دراسات

بقلم
عبير خلف الله
جدليّة الأخلاقي والسّياسي في فلسفة الفارابي (4-5) ماهية السّياسة عند الفارابي وتلازمها مع الأخلاق
 1. ماهية السّياسة عند الفارابي 
تعدّ السّياسة من أبرز المفاهيم الّتي استقطبت اهتمام الفلاسفة منذ العصور القديمة، لا من حيث وظيفتها العمليّة فحسب، بل من حيث علاقتها بالأخلاق والدّين والفلسفة. وقد تطوّر هذا المفهوم في الفكر الإسلاميّ الفلسفيّ مع الفارابيّ الّذي أسّس نموذجا فريدا للسّياسة، يقوم على المزج بين العقل والفضيلة، وعلى الرّبط العميق بين الفلسفة والتّشريع.
فهو لا ينظر للسّياسة بوصفها أداة حكم فحسب، بل باعتبارها علما يتكفّل بتحقيق الغاية القصوى للإنسان، وهي السّعادة، عبر تنظيم الحياة المدنيّة على أسس عقليّة وأخلاقيّة.
وفيما يلي تحليل مبسّط لماهيّة السّياسة في نظر المعلّم الثّاني:
1.1. الإنسان كائن مدنيّ بالطّبع
الإنسان بطبعه ميّال إلى الاجتماع، وهي فطرة فطره الله سبحانه وتعالى عليها، فالعزلة والانفراد بالذّات، وقطع العلاقات الاجتماعيّة، هي في الحقيقة أفعال شاذّة تتنافى مع الطّبيعة البشريّة. كيف لا ونحن نعيش داخل بناء متماسك الأطراف، يسمّى «الدّولة» أو «المدينة» أو «القرية»؟
عموما فقد تعدّدت الأسماء والمعنى واحد: إنّ معنى الاجتماع والتّعايش الجماعيّ على رقعة محدّدة من هذه البسيطة، يبيّن حاجة كلّ فرد من هذه البشريّة للآخر حتّى تستمرّ حياته، ويحقّق غاياته، ويحصّل السّعادة الحقيقيّة. يقول الفارابيّ: «فكلّ واحد من النّاس مفطور على أنّه محتاج، في قوامه، وفي أن يبلغ أفضل كمالاته، إلى أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلّها هو وحده، بل يحتاج إلى قوم يقوم له كلّ واحد منهم بشيء ممّا يحتاج إليه في قوامه وفي أن يبلغ الكمال. ولهذا كثرت أشخاص الإنسان فحصلوا في المعمورة من الأرض فحدثت منها الاجتماعات الإنسانيّة.»(1)
بهذه الكلمات يقرّ المعلّم الثّاني أنّ الاجتماع هو ضرورة حياتيّة وفطريّة جُبِل عليها الجنس البشريّ، حيث يرى أنّ كلّ فرد في الجماعة الإنسانيّة له اختصاص معيّن يبرع فيه ويحتاجه غيره، وهكذا تتكوّن المدينة. ويذكّرنا هذا الرّأي بما ذهب إليه أفلاطون في جمهوريّته الفاضلة من حديث عن أهمّيّة الاختصاص كركيزة قامت عليها دولته. ولكنّ الفارابيّ هنا لم يُطِل الحديث عن اختصاص الأفراد، بل أبرز لنا أنّ الاجتماع هو السّبيل الأمثل ليبلغ الإنسان أفضل كمالاته، الّتي هي في الحقيقة «السّعادة». «وإنّما كانت السّعادة أفضل الكمالات لأنّها تتّصل بأفضل القوى الإنسانيّة وهي القوّة العاقلة... فالفارابيّ يريد أن يقرّر أنّ السّعادة نفسها لا ينالها الإنسان إلّا بالتّعاون، وخاصّة التّعاون الفكريّ.»(2)
فالفارابيّ يقرّ إذن بأنّ الاجتماع والتّعاون هما الرّكيزة الأساسيّة لبناء التّجمّعات وتكوين المدن، كمبدأ في غاية الأهمّيّة للوصول إلى السّعادة. كما قرن تحصيل السّعادة أيضا بتصنيفه للمدن وتباين أنظمتها.
