا ما يرمي إليه مالك بن نبي في تفعيل شبكة العلاقات الاجتماعيّة وتوجيه طاقة الأمّة نحو الإنجاز التّاريخي والشّهود الحضاري.
رابعًا- البعد العرفاني
ولا يمكن أن تستقيم شبكة العلاقات الاجتماعيّة وحركة العمران وتنبض بالحياة ما لم تستند إلى بعد عرفاني ذوقي، يغذّي الوجدان ويصل العبد بخالقه في شهود دائم يدفعه للعمل والتّضحية. إنّ العرفان في حقيقته ليس غيبوبة عن الواقع، أو انسحابًا سلبيًّا من الصّراع التّاريخي، أو شطحًا خارج حدود الشّريعة، بل هو مقام الإحسان الأسمى والحركي الذي عبّر عنه المصطفى ﷺ في حديث جبريل المشهور في صحيح مسلم بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (13) . هذا الحضور القلبي والوعي اليقظ بالرّقابة الإلهيّة هو الذي يمنح العبادة وهجها، ويجعل المؤمن يستشعر حلاوة الإيمان وسط لفح المادّيّة الشّرسة، فيتحرّك في الأرض كأنّه يرى الجنّة والنّار رأي العين.
وتجسّد هذا التوازن وهذا الشهود القلبي بوضوح في مسيرة الشّيخ العربي التّبسي، الذي قاد معارك الإصلاح الميدانيّة والتّعليميّة بقلب ممتلئ باليقين، فكان العرفان عنده وقودًا حيًّا في مجابهة غطرسة الاستعمار الفرنسي، ومحرّكًا لتربية أجيال كاملة على كرامة النّفس وشهود الحقّ والأنفة (14) . وكما قال العارف ابن قيّم الجوزيّة في كتابه «مدارج السّالكين»: «في القلب شعث لا يلمُّه إلّا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلّا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلّا السّرور بمعرفته وصدق معاملته» (15) .
وفي هذا المقام العرفاني، يتحوّل الحجّ من رحلة جغرافيّة مُضنية إلى سفر وجودي عميق وتجمّع حركي هائل تُجرّد فيه النّفوس من مخيط الآمال الدّنيويّة، وتتوحّد الإنسانيّة كلّها تحت سماء واحدة، بلباس واحد، تتلاشى فيه الفوارق الطّبقيّة والعرقيّة والمادّيّة، ليقف الجميع عراة من مظاهر الدّنيا، غارقين في بحار المغفرة والشّهود، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج: 28). إنّ المنافع هنا تفيض عن حدود التّجارة المادّيّة لتشمل منافع الرّوح وحركيّة التعارف، وتعزيز الوحدة السياسيّة والاجتماعيّة للأمّة، حيث تتلاقى القلوب على صعيد واحد، وتستشعر وحدة الأصل والمصير، وتذوب الأنانيّات في تيّار جارف من المحبّة والتّعارف الإنساني الشّامل.
وقد عبّر العارف عبد القادر الجيلاني في كتابه التّوجيهي الرّوحي «فتوح الغيب» عن هذا المعنى بقوله: «إنّ العبادة بلا حقيقة قلبيّة هي كجسد ماتت روحه، فالحقيقة هي أن تشهد المنعم في النّعمة والآمر في الأمر» (16) . العرفان هو التّرياق الذي يحمي المسلم من الجفاف الرّوحي، ويجعل صلاته سكنًا، وصيامه كفًّا للقلب عن السّوى، وحجّه هجرة إلى الحقّ بالحقّ. وحين يتحقّق هذا البعد في ضمير الأمّة، تصبح العدالة نابعة من وازع داخلي لا عن مجرّد خوف من العقاب القانوني، ويتحقّق في المجتمع صدق الائتمان الذي يُغني عن مئات القوانين الجافّة والمراقبة الخارجيّة، وتتحوّل العبادة إلى قوّة محرّكة للتّاريخ ومُغيّرة للواقع، كما يقول المفكّر علي عزت بيجوفيتش في كتابه «الإسلام بين الشّرق والغرب»: «إنّ الإسلام ليس مجرّد طريقة للتّفكير، بل هو طريقة للحياة، وهو لا يستهدف تغيير أفكار النّاس فحسب، بل يستهدف تغيير العالم عبر تحويل طاقة العبادة المشتعلة في القلب إلى فعل حضاري ملموس ومواقف ثقافيّة تحمي العقل من التّزييف» (17) .
