في الصميم
| بقلم |
![]() |
| د.مصدق الجليدي |
| المكوّن القيمي في فروع العلوم المختلفة التي تدرّس في الجامعات ) 2- 5( فلسفة قيم النظام التربوي المنش |
في الحلقة السابقة من دراسة الدكتور مصدّق الجليدي بشأن المكون القيمي في التعليم الجامعي، تعرّفنا على دواعي طرح هذا الموضوع وأهميته البالغة في مرافقة الطّالب خلال تحولاته النّفسيّة والاجتماعيّة. وفي هذه الحلقة الثّانية سيحدّد الكاتب ملامح فلسفة قيم النظام التربوي المنشود في خطوات ثلاث: ينطلق بتقديم فلسفة التربية الأصيلة وقيمها؛ ثمّ تقديم فلسفة التربية الحديثة وقيمها، ويختم باستخراج فلسفة القيم المنشودة بعمل تأليفي-توسعي إجرائي بين فلسفة التربية الأصيلة وقيمها وما يمكن إدماجه فيها من قيم فلسفة التربية الحديثة على سبيل التنزيل المعاصر لبعض المقاصد العليا لفلسفة القيم الأصيلة.
فلسفة التّربية الأصيلة وقيمها
بداية، ما المقصود بالتّربية الأصيلة؟ التّربية الأصيلة هي التّربية كما عرفها التّراث التّربويّ الإسلاميّ في فترة التّأسيس وفي مرحلة ازدهار الحضارة الإسلاميّة المتشرّبة لروح الثّقافة الإسلاميّة النّابعة من فلسفة القرآن الشّهوديّة ومنظومةِ قيمه الاستخلافيّة.
أمّا القيم الأصيلة في الاصطلاح الّذي نتبنّاه، فهي القيم الإسلاميّة كما ورد ذكرها في القرآن الكريم، والسّنّة الصّحيحة، والتّراث الأصيل. وقد عرّف علي خليل مصطفى هذه القيم بأنّها «مجموعة المعايير والأحكام النّابعة من تصوّرات أساسيّة عن الكون والحياة والإنسان والإله، كما صوّرها الإسلام،... تمكّن [الفرد] من اختيار أهداف وتوجّهات لحياته تتّفق مع إمكانيّاته، وتتجسّد من خلال الاهتمامات أو السّلوك العمليّ بطريقة مباشرة وغير مباشرة»(1).
وفي الحقيقة يحتاج هذا التّعريف المجمل إلى بيان. فالتّصوّرات المشار إليها فيه، والّتي هي تصوّرات محمولة على الكون والإنسان والإله، تخضع لمبدإ أساسيّ هو التّوحيد. والتّوجّهات والأهداف الّتي تتّخذ من القيم التّوحيديّة منطلقاً لها هي توجّهات وأهداف متطابقة مع وظيفة الإنسان الاستخلافيّة، فتكون ثمرتها عملاً صالحاً أي محقّقاً لمصلحة شرعيّة مع حضور النّيّة. وهو ما يُعرف في تراثنا الأصيل بالتّزكية.
ولكن من النّاحية التّاريخيّة لم يكن هذا النّموذج القيميّ من النماذج المسلّم بها، التي سادت في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، لذا فهو ثمرة جهاد بالعلم والعمل من قِبل العلماء والصّالحين في تأويل النّصّ، واستخراج مقاصده، وتنزيله في الواقع.
وقد بذل الباحث المغربيّ محمّد الجابري مجهوداً علميّاً توثيقيّاً تحليليّاً ونقديّاً جبّاراً، خصّ به مدوّنة الفكر الأخلاقيّ العربيّ، عن طريق الرصد والتحليل لنُظُم القيم في الثّقافة العربيّة، من حيث الأصول والفصول، في كتابه الضّخم (640 صفحة) حول «العقل الأخلاقيّ العربيّ: دراسة تحليليّة نقديّة لنظم القيم في الثّقافة العربيّة»(2) إذ كشف فيه عن وجود خمسة أنواع من المواريث/النُّظُم الأخلاقيّة المتباينة أحياناً، والمتداخلة في غالب الأحيان (جزئيّاً أو كلّيّاً)، وهي:
1. الموروث الفارسيّ ، أو أخلاق الطّاعة.
2. الموروث اليونانيّ، أو أخلاق السّعادة.
3. الموروث الصّوفيّ، أو أخلاق الفناء وفناء الأخلاق.
4. الموروث العربيّ الخالص، أو أخلاق المروءة.
5. الموروث الإسلاميّ في البحث عن أخلاق إسلاميّة
ومن النّتائج المهمّمة الّتي توصّل إليها الجابري،أنّ الثّقافة العربيّة لم تعرف نظاماً واحداً للقيم. بل عرفت منذ «الفتنة الكبرى» «أسواقاً» كثيرة للأدب والأخلاق، و«معارضَ» متعدّدة للقيم. وهذا الغنى «القيميّ» يقوم «على مجرّد الكثرة ويفتقد القدر الضّروريّ من النّظام الّذي يخرجه من الفوضى ويجعل منه قوّة. إنّه في هذه الحالة يعكس خللاً بنيويّاً ووضعاً قلِقاً»(3).
