بهدوء

بقلم
د.ناجي حجلاوي
تفسير الطّبري في ميزان المنهج التّاريخي (الحلقة 4/4)
 لكلّ عمل ثقافيّ خاصّيّات تميّزه عن غيره، ولا سيّما إذا كان عملا متكاملا مثل تفسير الطّبريّ. ولمّا كانت المناهج المساعدة على الدّراسة عديدة ومتنوّعة، فإنّ المنهج التّاريخيّ واحد من أهمّ هذه المناهج. ولعلّ أهمّ المزايا في هذا المنهج تكمن في تنزيل الموضوع المدروس ضمن إطاره المحدّد في فضاء المتغيّرات الاجتماعيّة والتّاريخيّة، والإبانة عن نواقصه المعرفيّة بغضّ النّظر عن الأسباب الدّاعية إلى ذلك. فسلطة المفسّر في القرون الإسلاميّة الأولى قد نبعت من سلطة النّصّ المقدّس، في عصر كانت السّلطة السّياسيّة شديدة الرّغبة في اكتساب الشّرعيّة من خلال توظيف القائمين على الشّأن الدّينيّ. فما هي آثار هذه الملابسات في تفسير الطّبريّ؟
قسّمنا هذه الدّراسة إلى أربع حلقات تنشر بحول اللّـه متتالية، تضمّنت الحلقة الأولى (العدد225) تقديما عامّا للبحث، وبيان أهمّيّة الزّمن والتّاريخ في النّصّ القرآنيّ، وبدايات التّفسير، وصولا إلى طرح الإشكاليّة حول آثار الملابسات التّاريخيّة والسّياسيّة في تفسير الطّبريّ، ثمّ تعريفا لشخصيّة الإمام الطّبريّ، ومسيرته العلميّة وأبرز مؤلّفاته. وسلّطت الضّوء في الأخير على الجذور العربيّة الأولى «للمنهج التّاريخيّ» الّذي سيعتمد في الدّراسة. وفي الثّانية (العدد226) تناولنا مسارات هذا المنهج وحدوده المعرفيّة، وتقاطعه مع علم التّفسير، ثمّ دخلنا إلى صميم تفسير الطّبري «جامع البيان» لنرى كيف وظّف الطبري منهجه الجامع للأخبار، ونظرته لمسألة التأويل، واشتراطه الصارم للإلمام باللغة العربية، وتقييم ذلك في ضوء تطور المعرفة الإنسانية. أمّا في الحلقة الثالثة (الحلقة السّابقة) فقد تطرّقنا إلى المعضلة الكبرى المتمثّلة في تأثير الرّواية المفرط على منهج الطّبريّ وموقفه المتشدّد حيال التّأويل بالرّأي ومسألتي العموم والنّسخ. وسنختم في هذه الحلقة (الرّابعة والأخيرة )بحثنا  باستعراض  تأثير خلفيّة الطّبري الفقهيّة، وكيف أدّى منهجه النّقليّ الجامع إلى تسرّب الأساطير والإسرائيليّات داخل تفسيره، وانعكاس الثّقافة الرّسميّة على ذلك المنجز.
1. المرجعيّة الفقهيّة وسلطة الإجماع في توجيه التّفسير 
إنّ تعدّد المنازع العلميّة لدى الطّبري جعلته ينهل من مشارب مختلفة. فهو بالإضافة إلى الاستفادة من التّاريخ وسُبل التّحقيق في الأخبار والآثار وتقليب الوقائع ومعالجة الأحداث، نُلفيه يحضر بقوّة بوجهه الفقهي. ولاغرو في ذلك، فهو فقيه وصاحب مذهب يُعرف «بالجَريريّة» ، يقول السّيوطي: «لابن جرير الطّبري كتاب بعنوان « أحكام شرائع الإسلام» ضمّنه مذهبه الّذي اختاره وجوّده واحتجّ له، وكان أوّلا شافعيّا، ثمّ انفرد بمذهب مستقلّ وأقاويل واختيارات، وله أتباع ومقلّدون»(1). ومن ثمّ يعتمد على الإجماع وبه يعتدّ ويجعله المرجع والحجّة عند اضطراب الأقوال واختلافها. وأوّل إجماع لديْه هو إجماع الصّحابة استنادًا إلى إجماعهم على الصّلاح. والتّابعون لدى هذا المفسّر جزء من الإجماع، ففي معرض تأويله للآية: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾(الفاتحة: 6)، يورد قوله: «ما ينبئ عن خطأ هذا التّأويل، مع شهادة الحجّة من المفسّرين على تخطئته، وذلك أنّ جميع المفسّرين من الصّحابة والتّابعين مُجْمعون على أنّ معنى الصّراط في هذا الموضع غير المعنى الّذي تأوله قائل هذا القوْل» (2). 