2.1.  مفهوم السّياسة عند الفارابيّ:
السّياسة عند الفارابيّ هي فرع من فروع الفلسفة العمليّة، تُعنى بتنظيم شؤون الجماعة البشريّة وفق مبادئ العقل وغايات الفضيلة. وهي ليست مجرّد تدبير مصلحيّ أو قوّة تنفيذيّة، بل علم يرمي إلى تنظيم المدينة تنظيما يحقّق الكمال الإنسانيّ لأفرادها، حيث يقول في كتابه «تحصيل السّعادة»: «...وهذا هو العلم المدنيّ. وهو علم الأشياء الّتي بها أهل المدن بالاجتماع المدنيّ ينال السّعادة كلّ واحد بمقدار ما له أُعِدّ بالفطرة.»(3)
إنّ السّياسة بهذا المعنى ليست مستقلّة عن الفلسفة، بل تعدّ امتدادا عمليّا لها، لأنّها تنقل المبادئ النّظريّة المجرّدة إلى مجال الحياة الاجتماعيّة، من خلال القوانين، والتّشريعات، ونظم الحكم، والتّعليم، والتّربية.
3.1.  الرّئيس الفاضل ومشروعيّة الحكم
من أهمّ أركان النّظريّة السّياسيّة عند الفارابيّ مفهوم الرّئيس الفاضل، أي الحاكم الّذي تتوفّر فيه جملة الصّفات العقليّة والأخلاقيّة الّتي تؤهّله لقيادة المدينة نحو غايتها.
يضع المعلّم الثّاني شروطا صارمة لهذا الرّئيس، منها أن يكون حكيما، عالما، حافظا للشّرائع والسّنن، وأن يكون شجاعا مقداما...
والدّارس لفلسفة الفارابيّ السّياسيّة سيعلم يقينا أنّ زعيم المدينة خُلِق فقط لأجل رئاسة هذا التّجمّع، خُلِق ليكون حاكما لا محكوما، ذلك لأنّه يستفرد بصفات خُصّصت لشخصه دون غيره، فـ «رئيس المدينة يسمو إلى درجة العقل الفعّال، وهو مصدر الحياة والنّظام في المدينة، جيّد الفهم محبّ للعلم وعادل.»(4)
4.1.  غاية السّياسة هي السّعادة
كلّ عناصر البناء السّياسيّ عند الفارابيّ تتّجه نحو غاية واحدة، وهي السّعادة. فالسّعادة هي الكمال الإنسانيّ الأقصى، وهي الغاية الحقيقيّة للسّياسة أو بالأحرى لمدينته الفاضلة.
فلئن انشغل الفارابيّ بسعادة الفرد على المستوى العلميّ والأخلاقيّ، فإنّه انشغل في الجانب السّياسيّ بالبحث عن سعادة جماعيّة ينال من خلالها كلّ مواطن ما يحتاجه للوصول إلى غاية الغايات.
فالفارابيّ إذن قدّم تصوّرا متماسكا وشاملا للسّياسة يجعلها امتدادا للفلسفة والأخلاق، ويؤسّس شرعيّتها على العقل والفضيلة لا على القوّة أو المصلحة.
وتبقى سياسته من أبرز النّماذج في التّراث الإسلاميّ الّتي جمعت بين الفلسفة اليونانيّة، وبين مقاصد الشّريعة والأخلاق الإسلاميّة.
2.  التّلازم بين الأخلاقيّ والسّياسيّ في فلسفة الفارابيّ
من أبرز سمات الفلسفة السّياسيّة عند الفارابيّ أنّها فلسفة أخلاقيّة بامتياز، لا تقوم على تحليل تقنيّ لمفاهيم الحكم والدّولة فقط، بل تؤسّس لرؤية شاملة للإنسان ككائن عاقل وأخلاقيّ وغائيّ.
فالسّياسة هي فرع من الأخلاق، و«المدينة الفاضلة» ليست إلّا كيانا مثاليّا يسعى من خلاله المعلّم الثّاني إلى تحقيق سعادة الجماعة المتمثّلة في الأمّة الإسلاميّة جمعاء.
وإنّ الباحث عن التّلازم بين الأخلاقيّ والسّياسيّ في فلسفة الفارابيّ، لن يستطيع بأيّ شكل من الأشكال أن يفصل بين السّياسة والأخلاق لأنّهما مترابطان مكمّلان لبعضهما البعض.
فأين يظهر هذا التّلازم بين الأخلاق والسّياسة في فلسفة المعلّم الثّاني؟
1.2.  السّياسة كأداة لتحقيق الكمال الأخلاقيّ
يرى أنّ الإنسان لا يستطيع أن يبلغ كماله إلّا في إطار جماعة منظّمة، فالإنسان بطبعه ميّال إلى الاجتماع، وهي فطرة فطره الله سبحانه وتعالى عليها، إذ لا يمكن بحال من الأحوال أن يتحقّق كمال المرء بمعزل عن الآخر. فمن المحال أن يتمكّن الفرد منعزلا بذاته من تحقيق احتياجاته الكثيرة، وبلوغ هذا الكمال المتمثّل أساسا في تحقيق السّعادة الّتي تمثّل غاية الغايات والهدف الأساسيّ الّذي به يتحقّق الكمال الأخلاقيّ.
