في العمق
| بقلم |
![]() |
| د.عبدالله التركماني |
| مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية (2/2) |
تناولنا في الحلقة الأولى ماهية «مجتمع المعرفة» بأبعاده الشاملة، متوقفين عند تحديات ما بعد الحداثة، وهيمنة ثقافة الصورة، وثورة النشر الإلكتروني التي جعلت من «المحتوى» الرهان الحقيقي لعصرنا. وفي هذه الحلقة الثانية والأخيرة، ننتقل لملامسة واقعنا المباشر عبر مقاربة أزمة التنمية الثقافية العربية في مواجهة «صدمة المستقبل»، باحثين في شروط التغيير المطلوبة للانخراط الإيجابي في هذه التحولات الكونية. كما سنسلط الضوء على دور الكتاب العربي المحوري وإشكاليات صناعته وما يكبلها من قيود الرقابة والمصادرة، لنخلص إلى رؤية تستشرف سبل بناء مجتمع قارئ يمتلك مقومات نهضته المعرفية.
2. التّنمية الثّقافيّة العربيّة
ارتكزت فلسفة العقد العالميّ للتّنمية الثّقافيّة على ضرورة التّرابط بين الثّقافة والتّنمية بعدما تبيّنت أهمّيّة العنصر الثّقافيّ في كلّ عمل إنمائيّ، إلى جانب ضرورة إجراء حوار ثقافيّ بين الشّعوب يحترم مقوّمات الهويّة الثّقافيّة الوطنيّة ويراعي التّنوّع والتّكامل بين الحضارات على أساس وحدة القيم البشريّة الجوهريّة وكونيّتها، من أجل تحقيق تنمية مستدامة مؤسّسة على مبادئ الدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان والتّسامح والسّلم.
وبالنّسبة للعالم العربيّ فإنّ ثقافة مجتمع المعرفة لا تعني بالضّرورة الشّيء نفسه، ولا تنطوي على التّحدّيّات نفسها بالنّسبة لكلّ دولة عربيّة، الأمر الّذي يميّز الثّقافة العربيّة بخصوصيّات لا تنفي مفهوم الثّقافة العربيّة بقدر ما تزيده ثراء وخصبا وغنى. ويظلّ من واجبنا التّحذير من إسقاط التّشرذم السّياسيّ العربيّ على البعد الثّقافيّ. وأهمّ من ذلك اليقظة من خديعة التّنكّر للخصوصيّات بدعوى الوحدة المنشودة، وكذلك عدم الانخراط في تضخيم الخصوصيّات ونفي المشترك باسم الخصوصيّة.
1.2. العرب و « صدمة المستقبل»
إنّ الثّورات المعرفيّة والتّكنولوجيّة والمعلوماتيّة عرّضت العالم العربيّ لما يسمّى «صدمة المستقبل»، بكلّ ما تنطوي عليه من تحدّيّات وأخطار تمسّ الكيان العربيّ العميق. وتزداد الأخطار تأثيرا بسبب ما يعانيه من عوامل الضّعف المتمثّلة في انتشار الأمّيّة، وفقر بعض دوله وافتقادها المال والخبرات والخطط، وتخلّف برامج التّربية والتّعليم عن حاجات المجتمعات العربيّة ومتطلّبات العصر، ونقص الحرّيّات، وانعدام المشاركة الشّعبيّة الحقيقيّة والفاعلة، وعدم شموليّة السّياسات الثّقافيّة، وضعف الصّناعات الثّقافيّة بما فيها صناعة الكتاب العربيّ ونشره، وسيادة الإعلام السّطحيّ، فضلا عن عوامل أخرى تتّصل بالسّياسات الثّقافيّة العربيّة، وضعف التّخطيط الثّقافيّ، ومحدوديّة الاهتمام بالثّقافة في النّطاق العربيّ وبإشعاعها خارج العالم العربيّ وبصلاتها مع الثّقافات المعاصرة (1). وخاصّة أنّ التّغيّرات العالميّة المتسارعة، الّتي أفضت إلى اقتصاد المعرفة ومجتمع المعرفة، جعلت من قطاع التّصنيع الثّقافيّ أحد أسرع القطاعات الاقتصاديّة على المستوى العالميّ.