لقد قامت محاولات للإصلاح الفلسفي القيمي، لكنّها هُمّشت وحورِبت، مثل: محاولة ابن الهيثم، ومحاولة ابن رشد الذي اهتدى إلى الطّريق الصّحيح لتشييد أخلاق إسلاميّة أصيلة؛ أخلاق العمل الصّالح. لقد فهم [كما فهم العزّ بن عبد السّلام] «الإحسان الذي يأمر به القرآن على أنّه الفعل الحسن الذي يحقّق اللذَّة المشروعة للنّفس، والبدن، والعمل الصالح الذي ينفع الناس. لقد نظر إلى أحكام القرآن وأخلاق القرآن من منظور واحد هو المصلحة العامة» (4).
وتلتقي نتائج دراسة الجابري -في تقديرنا- مع روح الثقافة الإسلامية الأصيلة، وتلتقي جوهريأ -في ما توصلت إليه من نتائج- مع محاولات تنظيريّة فكريّة إسلاميّة معاصرة كثيرة لمنظومة القيم الأصيلة. وهي -في مُجملها- تتقاطع في مبادئ التّوحيد، والإحسان، والاستخلاف، والأمانة، والتزكية، والعمل الصّالح، والمصلحة العامّة بما هي مقصد عمراني. ولكن، لو نظرنا من قرب في مفهوم «الاستخلاف» لوجدناه المظهر العملي للأمانة، التي عدها بعض الباحثين الحرّية التي تعني إمكانيّة الاختيار والفعل وتشكيل العالم من قبل الإنسان العاقل بحكم مبدأ التّسخير الإلهي، وهذا هو مناط الاستخلاف؛ فعندما نذكر الاستخلاف، فإننا نفكّر في ثمرته، وهي إعمار الكون (العمران).
ومن هنا نصل إلى ما اتّفق عليه مفكّرون مسلمون كثيرون عملوا على تنقية الموروث الإسلاميّ ممّا علق به من شوائب الكِسرويّة، ومخلّفات الجاهليّة، وأوهام الميتافيزيقا اليونانيّة، وشطحات الصّوفيّة(صراحةً أو ضمناً)، إذ اقترحوا علينا منظومة قيم حاكمة أصيلة تتكوّن من ثلاثة أركان (مبادئ/ قيم/ مقاصد) هي: التّوحيد، والتّزكية، والعمران(5).
ولو تفكّرنا في هذه المفاهيم الثّلاثة لوجدناها تخضع لتصوّر وجوديّ قيميّ حركيّ، أو لأنطولوجيا براكسيولوجيّة (وجوديّة فعليّة)، إذ هي تشكّل تدرّجاً سهميّاً على محور إجرائيّ هو الاستخلاف:
*مقام التّوحيد: وفيه يتّجه نظر الإنسان إلى الخالق عزّ وجلّ وصفاته العليّة، ويتعلّق قلبه بحقيقة وحدانيّته،فيتّخذه الخالق سبحانه وليّاً له، ويمدُّه بتأييده وعونه. وهذه علاقة عموديّة.
*مقام التّزكية: وفيه يرتدّ النّظر إلى داخل الذّات (النّفس) وهو مشبع بقيمة التّوحيد والصّفات(الأخلاق) الإلهيّة، من: رحمة، وودّ، وعدل، وحكمة، وإبداع، وغير ذلك من الصّفات الّتي يجوز له الاقتداء به فيها، خلافا لصفات أخرى، مثل: الجبروت، والقهر الفوقيّ؛ فإنّها من اختصاصه تعالى، ويُنشِّئ الإنسان الموحّد ذاته من جديد انطلاقاً من نشأة الفطرة تنشئة تزكّيها، وتسمو بها إلى مرتبة العِباديّة. وهذه علاقة انعكاسيّة على الذّات (قبض).
* مقام العمران: وفيه ينظر الإنسان من حوله إلى العالم لينطلق فيه بالإعمار، ويقيم فيه العمران، بروح تزكّت بخُلُق التّوحيد المنافي للظّلم، والفساد، والجهالة، والمطابق للعلم، والحكمة، والخلق، والإبداع، والعدل، والرّحمة، والودّ. وهذه علاقة أفقيّة (بسط).
ولكنّ القيمة التي غفل عنها الباحثون في الفكر الإسلامي -كما لو أنهم استمروا من بعد السلف في نسيانها(6) هي قيمة الإنسان الذي كرّمه الله عزّ وجلّ ؛ أي منحه قيمة عليا، وخصّص له سورة قرآنيّة كاملة في كتابه العزيز، سمّاها الإنسان. فهو مركز العمران البشري، وبه يتمُّ، ومن أجله يُبنى. والإنسان -حقيقة- حاضر بشكل مغلّف في القيم العليا الثّلاث، وليس في قيمة العمران فقط؛ فهو المُوحِّد، والمتزكِّي إلى جانب كونه المعمِّر للكون، والمستخلَف فيه. لقد تفطّن الفكر الغربي الحديث لهذه القيمة، ولم يتفطّن لها الفكر الإسلامي (علم الكلام، والفلسفة الإسلاميّة، والفكر الإسلامي الإصلاحي الحديث، وجانب كبير من الفكر الإسلامي التّجديدي) بالرغم من أنّها ماثلة أمامه في القرآن الكريم. فقد ظلّ الإنسان في هذا الفكر حاضرا بصورة ضمنيّة فقط؛ لأنّ مفهوم «الإنسان» لم يُبْنَ إلّا في سياق الفكر الحديث (الكوجيتو الديكارتي)، وعلى أساسه بنى منظومة قيم حقوق الإنسان تاليا، وهو ما سيأتي تفصيل القول فيه عند تقديمنا منظومة القيم الحديثة.
