نقاط على الحروف

بقلم
محمد الحاج سالم
الصّوت المقدّس: من ‎»‎اللاّهوت الصّوتي‎«‎ إلى الأذان والتّلبية وأصوات الغيب
 مقدّمة: إشكاليّة مصطلح ‎»‎الموسيقى المقدّسة‎«‎ وحدودها 
تقليديًّا، اقتصرت دراسة الصّوت في السّياقات الدينيّة، ضمن كلّ من علم موسيقى الشّعوب والدّراسات الدينيّة، على محاولة تحديد مفهوم «الموسيقى المقدّسة» (‎ (Sacred Music. بيد أنّ هذا المصطلح ينطوي على إشكاليّات عميقة، أبرزها أنّه يستبعد ضمنيًّا بعض الممارسات الصوتيّة الدينيّة. ذلك أنّ كلمة «موسيقى»‎ توحي ذهنيًّا بوجود ألحان منظّمة، وآلات موسيقيّة، وأنماط أداء محدّدة، وهو إطار لا يترك مجالاً إلاّ لما يندرج تحت هذه الفئة في الثّقافات التي تنتجه، فيُقصي بذلك ممارسات كالأذان وتلاوة القرآن وتجويده في الإسلام، رغم اعتمادها على مقامات موسيقيّة، وكذلك التّراتيل البوذيّة القائمة على طبقة صوتيّة واحدة. كما تبرز إشكاليّة أخرى تتعلّق بالدّلالات التي تحملها كلمة «موسيقى» ذاتها، إذ ترتبط في بعض التّقاليد بوظائف التّرفيه والطّرب، وبالمجال الإنساني أو الدّنيوي عمومًا، ممّا يجعل إسقاطها على الممارسة التعبديّة إشكاليًّا من النّاحية اللاهوتيّة. ففي الفقه الإسلامي، على سبيل المثال، نجد تمييزًا واضحًا بين «الغناء» و«التّطريب» من جهة، وبين «التّلاوة بالألحان» و«الأذان» من جهة أخرى، ولكلّ منها حكمه الخاصّ. ومن ثمّ، فإنّ استعمال لفظ «الموسيقى» لوصف هذه الممارسات جميعها يؤدّي إلى محو هذا التّمايز الدّقيق القائم بينها من الدّاخل.
وانطلاقًا من هذه الإشكاليّات، يدعو عدد من الباحثين المعاصرين إلى تجاوز جذري في كلّ من المفهوم والمصطلح. ومن هؤلاء، الباحثة دوروثيا شولتز(1) التي تلاحظ أنّ أغلب الدّراسات المخصّصة للإحساس الصّوتي والممارسة الدينيّة تُركّز اهتمامها على الموسيقى بوصفها وسيطًا في التّجربة الروحيّة، لكنّها تهمل في المقابل أصنافًا وأشكالاً صوتيّة أخرى تُشكّل جزءًا لا غنى عنه من الخريطة المعقّدة للتّجربة الدينيّة الحسّية. وتكتب شولتز: ‎»‎إنّ التّركيز على الموسيقى وحدها حال دون النّظر إلى ثراء الممارسات الصوتيّة غير الموسيقيّة التي قد تكون أشدّ حضورًا في الحياة الدينيّة اليوميّة للمؤمنين»(2). ومن ثمّ، وبدلاً من مصطلح ‎»‎الموسيقى المقدّسة‎«‎، تقترح شولتز، إلى جانب باحثين آخرين، اعتماد مصطلح ‎»‎الصّوت المقدّس» (‎Sacred Sound) كإطار مفاهيمي أوسع وأشمل.
ويمثّل كتاب الصّوت المقدّس: تجربة الموسيقى في أديان العالم، الذي حرّره غاي بيك (3)، علامة فارقة في هذا التحوّل المعرفي. إذ يؤكّد بيك وزملاؤه أنّ النّشاط الصّوتي والموسيقي ليس مجرّد تزيين جمالي للمضمون الدّيني، بل هو ‎»‎ذخيرة مقدّسة‎» لا غنى عنها لحياة الأديان واستمرارها. ويعرّف بيك ‎»‎الصّوت المقدّس‎» بأنّه: ‎»‎ذلك الصّوت الذي يُنتَج، ويُسمَع، ويُعاش داخل سياق يمنحه المؤمنون وعقائدهم صفة القداسة، أو القوّة الروحيّة، أو الفاعليّة الطقسيّة، بغضّ النّظر عن شكله الموسيقي أو بنيته الصوتيّة» (4) .
ويعيد هذا التّعريف توجيه مركز الثِّقَل من بنية الصّوت الشكليّة إلى السّياق الإيماني، وإلى القصديّة، وإلى الأثر المُدرك. فوفقًا لهذا التّعريف، يصبح كلّ من الأذان، والتّلبية، والتّلاوة القرآنيّة، بل وحتّى الصّمت في أجواء تأمليّة، أصواتًا مقدّسة، على قدم المساواة مع التّرنيم الغريغوري(5) والبهاجان الهندوسي(6). ومن ثمّ، يتّسع المجال ليشمل ما أسماه الباحث توماس تورينو(7) ‎»‎الأصوات المؤثّرة» (‎‎ (Efficacious Sounds في السّياقات الطقوسيّة (8)، أي الأصوات التي يُعتقد أنّها قادرة على إحداث تغيير في العالم الرّوحي أو المادّي، مثل الأذان الذي يُعتقد أنّه يطرد الشّياطين، والتّلبية التي يُعتقد أنّها تُمكّن من الاقتراب من الله.