2.2. مكانة العرب في المعادلة الجديدة
ما هو موقع العرب ومكانتهم في هذه المعادلة الجديدة؟ وما هي العدّة الّتي أعدّتها الدّول العربيّة لمجتمع المعرفة؟ وما هي السّياسات التّنمويّة والاستراتيجيّات المختلفة الّتي اعتمدتها للاستفادة من الانفجار المعلوماتيّ واللّحاق بالدّول المتقدّمة وتفادي التّهميش والتّأخّر؟
للإجابة عن هذه التّساؤلات يجب العودة إلى الوراء وإلقاء نظرة نقديّة في واقع العالم العربيّ في المجال العلميّ والمعرفيّ (2):
(1) - يلاحظ أنّ الموازنات الّتي تخصّص للبحث العلميّ في العالم العربيّ لا تكاد تذكر، كما أنّ مؤسّسات البحث العلميّ تسيطر عليها البيروقراطيّة والشّكليّات أكثر من أيّ شيء آخر، والشّيء نفسه يمكن قوله بالنّسبة للبحث العلميّ داخل أغلب المؤسّسات الجامعيّة.
(2) - في معظم الدّول العربيّة لا تعتمد الحكومات على بيانات ومعلومات ودراسات في اتّخاذ قراراتها، وهذا يعني أنّ المعلومة بوصفها مصدر قوّة لا تعني شيئا بالنّسبة للكثير من أصحاب القرار في العالم العربيّ، وهذا يتناقض - أساسا - مع روح مجتمع المعرفة وفلسفته..
(3) - ما زالت وسائل الإعلام في معظم الدّول العربيّة تعاني من الرّقابة والولاء الأعمى للحكومات، وهذا يعني أنّ مصدرا من المصادر الرّئيسيّة للمعلومات يعدّ مبتورا ولا يقوم بدوره في المجتمع كما ينبغي. وهنا يجد المواطن العربيّ نفسه أمام خطاب إعلاميّ لا يتفاعل مع روح مجتمع المعرفة ولا يتماشى معها.
(4) - تهميش المواطن العربيّ وعدم إشراكه في الحياة السّياسيّة وفي عمليّة اتّخاذ القرار، وهذا الموقف منه ينفي أساسا فكرة أهمّيّة المعلومة وكونها مصدر قوّة في المجتمع.
(5) - ضعف البعد الاستشرافيّ والاستراتيجيّ في العديد من الدّول العربيّة إذ تتمّ معالجة الأوضاع والقضايا بطريقة يوميّة روتينيّة.
(6) – إنّ مستقبل الثّقافة العربيّة يعني بالأساس مستقبل الفئات الشّابّة والنّاشئة من أبناء العالم العربيّ، فهم يشكّلون قاعدة ديموغرافيّة واسعة يجب أن تتّجه إليها كلّ البرامج والسّياسات. ومن ثمّ فإنّ عمليّة تشكيل الرّأسمال الثّقافيّ العربيّ يجب أن تؤخذ بقدر عال من الاهتمام والانتباه.
لقد أصبحت المعرفة العلميّة والتّكنولوجيّة عنوان العصر، والمفارقة الّتي يعاني منها العالم العربيّ تتمثّل في أنّه لم يحقّق النّموذج الكلاسيكيّ للتّنمية، نموذج الثّورة الصّناعيّة الثّانية، في الوقت الّذي هو مضطرّ فيه إلى تحقيق نموذج الثّورة الصّناعيّة الثّالثة، أي الثّورة المعرفيّة والتّكنولوجيّة وثقافة مجتمع المعرفة.
3.2. المستلزمات الضّروريّة لمجتمع المعرفة في العالم العربيّ
ممّا تقدّم يتوجّب على الدّول العربيّة أن تفكّر بعمق في الإشكاليّات الّتي يطرحها مجتمع المعرفة وما هي المستلزمات الضّروريّة الّتي يجب أن تسهر على توفيرها حتّى تشارك في هذا المجتمع وتصبح فاعلة فيه وليست متفرّجة تتلقّى ولا تحرّك ساكنا.