ويمكن النّظر إلى قيمتي التّوحيد والتّزكية بوصفهما قيمتين مفعِلتين (في الإنسان، وفي العمران)، واعتبار قيمة الإنسان قيمة منفعلة (بالتّوحيد، والتّزكية)، وفاعلة (في ذاتها بالمجاهدة المعرفيّة، والرّوحيّة، والمادّية؛ وفي العمران بالإعمار، وإقامة العلاقات، والتّنظيمات المختلفة، والإنتاج) في الآن نفسه. أمّا قيمة العمران فنَعُدُّها منفعلة بفكر الإنسان، وخياله، وذوقه، وعمله؛ وفاعلة -على نحوٍ جدلي- في الإنسان؛ ذلك أنّ الإنسان ابن بيئته، وهو يتأثّر بظروف عيشه؛ من: بداوة، وحضارة، وقوانين، وأعراف، وغير ذلك.
ونحن هنا لم نتجاوز إلى هذا الحدّ الكلام عن منظومة القيم الحاكمة، أو منظومة القيم المركزيّة (الصمدي، 2008)، أو منظومة القيم المقاصدية العليا (ملكاوي، 2020)، لكنّ منظومة القيم الأصيلة كلّها هي أوسع من هذا كثيرا بطبيعة الحال، ولا بدّ من تحديد طريقة لضبطها. ويقترح علينا خالد الصّمدي اشتقاق القيم الفرعيّة من القيم المركزيّة،انطلاقاً من تحديد المجال القيميّ(7)، وذكر لذلك أربعة مجالات قيمية. وعند إمعان النّظر فيها، ندرك أنّ واحداً منها فقط يشمل القيم المتفرّعة من التّوحيد والتّزكية، وأنّ الثّلاثة المتبقية تشمل القيم المتفرّعة من قيمة العمران، في حين تشترك قيمة الإنسان (التي لم يذكرها الصمدي) مع قيمة العمران في المجال القيمي الرّابع الذي هو مجال القيم الإنسانيّة.
أمّا المجال القيميّ الّذي يحوي القيم المتفرّعة عن التّوحيد والتّزكية هو مجال القيم الذّاتيّة: مثل الإيمان، والتّقوى، والتّوكّل على الله، والإخلاص، والحياء، والطّهر، والعِفّة، والوقار...الخ.
أمّا المجالات القيميّة المحتوية على القيم المتفرّعة عن قيمة (أو مقصد) العمران، فهي:
*القيم الاجتماعيّة: مثل الصّبر، والكرم، والرّحمة، والعفو، والوفاء، والصّدق، والحبّ، والرّفق، والأمانة.
*القيم الوطنيّة: وهي أوسع دائرة من القيم الاجتماعيّة لأنّها تنتج عن الإحساس الجماعيّ بالقواسم المعنويّة المشتركة الّتي تجمع الجماعات المتباعدة، مثل قيم حبّ الوطن، والاعتزاز بالمقوِّمات الحضاريّة، والتّضحية من أجل حماية الخصوصيّات الدّينيّة والثّقافيّة، والغيرة على اللّغة والدّين.
*القيم الإنسانيّة: مثل العدل، والحرّيّة، والكرامة، والمساواة، والإنصاف، والتّسامح، والتّعارف، والتّعايش، والسّلم.
وبهذا نتحصّل على مصفوفة قيم أصيلة تشكّل -في حدّ ذاتها- منظومة قيميّة مترابطة العناصر. من ذلك مثلاً أنّ قيمة الإيمان الّتي توجد ضمن قيم التّوحيد تستوجب قيمة الحرّيّة الّتي توجد ضمن القيم الإنسانيّة، فمن دون حرّيّة يُمتنَع الإيمان، إذ الإيمان الصّحيح ينبع من اختيار حرٍّ بالكامل، وإلّا بقي مجرّد تقليد للآباء. وذلك الإيمان يمنح الإنسان قيمة الكرامة الأصليّة. وهكذا يمكن إيجاد روابط متشعّبة بين مختلف القيم الفرعيّة داخل كلّ مجال قيميّ وفي ما بين المجالات القيميّة.