لكنّه يؤكّد أنّ السّعادة لا تُنال إلّا من خلال نظام سياسيّ فاضل، يهيّئ شروط الفضيلة ويوجّه النّاس نحو الخير الأسمى. «فالفارابيّ يريد أن يقرّر أنّ السّعادة لا ينالها الإنسان إلّا بالتّعاون، وخاصّة التّعاون الفكريّ، ومعنى قوله (وكلّ واحد من كلّ واحد بهذه الحال) أنّ موقف كلّ فرد من كلّ فرد آخر تتوافر فيه الحال الّتي ذكرها، أي أنّ النّاس قاطبة في حاجتهم إلى التّعاون سواء.»(5)
ومن هنا نستنتج أنّ الاجتماع الفاضل والأخلاقيّ الّذي يتجسّد من خلال الدّولة هو الّذي يحقّق السّعادة القصوى للأفراد والجماعات، ومنه نقول بأنّه لا انفصال بين السّياسيّ والأخلاقيّ، إذ أنّ السّياسة ليست حياديّة بل هي صناعة الخير، ومؤسّسة أخلاقيّة في جوهرها.
2.2. الفضيلة أساس السّلطة السّياسيّة
الفضيلة هي مدار فلسفة الفارابيّ الأخلاقيّة والسّياسيّة على حدّ السّواء، إذ تمثّل الأساس الّذي تُبنى عليه مشروعيّة السّلطة، ولا يتحقّق النّظام السّياسيّ الحقّ إلّا متى كانت غايته تحقيق الكمال الإنسانيّ المتمثّل في السّعادة. ومن ثمّ فإنّ السّلطة لا تكون شرعيّة ولا أخلاقيّة إلّا إذا تأسّست على الفضيلة، سواء في شخص الحاكم أو في بنية المدينة ككلّ. وتتجلّى الفضيلة في كلّ أجزاء وعناصر المدينة الفاضلة، انطلاقا من الحاكم الفاضل -وهو الرّئيس الأوّل في المدينة- والّذي يجعل منه الفارابيّ نموذجا أخلاقيّا ومعرفيّا في آن واحد، فهو يجمع بين:
* الكمال العقليّ: أي المعرفة الحقّة بالموجودات وغايتها.
* والكمال الخُلقيّ: أي ملكة العدل وضبط الشّهوات والانفعالات وفق مقتضى العقل.
والفضيلة شرط لازم للحكم، وليست مجرّد صفة محبّذة، فمن لا يملك هذه الفضائل لا يصلح لقيادة المدينة. والحاكم الفاضل لا تقتصر مهمّته على تسيير شؤون الدّولة أو المدينة بل تتجاوزها لتصبح الوظيفة السّياسيّة وظيفة أخلاقيّة بامتياز، إذ يرى الفارابيّ أنّ السّلطة السّياسيّة في جوهرها أخلاقيّة، لأنّ الغاية منها ليست فرض السّلطة والنّفوذ وإنّما إرشاد المجموعة أو الأمّة الفاضلة إلى السّعادة، وبالتّالي إلى حياة فاضلة، ولهذا فإنّ السّياسة لا تنفصل عن الفلسفة وعن التّربية الأخلاقيّة.
يقول الفارابيّ في كتابه «آراء أهل المدينة الفاضلة»: «...ثمّ أن يكون له مع ذلك قدرة بلسانه على جودة التّخيّل بالقول لكلّ ما يعلمه، وقدرة على جودة الإرشاد إلى السّعادة، وإلى الأعمال الّتي تبلغ السّعادة، وأن يكون له مع ذلك جودة ثبات ببدنه لمباشرة أعمال الجزئيّات.»(6)
كما تمثّل الفضائل أساس البنية الاجتماعيّة والسّياسيّة، فالمدينة الفاضلة عند الفارابيّ ليست مجرّد نظام سياسيّ، بل هي بنية فضائليّة فيها يتوزّع النّاس وفق درجات الكمال والفضيلة، ويعمل فيها كلّ فرد وفق موهبته لما يخدم الكمال الجماعيّ. بل لا تُمارس فيها السّلطة عن طريق الإكراه، بل عن طريق الإقناع والتّعليم والتّوجيه الأخلاقيّ.
إذن، فالفضيلة في فلسفة الفارابيّ هي الأساس الجوهريّ للسّلطة السّياسيّة لأنّ:
* الحاكم لا يعتبر مشروعا للحكم والقيادة إلّا إذا كان فاضلا.
* السّياسة لا تُمارس إلّا كأداة لتحقيق الكمال الأخلاقيّ.
* البنية السّياسيّة كلّها تُبنى على فكرة التّعاون الفضيل.
وبهذا تتطابق السّلطة السّياسيّة مع السّلطة الأخلاقيّة، ويكون الحكم العادل هادفا إلى الخير الأسمى لا إلى المصلحة والهيمنة.
