تدبير

بقلم
محمد أمين هبيري
الأساس الفلسفيّ للاستراتيجيا: العقل الأداتيّ ومنطق النّجاعة
 يمثّل الانتقال من مجرّد توصيف الاستراتيجيا ومجالات اشتغالها إلى البحث في أسسها العميقة خطوة ضرورية لفهم أبعادها الحقيقية وتأثيراتها الشاملة. فكلّ منهج عملي، مهما بدا براغماتيًّا وموجّهًا نحو النتائج، يستند ضمنيًّا إلى تصور فلسفي للعقل والفعل، يحدّد طبيعة الأهداف والوسائل، ويؤطر العلاقة بينهما. وفي هذا السياق، تطرح هذه المقالة فكرة مركزية مفادها أنّ الاستراتيجيا، في صيغتها الحديثة والمعاصرة، ليست مجرّد تقنية محايدة أو مجموعة من الأدوات الإجرائية، بل هي نتاج تصور فلسفي محدّد للعقل، هو العقل الأداتي، الذي يتجلّى في منطق النجاعة كمعيار  مهيمن على الفعل (1) . يهدف هذا المقال إلى الكشف عن هذا الأساس الفلسفي، وتحليله، وبيان حدوده، تمهيدًا لمقاربات أعمق في فهم الاستراتيجيا.  
1. التّمهيد
لتوضيح الإطار المفاهيميّ، لا بدّ من تعريف المصطلحات الأساسيّة:
1. الأساس الفلسفيّ: 
يُقصد بالأساس الفلسفي هنا البنية الفكرية العميقة التي توجّه المنهج أو الممارسة. إنّه ليس مجرّد تبرير عملي أو مجموعة من المبادئ التوجيهية السطحية، بل هو الإطار المعرفي والأنطولوجي الذي يحدّد كيفية فهمنا للعالم، للإنسان، وللفعل. في سياق الاستراتيجيا، يشير الأساس الفلسفي إلى التصورات الكامنة حول طبيعة العقل البشري، وقدرته على التخطيط والتنفيذ، ومعايير تقييم الفعل (2) .
2. العقل الأداتيّ: 
يُعرّف العقل الأداتي (Instrumental Reason) بأنّه نمط من التفكير يركز بشكل أساسي على الوسائل الأكثر فعالية وكفاءة لتحقيق أهداف محدّدة، دون إيلاء اهتمام كافٍ لطبيعة الأهداف ذاتها أو قيمتها الأخلاقية . إنّه عقل حسابي، تقني، يسعى إلى إيجاد أفضل الطرق لتحقيق غاية معينة، بغض النظر عن مشروعية هذه الغاية أو آثارها الأخلاقية والاجتماعية. يتميّز العقل الأداتي عن العقل القيمي (Value-Rationality) الذي يوجّه الفعل بناءً على قيم ومبادئ أخلاقية، وعن العقل التأملي (Contemplative Reason) الذي يسعى إلى فهم العالم لذاته دون غاية عملية مباشرة (3).
3. منطق النّجاعة: 
يشير منطق النجاعة (Efficiency Logic) إلى المبدأ الذي يحكم الفعل الاستراتيجي الحديث، حيث يصبح النجاح في تحقيق الأهداف المحدّدة، بأقلّ قدر من الموارد والجهد، هو المعيار الأسمى للتقييم. إنّه مفهوم متجذر في الفكر الحديث، خاصة مع صعود العلم والتقنية، حيث أصبحت القدرة على تحقيق النتائج المرجوة هي المحكّ الأساسي لفعالية أيّ فعل أو نظام . يختلف منطق النجاعة عن مفهوم الرشد (Rationality) بمعناه الأوسع الذي قد يشمل الرشد القيمي والأخلاقي، وعن الاستقامة (Rectitude) التي ترتبط بالصواب الأخلاقي للفعل نفسه، وليس فقط بنتائجه (4).
تتجلّى أهمية دراسة الأساس الفلسفي للاستراتيجيا في أبعاد تاريخية ونظرية وعملية:
تاريخيًّا، تشكّل العقل الأداتي في سياق الحداثة الأوروبية، مع تطور العلم التجريبي والثورة الصناعية. فمع تزايد القدرة البشرية على التحكم في الطبيعة وتطويعها، أصبح التركيز على الوسائل والتقنيات الفعالة لتحقيق الأهداف هو السمة المميزة للعصر. انتقل هذا النمط من التفكير من المجال الصناعي والتقني إلى الفعل الإنساني العام، ليشمل الإدارة، السياسة، وحتى العلاقات الاجتماعية . وقد أشار ماكس فيبر إلى هذا التحول في تحليله للعقلانية البيروقراطية، حيث تصبح الكفاءة والفعالية هي المحرك الأساسي للتنظيمات الحديثة.