وفي هذا السياق، يقول الفيلسوف محمّد إقبال في كتابه «تجديد الفكر الدّيني»: «إنّ الصّلاة في الإسلام ليست انكماشًا عن الحياة، بل هي عمليّة تكوين نفسي واجتماعي لتأهيل الإنسان لكي يكون معمّرًا للكون» (18) . إنّ التّديّن الذي يصنع التّاريخ لا يكتفي بالبكاء في المحاريب شوقًا إلى الجنّة، بل يبني طريق الجنّة بإقامة العدل في الأرض ومواجهة الاستبداد ونصرة المظلومين، لتكون الحركة في المجتمع مرآة صادقة لخشوع القلوب في المساجد، فلا ينفصل السّلوك العملي في السّياسة والاقتصاد عن طهارة السّريرة في محاريب التّعبّد، كما يدلّ الحديث المتّفق عليه: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» (19) .
خامسًا- التّوصيات العمليّة
لتجاوز أزمة التّديّن الشّكلي ونقل هذه الأبعاد الوجوديّة والحركيّة من إطار الفلسفة النّظريّة إلى واقع الحياة اليوميّة وفق المنظور البنّابي والمقاصدي، نضع هذه التّوصيات المنهجيّة على المستويين الاستراتيجي والتنفيذي:
على مستوى الفرد وتزكية الذّات
محاسبة السّلوك اليومي: صياغة برامج مراجعة ذاتيّة تقيس مدى انعكاس أثر خشوع الصّلاة على الأمانة في العمل في الشّارع ومقرّ العمل، واعتبار التّدنّي الأخلاقي دليلًا على اعتلال العبادة الشّعائريّة.
مقاومة النّمط الاستهلاكي: الانتقال بالصّيام من مستواه البيولوجي الجاف إلى صيام وجداني، عبر ترشيد النّفقات الشّخصيّة ومواجهة سطوة الرأسماليّة الرقميّة التي تختزل الإنسان في بُعد مادّي، مع صون الوقت من الهدر الافتراضي.
تفعيل مقام الإحسان حركيًّا: تخصيص أوقات خلوة دوريّة للتّفكّر العرفاني لتعزيز الرّقابة الإلهيّة الدّاخليّة، بحيث تكون السّكينة الرّوحيّة وقودًا دافعًا إلى الإنتاجيّة والعمل في المحيط الخارجي.
على مستوى الأسرة والمجتمع المحلي
المجالس المقاصديّة الأُسريّة: تأسيس اجتماعات دوريّة داخل محيط الأسرة لا تقتصر على تلقين أحكام العبادات الظّاهرة، بل تركّز على شرح الغايات والأبعاد الحضاريّة الكامنة خلف التّشريعات.
إحياء المسجد بوصفه «مركّبًا حضاريًّا»: تفعيل دور المسجد ليكون مركزًا تنمويًّا عبر إنشاء صناديق تكافليّة محلّيّة ذكيّة، وحلقات استشاريّة لفضّ النّزاعات، ومراكز لتوجيه طاقات الشّباب نحو ريادة الأعمال وعمران البيئة المحلّيّة.
مأسسة العبادات الماليّة: تحويل الصّدقات والزّكوات الفرديّة العشوائيّة إلى أوعية تنمويّة ومشاريع صغيرة مستدامة تُدمج الأسر المعوزة في الدّورة الإنتاجيّة، بدل إبقائها أسيرة الاحتياج السلبي.