فلسفة التّربيةِ الحديثةِ والمعاصرةِ وقيمُها
تستند التّربية الحديثة والمعاصرة إلى فلسفة الحداثة، وما بعد الحداثة، وقيمهما. وتقوم فلسفة الحداثة على مبدأين، هما: العقلانيّة، والفرد. ففي سياق الحداثة، وُلد الإنسان بما هو ذات واعية بوجودها من خلال فعلها المعرفيّ الذّاتيّ: «أنا أفكّر أنا موجود» (ديكارت). فميلاد الإنسان الفرد وميلاد العقلانيّة كونيّاً حدثان متزامنان أو هما لازمتان؛ لم يفكّر الإنسان ثمّ وُلد، ولم يُولد الإنسان ثمّ فكّر، بل في اللّحظة نفسها الّتي أصبح فيها الإنسان قادراً على التّفكير الذّاتيّ والتّخلّص من الوصاية، أمضى فعليّاً على شهادة ميلاده. وقبل ذلك كان تابعاً لغيره؛ لسيّد، أو لتقليد دينيّ ما؛ ما يعني أيضاً تفعيل قيمة الحرّيّة، والتّحرّر من الوصاية. «تجرّأ على أن تعرف! (Sapere aude) كن جريئاً في استعمال عقلك أنت! ذاك شعار الأنوار»(8). هكذا تكلّم كانط.
ونتيجة هذا التّحرّر فقد أصبح بإمكان الإنسان أن يفكّر لنفسه بنفسه، مثلما أصبح سيّدا؛ سيّداً لذاته و «سيّداً للطّبيعة ومالكها» (ديكارت). وما إن يذكر الاستخدام الحرّ للعقل حتى يذهب الفكر مباشرة إلى قيمة النّقد، والحقّ في الاختلاف، وحرّيّة الضّمير. ولأنّ الاختلاف حقّ؛ فإنّه يستدعي قيمة التّسامح. وحين نتجاوز الإطار المابين ذاتيّ الضّيّق إلى مستوى أكثر تعقّداً وتنظيماً، فإنّ حرّيّة التّعبير عن الرّأي، وحرّيّة النّقد، والحقّ في الاختلاف والقبول؛ كلّها تتكاثف في مبدأٍ قيميّ مواطنيّ سياسيّ أخلاقيّ هو الدّيمقراطيّة. وبتوسيع نطاق هذا المفهوم أكثر، ليشمل كلّ ما أصبح للإنسان الحرّ الحقّ فيه، (مثل الحقّ في التّنقّل، والحقّ في الملكيّة الفرديّة، والحقّ في الصّحّة، والحقّ في الشّغل، والحقّ في التّعليم)، فإنّنا نصل إلى مفهوم «حقوق الإنسان».
ومن ثمّ، فإنّ منظومة القيم التي تتبنّاها تربية الحداثة هي منظومة حقوق الإنسان ومبادئها. وفي هذا الإطار، يُربّى الفرد على الحرّيّة وعلى الاستخدام الحرّ للعقل، وعلى جعل تفكيره الحرّ هو مرجعه الذّاتيّ الأعلى ، فضلا عن حلّ مشكلة التّضارب بين الخيارات الفرديّة بمبدأٍ أخلاقيّ هو حرّيّة الضّمير والتّسامح، وبمبدأٍ سياسيّ هو الدّيمقراطيّة.
أمّا فلسفة ما بعد الحداثة، فتضيف -إلى ما سبق- فكرة نقد النّقد؛ أي الدّفع بمبدأ حرّيّة الفكر والاختيار إلى مداه الأقصى، فينتج من ذلك تعدّد أنماط المعقوليّة، وقيمة التّفهّم، وليس فقط مبدأ الفهم المفروض والمفترض من نشاط العقل كونيّاً. ومن ثمّ، فقد ظهرت مفاهيم وقضايا جديدة وسّعت نطاق مفهوم «حقوق الإنسان»، لتشمل الحقوق الثّقافيّة، وحقوق الأقلّيّات، والجندرة،والمثليّة، وغير ذلك. وهي إضافات تسرّ بعض الباحثين، وتُقلِق بعضهم الآخر.
وإذا عقدنا مقارنة سريعة بين فلسفة القيم الحديثة وفلسفة القيم ما بعد الحديثة من جهة،وفلسفة القيم الأصيلة (التّوحيد، والتّزكية، والاستخلاف، ومظهره المادّي والاجتماعي، والعمران)من جهة أخرى، فإنّنا نلحظ أنّ المرجع الأعلى لم يعد الله عزّ وجل وصفاته (التّوحيد)، وإنّما الإنسان المختزل في مكونه المعرفي؛ أي الذّات الحرّة المفكّرة العارفة. أمّا التّزكية فتعوّضها قواعد العيش المشترك، ووقوف حرّية الفرد عند حدود حرّية الآخر. وعندئذ يأخذ الاحترام مكان التقوى، ويأخذ الانصياع للقوانين مكان التّواضع، وخفض الجناح، والإيثار، والمودّة، والمعروف، واجتناب الظّلم والعدوان. وأمّا العمران فلن يكون ثمرة الوظيفة الاستخلافيّة ومظهرها النّشط، وإنما سيكون مخطّطا خماسيّا للدّولة مثلاً، أو مشروعا استثمارياّ للشّركة أو للفرد.
وهذه المقارنة أردناها حدّيّة قصداً، لا لنبرز ابتعاد منظومة القيم الأصيلة عن الحداثة، وإنّما لنبيّن الفقر القيميّ والأخلاقيّ والإنسانيّ لمنظومة القيم الحديثة الّتي تتجاهل المعنى والرّوح والوجدان.
