فقه المقامات
| بقلم |
![]() |
| الهادي بريك |
| فقه مقامات المشرّع ومنازل التّشريع الحلقة 4: مقام الدّولة ـ الجزء الثّاني ـ |
قد يأخذ مقام الدّولة مجالا أطول من غيره لأسباب معروفة. لعلّ أهمّها هو ضمور قيمة الدّولة خاصّة والشّأن العامّ عامّة في الوعي الإسلاميّ المعاصر. أليس نسبة دولة اليوم إلى الإسلام مسخرة عند كثيرين؟ وكثيرون منهم ملتزمون بدينهم غيورون عليه. ومثل ذلك نسبة الاقتصاد إلى الإسلام والعلاقات الخارجيّة وغير ذلك. ألم ينجح الخصم في تزييف الوعي الإسلاميّ إذ نحت عنوان « الإسلام السّياسيّ» ورمى به فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر التي عدّتها فرقة إسلاميّة قديمة ركنا من أركان الإسلام إلى جانب الأركان المعروفة؟ تماما كما نجحوا في تزييف الوعي إذ نحتوا لقضيّة القدس المحتلّة، وهي آية من آيات الكتاب،عنوانا يصرف المسلمين عن المقاومة وهي « قضيّة الشّرق الأوسط». ومثل ذلك عن الفتوحات التّحريريّة الإسلاميّة التي بدأها محمّد عليه السّلام وواصلها الصّحابة ومن جاء بعدهم من الملوك حتّى العثمانيّين قبل قرن واحد.
نجح العدوّ في نحت عنوان ظالم لتلك الملاحم التّحريريّة العظمى التي أنقذ الله بها من النّار ملايين مضاعفة من النّاس، أسموها، ونحن صدّقناهم، عدوانات احتلاليّة إكراهيّة، وعناوين أخرى أشدّ وقاحة وفسادا زيّفوا بها وعينا فهزمنا ثقافيّا ثمّ هزمنا ماديّا. إعادة غرس الوعي اليوم بالمطالب الجماعيّة التّكافليّة هو أوّل طريق للتّحرّر. أمّا أن تعيش مسلما ملتزما في كنف كهف لا شأن لك بالدّنيا والنّاس فهو ما يبذل دونه العدوّ كلّ غال ونفيس. معركة الإسلام هي معركة تحرير النّاس كلّهم قدر الإمكان من كلّ طاغوت يستعبدهم وهوى يسترقّهم. تلك هي المعركة التي يتنافس عليها الصّدّيقون والشّهداء ويصطفي فيها الله من يشاء منهم.
1. مقام الجهاد والمقاومة :
مازال كثير من المسلمين،كما نجح عدوّهم في تزييف وعيهم، يعتقدون، وبفخر واعتزاز، أنّ محمّدا عليه السّلام عاش حاملا فوق عاتقه سيفه البتّار لأجل دعوة النّاس إلى الله، فمن أبى فهو مقتول. تعليل القتال بالكفر مطبّ تورّط فيه بعض أكبر الفقهاء أنفسهم. لولا أنّها سيّئة مغمورة في بحر حسناته.
قيمة الحرّيّة فينا مازالت مغمورة ضامرة. نشأنا على الإكراه في الأسرة والكتاتيب والمدرسة والمعهد والكليّة والجامعة والشّارع والشّركة والمؤسّسة والجمعيّة والمنظّمة والحزب والدّولة. أما آن لنا أن نعي، من بعد دراسة يسيرة للسّيرة النّبويّة، أنّ محمّدا عليه السّلام لم يبادر أحدا ولا قبيلة بالهجوم ولا العدوان أبدا البتّة؟ عد إلى مناسبات كلّ الملاحم العسكريّة ـ غزوات كما سمّيت وسرايا، لتجد أنّه لو كان عليه السّلام يروم الحرب ما هجّر صحابته مرّتين إلى الحبشة ثمّ إلى المدينة. كان يمكنه أن يقاوم دون موطنه وهو الذي غادره باكي العين. ثمّ من بدر حتّى تبوك، أي زهاء مائة واقعة في غضون سنيّ المدينة العشر ـ حيث ظلّ دوما إمّا مقاوما دون أهل المدينة، وفيهم يهود ونصارى ومشركون أو مصالحا لقوّة عسكريّة ولو بشروط ثقيلة مجحفة لأجل استتباب الأمن الذي به هو فحسب ينداح الإسلام، أو موفيا لحليف مشرك وقع العدوان عليه.