على مستوى المؤسّسات
تجديد الحواضن التّعليميّة: إعادة صياغة المناهج التّربويّة في المعاهد والجامعات وكلّيّات الشّريعة لترسيخ فقه مقاصد الشّريعة وفلسفة الحضارة وفق منطلقات مالك بن نبي، والحدّ من الاستغراق في النّزعات الجدليّة والفروع الهامشيّة الجافّة.
حركيّة الخطاب الدّعوي: إعادة توجيه المنابر الإعلاميّة والدّعويّة لربط مفهوم التديّن بالنهضة العلميّة، وبقيمة الوقت، وبالانضباط الإداري، وبالإنتاج الاقتصادي وبمواجهة أفكار القابليّة للاستعمار والتّبعيّة الحضاريّة.
الاستراتيجيّات المقاصديّة التّشريعيّة: صياغة قوانين وسياسات اقتصاديّة مستلهمة من روح الكلّيّات الخمس، تضمن توزيع الثّروة بعدالة، وتحمي حقوق العمّال، وتكبح التّوحّش الرّأسمالي المعاصر.
على المستوى الإنساني العالمي
أنسنة الخطاب الحضاري: تقديم الإسلام للمجتمعات الإنسانيّة كإطار قيمي وحضاري متكامل  يقدّم إجابات عن الأزمة البيئيّة المعاصرة والخواء الروحي، وتجاوز نمط العرض الطّقوسي المنغلق.
تفعيل قيم الكرامة والرّحمة: بناء جسور حوار عمليّة مع الثّقافات المتنوّعة عبر المشاركة الفاعلة في تبنّي القضايا العادلة وحماية حقوق المستضعفين في الأرض، بما يبرز عالميّة الرسالة.
خاتمة
عندما تلتئم هذه الأبعاد كلّها وتتحوّل التّوصيات إلى سلوك معيش وحركة دؤوبة في وعي الأمّة، ينهض الإنسان بحقّ ليكون خليفة الله في الأرض، متوازنًا في ذاته، مصلحًا في بيئته، صانعًا لشبكة علاقاته، عارفًا بربّه، ومتحرّكًا لإعلاء كلمة الحقّ والعدل ضمن تركيب متكامل لعناصر الحضارة. حينها يتجاوز أثر الدّين حدود الفرد والأسرة والمجتمع ليمتدّ إلى الإنسانيّة جمعاء، بوصفه طوق نجاة من فراغ المعنى، وعبوديّة المادّة، وظلمات الأنظمة الجائرة التي تسحق الإنسان تحت عجلات الجشع المادّي. إنّ العالم اليوم، بكلّ ما يملكه من تقدّم تقني مبهر، يعيش أزمة روحيّة خانقة وتخبّطًا قيميًّا غير مسبوق، وهو أحوج ما يكون إلى هذا المشروع الحضاري المتكامل الذي يحتاجه المؤمن ليزداد يقينًا، والمختلف ليجد فيه ملاذًا للعدل والرّحمة، وحمايةً للحقوق المشتركة.
وحينئذ، تتحوّل العبادة من طقوس آليّة جامدة إلى حياة نابضة بالحبّ والخير، وتصبح الصّلاة صلة ممتدّة لا تنقطع، والصّوم نورًا يكشف عيوب النّفس، والزّكاة عدلًا يواسي المكلومين، والحجّ مؤتمرًا إنسانيًّا حركيًّا يجدّد وعي الأمّة بهويّتها ووحدتها وكرامتها، ليعود الدّين، كما أراده ربّ العالمين، منارة هدى ومشروع حياة متكاملا يستوعب الزّمن ويقود التّاريخ، تحقيقًا لقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 33). فتتحقّق كرامة الإنسان، وتشرق الأرض بنور ربّها، ويتحوّل التّديّن من شعار معزول إلى ملحمة كبرى تصنع مجد الأمم وتمنح كلَّ فعل إنساني وزنًا وأثرًا باقيًا في سجلّ الخلود الحضاري، ليعلن للعالم أنّ السّجود لله هو قمّة التّحرّر البشري، وأنّ الانعتاق من أسر المادّة وتفعيل عناصر الحضارة بالرّوح هو بداية التّاريخ الحقيقي للإنسان الرّاشد المستخلف في هذا الكون البديع.