ولكن، لو قمنا بمحاولات لـ «أجرأة» قيم المنظومة الأصيلة، لتحصّلنا على كلّ منافع منظومة القيم الحديثة وإيجابيّاتها، مع قيمة مضافة، هي التزكية التي محلّها الروح والوجدان. وعند التضحيةبالتزكية، فإنّنا نخسر الرّحمة، والمودّة، والإيثار، أو نكران الذّات، والصّبر عل الآخر ابتغاء وجه الله،والتّعفّف، والطّهر، ونقاء السّريرة، والتّواصي بالحقّ، والتّواصي بالصّبر. ولذلك اضطرّت الفلسفة الغربيّة إلى إضافة قائمة مكمّلة لقيمها، منها: التّعاطف، وأخلاق العناية، والضّيافة، والتّفهّم، وحتّى القبول -عند بعض الباحثين- بالعودة المسالمة إلى المقدّس(9).
عند تحييثه؟ أي إدراجه ضمن الشّرط الإنساني؛ إنّه يحيلنا -بكلّ تأكيد- إلى مبدأ الحرّية. فالاعتراف لله فقط بالعلوّ (العلّي)، والهيمنة (المهيمن) يعني رفض أيّ ادّعاء من البشر بذلك، ثمّ يعني التّحرّر من الهيمنة والوصاية. أمّا هيمنة الله تعالى على العالم والبشر فهي غير معيقة لنشاط الإنسان الحرّ؛ لأنّ هذا النّشاط يحتّم في كلّ الأحوال أخذ نظام العالم (الذي وضعه الخالق) بالاعتبار في كلّ مناشطه.
وبالعودة إلى فكرة اشتمال منظومة القيم الأصيلة على ما هو كونيّ ونافع حقّاً في منظومة القيم الحديثة، فإننا نقدّم مثالاً موضّحاً عن ذلك: إذا انطلقنا من مبدأِ التّوحيد، فماذا يعني مفهوم «التّوحيد» عند تحييثه؟ أي إدراجه ضمن الشّرط الإنساني؛ إنّه يحيلنا -بكلّ تأكيد- إلى مبدأ الحرّية. فالاعتراف لله فقط بالعلوّ (العلّي)، والهيمنة (المهيمن) يعني رفض أيّ ادّعاء من البشر بذلك، ثمّ يعني التّحرّر من الهيمنة والوصاية. أمّا هيمنة الله تعالى على العالم والبشر فهي غير معيقة لنشاط الإنسان الحرّ؛ لأنّ هذا النّشاط يحتّم في كلّ الأحوال أخذ نظام العالم (الذي وضعه الخالق) بالاعتبار في كلّ مناشطه، وهذا يصدق على الموحّدين وغير الموحّدين، وعلى المؤمنين بالله بأيّ طريقة كانت، وعلى المنكرين لوجوده؛ إذ للعالم قوانينه، وللعمران البشريّ قواعده الثّابتة الّتي لا تتبدّل، ولا تتحوّل تبعاً لاتّجاه البشر نحوها؛ قبولاً، أو إنكاراً.
غير أنّ الزّيادة الّتي نجدها عند المؤمن هي تزكية روحيّة تُغني منظومة قيمه بما يعود على الجماعة البشريّة بكلّ خير وسلام. وقد سبق ذكر طائفة من القيم المنبثقة عن القيمة المركزيّة الّتي هي التّزكية. وما كان للتّزكية أن توجد لولا قيمة التّوحيد. ومن ثمّ، فإنّ شكل العمران البشريّ ومضمونه سيكونان مختلفين، وهو مرتبط بهاتين القيمتين الحاكمتين.
وبهذا نقترب من ايضاح صورة منظومة قيم النّظام التّربويّ المنشود.
منظومة قيم النّظام التّربويّ المنشود:
قبل الشّروع في بناء منظومة القيم التي يتبنّاها هذا البحث، يجدر بنا توضيح مسألة علاقتنا بالآخر، وهل يجوز لنا - بوصفنا ﴿ .. خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ..﴾(آل عمران: 110) لنكون ﴿ .. شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ..﴾(البقرة:143)- الأخذ عن هذا الآخر، والإفادة منه؟
ذكر القرآن الكريم، إلى جانب الشّهود الحضاري والقيمي، قيمة أخرى تخصّ علاقتنا بالآخر، وهي قيمة التّعارف، وجعلها مقصدا من مقاصد الخلق والعمران البشري. قال تعالى: ﴿.. وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ..﴾(الحجرات: 13). فهل يكون التّعارف في الاتجاهين، وبطريقة تبادليّة، أم يكون في اتجاه واحد؟ هل نحن مطالبون اليوم حضاريّا وعلميّا وسياسيّا بالتّوجّه إلى الآخرين بروح التّفوّق (وليس لنا أيّ شرط من شروطه في الواقع، سوى ما وصى به القرآن الكريم الإنسان الخليفة كونيّا)،وبروح استعلائيّة (نحن نملك الحقيقة والمعرفة والقيم، وأنتم يا بقيّة الشّعوب وأمم العالم ضالّون، وجاهلون، وغير متخلّقين، ولا قيم لكم)، أم أنّ المطلوب هو الإسهام مع الآخر في بناء مشترك إنسانيّ قيميّ، وحقوقيّ، وعلميّ، وبيئيّ، وأمنيّ، واقتصاديّ، وتقنيّ، وتواصليّ؟ إنّ روح القرآن الكريم وفلسفته تدفع في اتجاه البِرّ، والقسط، والتّعارف، والتّبادل، والتّعاون على الصّلاح مع جميع أفراد شعوب العالم، وقبائله، وأممه، باحترام ومودّة إنسانيّة، وفق قاعدة «كلمة سواء»، وأرضيّة مشتركة. ومن ثمّ، فإنّه يمكن لغير المسلمين الإسهام في ترسيخ قيمة العمران لدى المسلمين، وتقديم خبراتهم في بنائه، بحسب حاجات المسلمين المنضبطة بقيمتي التّوحيد والتّزكية، وكذلك يمكن للمسلمين إفادة بقيّة العالم بخبراتهم في هذا المجال الحضاري.