(1) - من أولى الأولويّات الّتي تنتظر العالم العربيّ ضرورة وضع استراتيجيّة معلوماتيّة على مستوى كلّ دولة عربيّة ومن ثمّ على مستوى العالم العربيّ ككلّ أو على الأقلّ على مستوى بلاد الشّام والمنطقة المغاربيّة ووادي النّيل ومجلس التّعاون الخليجيّ، والمنظور الاستراتيجيّ هذا يجب بطبيعة الحال النّظر إليه في إطار التّنمية الشّاملة بمختلف أبعادها وحيثيّاتها.
(2) - ضرورة تحديد البنية التّحتيّة الضّروريّة لتكنولوجيا المعلومات وتطبيقاتها وخدماتها وتوفيرها.
(3) - توفير حرّيّة الصّحافة وحرّيّة التّعبير وحرّيّة الرّأي وتكريس حقّ المواطن في الإعلام والمعرفة والحصول على المعلومات، وبهذا نضمن مشاركة أفراد المجتمع وإدماجهم في المساهمة في الحياة السّياسيّة واتّخاذ القرار.
(4) - وضع استراتيجيّة لإنتاج المعدّات والبرمجيّات حتّى نتمكّن من تحديد مصيرنا بأنفسنا والحدّ من التّبعيّة والاعتماد على الغير.
(5) - تطوير النّظم التّعليميّة وفق مقتضيات مجتمع المعرفة وضرورة إشراك مراكز الدّراسات والأبحاث والجامعات والمعاهد العليا في صناعة المعلومات.
(6) - غرس قيم وأفكار جديدة في المجتمع تتماشى وروح العصر الجديد.
إنّ مجتمع المعرفة لا يقتصر على إنتاج المعارف وتداولها فحسب، وإنّما يحتاج إلى ثقافة تقدّر وتحترم من ينتج هذه المعارف ويستغلّها في المجال الصّحيح. الأمر الّذي يتطلّب إيجاد محيط ثقافيّ واجتماعيّ وسياسيّ يؤمن بأهمّيّة الكتاب ودوره، باعتباره أحد أهمّ مصادر المعرفة في الحياة اليوميّة للمجتمع.
4.2. أهم جوانب التغيير الثقافي المطلوب
للخروج من الحالة الضّعيفة للثّقافة العربيّة، وخاصّة في ظلّ مجتمع المعرفة وثقافة العولمة، لا بدّ من تأكيد مجموعة جوانب مترابطة للتّغيير الثّقافيّ، الّذي يمكّننا من القطيعة مع التّأخّر والانطلاق إلى مسارات النّموّ والتّنمية الذّاتيّة، والتّحرّر من المحنة العربيّة (3):
(1) - مبدأ الحرّيّة والاختيار، لأنّ الحرّيّة ترتبط بالمسؤوليّة وتنفي الحتميّة أو الجبريّة، وتجعل من الضّروريّ إلقاء الضّوء على فعل الاختيارات الممكنة تاريخيّا، وصنع الاختيار انطلاقا من الوعي بالتّكلفة. والواقع أنّ الحرّيّة بهذا المعنى هي أصل كلّ فعل اجتماعيّ، ومن ثمّ أصل كلّ فلسفة. ولم يعد الاعتراف بمركزيّة قيمة الحرّيّة أمرا اختياريّا بحتا، أو حتّى ضرورة فلسفيّة فحسب، فالدّولة لم تعد هي الجسم الوحيد في الفضاء المجتمعيّ، وتتعلّق الآمال الأعظم للتّحرّر باستنهاض المجتمع المدنيّ واضطلاعه بجانب عظيم ومتزايد من المسؤوليّات الجسام للتّقدّم، وهو ما يحتّم إنهاء الاستبداد السّياسيّ وتكريس معنى الحرّيّة في الثّقافة السّياسيّة، وفي التّكوين الثّقافيّ للمجتمع بشكل عامّ.
(2) - النّسبيّة والتّنوّع والاعتراف بالآخر، فكلّ حقيقة نسبيّة، ولكلّ فكرة تجلّياتها الجزئيّة، ومن حقّ المجتمع أن يطّلع على كلّ الاختيارات المتاحة، الّتي صُنعت بحرّيّة، وأن يختار من بينها. وإنّ جزءا لا يتجزّأ من الإقرار بحرّيّة أيّ طرف يتمثّل في الاعتراف بحقّ كلّ طرف آخر في التّعبير عن نفسه بحرّيّة.