ومن هذا المنطلق يحكم الطّبري على بعض الأفهام والتّأويلات بالفساد لمخالفتها أقوال الصّحابة والتّابعين، يقول مُعلّلاً: «لخروجه عن أقوال جميع الصّحابة والتّابعين، ومن بعدهم من المخالفين من أهل التّفسير والتّأويل، فكفى دلالة على خطئه شهادة الحجّة عليه بالخطأ» (3)، وقد سُمّيَ هذا الإجماع بإجماع أهل التّأويل أو أهل العلم. وسلطة الإجماع عند الطّبري لا تقتصر على مستوى فهم الآيات وتأويلها، وإنّما تتعدّاه لتطال مسألة القراءات.  فهو شديد الحرص على الظّفر بالقراءة المجمع عليها. وما كان على هذا الحال، فهو أولى بالاعتبار والاتّباع، ففي معرض تفسيره للآية 70 من سورة البقرة 2 يقف عند لفظة «تَشًبَهَ» المتعلّقة بالبقر، أو تَشَّابَهُ، أو يُشَابَهُ، وفي ذلك أورد: «والصّواب في ذلك من القراءة عندنا: «إنّ البقر تَشَبَهَ» بتخفيف شين تشابه، ونصب هائه، لإجماع الحجّة من القراء على تصويب ذلك، ورفعهم ما سواه من القراءات، ولا يُعترض على الحجّة بقول من يجوز عليه، فيما نقل، السّهو والغفلة والخطأ» (4). 
والحاصل، أنّ القراءة غير المندرجة في إطار الإجماع تُعتبر لديْه قراءة شاذّة لا تجوز القراءة بها. وهكذا طبّق الطّبري أغلب معارفه الفقهيّة والأصوليّة، وهو الّذي مهّد لمنْ جاء بعده أن ألّفوا في أحكام القرآن كابن تيميّة، وجلال الدّين السّيوطي، والقرطبي. وهو بهذا الحرص على الإجماع النّابع من الفقه وأصوله قد غذّى طريقة الاتّباع واقتفاء آثار الأوّلين ما سيتحوّل، لاحقًا، إلى منهج في التّعامل مع الكلام الإلهي بشكل اتّباعي صارم يعتبر أنّ إعمال الرّأي خاطئ وإنْ أصاب، فالقرآن «لا يجوز لأحد القول فيه برأيه لأنّ القائل فيه برأيه مخطئ، وإن أصاب الحقّ لأنّ هذه الإصابة ليست إصابة موقن أنّه على حقّ وإنّما هي إصابة خارص وظانّ، والقائل في دين الله بالظّنّ مدّع على الله بما لا يعلم، وذلك محرّم في كتابه على عباده» (5).  وسيصبح التّفسير على ضربيْن: محمود ومذموم. والتّرجيح يندرج داخل هذا الإطار وهو ما يعبّر عنه بالرّأي المحمود، محمود لأنّه لا يتجاوز الحدود الّتي رسمتها له الرّواية ولو تجاوزها لعُدّ رأيًا مذمومًا، فالطّبري لا يكتفي بعدم الالتفات إلى التّفسير بالرّأي بل يتصدّى له «ويؤكّد التّصويب المطلق للعلم المؤسّس على صحابة الرّسول وتابعيهم، والرّواية الّتي يؤيّدها التّوارث المتسلسل والّذيوع المطّرد أيْ النّقل المستفيض على أنّهما الطّابع الوحيد لصواب التّفسير» (6). وهكذا انخرط التّرجيح في خدمة النّقل والرّواية. 
