مراجعات
| بقلم |
![]() |
| د. سعيد الشبلي |
| قراءات في التّأويل(الحلقة 4/9) تأويل النّصّ القرآني عند محيي الدّين بن عربي (الجزء الثّالث: نماذج ت |
بعد أن غصنا في الجذور الفلسفيّة للتّأويل عند ابن عربي (في الحلقة الأولى)، ثمّ تطرقنا إلى كيفيّة توظيفه لهذا الجهاز العرفاني المعقّد في قراءة النّصّ القرآني وتأويله (في الحلقة الثانية)، نخصّص حلقتنا هذه لإلقاء الضّوء عملياً على منهجيّة ابن عربيّ ومنطقه في التّأويل، وذلك من خلال النظر في قضيّة وقصّة. أمّا القضيّة فهي «قضيّة الذّات والصّفات»، تلك المسألة الّتي أثارت من الخلاف وتعدّد الأفهام ما لم تثره قضيّة أخرى، وخاصّة عندما تنتهي إلى السّؤال الأخطر وهو سؤال «الكيفيّة»، ليصبح الخيار منحصراً إمّا في الاتّجاه نحو التّنزيه أو القول بالتّشبيه. وأمّا القصّة، فهي قصّة موسى عليه السّلام، وبالتّحديد حادثة التقائه بالعبد الصّالح.
1 . تشبيه في تنزيه وتنزيه في تشبيه:
يؤكّد ابن عربيّ أنّ المتكلّمين والفلاسفة الّذين خاضوا في شأن الذّات الإلهيّة ارتدّ أغلبهم مشركين بعد أن تنابزوا بألقاب التّكفير وتحصّن بعضهم بالتّنزيه لاعنا أهل التّشبيه في حين آمن بعضهم بالتّشبيه واصفين المنزّهين بالنّفاة الّذين لم يروا للذّات الإلهيّة صفة إثبات يمكن ذكرها وتقريرها. وما بين «النّفاة» وهي صفة عادة ما تلصق بأهل الاعتزال، و»المثبتة» وهم تيّار أهل السّنّة الكبير وخاصّة الأشاعرة منهم، تمزّق الفهم واضطرب وضاع معنى الألوهيّة لتتكرّس مفاهيم عقليّة صدق ابن رشد عندما وصمها بالضّلال جرّاء قياسها الغائب على الشّاهد، وكأنّ الذّات الإلهيّة «إنسان آخر» تقاس عليه صفات البشر ويرمى بأوصاف الحوادث. أمّا ابن عربيّ فإنّه وطبقا لسعيه إلى إقامة علاقة حيّة بذات الحقّ سبحانه، علاقة لا تنفي تفرّد الذّات بصفات الكمال والجلال، ولا تمنع من «تأنيس» هذه الذّات العظمى لكي تصبح طرفا في الخطاب وموئلا للدّعاء ومحلّا للطّلب والعتاب.. فلا ييأس الطّالب من بلوغ الأعتاب ولا يتهوّر فيتجاوز حدود الباب، أعلن عن إيمانه بالله الواحد القابل للتّشبيه بنفس الدّرجة الّتي قبل بها التّنزيه. يقول «ولذلك قلبنا بالتّشبيه في التّنزيه وبالتّنزيه في التّشبيه»(1).