والآن، وبعد تقديم هذا التّوضيح المنهجي، سنشرع في تشكيل منظومة القيم التي نتبنّاها، مستفيدين من المعطيات والأفكار التي سبق ذكرها في العنصرين الفرعيّين السّابقين.
إذا كان ممكنا لمنظومة القيم الأصيلة أن تحيط بكلّ المجال الوجوديّ والرّوحيّ والعمرانيّ للإنسان الفرد وللإنسانيّة جمعاء؛ نظراً إلى ارتباطها الأساسيّ بموجد الوجود، وتعبيرها عن وظيفة الإنسان الاستخلافيّة (سيادته على الطّبيعة سيادة أمانة، لا سيادة عدوان، واستنزاف أهوج، واستنزاف محموم) واندراجها ضمن منظور فلسفيّ وجوديّ شهوديّ (الإيمان بالغيب، وربط عالم الشّهادة به من خلال النّشاط الرّوحيّ، والتّزكية، والعمل الصّالح)؛ فهل توجد منظومة قيميّة أخرى أفضل وأكمل من هذه، بحيث يمكن تبنّيها لنظامنا التّربويّ المنشود؟ أي، ماذا يمكن أن تضيف منظومة القيم الحديثة إلى المنظومة الأصيلة؟
في الحقيقة، لا يوجد عاقل يشيح بنظره عن قيم حداثيّة أساسيّة، مثل: العقل، والحرّية، والنّقد،والإنسان، والمواطنة، والحقّ في الاختلاف، وغير ذلك من القيم التي يمكن عدّها -حقيقة- قيما كونيّة إذا تعفّفت من شحنتها المذهبيّة المادّية، والايديولوجيّة العلمانيّة. ولكن، ما نسبة هذه القيم إلى المنظومة القيميّة الأصيلة؟ هل يمكن عدّها مندرجة ضمنيّا فيها عن طريق مبدأ التّوحيد ومبدأ الاستخلاف مثلا؟ نعم، ولا. نعم؛ لأنّ التّوحيد يفرز -بعد انعكاسه على العلاقات الاجتماعيّة بين الأفراد والقوى الاجتماعيّة- حرّية، وكرامة، ومساواة، واستخداما حرّا للعقل، وحقّا لا جدال فيه في الاختلاف، وكلّ حقوق الإنسان والمواطنة ذات القيمة الكونيّة فعلا. وبالرّغم من ذلك، فإنّه لا يمكن ردّ كلّ منظومة القيم الأصيلة إلى منظومة القيم التي ظهرت مع الحداثة وبالحداثة.
وتوجد مسألة أساسيةّ تختلف فيها المنظومة الأصيلة عن المنظومة الحديثة، وتتمثّل في الاتّجاه الوجوديّ: أهو شهوديّ أم جحوديّ؟ هل هو تسليم بالغيب وشهادة بعجز العقل البشريّ عن إدراك كلّ ما في الوجود وحاجته في ذلك إلى الوحي، أم هو إنكار للغيب وادّعاء بقدرة العقل على الإحاطة الشّاملة بكلّ ما في الوجود؟ إنّ لكل من هذين الاتجاهين استتباعاته على المعنى الذي نضفيه على مختلف القيم المندرجة في المنظومة؛ فقيمة الحرّية من منظور شهوديّ هي غير الحرّية من منظور جحوديّ. والحرّية الشّهوديّة حرّية توحيديّة فيها تواضع، ورحمة، ولطف، وسلام، وعدل، وإنصاف؛ إنّها قيم مستمدّة كلّها من الإيمان، وخشية الله خشية تعظيم ومحبّة. أمّا الحرّية المفتقدة للإيمان، فقد تنقلب إلى طغيان، واستعمار، وهيمنة، وظلم، وعدوان (10). وهذا ما نلحظه اليوم على معظم الدّيمقراطيّات الغربيّة الكبيرة. وفي ذلك، قال عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا إدغار موران: «إن العلمنة قد نزعت من رؤية المجتمع الأخلاقيّة قوّة الأمر الدّينيّ، هادفة بذلك إلى اقتراح أخلاقيّة جديدة عابرة للجماعات الدّينيّة والإثنيّة. فلسفة كانط الأخلاقيّة من الأمثلة البارزة على ذلك»(11) ولكنّ التّنزيل الفعليّ لهذه الفلسفة الأخلاقيّة المثاليّة- المنزّه عن كلّ غرض غير الخضوع للواجب بالمعنى العقليّ الكونيّ- ظلّ محدوداً جدّاً وهامشيّاً(12).