2. هيمنة النّقل وتسرّب الإسرائيليّات والأساطير إلى التّفسير 
والّذي لا مراء فيه أنّ غلبة النّقل في تفسير الطّبري قد أدخله في دهاليز المرويّات المفعمة بالأساطير والأفكار الموغلة في الغرابة وهو نمط من التّفكير تسرّب إلى التّفسير عن طريق الّذين أسلموا باكرًا من أهل الكتاب من أمثال كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام ، وعبد الله بن صُوريا وهو ما سيُطلق عليه لاحقًا اسم الإسرائليّات. ومن ذلك نُورد أمثلة دالّةً، فعن السّدي أنّ الّذي ضرب البحر هو هارون بمناسبة خروج بني إسرائيل من مصر، فرفض البحر وأبى أن ينفلق حتّى تدخّل موسى (7). ومن ذلك أيضا محاورة موسى لربّه حين قال له: «يا ربّ هذا السّامري أمرهم أن يتّخذوا العجل، أرأيت الرّوح من نفخها فيه؟ قال الرّب: أنا. قال: ربّي إذا أنت أضللتهم» (8). وانظر إلى تصويره عمليّة ملاحقة فرعون لموسى ومن معه ساعة الخروج، يقول: «وكان فرعون على فرس أدهم ذنوب حصان، فلمّا هجم على البحر هاب الحصان أن يقتحم في البحر، فتمثّل له جبريل على فرس أنثى وديق. فلمّا رآها الحصان تقحّم خلفها، وخرج في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يعُدُّون ابن العشرين لصغره ولا ابن السّتين لكبره، وإنّما عدّوا ما بين سوى الذريّة» (9). 
ومن ذلك أيضا ما أورده عن وهب بن منبّه فيما يتعلّق بقصّة آدم في الجنّة: من أنّه لماّ أسكن الله آدم وذرّيته، أو زوجته الجنّة ونهاه عن أكل الشّجرة وكانت شجرة غصونها متشعّبة بعضها في بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلودهم وهي الثّمرة الّتي نهى الله آدم عنها وزوجته، فلمّا أراد إبليس أن يستزلّهما دخل في جوف حيّة وكانت للحيّة أربع قوائم كأنّها بُختيّة من أحسن دابّة خلقها الله. فلمّا دخلت الحيّة الجنّة خرج من جوفها إبليس فأخذ من الشّجرة الّتي نهى الله عنها آدم وزوجته، فجاء بها إلى حوّاء، فقال: انظري إلى هذه الشّجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها، فأخذت حوّاء فأكلت منها، ثمّ ذهبت بها إلى آدم، فقالت: اُنظر إلى هذه الشّجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها فأكل منها آدم فبدت لهما سوءاتهما، فدخل آدم في جوف الشّجرة، فناداه ربّه: يا آدم أين أنت؟ قال: أنا هذا يا ربُّ، قال: ألا تخرج، قال: أستحي منك يا ربّ، قال: ملعونة الأرض الّتي خُلقت منها لعنة يتحوّل ثمرها شوكًا، قال: ولم يكن في الجنّة ولا في الأرض شجرة كان أفضل من الطّلح والسّدر، ثمّ قال: يا حوّاء أنتِ الّتي غررت عبدًا فإنّك لا تحملين حملاً إلاّ حملته كرهًا، فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك أشرفتِ على الموت مرارًا، وقال للحيّة: أنت الّتي دخل الملعون في جوفك حتّى غرّ عبدي، ملعونة أنتِ لعنة تتحوّل قوائمك في بطنكِ، ولا يكن لكِ رزق إلاّ التّراب، أنت عدوّة بني آدم وهم أعداؤكِ حيث لقيتِ أحدًا منهم أخذتِ بعقبه وحيث  لقيك شدخ رأسكِ، قال عمر: قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء (10). 