 1.  من ‎»‎الصّوت المقدّس‎«‎ إلى ‎»‎اللاّهوت الصّوتي‎«‎
أمّا التحوّل الأعمق والأهمّ فيتمثّل في مفهوم ‎»‎اللاّهوت الصّوتي» (‎ (Sonic Theology الذي صاغه بيك في كتابه ‎‎اللاّهوت الصّوتي: الهندوسيّة والصّوت المقدّس‎. ففي هذا العمل التّأسيسي، يرى بيك أنّ الهندوسيّة في جوهرها ليست سوى ‎»‎لاهوت صوتي» (‎‎ (Sonic Theology يتخلّل فيه الصّوت – وليس الصّورة أو النصّ المكتوب – العالم الهندوسي برمّته. ويوضّح بيك قائلاً: ‎»‎بسبب التّركيز شبه الحصري للهندوسيّة، في النظريّة والممارسة، على التّجربة السمعيّة واللفظيّة، أقترح مصطلح (اللاّهوت الصّوتي) مرادفًا للاّهوت الهندوسي نفسه. وطالما أنّ الكلام والصّوت يعملان في الهندوسيّة كمحرِّريْن وكمُطْلَقَيْن، فمن الإنصاف القول إنّ اللاّهوت الصّوتي يُضاهي اللاّهوت مطلقًا في التّراث الغربي، بل قد يتجاوزه في تحديد طبيعة الحياة الدينيّة وغايتها»(9).
ويحدّد بيك ثلاثة مبادئ تأسيسيّة لـ‎»‎اللاّهوت الصّوتي‎» الهندوسي:
الأوّل: أنّ الكون في منشئه نسيج صوتي حيّ؛ فالصّوت ليس عارضًا طارئًا على المادّة، بل هو جوهر الوجود نفسه. ويتجلّى هذا المبدأ في فكرة ‎»‎الصّوت الإلهي المطلق‎»، التي تجعل من الخالق صوتًا كونيًّا أسمى من كلّ صوت.
الثّاني: أنّ ترديد الصّيغ المقدّسة ليس مجرّد ابتهال أو دعاء، بل هو استحضار فوري وفعلي للقوّة الإلهيّة وتجلّيها في كلمات مسموعة.
الثّالث: أنّ الخلاص والتحرّر الرّوحي، ومفتاحهما الصّوت، لا يتحقّقان بالتأمّل الصّامت وحده، بل بالإصغاء العميق إلى صوت الكون والاستجابة لذاك النّغم المقدّس، حتّى يذوب الفرد في الصّوت الأزلي ويبلغ غايته الوجوديّة(10).
ونحن نرى أنّ القيمة التحليليّة لهذا المفهوم تكمن في قابليّته للتّعميم، إذ يطرح علينا سؤالاً منهجيًّا يمكن تطبيقه على أيّ تراث ديني: هل يمكننا العثور على ‎»‎لاهوت صوتي‎» في الإسلام أو المسيحيّة أو البوذيّة، يتجاوز مجرّد القبول بـ‎»‎الموسيقى‎» أو تحريمها؟
 2. نحو ‎‎»‎‎لاهوت صوتي‎«‎ إسلامي: مقاربة تأسيسيّة
إذا كان بيك قد رأى في تركيز الهندوسيّة على ترتيل الأدعية تجسيدًا لما اعتبره لاهوتًا صوتيًّا، فإنّ نقل هذا المفهوم إلى حقل الإسلام يتطلّب تحديد نقطة ارتكازه الصّوتي الخاصّ. فإذا كان ‎‎اللاّهوت الصّوتي‎ لا يتحقّق في الإسلام، من خلال فكرة أنّ ‎»‎الصّوت هو الإله نفسه‎»، إذ هو مستحيل في العقيدة التوحيديّة، فإنّنا نرى أنّه قد يتحقّق عبر مبدأيْن مركزيّيْن، هما:
1.2.  المبدأ الأوّل: ‎الصّوت بوصفه تجليًّا للكلام الإلهي‎
ففي مركز التصوّر الإسلامي للصّوت المقدّس تقع ظاهرة القرآن الكريم بوصفه ‎»‎كلام الله‎» غير المخلوق (في عقيدة أهل السّنة). فالقرآن في أصله ليس نصًّا مكتوبًا، بل هو ‎»‎وحي صوتي‎». فقد سمع جبريل القرآن من الله (مع خلاف كلامي في كيفيّة السّماع)، وسمعه النبيّ من جبريل، والصّحابة من النبيّ، وهكذا في سلسلة متّصلة من التلقّي الصّوتي المستمرّ إلى أيّامنا. ومن ثمّ، يصف الباحث ويليام غراهام (11) هذه الظّاهرة بأنّها تُعبّر عن ‎»‎الأسبقيّة المطلقة للشّفهي على المكتوب‎» في الإسلام المبكّر(12). فالصّوت هنا ليس وعاءً محايدًا للمعنى، بل هو حضور إلهي يُدرك بالسّمع. وتلاوة القرآن بصوت جميل ليست مجرّد تنغيم ديني، بل إعادة إحياء لحدث الوحي نفسه.