3.2. السّياسة تدبير للفضيلة الجماعيّة عند الفارابيّ
يرى الفارابيّ أنّ السّياسة الحقّة هي الّتي تهدف إلى تحقيق السّعادة الإنسانيّة عبر تنظيم الفضائل داخل الجماعة، لا عبر الهيمنة أو القهر. ويقرّ المعلّم الثّاني بالتّرابط بين حاكم المدينة وسكّانها من حيث الفضائل، «فالرّئيس الفاضل لا بدّ أن يرأس مجتمعا من الأخيار لا مجتمعا من الأشرار أي أنّ هناك علاقة وثيقة بين رئيس المدينة وأبناء مدينته، فهنا يخفّف الفارابيّ من تركيزه على الفرد الرّئيس في تشكيل مدينته وتحديدها، ويعطي أهمّيّة للشّعب كعنصر أساسيّ وهامّ في صنع التّاريخ وتوجيهه.»(7)
والسّياسة في نظر الفارابيّ أيضا ليست فنّ الحكم فقط بل وفنّ التّدبير أيضا، أي تنظيم شؤون الجماعة الإنسانيّة بما يحقّق كمالها. وهذا التّدبير ليس آليّا أو مصلحيّا بل عقليّ-أخلاقيّ ينطلق من تصوّر معياريّ لما يجب أن تكون عليه المدينة
فالسّياسة في تصوّر الفارابيّ إذن، هي تدبير عقلانيّ وأخلاقيّ يهدف إلى تحقيق الفضيلة الجماعيّة، إذ لا تستقيم المدينة ولا تكتمل إلّا إذا كان نظامها السّياسيّ قائما على رعاية الفضائل وتوجيه النّاس نحو السّعادة الممكنة.
4.2. المدن غير الفاضلة كنموذج لانفصال الأخلاق عن السّياسة
وتسمّى أيضا بالمدن المضادّة للمدينة الفاضلة، والّتي هي في حقيقة الأمر اجتماعات شقيّة في الدّنيا والآخرة، وهو شقاء ناتج عن اهتمام كلّ فرد من هذه المجموعة باللّذّات الجسديّة وتفضيل المصلحة الفرديّة على المصلحة الجماعيّة
ويعتبر هذا التّصنيف نموذجا صارخا لانفصال السّياسة عن الأخلاق، حيث تغيب السّعادة والفضيلة، وتحلّ محلّها الجهالة أو الشّهوة أو النّفاق. حيث يقول الفارابيّ في كتابه «آراء أهل المدينة الفاضلة»: «والمدينة الفاضلة تضادّها المدينة الجاهليّة، والمدينة الفاسقة، والمتبدّلة، والمدينة الضّالّة، ويضادّها أيضا من أفراد النّاس نوابت المدن.»(8)
وفي هذه المدن تتحوّل السّلطة إلى أداة لتحقيق المصالح أو فرض الهيمنة ممّا يبرّر انفصال الأخلاق عن السّياسة.
ختاما:نقول بأنّ الفارابيّ لم يعالج السّياسة والأخلاق كحقلين منفصلين، بل صاغ فلسفة سياسيّة مؤسّسة على الأخلاق وفلسفة أخلاقيّة لها تجلّ سياسيّ. فالأخلاق هي الغاية، والسّياسة هي الوسيلة. ومن ثمّ فإنّ التّلازم بين الأخلاقيّ والسّياسيّ عنده ليس علاقة وظيفيّة أو تكميليّة، بل هو تلازم وجوديّ، بحيث لا تتحقّق السّياسة الفاضلة إلّا بالأخلاق، ولا تتجسّد الأخلاق إلّا في إطار سياسيّ فاضل.
الهوامش
(1) الفارابي(أبو نصر): آراء أهل المدينة الفاضلة، ص: 117.
(2)  وافي (علي عبد الواحد): المدينة الفاضلة للفارابي: نهضة مصر للطّياعة والنّشر والتّوزيع، ص: 36-37.
(3)  الفارابي (أبو نصر): تحصيل السّعادة: ص:46.
(4)   أبو ريّان (محمّد علي): تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام : دار المعرفة الجامعيّة: ط1. س.ط : 1410ه‍ -1990م، ص:266.
(5)  وافي (علي عبد الواحد): المدينة الفاضلة للفارابي، ص: 36-37.
(6)  الفارابي (أبو نصر): آراء أهل المدينة الفاضلة) ،ص:126.
(7) عاتي (إبراهيم): الإنسان في الفلسفة الإسلاميّة (نموذج الفارابي)، ص:261. 
(8)  الفارابي (أبو نصر): آراء أهل المدينة الفاضلة، ص: 131.