نظريًّا، يحتل العقل الأداتي موقعًا مركزيًّا في الفلسفة الغربية النفعية، خاصة في أعمال مدرسة فرانكفورت النقدية، التي انتقدت هيمنته وتأثيراته السلبية على المجتمع والإنسان . تتجلّى علاقته بنظريات الفعل والقرار في كونه يمثل الإطار الذي يتم ضمنه صياغة الأهداف، واختيار الوسائل، وتقييم النتائج. يلعب العقل الأداتي دورًا حاسمًا في بناء المنهج الاستراتيجي، حيث يوفّر الأدوات التحليلية والتخطيطية اللازمة لتحقيق الأهداف المحدّدة، ولكنه في الوقت نفسه يطرح تساؤلات حول طبيعة هذه الأهداف ومشروعيتها .
عمليًّا، تظهر هذه الأهميّة في الهيمنة الواضحة لمنطق النجاعة في مجالات الإدارة، السياسة، والاقتصاد المعاصر. فكثيرًا ما يتم توجيه القرارات بناءً على النتائج المتوقعة والفعالية المحقّقة، وليس بالضرورة بناءً على قيم أخلاقية أو اعتبارات إنسانية أوسع. يؤثّر هذا المنطق بشكل عميق في السلوك الفردي والجماعي، حيث يصبح السعي وراء النجاح والكفاءة هو المحرك الأساسي للأفراد والمؤسسات، مما قد يؤدي إلى تآكل الأبعاد الأخلاقية والإنسانية للفعل .
تثير هذه الدراسة إشكالية محورية تتمثل في التساؤل حول مدى كفاية العقل الأداتي ومنطق النجاعة كأساس فلسفي وحيد للفعل الإنساني والاستراتيجيا. هل يمكن توجيه الفعل الإنساني بمنطق النجاعة فقط، دون الأخذ في الاعتبار الأبعاد القيمية والأخلاقية؟ إلى أيّ حدّ يشكّل العقل الأداتي أساسًا كافيًا للاستراتيجيا، وهل يمكن أن يؤدي الاعتماد الكلّي عليه إلى نتائج غير مرغوبة أو أزمات عميقة؟ وما هو أثر هذا الأساس في طبيعة القرارات المتّخذة ومآلاتها على المدى الطويل؟ هذه التساؤلات هي التي يسعى المقال إلى استكشافها وتحليلها.
2. الجزء الأوّل: العقل الأداتيّ كأساس فلسفيّ للاستراتيجيا
1.2. العنصر الأوّل: تشكّل العقل الأداتيّ في الفكر الحديث
تاريخيًّا، ارتبط تشكّل العقل الأداتيّ في الفكر الحديث بصعود العلم التّجريـــبيّ والتّنوير، حيث أصبح التّركيز على المعرفة التي تخدم السّيطرة على الطّبيعة وتطويعها هو الهدف الأسمى. لقد أدّت هذه النّزعة إلى مركزيّة الوسيلة، حيث أصبحت الكيفيّة التي يتمّ بها تحقيق الأهداف أكثر أهمّيّة من الأهداف ذاتها في بعض الأحيان. ومع هذا التّحوّل، تراجع السّؤال القيميّ الذي كان يطرح حول غايات الفعل ومعناه، ليحلّ محلّه سؤال الكفاءة والفعّاليّة. لقد اختزل العقل في أداة حساب، مهمّتها الأساسيّة هي إيجاد أفضل الطّرق لتحقيق الأهداف المحدّدة مسبقًا، دون التّوقّف عند مشروعيّة هذه الأهداف أو آثارها الأخلاقيّة.