(3) - ثقافة العلم وحسن الاختيار، إذ يترتّب على القول بنسبيّة كلّ حقيقة أنّ أيّ اختيار يكون صائبا بقدر ما يتّفق مع معطيات الواقع، ويحلّ بعض أهمّ معضلاته بالنّسبة للمجتمع في مرحلة تاريخيّة ما، وبينما يجب أن يكون المجتمع في مجموعه هو صاحب الاختيار لأنّه هو الّذي يتحمّل تبعاته، فإنّ العلم هو الإنارة اللّازمة لحقل الاختيار، حيث يمثّل الحصيلة الموثّقة للمعارف المتاحة بالواقع، والمنظور الملائم للتّعرّف على مزايا كلّ اختيار ومثالبه. وفي عصرنا، انتشرت الثّقافة المواتية للعلم، وصارت جزءا لا يتجزّأ من منظومة مجتمع المعرفة، وهو ما يستوجب إعادة التّأكيد على قيمة الثّقافة العلميّة ودورها في ثقافتنا العربيّة.
(4) - ثقافة الدّور أو الواجب الحضاريّ، أي إحياء فكرة الإعمار الّتي هي من أهمّ الأرصدة الثّقافيّة للحضارة العربيّة - الإسلاميّة، بما هي واجب الإنسان في الكون. وخاصّة أنّ القول قد حلّ محلّ الفعل في أداء رسالة الدّور الحضاريّ في ثقافتنا العربيّة، حين اطمأنّ العرب إلى دورهم في الماضي، فعكفوا على تمجيده، دون الإضافة إليه.
إنّ الواجب الحضاريّ ليس خطبة فارغة، وليس عظة أخلاقيّة مجرّدة، كما أنّها ليست فرضا للرّأي بالعنف، ولا ادّعاء صارخا بالتّفوّق، إنّها الإضافة الحقيقيّة إلى رصيد الإنسان من المعارف ودوافع الخير ووسائل الإعمار.
(5) - ثقافة الامتياز والإنجاز، إذ إنّ الفائزين في المنافسة الحضاريّة هم من يسعون لتحقيق أعلى معدّلات وأرقى مستويات الأداء في مجالات الحضارة المختلفة، وبخاصّة مجالات الإنتاج والاقتصاد. وتتطلّب ثقافة الأداء والامتياز التّأكيد على معنى رئيسيّ وهو أنّ العالم قد هجر التّفاخر بالأصل، والنّوع، والهويّة، وجعل القيمة الحقيقيّة اللّازمة للاحترام والهيبة هي الإنجاز. وتستطيع كلّ أمّة التّعبير عن هويّتها ورصيدها من المعرفة والأخلاق من خلال التّفنّن في الإبداع الجماليّ والتّكنولوجيّ، ومن خلال الإتقان في الإنتاج والإنتاجيّة.
(6) - الانفتاح والمبادرة الإيجابيّة، حيث إنّ الانكماش واتّخاذ موقف الدّفاع حيال ما يسمّيه البعض «الغزو الثّقافيّ» هو استراتيجيّة بائسة وفاشلة تماما، فلم تعد الاستراتيجيّات الدّفاعيّة والفصاميّة قادرة على إنقاذ الذّات الحضاريّة من الهزيمة أو التّبعثر، وإنّما صار الأمل الحقيقيّ في الصّمود رهنا بالتّعلّم واستيعاب ما لدى الآخرين من رصيد المعارف وفنون الإنتاج وإتقانه، ثمّ في الثّقة بالذّات والشّعور بالواجب الحضاريّ، وإصلاح شؤوننا الدّاخليّة بعدما فسدت وتدهورت بدءا من أنظمة الحكم ومرورا بنظام الجامعات ومواقع الإنتاج والخدمات.
(7) - المؤسّساتيّة، إذ تحتاج الثّقافة العربيّة احتياجا أساسيّا وعميقا لامتصاص أهمّ منجزات الحداثة وهي المأسسة واستيعابها. فالمأسسة تعني، قبل كلّ شيء، الاهتمام بتمييز الخطّ الفاصل بين الشّخصيّ والعامّ، وخاصّة فيما يتعلّق بالدّور، ولكن أيضا فيما يتعلّق بالملكيّة والسّلطة. كما تعني المأسسة شيئا من الاتّصال والدّيمومة في أداء الوظائف.