وهو في سبيل تأكيد مذهبه هذا يؤوّل قوله تعالى ﴿.. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(الشورى: 11) على أنّه قول يحتوي على التّنزيه والتّشبيه معا. «فقوله تعالى «ليس كمثله شيء» تنزيه، أمّا قوله «وهو السّميع البصير» فتشبيه. إنّ الله تعالى يجب أن ينزّه من حيث ذاته فلا يقارن بشيء ولا يوصف بصفات المحدثات، فهو غيب الغيب والنّور الّذي أنّى للإنسان المخلوق المحدود أن يراه. أمّا من حيث صفاته وأسمائه فهو سبحانه متّصل بالعالم إذ لا ظهور لمقتضيات الأسماء الإلهيّة إلّا فيه. فالرّحمة تقتضي المرحومين، والنّصرة تطلب المنصورين، وبذلك فما ظهر العالم إلّا بأسماء الحقّ، وفي تأويل أبعد ما العالم إلّا رداء الحقّ الأسمائيّ الّذي تدرّعت به الذّات العليّة. فإذا نظرنا الآن إلى الذّات الإلهيّة من حيث ذاتها اقتضانا ذلك النّظر التّنزيه حيث لا أمل في تشبيه، أمّا إذا نظرنا إليها من حيث أسمائها فإنّنا مطالبون بالتّشبيه، وذلك هو جوهر عقيدة ابن عربيّ في الذّات الإلهيّة باعتبارها ضمن مذهبه في وحدة الوجود «ذاتا حقّا – خلقا».
وبهذا التّأويل الّذي اختار من خلاله ابن عربيّ التّوسّط بين طرفي التّشبيه والتّنزيه، أقام رؤيته للذّات الإلهيّة وتصوّره لها الّذي لخّصه في قوله إنّ «مبنى الأمر الإلهيّ أبدا على هو لا هو». فالحقّ إذا نظرنا إليه في أسمائه المبثوثة في الأكوان قلنا هو، حتّى إذا ذكرنا ومن منطلق التّنزيه العقليّ المعتبر أنّه لا يجوز وصفه سبحانه بصفات الحوادث قلنا «لا هو». وما بين هو ولا هو تتأسّس إمكانيّة المعرفة وإمكانيّة العلاقة معا بالذّات الإلهيّة. ذلك أنّه إذا كان الله لا يعرف إلّا كمتعال، فإنّه لا يتقرّب منه إلّا كمحايث. وذلك هو التّأويل الأعمق لمعنى قوله «هو لا هو».
2 . تأويل التّأويل:
لقد احتفى ابن عربيّ كثيرا بشخصيّة الخضر(2) باعتباره أستاذ العارفين وقائدهم نحو بحار العلوم اللّدنّيّة، يعقد لهم ألوية الوصول «استلام الخرقة»، ويعدهم بالمأمول الّذي يسعون إليه دائما وهو أن يصبح الغيب بالنّسبة إليهم شهادة ليتمّ بذلك إخلاصهم «أن تعبد الله كأنّك تراه»، وبالنّتيجة خلاصهم.
وقصّة موسى عليه السّلام مع العبد الصّالح أنموذج باهر في نظر ابن عربيّ وسائر العارفين على وجود علم لدنّيّ مقارن لعلم الظّاهر، أخفى منه وأقوى وأمضى حجّة ودليلا. إنّ العبد الصّالح الّذي سيقود موسى عليه السّلام – رمز العلم الظّاهر – سوف يأتي بأعمال لن تكون بالنّسبة لموسى عليه السّلام سوى منكرات وآثام وضلالات ما كان للصّالحين أن يفكّروا فيها ناهيك أن يقارفوها. فلقد خرق السّفينة ثمّ قتل الغلام ثمّ أقام الجدار، كلّ ذلك وموسى عليه السّلام مشدوه قد هاله العجب بل لقد ركبه الغضب وهو يرى ما لا يقبله ميزان عقله ممّا لا تقرّه شريعة عادلة. ولمّا آن أوان الفراق بعد حصول النّكرة والشّقاق، نبّأ العبد الصّالح موسى عليه السّلام بجليّة الأمر فكشف له عن حقيقة السّفينة وأنّها لمساكين يعملون في البحر فأراد أن يعيبها حتّى لا يغتصبها منهم ملك جائر ﴿.. يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾(الكهف: 79)(3). كما نبّأه بتأويل سبب قتله للغلام بأنّه سبق في علم الله أنّه يصول على أبويه المؤمنين ويعتو عليهما، ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾(الكهف: 81). ثمّ نبّأه أخيرا بتأويل قصّة الجدار الّذي كان فيه كنز لغلامين يتيمين في المدينة كان أبوهما صالحا ﴿..فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ..﴾(الكهف: 82)؛ وختم كلّ ذلك بقوله﴿..وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف: 82).