2.2. المبدأ الثّاني: ‎الصّوت بوصفه شهادة كونيّة‎
تؤسّس أحاديث مثل «‎لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ ، وَلاَ شَيْءٌ ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (13) لما يمكن تسميته ‎»‎الكونيّة الصوتيّة‎» الإسلاميّة. فالصّوت المقدّس لا يتوجّه إلى الإنسان فقط، بل تسمعه الكائنات غير البشريّة: الجنّ، والشّجر، والحجر، وتشهد به. وفي هذا المعنى، فإنّ الأذان والتّلاوة ليسا مجرّد أفعال بشريّة، بل ‎»‎أحداثٌ صوتيّةٌ كونيّةٌ‎» تُشارك فيها الخليقة كلّها. وهذا ما يمنح الصّوت المقدّس في الإسلام بُعْدًا أنطولوجيًّا: إنّه يُعيد للوجود نظامه الصّوتي السّليم الذي يُسبّح بحمد الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]. ومن ثمّ، يغدو الصّوت البشري المقدّس (الأذان، التّلاوة، التّلبية) ترجمة مسموعة لهذا التّسبيح الكوني الصّامت بالنّسبة للبشر(14).
ونخلص مّما سبق إلى أنّ ‎»‎الصّوت المقدّس» ليس مجرّد تصنيف أكاديمي محايد، بل هو مفهوم مركّب يقوم على ثلاثة أركان متداخلة. 
الرّكن الأوّل: المصدر والمنشأ. فالصّوت المقدّس إمّا أن يكون بشري المنشأ، مثل الأذان والتّلاوة والتّلبية، وإمّا أن يُعتقد صدوره عن كائنات علويّة كالملائكة في حالة الوحي، وإمّا أن يُنسب إلى الموجودات غير البشريّة حين تُدرك على أنّها تُسبّح أو تنطق، كما في تسبيح الجماد والطّير والجبال. وهذا التعدّد في المصادر هو ما يجعل الظّاهرة الصوتيّة الدينّية شديدة الاتّساع، إذ تتجاوز الصّوت البشري إلى أصوات تُنسب إلى عوالم أخرى. 
الرّكن الثّاني: الإدراك ومجال التلقّي. فالصّوت المقدّس قد تلتقطه الأذن البشريّة مباشرة، وقد يُعتقد أنّ كائنات غيبيّة تسمعه وتستجيب له، فلا تكون الأُذُن الإنسانيّة المتلقّية الوحيدة. وقد ورد في الحديث ما يؤكّد هذا المعنى: «لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤذِّنِ جِنٌّ ولا إنسٌ ، ولا شيءٌ ، إلَّا شَهدَ لَه يومَ القيامَة»(15)، ممّا يوسّع نطاق «الإدراك» ليشمل مستمعين غير مرئيّين يُضاعفون فاعليّة الصّوت وقداسته. 
الرّكن الثّالث: الفاعليّة والتّأثير. فالصّوت المقدّس لا يقتصر على وظيفة الإبلاغ ونقل المعلومات، بل هو صوت فاعل يُحدث أثرًا روحيًّا كالخشوع في قلب السّامع، وأثرًا طقسيًّا كدخول وقت الصّلاة في حالة سماع الأذان مثلاً، وأثراً كونيًّا يتجاوز حدود البشر (شهادة الخلق). 
فهذه الأركان الثّلاثة – المصدر، والإدراك، والفاعليّة – هي التي تمنح الصّوت صفة القداسة التي تنقله من حيّز الحدث الصّوتي المحايد إلى مصاف الظّاهرة الدينيّة الحيّة متعدّدة الأبعاد. وبهذا، نكون قد أسّسنا إطارًا نظريًّا نرى أنّه يمكّن من تحليل نماذج محدّدة من التّراث الإسلامي لا بوصفها ‎»‎موسيقى»‎، بل بوصفها تجلّيات لـ‎»‎لاهوت صوتي»‎ خاصّ بالحضارة الإسلاميّة.
 3. نماذج من ‎»‎اللاّهوت الصّوتي‎«‎ الإسلامي: الأذان والتّلبية وأصوات الغيب
بعد إرساء الإطار النّظري، ننتقل إلى تحليل نماذج محدّدة تُجسّد ‎»‎اللاّهوت الصّوتي‎» في الإسلام، ونبدأ بالأذان بوصفه النّموذج المركزي.