وتعاني الثّقافة العربيّة من ضعف في استيعاب فكرة المؤسّسة، الأمر الّذي يجعلها تحتاج إلى عدّة معطيات مهمّة للمؤسّساتيّة: الدّقّة البالغة في تعيين الاختصاص والتّمييز بين الأدوار، وتقسيم العمل، وإحداث التّكامل بين الوظائف والاختصاصات عبر آليّات مستقلّة – نسبيّا - عن الأشخاص.
كما تُعنى فكرة المؤسّساتيّة بالكفاءة، وبإمكان وضرورة النّظرة العمليّة الّتي تقيم علاقة وطيدة بين الغايات والوسائل، وبين الأهداف والوسائل، وبين القيم وآليّات العمل المادّيّة وغير المادّيّة. وتتيح فكرة المأسسة إقامة تلك العلاقة على نحو وطيد ومتّصل في الزّمان والمكان، وهو ما تحتاج إليه الثّقافة العربيّة. فقد عرفت تلك الثّقافة مؤسّسات بعينها، ولكنّها مالت للتّركيز الشّديد على العموميّات والمطلقات في مقابل التّركيز على النّسبيّات والجزئيّات.
(8) - التّصحيح المستمرّ والنّظر للمستقبل، فبسبب المساحة المهيمنة للمطلقات، والتّعلّق الشّديد بالماضي، لا يحتلّ المستقبل المساحة الجديرة به في الثّقافة العربيّة، فالمستقبل «ليس سوى مجرّد استمرار للماضي، بل إنّ أفضل مستقبل هو ما يتقيّد بأفضل ما في الماضي»، وكأنّ الزّمن لا يفعل سوى إعادة إنتاج نفسه في نموذج مثاليّ سرمديّ مطلق الصّلاحيّة والحضور.
ومن ثمّ، فإنّ الرّكود له أساس قويّ في ثقافتنا، والتّحرّر من الرّكود مرهون بتغيير نظرتنا للمستقبل وتجديدها، فالمستقبل يحمل جديدا وليس مجرّد إعادة إنتاج متواصل للماضي، ولذلك يجب أن نصحّح باستمرار ما نعرفه وما نملكه وما نصنعه، وهو ما يعيدنا للقول بنسبيّة كلّ حقيقة بشريّة وإخضاعها للنّقد والتّمحيص. إنّ هذا يخلّصنا أيضا من عبادة الفرد الحاكم، ومن النّزعة للتّملّق والنّفاق، وهو ينتزع مساحة معقولة للنّقد الذّاتيّ والنّقد الموضوعيّ وللاختيار الجماعيّ المتجدّد في ثقافتنا.
(9) - استعادة ثقافة المساواة والحقّ، فمثلا ما لم ننجح في اجتيازه هو إقرار حقّ المرأة في المساواة، وما زالت تلك الضّرورة والحتميّة متعثّرة في الوعيّ وفي الممارسة على السّواء، ونحن نعتقد أنّ تحرير المرأة والإقرار بحقّها في المساواة هو شرط مهمّ لتحرير عقولنا جميعا، بل ولتحرير تاريخنا من الرّكود.
(10) - جدليّة التّعاون والتّنافس، إذ يجب أن نغرس في الثّقافة العربيّة فكرة أنّ التّطوّر رهن للتّنافس والتّعاون معا، ومن ثمّ أولويّة النّضال السّلميّ من أجل حلّ التّناقضات حلّا عادلا، ودون إخلال بالحقّ.
وهكذا، يبدو واضحا أنّنا أحوج ما نكون إلى إعادة صياغة الخصوصيّة الثّقافيّة العربيّة، بمعنى أنّنا في أمسّ الحاجة إلى عمليّة إحياء ثقافيّ، فالثّقافة العربيّة الرّاهنة تمرّ في مرحلة انحطاط وردّة واضحين. فهناك تراجع عن الفكر العلميّ لفائدة الفكر الخرافيّ، وهناك استفحال ظاهرة الخطاب الماضويّ الّذي يجهد في محاولة إرجاع العالم العربيّ إلى العصور المظلمة، ويحفّزه على التّشبّث بمرجعيّة ماضويّة، وكأنّ الماضي ينبغي أن يحكم الحاضر والمستقبل.