وقد وجد الخيال متّسعًا ومجالاً حيويًّا، لدى الطّبري، في تأليف قصّة يأجوج ومأجوج بمختلف فصولها فجاد بأوصاف تخرج عن حدود المنطق وتتجاوز المعقول استنادًا إلى الرّاوي ذاته وهو وهب بن منبّه اليماني ذو الاطّلاع الواسع على الأخبار القديمة والعلم الغزير بالإسرائيليّات وصحف أهل الكتاب، فذو القرنيْن قد وجدهم على مقدار واحد ذكرًا وأنثى يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع لهم مخالب في مواضع الأظفار وأضراس كأضراس السّباع وأحناك كأحناك الإبل قوّة تسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل، وهم هلب لهم من الشَّعر في أجسادهم ما يواريهم، ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان إحداها وبرة ظهرها وبطنها تسعانه، إذا لبسهما يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيّف في أحداهما ويشتّي في الأخرى، وليس منهم ذكر ولا أنثى إلاّ وقد عرف أجله الّذي يموت فيه ومنقطع عمره وذلك أنّه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد، وهم يرزقون التّنّين أيّام الرّبيع ويستمطرونه إذا تحيّنوه، فيقذفون منه كلّ سنة بواحد، فيأكلونه عامهم كلّه إلى مثله من العام القابل، فيغنيهم عن كثرتهم ونمائهم، فإذا أمطروا أخصبوا وعاشوا وسمنوا ورؤي أثره عليهم فدرّت عليهم الإناث وشبقت منهم الرّجال الذّكور، وإذا أخطأهم هزلوا وجفرت الذّكور وحالت الإناث وتبيّن ذلك عليهم وهم يتداعون تداعي الحمام ويعوون عواء الكلاب ويتسافدون حيث التقوا تسافد البهائم. (11) 
ونكتفي من هذه الشّواهد بإيراد التّصوّر الّذي يحمله الطّبري حوْل الوعي بالكوْن من خلال ما يُريده في معرض تفسيره للآية الأولى من سورة القلم من أنّ: «النّون حوت عظيم فوق الماء بسطت عليه الأرضون» (12). وهو ما فتح المخيال أمام بقيّة المفسّرين من بعده وهم متأثّرون «بجامع البيان» من خلال كثرة رجوعهم إليه والإحالة عليه، فهذا ابن كثير يقول في تفسيره للآية نفسها: «إنّ النّون حوت على تيّار الماء العظيم المحيط، وهو حامل للأرضين السّبع خلقه الله فوق الماء ثمّ كبس الأرض عليه» (13). وأمّا البغوي فيقول في تفسيره «معالم التّنزيل: إنّ الله خلق النّون وبسط الأرض على ظهره فتحرّك النّون فمادت الأرض فأُثبتت بالجبال. ثمّ إنّ الجبال لتفخر على الأرض. وقد اختلفوا في اسم هذا الحوت، فقال الكلبيّ: اسمه يهموت، وقال الواقدي: ليوثا، وعن عليّ أنّ اسمه بلهوث. وقالت الرّوّاة: لما خلق الله الأرض وفتقها بعث من تحت العرش ملكًا فهبط إلى الأرض حتّى دخل تحت الأرضين السّبع فوضعها على عاتقه، إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب، باسطتيْن قابضتيْن على الأرضين السّبع، حتّى ضبطها فلم يكن لقدميْه موضع قرار، فأهبط الله عزّ وجلّ من الفردوس ثورًا له أربعون ألف قرن وأربعون ألف  قائمة، وجعل قرار قدميْ الملك على سنامه، فلم تستقرّ قدماه فأخذ الله ياقوتة خضراء من أعلى درجة في الفردوس غلظها مسيرة خمسمائة عام فوضعها بين سنام الثّور إلى أذنه فاستقرت عليها قدماه، وقرون ذلك الثّور خارجة من أقطار الأرض، ومنخراه في البحر فهو يتنفّس كلّ يوم نفسًا فإذا تنفّس مدَّ البحر وإذا ردّ نفسه جزر البحر. فلم يكن لقوائم الثّور موضع قرار فخلق الله تعالى صخرة كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين، فاستقرّت قوائم الثّور عليها وهي الصّخرة التّي قال لقمان لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ﴾( لقمان: 16)، ولم يكن للصّخرة مستقرّ، فخلق الله نونًا وهو الحوت العظيم، فوضع الصّخرة على ظهره وسائر جسده خال والحوت على البحر، والبحر على متن الرّيح، والرّيح على القدرة. يقال: فالدّنيا كلّها بما عليها حرفان، قال لها الجبار: جلّ جلاله كوني فكانت. وقال كعب الأحبار: إنّ إبليس تغلغل إلى الحوت الّذي على ظهره الأرض فوسوس إليه، فقال له: أتدري ما على ظهرك يا لوِيثا من الأمم والدّواب والشّجر والجبال لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك، فهمّ لوِيثا أن يفعل ذلك فبعث الله دابّة، فدخلت منخره فوصلت إلى دماغه، فعجّ الحوت إلى الله منها فأذن لها الله فخرجت. قال كعب: فوالّذي نفسي بيده إنّه لينظر إليها وتنظر إليه إن همَّ بشيء من ذلك عادت كما كانت» (14). 