2.2. العنصر الثّاني: حضور العقل الأداتيّ في المنهج الاستراتيجيّ
يتجلّى حضور العقل الأداتي بوضوح في المنهج الاستراتيجي الحديث. فالاستراتيجيا، في جوهرها، هي تفكير بالأهداف والوسائل، حيث يتم تحديد الأهداف بوضوح، ثم البحث عن أفضل الوسائل لتحقيقها. يتم قياس الفعل الاستراتيجي بالمردودية والنتائج المحقّقة، مما يحوّل القرار الاستراتيجي إلى مسألة تقنية بحتة، تعتمد على التحليل العقلاني للبيانات، وتقييم المخاطر، واختيار الخيار الأمثل من بين البدائل المتاحة . هذا التركيز على الجانب التقني والحسابي للقرار يغفل في كثير من الأحيان الأبعاد الإنسانية والأخلاقية، مما يجعل الاستراتيجيا عرضة للانتقادات المتعلقة بتأثيراتها السلبية على المجتمع والأفراد .
3. الجزء الثّاني: منطق النّجاعة وحدوده الفلسفيّة
1.3. العنصر الأوّل: النّجاعة كمعيار مهيمن على الفعل
أصبح مفهوم النجاعة معيارًا مهيمنًا على الفعل في مختلف المجالات. فالنجاح، في هذا السياق، يُعرّف بتحقيق الهدف المحدّد، بغض النظر عن الوسائل المستخدمة أو الآثار الجانبية. يؤدي هذا المنطق إلى تغييب سؤال المشروعية، حيث لا يتم التساؤل عن مدى أخلاقية الهدف أو عدالته، بل ينصب التركيز كلّه على كيفية تحقيقه بأكبر قدر من الكفاءة. وقد أدى هذا إلى تعميم معيار الأداء، حيث يتم تقييم الأفراد والمؤسسات بناءً على قدرتهم على تحقيق الأهداف المحدّدة، مما يخلق ضغطًا مستمرًّا لتحقيق النتائج بأيّ ثمن(5).
2.3. العنصر الثّاني: حدود منطق النّجاعة في الفعل الإنسانيّ
على الرغم من أهمية النجاعة في تحقيق الأهداف، إلا أنّ الاعتماد الكلّي عليها يواجه حدودًا فلسفية عميقة في سياق الفعل الإنساني. فمنطق النجاعة يميل إلى اختزال الإنسان في مجرّد مورد (resource) يمكن استغلاله لتحقيق الأهداف، مما يؤدي إلى تآكل البعد الأخلاقي للفعل. فعندما يصبح الهدف هو النجاح بأيّ ثمن، قد يتم التضحية بالقيم الأخلاقية، والعدالة، والمسؤولية الاجتماعية. كما أنّ منطق النجاعة قد يتعارض مع المسؤولية طويلة المدى، حيث يركز على النتائج الفورية والمباشرة، ويهمل الآثار البعيدة المدى التي قد تكون سلبية على البيئة أو المجتمع (6) .
4. ختامًا، 
ختامًا، لقد كشف هذا المقال أنّ الاستراتيجيا، في جوهرها الفلسفي، تقوم على عقل أداتي موجّه بمنطق النجاعة. هذا الأساس الفلسفي يفسر كثيرًا من أزماتها العملية، حيث يؤدي التركيز المفرط على الكفاءة والفعالية إلى إغفال الأبعاد القيمية والأخلاقية، مما ينتج عنه قرارات قد تكون ناجعة على المدى القصير، ولكنها تفتقر إلى المشروعية والاستدامة على المدى الطويل. إنّ فهم هذا الأساس الفلسفي هو خطوة أولى وضرورية نحو إعادة التفكير في الاستراتيجيا، والبحث عن مقاربات أكثر شمولية تأخذ في الاعتبار الأبعاد الإنسانية والأخلاقية. وهذا يمهّد للانتقال إلى الأساس الأنثروبولوجي للاستراتيجيا في المقال اللاحق، والذي سيسعى إلى تقديم بدائل للعقل الأداتي ومنطق النجاعة.
الهوامش
(1) هوركهايمر، ماكس، وأدورنو، ثيودور. (2006). جدل التنوير: شذرات فلسفية. ترجمة جورج كتورة. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة.
(2) المسيري، عبد الوهاب. (2002). العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. القاهرة: دار الشروق.
(3)  أبو جبر، حجاج. (2017). نقد العقل العلماني: دراسة مقارنة لفكر زيغمونت باومان وعبد الوهاب المسيري. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
(4) فيبر، ماكس. (2011). الاقتصاد والمجتمع. ترجمة نقلًا عن الألمانية.
(5) مكاوي، عبد الغفار. (2021). النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت: تمهيد وتعقيب نقدي. القاهرة: مؤسسة هنداوي.
(6) Horkheimer, Max. (1947). Eclipse of Reason. Oxford University Press.