ظلّ عليه السّلام ضحيّة السّيف الباغي يقاوم دون حرّيّته في إبلاغ ما كلّف به من لدن ربّه سبحانه. ولكن نجحت حركات الاستشراق وبناتها وأخواتها في تزييف الوعي الإسلاميّ المعاصر.
2. مقام المنظومة القانونيّة للدّولة
أما آن لنا أن نعلم ونعي بحقّ وقوّة أنّ أوّل دستور سياسيّ مكتوب في الأرض هو دستور صحيفة المدينة؟ أليس هو نفسه محمّد عليه السّلام من جمع كلّ مكوّنات المدينة من يهود وغيرهم، لأجل بناء ما نسمّيه نحن اليوم ميثاقا وطنيّا جامعا عمدته كلمة واحدة : لكلّ قوم في المدينة دينهم وتصريف شأنهم وفق ما يريدون وعليهم جميعا التّكافل على حماية دولة المدينة من كلّ عدوان خارجيّ؟ من سبق النّاس في الأرض كلّها إلى تشييد دستور مخّه إقرار النّاس على دينهم وما يختارون في حياتهم ـ إقرارا تحريريّا ابتدائيّا ـ؟ أليست تلك هي حسنة النّظم الفدراليّة والكنفدراليّة التي يتباهى بها أهلها اليوم؟ من صنع قيمة المواطنة والوطن والتّعاون على المشترك العامّ وتصريف الشّأن الخاصّ بكلّ حرّيّة؟ من جمع بين الفضاءين الخاصّ والعامّ في دستور يؤمّن للمخالف حرّيّته كاملة في مقابل مسؤوليّته التّكافليّة على حماية الوطن؟ كلّ ذلك أضحى في وعينا في حكم العدم المعدوم، كأنّ شيئا منه لم يكن. بل نستهجن نسبة السّياسة والحكم والدّولة والمال العامّ إلى شريعة الإسلام. لذلك فرّ بعضنا إلى التّصوّف بحثا عن خلاص فرديّ لن يظفر به حتّى لو فتحت له فجاج الأرض شرقا وغربا، وفرّ بعضنا الآخر إلى سلفيّة مغشوشة نصفها يشرعن الحكم القهريّ أنّه قدر الله ونصفها الآخر يقتل المجرم والبريء سواء بسواء. كما فرّ فريق منّا إلى العلمنة ونبذ الشّأن العامّ عن الإسلام جملة وتفصيلا. ما هزمنا ماديّا فوق الأرض إلّا من بعد ما مُنينا بالهزيمة الفكريّة الثّقافيّة أيّ هزيمة الوعي.