هكذا، وبإعلان العبد الصّالح عن تأويل أحداث اللّقاء المثير الجامع بينه وبين موسى عليه السّلام، بدا وكأنّ القصّة قد انتهت وأنّ المعنى المفقود أصبح ظاهرا موجودا، إلّا أنّ ابن عربيّ وباقتدار تأويليّ لا غبار عليه ينشئ تأويلا للتّأويل ويحفر بعزم في النّهايات ليجعلها بدايات، وبذلك يفجّر ينابيع لمعنى جديد يوحي بأنّ «روح الخضر» هذا الرّمز المعلن للحياة الخالدة، قد سكنت أعماقه فأعطته «الفهم الجديد». وبوعي عرفانيّ عميق يتأوّل ابن عربيّ قصّة موسى عليه السّلام مع الخضر على أنّها إشارات تنبّه موسى عليه السّلام وتعرّفه بأحداث وحقائق وقعت له أو وقعت منه ولم يستطع أن ينفذ إلى سرّ القدر فيها وإلى عظيم حكمة الله البالغة من وراء وقوعها.
يقول ابن عربيّ «وأراه (أي الخضر لموسى) أيضا خرق السّفينة الّتي ظاهرها هلاك وباطنها نجاة من يد الغاصب، جعل له ذلك في مقابلة التّابوت له الّذي كان في اليمّ مطبقا عليه فظاهره هلاك وباطنه نجاة»(4) ثمّ ينتقل إلى حادثة قتل الغلام ليتأوّلها قائلا «فأوّل ما أبلاه (موسى) الله به قتله القبطيّ بما ألهمه الله ووفّقه له في سرّه وإن لم يعلم بذلك.. ولهذا أراه الخضر قتل الغلام فأنكر عليه قتله ولم يتذكّر قتله القبطيّ فقال له الخضر «ما فعلته عن أمري» ينبّهه على مرتبته قبل أن ينبّأ أنّه كان معصوم الحركة في نفس الأمر وإن لم يشعر بذلك»(5).
أمّا إقامة الخضر الجدار بغير أجر «فأراد الخضر إقامة الجدار من غير أجر فعتبه (موسى) على ذلك، فذكّره سقايته من غير أجر»(6) وهو يقصد سقايته للمرأتين اللّتين كانتا تذودان وكانتا غير قادرتين على منازعة الرّجال، فسقى لهما موسى عليه السّلام ثمّ تولّى إلى الظّلّ.
تلك أحداث ظاهرها هلاك وباطنها نجاة، مرّت أمام عيني موسى عليه السّلام لتذكّره بأحداث ثلاثة عاشها ولم يحسن تمثّلها، ولم يعِ السّرّ الكامن وراءها، ولربّما بقي في نفسه شيء منها. إنّ حادثة إلقائه في التّابوت لئن بدا أنّ ظاهرها نقمة فإنّ باطنها رحمة إلهيّة، وإذن فإنّ الله الّذي أوحى إلى أمّه بأن تقذفه في اليمّ رحمان رحيم، وعلى كلّ أولئك الّذين يُقذفون في يمّ الابتلاءات والمصائب أن يذكروا أنّه ما قذفهم إلّا الرّحمان الرّحيم الّذي هو بعباده عليم، وأنّهم إذا أحسنوا الظّنّ بربّهم فسوف يجدون النّجاة في عين الهلاك. وقد يخطر ببال موسى أبدا ما عاش أنّه قد ظلم نفسه بقتله «القبطيّ»، وأنّه لذلك يستحقّ اللّوم كلّ اللّوم، والحقيقة الّتي عليه أن ينتبه إليها أنّه ما فعل ذلك عن أمره لو درى بل هي حكمة الله الّتي هيّأت الأسباب لخروجه من المدينة هاربا لكي يُنشّأ تنشئة أخرى غير التّنشئة الأولى الّتي لقيها في قصر فرعون. وإذ لم يرَ موسى عليه السّلام في إقامة العبد الصّالح للجدار سوى عمل لا مصلحة فيه، فإنّ عليه أن لا ينسى أنّ سقايته بدون أجر للمرأتين بأرض مدين كانت سببا في خير عميم ناله ونجاة لم يحلم بها.