إنّ أخذ الطبري بهذه المرويات يتعارض رأسًا مع القواعد النّظريّة الّتي اشترطها في المفسّر. لذلك كان تفسيره في حاجة إلى تعقّب مثل هذه الرّوايات (15) . ولعلّ هذا المنطلق في ضرورة تحكيم العقل في المسائل الإيمانيّة والشّرعيّة هو الّذي حدا بالنَّظَّام إلى التّصدّي إلى ما يرومه بعض المفسّرين من جري وراء ما لم تألفه النّفس ولم تتعوّد عليه العقول. يقول فيما روى الجاحظ عنه: «لا تسترسلوا إلى كثير من المفسّرين وإن نصّبوا أنفسهم إلى العامّة وأجابوا في كلّ مسألة فإنّ كثيرًا منهم يقول بغير رواية على غير أساس وكلّما كان المفسّر أغرب عندهم كان أحبّ إليهم» (16) . 
3. السّياق السّياسيّ وحدود المنهج التّقليديّ 
والأكيد أنّ الطّبري في اشتغاله بالتّاريخ لم يستفد كثيرًا في ترشيد الفعل التّفسيري إذ اندمج لديْه الوعي الخرافي بصدق الآيات القرآنيّة. ويبدو أنّ الانجذاب إلى العقل الإعجازي هو المُبرّر الأساسي لاستساغة هذه الأوهام والأباطيل، لكن المنهج التّاريخي في حلقاته المتتالية كشف، بما لا يدعو إلى الشّكّ، عن طبيعة هذا الوعي المُنجذب إلى أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، هي من صنع البشر في ارتكانهم إلى أمريْن: إمّا الجهل بحقيقة الوحي، وإمّا القصد إلى الإساءة إلى الفهم السّليم لآيات القرآن الكريم. وهذا الأمر يزداد رسوخًا، لدى الدّارس، عندما يضع الطّبري وعمله ضمن الثّقافة الرّسميّة للدّولة العبّاسيّة حيث تتجلّى عملية توظيف الدّين في خدمة السُلطان. وها هو الطّبري في تفسيره يشعر بالحرج من ذكر الاسم الكامل لعبد الله بن مسعود باعتباره صاحب قراءة وهو من أهل الكوفة المعروفة بمناوأتها للسّلطة العبّاسيّة (17). وفي حقيقة الأمر ترجع علاقة ابن مسعود المتوتّرة بالسّلطة الرّسميّة إلى فترة الخليفة الثّالث عثمان بن عفان حيث كان يُعارض سياسة والي الكوفة، وقد كان هذا الصّحابي خازنا لبيت مال هذه الولاية، وقد اقترض عاملها مالا منه لكنّه تأخّر في إرجاعه. ولمّا طالبه ابن مسعود بدفعه راجع العامل عثمان في الأمر، فما كان من الخليفة إلاّ أن كتب لعبد الله وهو يعتقد أنّه يحطّ من قدره: إنّما أنت خازن لنا (18). وقد أثار كلود جيليو هذه المسألة بوضوح حين قال: إنّ الطّبري لا يذكر دائما أسماء القرّاء الّذين لا يقبل بقراءتهم، كما سلفت الإشارة إلى أنّه مولع باستعمال عبارات عامّة مثل قراءة أهل الكوفة أو قراءة أهل الحجاز (19). 