وإذا كنّا قد خسرنا العديد من لحظات الانتماء والفعل في التّاريخ الثّقافيّ - المعرفيّ الكونيّ، خاصّة في العصر الحديث، فكيف نساهم في الوقت الرّاهن في مجتمع المعرفة ونحن لم نحقّق المعاصرة والحداثة واكتفينا بالدّوران في حلقات الأصالة وحدها؟
5.2. دور التّعليم في تنمية الموارد البشريّة العربيّة
في العالم العربيّ، الّذي يحاول منذ القرن التّاسع عشر تلمّس بداية نهضة حقيقيّة، جدير أن ينظر للتّعليم، بوصفه هدفا ومنهجا ووسائل، باعتباره الأساس في تنمية الرّأسمال البشريّ. فليس من شكّ في أنّ مستقبل العالم العربيّ سيكون أكثر إشراقا وأبعث على الأمل كلّما ارتقى مستوى التّعليم، وكلّما زاد تدريب التّلاميذ وإعدادهم علميّا وتربويّا. ويندرج هذا الجهد ضمن إطار محاولة توسيع خيارات الإنسان العربيّ، وخاصّة الحصول على المعرفة وضمان مستوى معيشيّ لائق، إذ ارتكز مفهوم التّنمية البشريّة على ثلاثة أبعاد (4):
(1) – تكوين القدرات البشريّة من خلال تحسين المستوى الصّحّيّ والمستوى المعرفيّ وتجويد المهارات الفرديّة والجماعيّة.
(2) – استخدام البشر لهذه القدرات للمساهمة في الأنشطة الإنتاجيّة والثّقافيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة.
(3) – استخدام مستوى الرّفاه البشريّ الّذي تمّ بلوغه لإثراء القدرات البشريّة والقدرات المعرفيّة.
وفي الواقع، فإنّ مجتمع المعرفة لا يقوم بدوره إلّا على أساس منظومة واستراتيجيّة للعلم والمعرفة من خلال التّعلّم مدى الحياة، أي الاستثمار في الموارد البشريّة. وهنا يبرز السّؤال عن أبعاد التّحرّك المستقبليّ نحو امتلاك ناصية العلم والمعرفة في عصر مجتمع المعرفة. إذ تظلّ مقولة التّعليم هو الحلّ، في مواجهة التّحدّيّات الكونيّة، صحيحة. لأنّه هو الّذي يتمكّن من الإسهام في تنمية بشريّة كفيلة ببعث الحيويّة والتّجدّد في مجتمعاتنا.
6.2. ضرورة الاستثمار في صناعة المعرفة
الاستثمار في صناعة المعرفة مسؤوليّة الجميع، إذ إنّ التّطوّرات التّكنولوجيّة الحديثة وفّرت الفرصة للجميع ليمسكوا بأسباب التّقدّم، غير أنّها من جهة أخرى، أدّت إلى بروز مجموعتين متمايزتين: مجموعة منتجة وأخرى مستهلكة. الأولى، تمسك بخيوط التّقدّم وتوجّهه أنّى أرادت، بما يناسب مصالحها ورؤاها وقيمها، لأنّها تحتكر إنتاج المعرفة وصناعتها وتمتلك الثّروة وتمسك بأسباب التّنمية. والثّانية، تكتفي بدور المشاهد العاجز، لا شأن لها غير ترديد ببغائيّ لما يتمّ التّكرّم به عليها وبما يخدم المجموعة الأولى.
إنّ مجتمع المعرفة هو ورشة حقيقيّة يضطلع ويسهم في إطارها الجميع، كلّ من موقعه واختصاصه ونزعته الفكريّة وانتمائه السّياسيّ والفكريّ، ذلك أنّ الثّروة الحقيقيّة للأمم في القرن الحادي والعشرين تتمثّل في الذّكاء والاختراع وتوظيف الوسائط التّكنولوجيّة الجديدة الّتي يتوقّف عليها بناء مجتمع المعرفة، وأنّ هذه الوسائط تشكّل المصدر الجوهريّ للرّأسمال الثّقافيّ والعلميّ للإنسان..