عند هذا الحدّ من التّأويل يكتمل تأويل التّأويل ليثبت بذلك أنّ الفهم في كتاب الله لا حدود له، وأنّه في اللّحظة الّتي قد يعنّ فيها لشارح أنّه قد اكتفى وبلغ بشرحه المنتهى، يبدأ عارف في تلمّس إشارات وتنبيهات هي أخفى وأخفى. تلك قراءة تنبئ عن ازدهار التّأويل وأنّه حَفْر في الأعماق، وأنّ الرّجل كلّ الرّجل من استطاع أن ينفذ إلى الباطن، إلى السّرّ، إلى أعمق رسالة يمكن أن يبلّغها فهم.
إلّا أنّ ابن عربيّ إذ يلتفت بروح التّأويل إلى فرعون وشأنه مع موسى عليه السّلام، يصدم قارئه صدمة تجعله ييأس من قيام ميزان التّأويل بل ويعلن انطفاء التّأويل وموته وضلاله. يقول مؤوّلا قوله تعالى على لسان امرأة فرعون «قرّة عين لي ولك»(7):
«فبه قرّت عينها (امرأة فرعون) بالكمال الّذي حصل لها كما قلنا. وكان قرّة عين لفرعون بالإيمان الّذي أعطاه الله قبل الغرق فقبضه طاهرا مطهّرا ليس فيه شيء من الخبث، لأنّه قبضه عند إيمانه قبل أن يكتسب شيئا من الآثام. والإسلام يجُبّ ما قبله. وجعله آية على عنايته سبحانه بمن شاء حتّى لا ييأس أحد من رحمة الله، فإنّه ﴿..لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾(يوسف: 87) فلو كان فرعون ممّن يئس ما بادر إلى الإيمان»(8).
إنّ فرعون قد «أسلم» إذن، وحسن إسلامه كما يقال؛ «فبشّره» الله بـ «النّجاة»: «فنجّاه الله من عذاب الآخرة في نفسه، ونجّى بدنه كما قال تعالى ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ..﴾(يونس: 92). فقد عمّته النّجاة حسّا ومعنى. ومن حقّت عليه كلمة العذاب الأخرويّ لا يؤمن ولو جاءته كلّ آية، فخرج فرعون من هذا الصّنف»(9). ويختم ابن عربيّ قائلا «هذا هو الظّاهر الّذي ورد به القرآن؛ ثمّ إنّا نقول بعد ذلك: والأمر فيه إلى الله لمّا استقرّ في نفوس عامّة الخلق من شقائه وما لهم نصّ في ذلك يستندون إليه»(10).
حقّا إنّ الإنسان ليعجب من هذا التّأويل الغريب الّذي يجعل من رمز الضّلال والكفر والاستكبار مؤمنا طاهرا، هو من أهل الجنّة بلا ريب. وأغرب منه ادّعاء أنّ ظاهر القرآن دالّ على إيمان فرعون ونجاته، وهو الكتاب الّذي ما نزل إلّا ليؤكّد على هلاك الفراعنة الظّالمين المفسدين في الأرض ونجاة المؤمنين المستضعفين في الأرض الّذين قهرهم فراعنة كلّ زمان ومكان. وقد يزول عجبنا إذا نظرنا إلى هذا التّأويل المشبوه الّذي أثار من الفتن ما أثار من منطلق فكرة الرّحمة الشّاملة الّتي بشّرت بها عقيدة وحدة الوجود الأكبريّة كافّة الخلق ممّن ضمّهم الوجود. ذلك أنّ «الوجود رحمة في حقّ كلّ موجود»(11)؛ فكيف يحاسب من تجلّى بحقائق ربّ الوجود؟ أم كيف يلام من أظهر المراتب والأحكام؟
هنا أيضا لا مناص من القول بأنّ عقيدة ابن عربيّ في وحدة الوجود تتدخّل بكلّ هيمنتها على فكر الرّجل لتلزمه بحقائقها وتكبّله بإلزاماتها. وبذلك يتأكّد أنّ «الفرق في التّأويل بين من يرفع الإشكال والشّبهة لإجلاء الحقيقة ولتأكيد ما وصف الله به كتابه العزيز بأنّه هدى ونور وتبيان لكلّ شيء، وبين من يضع النّظريّات والآراء المسبقة ليبني عليها بحثه في التّآويل ويحمل الآية على ما يريد حملها عليه، كالفرق بين من يخدم القرآن برأيه، وبين من يخدم رأيه بالقرآن»(12).