1.3.  الأذان: تحليل ‎»‎اللاّهوت الصّوتي‎«‎ الإسلامي
تشير الدّراسات التاريخيّة إلى أنّ المسلمين الأوائل أحسّوا بحاجتهم إلى وسيلة خاصّة لدعوة النّاس إلى الصّلاة، تختلف عن أساليب الدّيانات الأخرى: فلم يرضوا لا بالنّفخ في البوق (على عادة اليهود) ولا بقرع النّاقوس (على سنّة النّصارى). وقد تداول الصّحابة هذه البدائل ثمّ استقرّوا في النّهاية على الأذان. ومن منظور لاهوتي، فقد كانت البدائل المطروحة ‎»‎مجرّد ضوضاء بلا معنى ولا حقيقة‎»، في مقابل الأذان الذي اعتُبر ‎»‎دعوة إلهيّة تحمل بركات روحيّة هائلة‎». وتورد الرّوايات أنّ عمر بن الخطّاب رأى الأذان في رؤيا، فأقرّها النبيّ ﷺ. وهذه النّشأة ‎»‎الرؤيويّة‎» للأذان – بوصفه إلهامًا مناميًّا – هي ما يمنحه شرعيّة لاهوتيّة خاصّة: فهو ليس مجرّد اختيار بشري، بل إلهام إلهي(16).
2.3.   الوسيط البشري وتجسيد القداسة: المؤذّن ‎»‎المؤتمن‎«‎
تتجلّى قدسيّة الصّوت في الأذان عبر الصّوت البشري الحيّ ذاته. فالمؤذّن ليس مجرّد مُخبِر، بل هو ‎»‎مُؤْتَمَنٌ‎» يحمل أمانة الدّعوة، كما جاء في الحديث: «‎الإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» (17). ويُروى أيضًا أنّ ‎»‎المُؤَذّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَهُ» (18). وبهذا يرتقي الصّوت البشري من كونه مجرّد أداة تواصلٍ وإبلاغ، إلى مرتبة الفعل التعبّدي الذي يشهد له الكون بأسره. فالمؤذّن، بصوته، يخترق حُجُب الغفلة ويملأ الفضاء بكلمات الشّهادة، حتّى يتحوّل الكون نفسه إلى مسجد كبير.
3.3.   المحتوى اللّفظي: خلاصة ‎»‎العقيدة الصوتيّة‎«‎
تكمن القداسة الجوهريّة للأذان في كلماته. فهو يعلن المبادئ الأساسيّة للإيمان: التّكبير (الله أكبر)، والشّهادة (أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدًا رسول الله)، والدّعوة إلى الصّلاة والفلاح (حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح). وفي هذا السّياق، يمكن فهم الأذان في ضوء ما طرحته الباحثة لويس لمياء الفاروقي (19) حول ما يجعل الصّوت الدّيني ‎»‎دينيًّا»‎، إذ أنّ المحتوى العقدي هو ما يمنح الصّوت الشرعيّة والقداسة(20). فالأذان ليس مجرّد لحن جميل، بل هو ‎»‎إعلان إيماني»‎ متكامل: إنّه ‎»‎شعار التّوحيد»‎ كما يصفه الفقهاء. فكلّ عبارة فيه تحمل ثقلاً عقائديًّا، ممّا يجعله ‎»‎خلاصة للتّعاليم الإسلاميّة‎» في بضع كلمات مسموعة(21).
4.3.   الأذان في مدونّات الحديث والتصوّف: تأسيس القدسيّة الصوتيّة
ترد مشروعيّة الأذان وأحكامه وفضائله في نصوص تأسيسيّة، منها في صحيح البخاري‎ (باب ‎بدء الأذان)‎، وفي ‎صحيح مسلم (باب ‎استحباب رفع الصّوت بالأذان). كما أفرد الخطيب التّبريزي في ‎مشكاة المصابيح‎ فصلًا لفضائل الأذان والمؤذنّين، جامعًا أحاديث منها بالأخصّ ما ورد في صحيح مسلم:‎»‎ المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ القِيَامَةِ»(22). وقد أسّست هذه النّصوص لتصوّر الأذان بوصفه أمانة إلهيّة وصوتًا تتعلّق به مغفرة الله وشهادة الخلق.
ويتجسّد هذا التصوّر عمليًّا في اختيار النبيّ ﷺ بلال بن رباح مؤذّنًا، وهو الحبشي المُعتَق الذي عُذِّب في الله فصوَّر اختياره مقصديْن عظيميْن: أوّلهما أنّ القدسيّة الصوتيّة لا ترتبط بنسب أو جاه، بل بالإيمان والتّقوى، وثانيهما أنّ الأذان – بصفته صوتًا للدّعوة الإلهيّة – يحتاج إلى من صار صوته رمزًا للصّبر على الأذى والتّسامي بالرّوح، فكان بلال مثالاً على أنّ المؤذّن «‎لسان الحقّ‎‎ في دعوة الخلق» كما يقول العارف محيي الدّين ابن عربي في الفتوحات المكّية، لا لسان سلطة مالٍ أو جاهٍ أو نَسَبٍ. ومن ثمّ، أصبح أذان بلال أوّل تجسيد تاريخي للفضائل التي وردت في الأحاديث.