3. دور الكتاب في مجتمع المعرفة
مرّت البشريّة، من زاوية الكتابة والكتاب، بثلاث مراحل تاريخيّة: أوّلها، مرحلة المشافهة الّتي قوامها الذّاكرة، بوصفها قناة للتّواصل ونشر المعارف والقيم والرّموز الثّقافيّة من جيل إلى جيل. وثانيها، مرحلة الكتابة الّتي قوامها التّدوين، بوصفها أداة تواصل لغويّ وثقافيّ تصون الذّاكرة الجمعيّة وتخلّد المآثر وتحفظ أسس العلوم. وثالثها، مرحلة مجتمع تكنولوجيا المعلومات وثورة الاتّصالات، حيث سادت المكتبات الافتراضيّة والنّصوص العليا والكتاب اللّامادّيّ (5).
واليوم، يشكّل نشر الكتاب الحجر الأساس في صناعة المعرفة، ومن هنا تأتي ضرورة الاهتمام بهذا القطاع من حيث التّعريف والتّرويج. ثمّ إنّ ما يطبّق على الكتاب يطبّق على أوعية المعلومات الأخرى، إذ إنّ وسائط الإنترنت يجب تعميمها للجميع بصرف النّظر عن انتماءاتهم العرقيّة أو الثّقافيّة أو الحضاريّة أو السّياسيّة، إنّها علامة العولمة المعرفيّة بامتياز، بما حقّقته من سرعة فائقة واختراق للحدود، ومن ثمّ تسهيل الوصول إلى مصادر المعلومات في أوقات قياسيّة.
وفي العالم العربيّ تعاني أغلب شعوبه الأمّيّة والفقر، والتّعليم المتعثّر، والحرّيّة المفقودة، إضافة إلى كون المكتبات العامّة فقيرة جدّا في أغلب البلدان العربيّة.
1.3. إشكاليّات صنع المعرفة في العالم العربيّ
تتعدّد الإشكاليّات الّتي تعترض ملفّ صنع المعرفة والسّبل الكفيلة بتبنّي استراتيجيّة مستقبليّة وخطّة مدروسة على المدى البعيد لتنفيذ تلك الاستراتيجيّة في العالم العربيّ، ومن أهمّها (6):
(1) - التّشريع والقوانين، إذ إنّ هناك حقائق ثابتة وجب أخذها في الاعتبار اليوم واستخلاص الدّروس والعبر منها في دعم صناعة المعرفة، فأهمّ التّحدّيّات الّتي ستواجهنا هي إيجاد القوانين والتّشريعات لبعث المؤسسات الكبرى الخّاصّة، وقد آن الأوان لأن نكفّ عن مطالبة الحكومات العربيّة بتأمين كلّ شيء. وعليه وجب السّعي إلى توفير القوانين والتّشريعات الخّاصّة في هذا المجال لتوجيه الخواصّ، من أفراد وشركات ورجال أعمال، وإقناعهم وتشجيعهم على الاستثمار في المعرفة.
(2) - الدّعم المحلّيّ والدّوليّ واستراتيجيّة الشّراكة المعرفيّة، إذ إنّ وضع استراتيجيّة لتفعيل الاستثمار في المعرفة يتطلّب استشرافا عميقا وواعيا لملفّ البحث العلميّ والاستثمار في المعرفة.
2.3. أهمّ مشكلات صناعة الكتاب العربيّ وتسويقه
(1) - تعدّ المصادرة الوجه الآخر للتّعصّب أو التّطرّف، إذ إنّ الكتب المصادرة تعبّر عن ضيق أفق لأنّنا سنبحث عنها ونتداولها سرّا. فقد كانت البداية مع كتاب «الإسلام وأصول الحكم» الصّادر سنة 1925 والّذي كتبه الشّيخ علي عبد الرّازق قاضي محكمة المنصورة الابتدائيّة الشّرعيّة حينذاك. ولم يكد يمضي عام حتّى انفجرت قضيّة الكتاب الثّاني، ففي سنة 1926 صدر كتاب «في الشّعر الجاهليّ» للدّكتور طه حسين المدرّس حينذاك بالجامعة المصريّة، إذ قامت القيامة على الكتاب ومؤلّفه لا بسبب الموضوع بل بسبب منهج الشّكّ الدّيكارتيّ الّذي زلزل الثّوابت والبديهيّات، وحاول أن ينفض الكسل العقليّ عن المجتمع ويوقظه من تخدير الأفكار الرّاسخة. وفي سنة 1959 صودرت رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، وهي من أبدع رواياته ومن أهمّ حيثيّات حصوله على جائزة نوبل للآداب في العام 1988 والّتي أشير في نصّها إلى «موضوع الرّواية غير العاديّة أولاد حارتنا هو البحث الأزليّ لإنسان عن القيم الرّوحيّة، فآدم وحوّاء وموسى وعيسى ومحمّد وغيرهم من الأنبياء والرّسل بالإضافة إلى العالم المحدث يظهرون في تخفّ طفيف» (7).