خاتمة: في رحمة الله بالتّأويل وانتقامه به:
متى يصبح التّأويل رحمة؟ ومتى ينقلب نقمة ولعنة؟
لو تدبّرنا القرآن الكريم لوجدناه ينصّ على أنّ التّأويل علم إلهيّ المصدر، نبويّ الصّبغة والسّمات، وأنّه من جملة مواهب الله تعالى الّتي يهبها لمن يشاء. ذلك أنّه إذا كانت الآية السّابعة من سورة آل عمران تنصّ على اختصاصه سبحانه بعلم التّأويل، وأنّه وحده العليم بتأويل كلّ شيء محكمه ومتشابهه ﴿..وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ..﴾(آل عمران: 7)، فإنّها نصّت على أنّ موقف الرّاسخين في العلم العارفين بحدود الله، ليس ادّعاء التّأويل ولا الخوض فيه، بل الإيمان بكلّ ما جاء من عند الله على أنّه حقّ لا شكّ فيه ما علموا منه وما لم يعلموا. ﴿ ..وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(آل عمران: 7). فبالإيمان وحده تجاوز الرّاسخون في العلم فتنة المتشابه سواء أكان آيات مرقومة في الكتاب ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (آل عمران: 7)، أم كان أحداثا ووقائع مجهولة المآلات والمصائر. إنّ التّمسّك بمحكم الكتاب باعتباره «أمّ الكتاب»، ثمّ التّسليم بمتشابهه، كان دائما المنهج الآمن والقانون القرآنيّ للتّأويل والّذي دُعي المؤمنون إلى اتّباعه بعد أن حذّرهم ربّهم من مآلات الزّائغي القلوب: ﴿..فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ..﴾ (آل عمران: 7).
هل معنى ذلك أنّ الله سبحانه حرّم على المؤمنين التّأويل؟ كلّا، فهو سبحانه قد تولّى بنفسه تعليم يوسف عليه السّلام تأويل الأحاديث ﴿..وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ..﴾(يوسف: 21)، كما تولّى برحمته تعليم العبد الصّالح تعليما لدنّيّا ﴿..آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾(الكهف: 65).
وهذا العلم اللّدنّيّ لا خلاف على أنّه «علم التّأويل»، حيث تمكّن من تأويل أمور عجز موسى عليه السّلام عن فهم أسرارها ومعرفة مآلاتها. وبواسطة التّأويل الموهوب إلهيّا، تقدّم يوسف عليه السّلام في تجاربه، واستطاع أن يحقّق نجاة شعب مصر بتأويله لرؤيا الملك، ونجاته هو أيضا إذ أصبح بواسطة هذا العلم مكينا أمينا. فكان التّأويل بابا للتّمكين بعد أن تمّت بواسطته نجاة النّصّ من ضياع معناه واندثاره، ونجاة المؤوّل نفسه بتحقّق رفعته وانتصاره. إنّ قصّة يوسف عليه السّلام مع التّأويل تنبئ على أنّنا بإزاء علم حقيقيّ بمآلات النّصوص (الرّؤى)، لا يدع مجالا للشّكّ والتّخمين. قال يوسف عليه السّلام للفتيين اللّذين استفتياه في رؤيتيهما ﴿..قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾(يوسف: 41). فتبيّن بذلك أنّ هذا المؤوّل القدير قد أوتي «سلطة التّأويل»، تلك السّلطة الّتي جعلته يرى باطن النّصّ وظاهره في وقت واحد. أمّا العبد الصّالح، فإنّ علمه بمآلات «الأحداث» وليس الرّؤى كما هو الشّأن بالنّسبة ليوسف عليه السّلام، جعله يسلك على بصيرة من أمره فيتصرّف تصرّف الواثق المُمَكّن: ﴿..وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ..﴾(الكهف: 82).