3. مقام المال العامّ في دولة محمّد عليه السّلام
لا شيء في الحياة يكون سلاحا ضاريا ذا حدّين إلّا المال. أليس به ،مع توقير شعائر الله دينا ومحارمه وحماه التي هي حقوق النّاس، تقوم حياة النّاس؟ قامت سنّته عليه السّلام على هذا الرّكن الرّكين في المال العامّ ﴿..كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ..﴾(الحشر: 7). حركة المال بين النّاس مثل حركة الدّم، إذا انسابت أثمرت عافية وإذا تجمّدت أنتجت مواتا وعجزا. لذلك كانت فريضة الزّكاة، وهي الأخت الشّقيقة للصّلاة ،التي شيّد لها عليه السّلام ديوانا حكوميّا خاصّا بها جمعا وتوزيعا حتّى يظلّ عطاؤه مستداما غير منقطع. خمس الثّروة كلّها ـ ميزانيّة الدّولة ـ مخصّص له هو و«اليتامى والمساكين» ومن في حكمهم من المحتاجين. ألم يمت عليه السّلام ولم يترك شيئا يذكر؟ أين نصيبه في الخمس؟ ألم تنشب خلافات عائليّة حادّة احتجاجا من زوجاته على زهده الذي حرمهنّ في نظرهنّ طيّبات الدّنيا بعدما فتح الله على النّاس منها ما فتح؟ أليس هو الذي حرّم الهديّة تهدى إلى عامل الزّكاة ومن في حكمه من أعوان الدّولة؟ أليس الأصحاب الذين فقهوا حركة المال كلّ فقه هم الذين زجّوا بخيرة أبنائهم وبناتهم في أتون حرب ضارية حصدت منهم من حصدت لأجل حفظ حقوق المحتاجين إذ منعت اليمامة ذلك عن الدّولة المركزيّة في المدينة بقيادة أبي بكر؟ أليس هو، عليه السّلام، من ظلّ يوزّع مال «غزوة الطّائف» ساعات طويلات وهي ملء الأرض حقّا دون أدنى مبالغة من أنعام وغيرها حتّى يعود الظّافر من ذلك بشيء إلى أهله مسافة أميال طويلات فيخبرهم بأنّ محمّدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر فيأتونه فيعطيهم حتّى ألجؤوه إلى جذع شجرة وسلب عنه رداؤه لكثرة النّاس ووفرة الغنائم. هل تعلم أنّه يومها كان صائما فلم يعد من تلك الغنائم ببيضة أو دجاجة. فسأل أهله أكلا فلم يجد في بيته ما يأكل فبات على الطَّوَى؟
أليس ذلك كافيا ضافيا شافيا لأن يجعلك تحبّه عليه السّلام حبّا ما فوقه حبّ وتنتمي إلى دينه وشريعته وقيم دولته وأمّته بفخر ما يعلوه فخر وعزّ ما يدانيه عزّ؟ حتّى ربّ العائلة قد يستأثر بشيء دون عائلته. هذا رئيس دولة يوزّع المال كلّه على النّاس ثمّ يظلّ جائعا وهو صائم ويبيت على الطَّوَى. هل تصدّق هذا؟
4. مقام رئيس الدّولة في بيته
مازال الوعي الفجّ فينا يفعل فعله الآثم. مازلنا مشدوهين أنّه عليه السّلام تزوّج تسع زوجات أو أكثر أو أقلّ. بعضنا يقترف الوقاحة الكبرى ليقول إنّ التّعدّد نفسه سنّة نبويّة. التّكافل منّا جميعا كلّ فيما يليه على إعادة الوعاء الحضاريّ العامّ الذي يحمي الأمّة،الدّولة، هو عندنا كلام فارغ وظرفة سمجة، أمّا التّعدّد فهو سنّة. وبعضنا الآخر يفرّ من الغربيّين وعبيدهم فينا إذ يواجه بهذا السّؤال الصّعــب : كيف يتزوّج محمّد عليه السّلام هذا العدد من النّساء. هو شهوانيّ إذن، قولا واحدا. وبعضنا يقبل التّهمة الثّقيلة وهو يدافع عنه عليه السّلام فيما أتاه.