ويمضي الإمام الغزالي في إحياء علوم الدّين‎‎ موثّقًا لهذا المعنى، فيسرد أحاديث منها: ‎»‎لاَ يَسْمَعُ نِدَاءَ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»‎، و‎»‎يَدُ الرَّحْمَانِ عَلَى رَأْسِ المُؤَذِّنِ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ أَذَانِهِ»‎. ويعلّق الغزالي بأنّ الأذان ‎»‎ينبغي أن يكون بصوت حسن حزين يحرّك القلوب»‎، رابطًا بين جماليّة الصّوت وفاعليّته الروحيّة، وهي صفات كان صوت بلال حسب المصادر التاريخيّة مثالًا عليها(23).
أمّا في التّراث الصّوفي، فيقول ابن عربي: ‎»‎إنّ الله يُنادي عباده على لسان المؤذّن إلى الصّلاة، فالمؤذّن مترجم عن الله في ندائه»(24). وهنا يبلغ ‎»‎اللاّهوت الصّوتي»‎ الإسلامي ذروته: إذ يُصبح صوت المؤذّن البشري قناة للصّوت الإلهي، ولا غرو أن يكون بلال بن رباح هو أوّل من نطق بهذا اللاّهوت الصّوتي ليتردّد صداه بين جدران مكّة بعد فتحها، مؤذّنًا من أعلى سطح الكعبة نفسها.
5.3.  الأذان مجال دراسي حيّ: أبعاد تتجاوز التّقليدي
بعد أن أسّسنا مفهوم ‎»‎اللاّهوت الصّوتي» في الإسلام على مبدأيْ تجلّي الكلام الإلهي (القرآن) والشّهادة الكونيّة (تسبيح الخليقة)، يبرز الأذان بوصفه أهمّ تجسيد عملي وحي لهذا المفهوم في الحياة اليوميّة للمسلمين. فهو ليس مجرّد نداء للصّلاة، بل حلقة وصل بين اللاّهوت الصّوتي والممارسة الشعائريّة. ومن هذا المنطلق، يمكن النّظر إلى الأذان اليوم باعتباره ظاهرة متعدّدة المستويات: مستوى كوني يتمثّل في استمراريّته الجغرافيّة الدّائمة، ومستوى سياسي يرتبط بالهويّة والمقاومة، ومستوى فلسفي وجودي يعيد صياغة علاقة البشر بالزّمن وبالمقدّس.
1.5.3. في المجال الجغرافي والكوني: استمراريّة الأذان عبر الكرة الأرضيّة
من القضايا المثيرة للاهتمام فكرة ‎»‎عدم توقّف الأذان أبدًا‎» نتيجة دوران الأرض حول نفسها. ويقوم هذا التصوّر على منطق رياضي جغرافي مفاده أنّ الأرض مقسّمة إلى 360 خطّ طول، وأنّ مدّة الأذان تبلغ حوالي أربع دقائق، وبالتّالي: 360 خطّ × 4 دقائق = 1440 دقيقة = 24 ساعة. ويعني هذا أنّه مع دوران الأرض وتعاقب أوقات الصّلوات في المناطق الزمنيّة المختلفة، لا تمرّ لحظة واحدة دون أن ينطلق أذان في مكان ما على سطح الكرة الأرضيّة دون انقطاع. وتُنسب هذه الفكرة إلى الباحث عبد الحميد الفاضل، وقد لاقت رواجًا واسعًا على مواقع التّواصل الاجتماعي(25). ومع أنّ بعض الباحثين المعاصرين نبّهوا إلى أنّ هذه الفرضيّة تقوم على تقديرات مثاليّة يصعب تحقيقها فعليًّا في المحيطات والمناطق غير المأهولة، فإنّها تظلّ صحيحة ‎»‎تقديرًا». غير أنّ الأهم من دقّتها الحسابيّة هو ما تمثّله هذه الفكرة من نقلة في تمثّلات المسلمين للأذان، حيث يتحوّل من ممارسة محليّة إلى ‎»‎صوت كوني‎» دائم الوجود، يشبه ‎»‎نبض الأرض المسموع‎«‎. وهذا ما يتّسق تمامًا مع  «اللاّهوت الصّوتي» الذي أسّسنا له: فالأذان لم يعد مجرّد صوت بشري ينطلق من مكان معيّن، بل صار ‎»‎صوت الأرض‎«‎ الدّائر معها دومًا.
2.5.3.  في المجال السّياسي والهويّاتي
يتجاوز الأذان كونه طقسًا دينيًّا ليصبح أداة سياسيّة ورمزًا للهويّة. ففي عام 2016، تحوّل الأذان الجماعي الذي رُفع داخل ملعب كرة قدم في الأردنّ إلى فعل مقاومة ضدّ سياسات إسرائيل الهادفة إلى تقييد الأذان في مدينة القدس المحتلّة، مجسّدًا بذلك مشهدًا صوتيًّا واحدًا جمع بين الدّين والسّياسة والهويّة(26).
3.5.3.  في المجال الفلسفي والوجودي
في مقال بعنوان ‎»‎أنطولوجيا الأذان‎»، يطرح الباحث عليّ عمر يورداش(27) الأذان بوصفه ‎»‎تصدّعًا أنطولوجيًّا‎» يخرق السّطح الصّوتي المألوف للمدينة الحديثة. فالأذان، حسب قراءته، ليس مجرّد نداء للصّلاة، بل هو قطيعة وجوديّة تعيد تشكيل إدراك الزّمن: إذ يضع مقابل الزّمن الخطّي الذي تقيسه السّاعات وتكرّره الآلات، زمنًا دوريًّا مقدّسًا يستعيد إيقاعًا كونيًّا قائمًا على تعاقب أوقات الصّلاة، ويفتح في جدار الحداثة الصّامت ثغرة صوتيّة تُذكّر الغافلين بحضور المقدّس في ثنايا اليومي(28).