ومن سياسة مصادرة الكتاب الواحد إلى المصادرة بـ «الزّنبيل» وقد حدثت هذه المصادرة في منتصف يناير/كانون الثّاني 1992 حينما صادرت إدارة البحوث والتّأليف بالأزهر ثمانية كتب من معرض القاهرة الدّوليّ الرّابع والعشرين للكتاب: خمسة من هذه الكتب للمستشار سعيد العشماوي (الإسلام السّياسيّ، والخلافة الإسلاميّة، وأصول الشّريعة، ومعالم الإسلام، والرّبا والفائدة في الإسلام).
(2) - الرّقابة، وهي كذلك من العوائق الّتي تحدّ من حركة الكتاب، ففي غياب معايير أو ضوابط محدّدة لهذه العمليّة، فإنّ المزاجيّة أو الفوضى هي الّتي تتحكّم في عقليّة الرّقيب، وهي مسألة تؤرّق النّاشر الّذي يطالب بإلغائها والاكتفاء بـ «رقابة الضّمير».
الخاتمة
كي لا نستمرّ في إعادة إنتاج الفراغ نقول: المشكلة الّتي نواجهها الآن هي أنّ اللّحظة الّتي يعيشها العالم لن تسمح إطلاقا بأيّ قدر من الخمول والتّراخي، لذا علينا أن نعيد ترتيب أوراقنا بحثا عن آفاق مغايرة. العمليّة تحتاج جهدّا واجتهادا ومثابرة وعملا، لأنّ مجتمع المعرفة لا يرحم، ومن يتأخّر عن الرّكب سينساه الزّمن إلى الأبد، والأمر بكلّ أبعاده وخلفيّاته يحتاج إلى دراسات وإمكانيّات ووسائل وإرادة قويّة من جميع مكوّنات المجتمع: سلطة ومؤسّسات عامّة وخّاصّة وشعب.
ويبقى السّؤال المهمّ هو: كيف نصنع مجتمعا قارئا؟ وهنا يبرز دور الأسرة والمدرسة والمجتمع والإعلام والدّولة في تنمية عادة القراءة، وخاصّة دور المكتبات المنزليّة والمدرسيّة فضلا عن المكتبات العامّة في المدن والأرياف.
الهوامش
(1) المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم: الخطة الشاملة للثقافة العربية، الطبعة الثانية – تونس – 1996، ص ص 31 – 41.
(2) د. برهان غليون: الثقافة وفشل العرب في الاندماج في الثورة العلمية – عن صحيفة « الوطن « السعودية – 22 يونيو/حزيران 2003.
(3) د. محمد بن أحمد: الثقافة والتنمية في عصر العولمة – عن كتاب: السياسات الثقافية ... المرجع السابق، ص 21
(4) د. حامد عمار: نحو تعليم المستقبل- عن مجلة « العربي» الكويتية، العـــدد (494) - يناير/ كانون الثاني 2000.
(5) راجع الهادي المزوغي: الكتاب العربي في العصر الوسيط/عوامل ازدهاره وحدود انتشاره - عن مجلة « الحياة الثقافية «، العدد (147)، وزارة الثقافة – تونس – سبتمبر/أيلول 2003، ص 15و 16.
(6) د. آدم مهدي أحمد عبدالله: الاستثمار في مجال مشروعات التصنيع الثقافي في الوطن العربي - عن كتاب: السياسات الثقافية ... المرجع السابق، ص 314.
(7) أوردته صحيفة « الشرق الأوسط « اللندنية من مراسلها في فرانكفورت تحت عنوان « العرب ضيوف شرف في الدورة القادمة لمعرض فرانكفورت»، 12 أكتوبر/تشرين الأول 2003. |