ألا تدرس بنفسك لتعلم لماذا تزوّج عليه السّلام كلّ تلك الزّيجات؟ ادرس لتعلم أنّه من حيث أنّه محمّد الإنسان لم يتزوّج إلّا امرأة واحدة على خلاف عادة أكثر العرب في تلك الأيّام. بل هي ثيّب وليست بكرا وتفوقه بما لا يقل عن عقد كامل عمرا. وهو شابّ يتّقد نشاطا وحيويّة وفيه من الغرائز والعواطف والأحاسيس والجبلّات ما في كلّ مخلوق منتم إلى آدم عليه السّلام. فلمّا كان نبيّا بل رسولا خاتما بشريعة جامعة، وظّف كلّ حياته لدعوته ودينه وقيمه. ما من زيجة له من بعد موت زوجه الأولى، وقد بلغ هو الخمسين، إلّا وهي لبنة من لبنات الدّعوة وحلقة من حلقات التّديّن الحضاريّ العامّ. من عائشة البكر الوحيدة لتوطيد الصّلة مع صديقه قبل الإسلام وبعده وليكون عقلها كذلك بكرا يستوعب الحياة النّبويّة في المجال الخاصّ الذي لا ينقله إلّا زوج حميم حتّى آخر أمّ من الأمّهات اللّاتي شرفهنّ الله بخير وسام. كلّهنّ،قولا واحدا فصلا لا استثناء فيه، مشاريع نبويّة عظمى احتضنت أرامل بعضهنّ مهاجرات ومجاهدات مات عنهنّ أزواجهنّ شهداء أو ارتدّوا. وأكرمت أخريات آمنّ في مناخ موبوء يعدّ المرأة متاعا ساقطا ولا يعترف لها حتّى بحقّ اختيار زوج فكيف باختيار دين؟
كلّ زيجاته إذن،عدا خديجة زوج محمّد الإنسان قبل النّبوّة، مشاريع احتضانيّة ورعايات اجتماعيّة وتكريمات نوعيّة وإعلاء لقيم الإيمان والحرّيّة والهجرة في سبيل التّحرّر والانعتاق وقيم الجهاد والمقاومة. وبعض الزّيجات مشاريع سياسيّة لبناء علاقات أمن وسلام مع قبائل عربيّة أو يهوديّة كبرى بما ييسّر اندياح كلمة الإسلام التي هي شجرة لا تنبت ولا تبسق ولا تثمر إلّا عندما تسقى بماء الحرّيّة. وليس الإكراه والقهر. سنّته كلّها عليه السّلام إنفاذ لدعوة الإسلام وتيسير لأسباب اندياحه بما فيها زوجاته اللّاتي نقلن عنه حياته في أهله حيث لا يراه النّاس. ولكن تراه الأمّهات. وليكون للنّاس جميعا أسوة هناك كما هو قدوة في الحياة.
5. مقام الإنسان في دولة محمّد عليه السّلام
أعلى الله مقام الإنسان تكريما واستئمانا واستخلافا، بل تقديسا من القدّوس سبحانه، حتّى ألزم نبيّه عليه السّلام بمشورة النّاس في شؤون الدّولة فقال ﴿..وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ...﴾(آل عمران: 159). وظلّ يشاور النّاس في القضايا العامّة المعروفة سلما وحربا ومعالجة سياسيّة وماليّة وهو المعروف بتمام الرّشد والنّضج. بل كان قريبا من النّاس كلّهم حتّى يشير عليه الرّجل والمرأة في أمر لم يعرضه هو ابتداء للتّشاور. شاور النّاس في كلّ المحطّات العسكريّة من بدر حتّى تبوك. شاور في مكان العسكرة وحكّم الرّأي الحصيف. شاور في شأن الأسرى. شاور في الخروج إلى المواجهة أو مقاومة في المدينة مشاورة عامّة مفتوحة يشارك فيها الرّجال والنّساء والشّباب. شاور في المال العامّ عطيّة لغطفان في مقابل فكّ الحصار في الخندق. لا يشاور فحسب بل يعمل بثمرة التّشاور حتّى لو خالف ذلك رأيه. شاور وقبل الرّأي واستورد الأساليب والوسائل غير العربيّة والإسلاميّة بما ييسّر له خير أمره. عمل بالأعراف الدّبلوماسيّة المعروفة في بعث السّفراء وختم الكتب. ما من قيمة موروثة في قومه أو في غير قومه وهي نافعة متوافقة مع قيم الإسلام إلّا أخذ بها وأقرّها. أشعر النّاس أنّ الدّين دينهم والدّعوة دعوتهم والقضيّة قضيّتهم والأرض أرضهم والوطن وطنهم فكانوا أقدم النّاس على مقاومة وأولاهم بمجاهدة. بل طلب ممّن كان له عنده ثأر أن يقتصّ منه. يتسامح في كلّ شيء ويعالجه باليسرى والحسنى إلّا أن تمتهن كرامة إنسان أو يعتدى عليه ولو بحركة جسد أو بكلمة طائشة بريئة فهو ينتفض عندها ويغضب كلّ غضب. احتضن الأطفال والشّباب والنّساء والرّجال والفقراء وأهل الصّفّة، وحدب على كلّ محتاج موجوع حتّى قال كلّ من لقيه لفرط ما لقي من بشاشة وهشاشة وانشراح : «أنا أقرب إليه من النّاس جميعا». |