وفي سياق متصل، رفض الفيلسوف المغربيّ طه عبد الرّحمن، في كتابه «سؤال الأخلاق: مساهمة في النّقد الأخلاقي للحداثة الغربيّة»، مقولة الخضوع للواجب بالمعنى العقلاني الكوني، مستندا في ذلك -على ما يبدو- إلى نقد وجّهه إلى هذا الطّرح أحد الفلاسفة الغربيّين المعاصرين(13) (Perelman)؛ يتمثّل هذا النّقد في القول بأنّ كانط قد مارس نوعاً من التّمويه (علمنة الدّين المسيحيّ من طريق المبادلة والمقايسة)(14) لإخفاء دور الدّين في بناء الحكم الأخلاقيّ.
ولذلك يمكن القول إنّ مزيّة المنظومة القيميّة الحديثة، من النّاحية العمليّة في الجانب العمرانيّ، ليست في التّأسّس في مبدأِ الواجب الكونيّ؛ فقد ظلّ ذلك مجرّد طرح فلسفيّ نظريّ مقتبس بطريقة مواربة من الرّؤية الدّينيّة، من دون توافر شرط الإيمان ضرورة، وإنّما تتمثّل مزيّتها في صبغتها الإجرائيّة القانونيّة؛ إذ إنّها قابلة لاتخاذ صيغ مقنّنة بالتّحوّل إلى مبادئ دستوريّة، أو فصول قانونيّة،ثمّ إيجاد ضمانات مادّيّة لتطبيقها؛ أي تطبيقها بقوّة القانون(15). وبالرغم من ذلك تظلّ الحاجة قائمة إلى الاقتناع الوجدانيّ والوازع الدّينيّ في الالتزام بالقيم الّتي تندرج في منظومة حقوق الإنسان والمواطنة؛ ذلك أنّ مجرّد الحسّ المدنيّ لا يضمن دائماً احترام تلك القيم، وهو ما سلّم به، واتّفق عليه، كلّ من الفيلسوف هابرماس والكاردينال جوزيف رتزنغار(البابا بنيديكت السّادس عشر، لاحقا)، عندما تصوّرا أُسُساً ما قبل سياسيّة للدّولة الدّيمقراطية(16).
وبهذا نصل إلى منظومة القيم الّتي ننشدها لنظامنا التّربويّ في عالمنا المعاصر؛ إنّها منظومة قيم استخلافيّة شهوديّة تجعل التّوحيد قيمتها العليا الأولى، وتحتفظ بقيمة التّزّكية قيمة عليا أيضاً، لأنّها انعكاس للتّوحيد في التّكوين النّفسيّ- القيميّ للإنسان، ثمّ تأتي على مقصد العمران بروح الأمانة؛ هذه الحرّيّة الموهوبة من الله، والمستخلَفة في خلق الله طبيعة واجتماعاً بشريّاً، فتفرّع منه ما هو كونيّ حقّاً في منظومة القيم الحديثة مثل حقوق الإنسان، الّتي كانت محجوبة عن الوعيّ في تراثنا؛ بحكم تأخّر ولادة الإنسان فيه، لأسباب لاهوتيّة وسياسيّة، ومثل المواطنة بمفهوميها: الوطنيّ والعالميّ، ومثل قيمة الدّولة الحديثة الدّيمقراطيّة، وقيمة العمل المعقلن، وحماية البيئة أو البيوتيقا(أخلاقيات الطّبّ والبيولوجيا)، وأخلاق الحياة بصفة أعمّ(17)، وقيمة الجودة، والفاعليّة، والفعّاليّة، والتّضامن، وأخلاق العناية، وغير ذلك من القيم المنسجمة مع روح المنظومة الأصيلة، الّتي تظلّ دائماً لدى الجماعة المؤمنة تحت رقابة قيمها العليا الحاكمة، لا سيّما التّوحيد والتّزكية. وهذه القيم تَسَعُ المؤمنين وغير المؤمنين بالرغم من أصولها التّوحيديّة، لأنّها من روح استخلافيّة كونيّة تشمل الإنسانيّة جمعاء.
وإجرائيّا، سنستحضر هذه التّوليفة من القيم الأصيلة والمقاصد العليا الحاكمة، ومن القيم الحداثيّة والمعاصرة المتّسقة معها ضمن مقصد العمران. فلننظر الآن في هذه القيم وحضورها في النّظام التّربوي الجامعي في القسم الموالي من البحث، الذي هو القسم التّطبيقي.
الهوامش
(1) علي خليل مصطفى، القيم الإسلامية والتربية، بيروت: دار طيبة، ط. 1، 1980م، ص. 34.
(2) محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثّقافة العربيّة (نقد العقل العربي، 4)، ط. 6، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2014.
(3) المرجع السابق، ص.ص 627-628.
(4) المرجع السابق، ص. 630.
(5) من بينهم طه جابر العلواني في دراسته: ‹›من التّعليل إلى المقاصد القرآنية العليا الحاكمة››، مجلة إسلامية المعرفة، السنة (12)، العدد (46- 47)، خريف وشتاء 2006- 2007م، ص. 6، ذكره فتحي حسن ملكاوي في كتابه منظومة القيم المقاصدية وتجلياتها التربوية، هرندن- فرجينيا- الولايات المتحدة الأمريكية: منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى 1441ه/ 2020م، ص. 15.