 4.   التّلبية في الحجّ: الصّوت الكوني للاستجابة
تُمثّل التّلبية – «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ...» – نموذجًا فريدًا آخر للصّوت المقدّس في الإسلام. فإذا كان الأذان يمثّل ‎»‎نداءً إلهيًّا‎» ينطلق عبر صوت المؤذّن إيذانًا بمواقيت الصّلاة، فإنّ التّلبية هي استجابة بشريّة مباشرة لنداء إبراهيم الخليل ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحجّ، 27]، بل هي استجابة كونيّة شاملة لذاك النّداء إذ يُروى أنّ إبراهيم عليه السّلام حين «أُمر بالأذان بالحجّ، خفضت الجبال رؤوسها ورُفعت له القُرى، فنادى في النّاس فأجابه كلّ شيء: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ» (29). ومن ثمّ، تكون أوّل تلبية لنداء الحجّ قد صدرت أوّلاً من الجبال والقُرى وسائر المخلوقات، ثمّ صار الحجّاج يردّدون ذات الاستجابة عبر الزّمان، وكأنّهم يعيدون إحياء ذلك المشهد الكوني الذي يُلبّي فيه كلّ شيء نداء الله. ومن خلال ترديد الحاجّ التّلبية منذ لحظة إحرامه حتّى رمي جمرة العقبة، يمتلئ المكان بأصوات الملبّين القادمين من شتّى أصقاع الأرض، لكن هذه الأصوات البشريّة ليست سوى حلقة في سلسلة استجابة أوسع تشمل الجبال والقرى والجماد. وقد أشار مايكل فريشكوف إلى أنّ التّلبية والتّكبير يمثّلان ‎»‎الأداء اللّغوي» (Language Performance) الجوهري في شعيرة الحجّ، حيث تتحوّل الكلمة المنطوقة إلى طقس صوتي جماعي يتجاوز حدود اللّغات والأعراق – بل يتجاوز حدود الإنسان ذاته(29)، ممّا يرسم خريطة صوتيّة مميّزة للمشعر الحرام.
 5.   أصوات من عالم الغيب: قصّة عمر بن الخطّاب مع سارية
من الظّواهر اللاّفتة في ‎اللاّهوت الصّوتي‎‎ الإسلامي ما يمكن تسميته ‎»‎الأصوات الخارقة‎«‎ التي تتجاوز الحدود المألوفة للزّمان والمكان. ومن أشهرها قصّة عمر بن الخطاّب (رضي الله عنه) الذي كان يخطب الجمعة في المدينة المنوّرة، فهتف فجأة: ‎»‎يا سارية، الجبل!‎«‎، فسمعه سارية بن زنيم – قائد الجيش – وهو في أرض فارس (نهاوند)، فانحاز بالجيش إلى الجبل ونجا من كمين العدوّ. وترد هذه القصّة في مصادر تاريخيّة متعدّدة، منها ‎تاريخ الطّبري‎ و‎البداية والنّهاية‎ لابن كثير، وتُصنَّف ضمن ‎»‎كرامات الأولياء‎» أو ‎»‎الفراسة الإيمانيّة» (30) . ويمثّل هذا الحدث، في المخيال الإسلامي، نموذجًا للصّوت الذي يشقّ حجب المسافة بإذن الله، فيتحوّل إلى أداة توجيه إلهي مباشر. إنّه ‎»‎صوت مقدّس‎» لا بوصفه طقسًا متكرّرًا (كالأذان والتّلبية)، بل بوصفه حدثًا صوتيًّا معجزًا يخترق النّظام الطّبيعي للعالم، ممّا يوسّع مفهوم ‎»‎اللاّهوت الصّوتي»‎ الإسلامي ليشمل إمكانيّة ‎»‎الصّوت الولائي‎» الذي يمنحه الله بعض أوليائه.
خاتمة
خلص هذا البحث إلى أنّ مفهوميْ ‎»‎الصّوت المقدّس»‎ و‎»‎اللاّهوت الصّوتي»‎ يستلزمان مقاربة تتجاوز حدود التّحليل الموسيقي التّقليدي. ففي الإسلام، يتجسّد ‎»‎اللاّهوت الصّوتي‎» في جملة من المحاور: مركزيّة الوحي المسموع المتمثّلة في القرآن الكريم، وشعيرة الأذان بوصفها نداءً إعلاميًّا، والتّلبية باعتبارها استجابة جماعيّة، بالإضافة إلى امتداده ليشمل الأصوات الخارقة ككرامة عمر بن الخطّاب مع سارية. فالقداسة هنا لا تنبع من جماليّة الصّوت وحدها، بل من كونه تجلّيًا للكلام الإلهي، وشهادة كونيّة، وفعلًا طقسيًّا فعّالاً. وصوت المؤذّن ليس مجرّد وسيلة إعلام، بل هو «لسان الحقّ» في أحد تجلّياته، واستمرار تردّد صداه في أرجاء الكرة الأرضيّة بما يحوّله إلىى «صوت كوني» يشارك في تسبيح الخليقة كلّها بحمد ربّها.