وإلى هذا الحدّ يتسنّى للمرء ملاحظة معضلة العقل التّفسيري الموروث المُجسَّدة في نزعته المحافظة، والالتفات إلى الماضي أكثر من استنطاق النّصّ والسّير بمعانيه قُدُمًا مجاراةً لحركة الواقع وصيْرورة الحياة الّتي وسمها الله بسمّة التّطوّر ضمن المشروطيّة التّاريخيّة. ولعلّ هذا الاتّجاه العكسي الّذي سارت فيه الثّقافة الدّينيّة هو المسؤول عن أزمة الوعي الإسلامي التّقليدي (20). ولمّا كان النّصّ القرآني هو النّصّ المقدّس الأساس في إنتاج الثّقافة الإسلاميّة، فإنّ الفعل التّفسيري قد احتّلّ منزلة جوهرية مدارها العمليّة التّأويليّة لإخراج المعنى من مصاف الغموض إلى مرتبة الجلاء بحثًا عن تناسق المعاني بيْن الآيات، ولاسيّما المستعصي عن الفهم أو الّتي تبدو متعارضة، فقد بدت القراءة الإيمانيّة مصادرة لسنن التّقدّم، فالماضي المذكور ليس هو الماضي الواقعي المُشخّص والمُندرج في حركة الوجود الكُلّية بل هو ما يتعالى على هذه الحركة (21)، فعدم الإحساس بالتّاريخ وفعله في الواقع الثّقافي والاجتماعي ضرب من القصور المعرفي النّاهض على المفارقة بين الحقيقة المطلقة من جهة وتموضعها التّاريخي من جهة أخرى، فضغط المرحلة النّبويّة في كثير من جوانبه إرباك لنموّ المعرفة بشكل طبيعي لأنّ العقل المحصّن بالإيمان حارس مؤتمن لفاعليّة هذه المعرفة، وضامن لسلامة سيْرها نحو تحقيق الأجوبة النّظريّة والمنهجيّة الجالبة لصالح الأعمال العائدة بالسّعادة للإنسانيّة قاطبة، يقول تعالى: ﴿ طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾(طه: 1). وتظلّ صناعة المعنى ودراسته، متجاوزةً للأفق الّذي يخضع لحدود الظّاهر المحسوس، والمرئي من النّصّ، إلى أفق أرحب يتّسع بموجبه لاحتواء المحدود احتواء الوعي وإفرازه وإظهاره والإفصاح عنه (22). ولا يتسنّى فعل ذلك إلاّ بالمواجهة العلميّة بيْن النّصّ وواقعه إذ المعرفة لقاء السّابق باللاّحق، والبحث هوّ المسبار الرّابط بين السّوابق من الأقدمين واللّواحق من المُحدثين. وقد تمّ الختم في الرّسالات السّماويّة، وتأكّد الحتم في بذل الجهد تفكّرًا وتدبّرًا لأنّ كتاب الله قد تمّ تنجيمه تنزيلاً ولم يتمّ تنجيمه تأويلاً على حدّ عبارة احميد النيفر (23).
الخاتمة 
حاول هذا البحث التّعرّف على ابن جرير الطّبري نشأةً وتكوينًا وتدريسًا وتأليفًا. وقد مثّل هذا العالم الصّورة النّموذجيّة للمثقّف والعالم الموسوعي المستجيب لمقتضيات العصر في المجال المعرفي.  فهو المؤرّخ والمفسّر والمنجّم والطّبيب والفقيه والمُحدث. فهو بالعبارة المعروفة نسيج وحده. ثمّ خلص البحث إلى إبراز أهمّ ملامح المنهج التّاريخي وأبرز مميّزاته بدءًا من الإشارة إلى جذوره في الثّقافة العربية وصولاً إلى أهمّ مميّزاته واتّجاهاته ومدارسه في الثّقافة الغربية بالتّركيز على ذكر أهمّ إيجابيّاته وسلبيّاته. ثمّ تمّ الولوج إلى معالجة تفسير الطّبري من منظور المنهج التّاريخي حيث بدا المؤلّف منطبعًا بنهج الرّواية والتّجميع. وقد أشار إلى ذلك بوضوح في عنوان مؤلّفه فهو جامع، على الحقيقة، لكلّ الأخبار والآثار ذات الصّلة بالآية المعروضة للتّفسير، علمًا بأنّ الخبر مُفارق بطبيعته للدّليل لأنّه وإنْ كان متولّدًا بحكم السّبب الّذي أوجده ، فإنّه يظلّ في حاجة إلى ما يؤمّنه من أن يكون كذبًا لأنّ الإخبار من غير دليل على صحّة الخبر مفسدة للصّدق ومزراة بالمروءة ومعظم من ينقل الأخبار لا يفحص أمر قائلها ولا نصيبه من الصّدق. وأغلب الأخبار منقول عن العامّة مخترع ومختلَق، ولذلك تصدّى عمر بن الخطّاب بقوّة للإخباريين والقصّاصين من أمثال تميم الدّاري وقد سجن ثلاثة من الصّحابة لمدّة سنة كاملة لإكثارهم من القصّ لأنّ من حدّث بغرائب الحديث كَذَبَ. وفي ذلك قال ابن عبد ربه: «إذا استطعت أنْ لا تُخبِر بشيء إلاّ وأنت به مصدّق وأن لا يكون تصديقك إلاّ ببرهان فافعل»، لأنّ التّركيز على النّقل يوقع في التّقليد، وهو ما لا يشهد له العقل بالتّأييد على حدّ عبارة أبي حامد الغزالي في كتابه «المستصفى». 