ومن بينهم أيضا عبد الحميد أبو سليمان في كتابه: أزمة الإرادة والوجدان المسلم البعد الغائب في مشروع إصلاح الأمة، إصدارات مؤسسة تنمية الطفولة، منشورات دار الفكر، 2004. وكذلك خالد الصّمدي في كتابه القيم الإسلامية في المنظومة التربوية، الرباط: منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة- إيسييكو، 1429ه/ 2008م. ص. 37.
(6) انظر فصل «لماذا غاب الإنسان في تراثنا القديم؟» في كتاب حسن حنفي دراسات إسلامية، التنوير، 1982
(7) خالد الصّمدي، القيم الإسلامية في المنظومة التربوية، مرجع سبقت الإشارة إليه، ص. ص. 38 - 39.
(8) كانط، إمانويل، ثلاثة نصوص: تأملات في التربية، ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير، تعريب وتعليق محمود بن جماعة، صفاقس- تونس: دار محمد علي الحامي للنشر، ط. 1، 2005، ص. 85.
(9) انظر مثلا: Debray, R. (2001). Dieu, un Itinéraire, Editions Odile Jacob,.
وانظر حوار رجيس دوبري مع إليزابيت ليفي في Le Point 1902 / 26 février 2009.
(10) حدثت في التاريخ الإسلامي دون أدنى شكّ حوادث ظلم وطغيان كبيرة وكثيرة، ولكنها جاءت نتيجة الانحراف عن منظومة القيم الأصيلة وليس بسبب استبطانها وتفعيلها. أما الضمير الغربي المعاصر فلا يشعر بأي حرج بالتزام أقصى درجات الديمقراطية داخل البلاد الغربية ومساندة كيان استيطاني إجرامي صهيوني في كل ما يأتيه من جرائم في حق أصحاب الأرض العرب، وفي العدوان على كثير من البلدان العربية والإسلامية وسرقة ثرواتها، مع استخدام حق باطل هو حق الفيتو لنقض أي قرار يدين تلك الجرائم. وزيادة على هذا لا ترى كثير من حكومات دول يصفونها بالعراقة في الديمقراطية، غضاضة في مساندة أنظمة دكتاتورية في البلدان العربية، طالما أنها تضمن لها تحقيق مصالحها غير المشروعة في سرقة ثروات تلك البلدان. فهذا إذن مفهوم فاسد للحرية لا يتجاوز حرية الأنا الأنانية وحرية القومية العنصرية. فأين هذا المفهوم للحرية من قيمة التعارف القرآنية ونهي القرآن الكريم الصّريح عن العدوان تحت أي ذريعة كانت؟!
(11) انظر Edgar Morin (2004). Éthique (La Méthode 6), Éditions du Seuil, Paris, p. 19.
(12) نفسه.
(13) يحيل طه عبد الرحمن، في كتابه سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، بيروت: الدار البيضاء، ط. 3، 2006، في ص. 39، إلى Perelman, C. (1980). Introduction à la philosophie morale, Bruxelles, Editions de l’université de Bruxelles, p. 127.
(14) هذا التّمويه اتخذ شكل «علمنة للدين المسيحي» عبر تمشّيين اثنين، هما:
1. طريق المبادلة: أي بدل أخذ المقولات المعهودة في الأخلاق الدّينية، تؤخذ مقولات أخلاقيّة مقابلة لها غير معهودة بنفس الاستخدام النّظري في هذه الأخلاق، مثل استبدال مفهوم «الإيمان» بمفهوم «العقل»، و«الإرادة الإلهية» بـ«الإرادة الإنسانية»، و«محبّة الإله» بـ«احترام القانون»، و»التّنزيه» بـ «التجريد»...الخ.
2. طريق المقايسة: أي تقدير الأحكام الأخلاقيّة العقليّة على مثال الأحكام الأخلاقيّة الدّينية. من بين مظاهر هذه المقايسة، أن تقابل الأخلاق المقرّرة من العقل المجرّد بالأخلاق المقرّرة من الدّين، وتبعا لذلك يقابل مصدر الأخلاق الأولى الذي هو العقل الإنساني، بمصدر الأخلاق الثّانية الذي هو العقل الإلهي أو الإرادة الإلهيّة...الخ.
(15) لم تكن هذه الأجرأة ممكنة بيسر خلال المراحل الأولى من نشأة العقل الفقهي الإسلامي المشدود إلى النّص، فكان كلّ همه هو استنباط ما هو حرام وما هو حلال وما هو مباح (ومندوب ومكروه) من النّص إمّا بالاستخراج المباشر أو من طريق القياس أو الاستحسان، ولكنّه أصبح ممكنا مع ظهور مفهوم المصلحة ومفهوم المقاصد الشّرعيّة.
(16) انظر حوار الكاردينال جوزيف رتزنغار(البابا بنيديكت السادس عشر، لاحقا) مع الفيلسوف الألماني يورغن هابرمس
Jürgen Habermas et Joseph Ratzinger,Echanges sur «les fondements prépolitiques de l’État démocratique»,Revue Esprit, juillet 2004
(17) Edgar Morin (2004). p.188
|