الهوامش
(1)  دوروثيا شولتز Dorothea E. Schulz باحثة ألمانيّة وأستاذة إناسة اجتماعيّة وثقافيّة بجامعة مونستر، وسبق أن درّست بجامعة كولونيا. تتركّز أبحاثها في إناسة الدين، الإسلام في إفريقيا، الجندر، الإعلام، والصحّة/العافية الروحية، ولها أعمال ميدانيّة طويلة في مالي وأوغندا
(2)   - Schulz (Dorothea E.), « A Fractured Soundscape of the Divine Female ‘Preachers’, Radio Sermons and Religious Place-making in Urban Mali », In Prayer in the City: The Making of Muslim Sacred Places and Urban Life, edited by Patrick A. Desplat & Dorothea E. Schulz, Bielefeld: Transcript Verlag, 2014, pp. 123-148 
(3) غاي ل. بيك Guy L. Beck هو باحث أمريكي في دراسات الأديان وموسيقيّ، يدرّس الأديان الآسيوية وأديان العالم في جامعة تولين، ويحمل دكتوراه في أديان جنوب آسيا وماجستيرًا في علم الموسيقى من جامعة سيراكيوز. وهو متخصّص في علاقة الدين بالصوت والموسيقى، ولا سيما في التقاليد الهندوسية والموسيقى الهندية، ومن أعماله: Sonic Theology وSonic Liturgy
(4)  Beck (Guy L.) (ed), Sacred Sound: Experiencing Music in World Religions, Wilfrid Laurier University Press, 2006, Introduction, p. 3  
(5) التّرنيم الغريغوري (Gregorian chant) : نمط موسيقي ديني أحادي الصّوت، غير مصحوب بآلات موسيقيّة، يُنشد باللاتينيّة في الكنيسة الكاثوليكيّة الرومانيّة، وسُمي نسبةً للبابا غريغوريوس الأوّل، وتطوّر بشكل رئيسي في غرب أوروبّا ووسطها خلال القرنين التّاسع والعاشر. يتميّز ببساطته، وإيقاعاته الحرّة المستوحاة من النصّ، ويهدف إلى رفع النّفوس نحو الله، ويُعتبر أقدم أشكال الموسيقى الدينيّة المكتوبة في الغرب.
(6) البهاجان (Bhajan):  مصطلح هندي يُطلق على التّرانيم الدينيّة التعبديّة أو الروحيّة.
(7) توماس آر. تورينو Thomas R. Turino باحث أمريكي في النّياسة الموسيقيّة، وأستاذ الموسيقى والإناسة بجامعة إلينوي في أوربانا-شامبين. تتركّز أبحاثه في موسيقى الأنديز وأمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا، وفي علاقة الموسيقى بالهويّة والسياسة والمشاركة الاجتماعية، ومن أشهر كتبه: Music as Social Life: The Politics of Participation
(8)  Turino (Thomas), « Signs of Imagination, Identity, and Experience: A Peircian Semiotic Theory for Music », Ethnomusicology, vol.  43, no. 2, 1999, pp. 221 -255.
(9)  Beck (Guy L.), Sonic Theology: Hinduism and Sacred Sound (Studies in Comparative Religion), University of South Carolina Press,  1993, pp. 6- 7 . ويشرح بيك في مقدّمة كتابه كيف أنّ الصّوت (كما في ترديد صيغ التّراتيل الهندوسيّة) هو تجلٍّ فعلي للإله وليس مجرّد رمز، وهو ما يؤسّس له في الفصول الأولى من الكتاب.
(10) السّابق نفسه، ص 204-219.
(11) ويليام أ. غراهام William A. Graham، وُلِد في 16 أوت/أغسطس 1943، باحث أمريكي في الدراسات الإسلاميّة وتاريخ الأديان، وأستاذ فخري بجامعة هارفارد. اهتمّ بالقرآن والحديث والتقاليد الشفوية في الإسلام وتاريخ الأديان المقارن، ومن كتبه: Beyond the Written Word
(12)  Graham (William A), Beyond the Written Word: Oral Aspects of Scripture in the History of Religion, Cambridge University Press, 1987, pp. 79- 90
(13) الحديث متّفق عليه، رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا.
(14) انظر حول هذا المفهوم: 
Frishkopf (Michael), « Mediated Qur›anic Recitation and the Contestation of Islam in Contemporary Egypt », In Music and Media in the Arab World, edited by Michael Frishkopf, American University in Cairo Press, 2010
(15)  الحديث متّفق عليه، رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا.
(16)             Petersen (Andrew), « The Architecture of Early Minarets and Their Sonic Properties », Paper presented at the MESA Annual Meeting, New Orleans, 2019
(17) الحديث رواه أبو داود والنّسائي وابن ماجه وغيرهم. 