إنّ اللاّفت للانتباه، أنّ الّذين يُغلّبون الآثار في فهم القرآن يتشبّثون بفهم حرفيّ أصوليّ وما ذلك إلاّ خدعة لأنّ الأصوليّة تنهض على ادّعاء التّماهي مع الأصل النّقي الخارج عن التّاريخ في حين أنّ الأصل لا يتكرّر بل يُضاعف ويُستعاد مختلفًا. وإذا كانت المعاني تتعدّد، فإنّ الأصل في صورته الأولى يتشتّت. ثمّ إنّ الأخذ بالآثار يُخفي تصوّرًا مفاده أنّ الصّحابة قد أوتوا الحكمة البالغة والمعرفة الكاملة فيما يتعلّق بالوحي ومعانيه. وأنّ العاصم من الضّلال والزّيْغ هو اتّباعهم واقتفاء آثارهم حذو النّعل بالنّعل، وهكذا أُقصيت المعرفة الدّينيّة عن ضروب المعارف الأخرى. وأُفردت إفراد البعير المعبّد، وأُبعدت عن الصيرورة التّاريخية. 
إنّ الجدير بالملاحظة، أنّ النّصّ فضاء دلاليّ يتّسع إلى إمكانات تأويليّة عديدة، فلا مجال، لأن يُخطّئ الواحد الآخر، ولاسيّما أنّ كثيرًا من الآثار لا ترى حرجًا في الاختلاف، كالحديث الّذي يرويه البيهقي في الرّسالة الأشعريّة، وهذا الحديث، إنْ صحّ، يقول: «اختلاف أمّتي رحمةً»، فهل الواقع على هذه الشّاكلة؟ وما نصيبه من هذه الأدبيّات؟ 
لقد بدا الخطاب في تفسير الطّبري مُلتصقًا بالجوانب العمليّة والتّطبيقيّة قضاءً وفقهًا بما هو تفسير منتمٍ إلى المذهب الرّسمي المعتمد في الإدارة والدّواوين، وستضيّق الممارسة الفقهيّة من فضاء اللّغة القرآنيّة الواسع، وستتحوّل تدريجيًّا إلى قوالب وقوانين من أجل تحقيق النّفع المادّي في حياة النّاس. إنّ الفكر الاعتقادي المُسيّج بالنّقول نزّاع بطبيعته إلى فعل الطّاعات والعبادات. وأمّا الفكر الاعتقادي النّاهض على النّظر العقلي فهو متقلّب كالحياة بين جدلية الافتراض والبرهان على حدّ عبارة خليل أحمد خليل في كتابه «جدليّة القرآن». وللدّارس أن ينتبه في ختام هذا البحث إلى أنّ الوحي، على رأي محمّد أركون، ليس كلامًا معياريًّا نازلاً من السّماء لإخضاع البشر على فعل الطّاعات وتكرار بعض الأعمال تكرارًا لا نهاية له، وإنّما هو كلام يخلع المعنى على الوجود. وهذا المعنى يتّسم بعدّة سمات، لعلّ من أهمّها سمتيْن: السّمة الأولى تتمثّل في قابليّة هذا المعنى للتّعديل والتّكييف، طبقًا لمبدأ النّسخ بشقّيْه: النّاسخ والمنسوخ، رغم ما أحاط بهذه الظّاهرة النّصيّة من ضروب اللّبس والاضطراب الشّديدة على يد الفقهاء والمفسّرين والأصوليين. وأمّا السّمة الثّانية فتتجلّى في قابليّة هذا المعنى للتّأويل وإعادة التّأويل وفق الميثاق المعقود بشكل حرّ وطوعي بين الإنسان والله. 