اللّهمّ يا حيّ يا قيّوم، يا فاطر السّماوات والأرض، انفخ في عباداتنا من روحك، وأخرجنا من ظلمات التّديّن الشّكلي البارد إلى أنوار التّعبّد المقاصدي الفاعل. 
اللّهمّ اجعل صلاتنا نهيًا عن الفحشاء، وصيامنا كفًّا عن الدّنايا، وزكاتنا حياة للمجتمع، وحجّنا وحدة للأمّة. 
اللّهمّ ألّف بين قلوبنا، وأصلح شبكة علاقاتنا، وخذ بأيدينا لتركيب عناصر نهضتنا؛ حتّى نكون في محرابك راكعين ساجدين، وفي ميادين الحياة بُناة مصلحين، شهداء بالقسط حاملي لواء الرّحمة للعالمين... 
آمين، والحمد لله ربّ العالمين.
الهوامش
(1)  الشاطبي، إبراهيم بن موسى. (1997). الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان. دار ابن عفان.
(2)  الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. (د.ت). إحياء علوم الدين. دار المعرفة.
(3)  الطبري، محمد بن جرير. (2001). جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي؛ ج. 20. دار هجر للطباعة والنشر. ص134
(4)  أحمد بن حنبل، أبو عبد الله الشيباني. مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون، محققون؛ مؤسسة الرسالة.ج14، ص403، حديث رقم 8856  
(5) البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر. دار طوق النجاة. 2001، ج3، ص26، حديث رقم 1903
(6) ابن باديس، عبد الحميد. آثار عبد الحميد بن باديس، جمع وتحقيق عمار طالبي . الشركة الجزائرية للكتاب. 1984، ط. 2، ج. 1
(7) الميلي، مبارك بن محمد.. رسالة الشرك ومظاهره (طبعة محققة). وزارة الشؤون الدينية والأوقاف بالجزائر. 1997
(8)  البيهقي، أحمد بن الحسين. (2003). السنن الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا؛ دار الكتب العلمية. 2003،ط. 3., ج. 10، ص323. 
(9)  الابراهيمي، محمد البشير. آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، جمع وتقديم أحمد طالب الإبراهيمي. دار الغرب الإسلامي، 1997، ج2
(10) بن نبي، مالك. شروط النهضة، ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين. دار الفكر المعاصر.1986
(11) المرجع نفسه
(12)  السباعي، مصطفى. اشتراكية الإسلام. الدار القومية للطباعة والنشر (ط. 1)،1960
(13)  مسلم بن الحجاج القشيري. صحيح مسلم: المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.1955 ط 3، ج. 1. ص36، حديث رقم 8
(14) التّبسي، العربي. آثار الشيخ العربي التبسي، جمع وتحقيق أحمد عيساوي. دار الهدى. 2012، ج1
(15) ابن قيم الجوزية، شمس الدين محمد بن أبي بكر. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي؛ ط. 3،  1996، ج3، ص156
(16)  الجيلاني، عبد القادر بن موسى. فتوح الغيب، تحقيق أحمد فريد المزيدي. دار الكتب العلمية.2013
(17)  بيجوفيتش، علي عزت. الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة محمد يوسف عدس. دار الشروق.2014
(18)  إقبال، محمد. تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود. دار الكتاب المصري اللبناني، 2011
(19)  البخاري، 2001، ج1، ص20، حديث رقم 52؛ مسلم، 1955، ج3، ص1219، حديث رقم 1599