(18) ابن عربي (أبو بكر، محيي الدّين، محمّد بن عليّ بن محمّد الحاتمي)، الفتوحات المكّية، تحقيق: أحمد شمس الدّين، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2024، ج 1، ص 184.
(19) لويس لمياء الفاروقي Lois Lamya al-Faruqi، واسمها الأصلي Lois Rachel Ibsen، باحثة أمريكية في الإثنوموسيقولوجيا والفنّ والثقافة الإسلامية، وُلدت في 25 جويلية/يوليو 1926 وتوفيت مقتولة في 27 ماي/مايو 1986. اهتمّت خصوصًا بالموسيقى العربية والإسلامية وبالعلاقة بين الفنّ والدين في الحضارة الإسلامية، وشاركت زوجها إسماعيل راجي الفاروقي في تأليف الأطلس الثقافي للإسلام.
(20)      Al Faruqi (Lamia Ibsen), « What Makes ‹Religious Music› Religious? », In Sacred Sound: Experiencing Music in World Religions, edited by Guy L. Beck, Wilfrid Laurier University Press, 2006, pp. 21- 34
(21) السّابق نفسه، ص 33.
(22) الخطيب التّبريزي (أبو عبد الله، وليّ الدّين، محمّد بن عبد الله العمري)، مشكاة المصابيح، تحقيق: محمّد ناصر الدّين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، 1985، ج 1، ص 207.
(23) الغزالي (أبو حامد، محمّد بن محمّد الغزالي الطّوسي)، إحياء علوم الدّين، دار المعرفة، بيروت، 1982، ج 1، ص 146.
(24) ابن عربي (أبو بكر، محيي الدّين، محمّد بن عليّ بن محمّد الحاتمي)، الفتوحات المكّية، تحقيق: أحمد شمس الدّين، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2024، ج 1، ص 68.
(25) انظر نقاشًا فقهيًّا حول هذه المسألة في:  «مدى صحّة القول بأنّ الأذان لا ينقطع عن الكرة الأرضيّة«، الفتوى رقم: 124414، على موقع: Islamweb.net، تاريخ الاطّلاع: 13/05/2026.
(26)  Othman (Lutfi), The Adhan that Emerged from the Stadium: The Political, Religious, and Social Dimensions of the Call to Prayer in Jordan,  Master›s thesis, King›s College London, 2017.
(27) عليّ عمر يورداش Ali Ömer Yurddaş باحث وكاتب تركي مهتمّ بالفنّ والموسيقى والثقافة؛ تُعرّفه صفحته الأكاديمية بصفته طالب دراسات عليا في الدراسات الإعلامية والثقافية بجامعة أوسكودار، وله كتابات في الموسيقى التركية والتاريخ الثقافي. 
(28) Yurddaş (Ali Ömer), « Ezanın Ontolojisi: Modern Kentte Kutsal Sesin Yarılışı », Yeditepe Fatih Kültür Sanat Yaşam Dergisi, no. 45, 2025, pp. 12- 19
(29) ابن أبي شيبة (أبو بكر، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة)، مصنّف ابن أبي شيبة، تحقيق: سعد بن ناصر أبو حبيب الشثري، دار كنوز إشبيليا للنّشر والتّوزيع، الرّياض، 2015، ج 4، ص 416.
(29) Frishkopf (Michael), « Islamic Performance Genres ». Course wiki, University of Alberta, MUSIC 365: Music and Religion
(30) «خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ  يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَعِدَ المِنْبَرَ ثُمَّ صَاحَ: يَا سَارِيَةُ بْنَ زُنَيْمٍ الجَبَلَ! يَا سَارِيَةُ بْنَ زُنَيْمٍ الجَبَلَ! ظَلَمَ مَنِ اسْتَرْعَى الذِّئْبَ الغَنَمَ. ثُمَّ خَطَبَ حَتَّى فَرَغَ، فَجَاءَ كِتَابُ سَارِيَةَ إِلَى عُمَرَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ فَتَحَ عَلَيْنَا يَوْمَ الجُمُعَةِ سَاعَةَ كَذَا وَكَذَا - لِتِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا عُمَرُ فَتَكَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ - قَالَ سَارِيَةُ: فَسَمِعْتُ صَوْتًا: يَا سَارِيَةُ بْنَ زُنَيْمٍ، الجَبَلَ! يَا سَارِيَةُ بْنَ زُنَيْمٍ الجَبَلَ! ظَلَمَ مَنِ اسْتَرْعَى الذِّئْبَ الغَنَمَ. فَعَلَوْتُ بِأَصْحَابِيَ الجَبَلَ، وَنَحْنُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي بَطْنِ وَادٍ وَنَحْنُ مُحَاصِرُو العَدُوِّ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا. فَقِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: مَا ذَلِكَ الكَلَامُ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَلْقَيْتُ لَهُ بَالًا؛ شَيْءٌ أُلْقِيَ عَلَى لِسَانِي». 
انظر: ابن كثير (عماد الدّين، أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير، البداية والنّهاية، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التّركي، دار هجر للطّباعة والنّشر والتوزيع والإعلان، القاهرة، 1997، ج 10، ص 176.