فكان «فعله» نابعا من سلطان لا يقهر تماما مثلما كان «قول» يوسف عليه السّلام نابعا من نفس السّلطان. وبذلك وفي كلتا الحالتين، كان التّأويل «رحمة» مهداة، نجاة للنّصّ في أنموذج يوسف عليه السّلام، وهداية للحدث في أنموذج العبد الصّالح. وبذلك أيضا يتبيّن لنا معنى «الفتح الإلهيّ» على عبد من عبيده بأن يؤتيه أسرار التّأويل ومفاتح الفهم عنه.
فكيف ينقلب التّأويل نقمة ويصبح بابا للعنة؟ إنّ ذلك يحصل إذا خاض «المؤوّل» في أسرار «النّصوص» أو في «مآلات الأحداث» بدون سلطان. عندئذ يصبح من الّذين يجادلون في الله ﴿..بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾(الحج: 8)، ومن الّذين قيل لهم ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ* فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(الصافات: -156 157).
إنّ السّؤال ينصبّ إذن حول «سلطان التّأويل»، هذا السّلطان الّذي لا يحقّ لأحد أن يزعمه لنفسه إرثا خاصّا وغنيمة خالصة له من دون النّاس. ذلك أنّ النّصّ المشرع الأبواب على كلّ الاحتمالات، والحدث اللّامكتمل الّذي يقبل بالإمكان شتّى المآلات، باب مفتوح يغري بالولوج، فمن دخله بـ «فتح» رُحم، ومن دخله بزيغ لُعن وشقي وعُذّب. إنّ ابن عربيّ الّذي ادّعى أنّه من «أهل الفتح»، «أهل الكشف والوجود»(13)، ليبلغ في تأويله آفاقا تنبئ أنّه قد حاز من الفهم ذرى عالية، إلّا أنّه لينحطّ أحيانا حتّى ليعجز عن تأويل المحكم، وما ذلك إلّا لعماه عن الإحكام، وظنّه أنّه يخوض في بحار التّشبيه وما هو فيها على الحقيقة. ذلك ما جعل عرفانه الّذي يجسّد مشروعا تأويليّا كبيرا، موضوع جدل المتأوّلين واختلاف أنظار الموحّدين، هذا يرفعه إلى مراتب الأقطاب ويجعله لهذا الفنّ «شيخا أكبر»، وهذا لا يرى فيه سوى «زنديق» مارق يدّعي علم ما لم يعلم ويخوض في آيات الله بغير هدى ولا سلطان ولا تمكين.
فإذا كان الرّجل لم يثبت له عند المؤمنين مقام معلوم، فلا أقلّ من أن نقول إنّه على خطر عظيم.
الهوامش
(1) فصوص الحكم :1/182
(2) الفتوحات المكية : 2/131 وكذلك 2/644
(3) فلتراجع القصة كاملة وهي في سورة الكهف من الآية 60 إلى الآية 82
(4) فصوص الحكم :1/202-203
(5) ن م : 1/202
(6) ن م : 2/205
(7) الآية: وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك ولا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون» سورة القصص : آية 9
(8) فصوص الحكم :1/201
(9) فصوص الحكم :3/212
(10) ن م – ن ص
(11) الفتوحات المكية : 2/281
(12) التهامي نقرة- الاتجاهات السنية والمعتزلية في تأويل القرآن – تونس –دار القلم -1989:ص 147
(13) فصوص الحكم : 1/108 |