ويبدو أنّ قيمة تفسير الطّبري تكمن في البعد التّوثيقي إذ يحتوي مادّة خصبة مُهيّأةٌ للدّارس كيْ يقف على علاقة النّصّ بالعقل من جهة وعلاقة النّصّ بالواقع من جهة أخرى. فهل يمكن العودة إلى هذا النّموذج التّفسيري من أجل اعتماده والأخذ بحلوله؟ يبدو أنّ الإجابة تكمن في أنّ العودة إلى النّماذج التّفسيريّة الموروثة، و«جامع البيان» واحد منها، عمليّة متعذّرة لأنّ العقل البشريّ أضحى أقدر من أي وقت مضى على بلورة رؤية تاريخيّة ترى في تلك النّماذج مجرّد أنماط عابرة لإنتاج المعنى في التّاريخ.
الهوامش
(1) السيوطي، طبقات المفسّرين،  م ن، ص96. وقد ويبدو أنّ هذا المذهب كان عابرا، على رأي كلود جيليو، وقد تلاشى مع الكتب التّي لم تصلنا  Claude Gilliot, Exégèse, Langue Et Théologie En islam, Ibid, p39.                                                                                                                
(2) الطبري، جامع البيان، مج 1، م ن، ص 150.
(3) الطبري، جامع البيان، مج 1، م ن، ص175.
(4)  الطبري، جامع البيان، مج 1، م ن، ص482.
(5) انظر الطّبري، جامع البيان، مج1، مقدّمة المؤلّف، ص93.
(6) أجنتس جولدتسيهر، مذاهب التّفسير الإسلامي، م  ن، ص109.
(7)  الطبري، جامع البيان، مج1، م ن، ص395. 
(8) الطبري، جامع البيان، مج1، م ن، ص393.
(9) الطبري، جامع البيان، مج ن، م ن، ص 400. 
(10) الطّبري، جامع البيان، مج1، م ن، ص ص342-343.
(11) الطّبري، جامع البيان، مج7، م ن، ص ص5421-5422.
(12) الطبري، جامع البيان، مج 10، م ن، ص 8131.
(13) عماد الدّين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدّمشقي، تفسير القرآن العظيم، ج4، الإسكندريّة، المكتب الجامعي الحديث، د.ت، ص474.
(14) أبو محمّد الحسين بن مسعود البغوي، معالم التّنزيل،  ج8، تحقيق محمّد عبد الله النّمر وعثمان جمعة ضميريّة وسليمان مسلم الحرش، المملكة العربيّة السّعوديّة، دار طيبة للنّشر والتّوزيع، ط 4، 1997، ص186.
(15) محمّد حسين الذّهبي، التّفسير والمفسرون، ج1، م ن، ص211.
(16) أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، الحيوان، ج 1، تحقيق وشرح عبد السّلام هارون ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي،  مصر، ط2، 1965، ص343.  وللوقوف على منزلة إبراهيم النّظّام الفكريّة يمكن العودة إلى بسّام الجمل، مطاعن النّظّام في الأخبار وروّاتها، مقال ضمن حوليّات الجامعة التّونسيّة، عدد44، سنة 2000، ص ص 109-138.
(17) الطبري، جامع البيان، مج 10، م ن، ص8385. 
(18)  هشام جعيّط، الفتنة: جدليّة الدّين والسّياسة في الإسلام المبكّر، تعريب خليل أحمد خليل، دار الطّليعة للطّباعة والنّشر، بيروت لبنان، ط1، 2015، ص76.
(19)  Claude Gilliot, id, p157                                               
(20) محمّد أركون، نحو نقد العقل الإسلامي،  تعريب وتقديم هاشم صالح، دار الطّليعة، بيروت، لبنان، ط 1، 2009، ص10.
(21)  طيّب تيزيني، مشروع رؤية جديدة للفكر العربي: النّصّ القرآني أمام إشكاليّة البنية والقراءة، ج5، دار الينابيع، ، دمشق ،1997، ص 12.
(22)  أمير عبّاس، المعنى القرآني بين التّفسير والتّأويل: دراسة تحليليّة معرفيّة في النّصّ القرآني، ، مؤسّسة  الانتشار العربي، بيروت، لبنان ط 1، 2008، ص11.
(23) احميد، النيفر، الإنسان والقرآن وجها لوجه: التفاسير القرآنية المعاصرة: قراءة في المنهج، دار الفكر، دمشق، سوريا،  ط1، سنة 2000، ص 132 وما بعدها.