مكاشفات
| بقلم |
![]() |
| أ.د عبد الفتاح داودي |
| فقه المرابطة: من جمود الصّلاح إلى ديناميكيّة الإصلاح |
في لحظةٍ تاريخيّةٍ فارقةٍ، يجد العقل الحضاريّ نفسه أمام استحقاقٍ وجوديّ يتجاوز حدود التّوصيف البارد للأزمات، لينفذ إلى جوهر العِلّة الّتي أقعدت الأمّة عن ركب السّيادة. إنّ الإشكاليّة الكبرى الّتي تواجهنا اليوم ليست في ندرة الصّالحين بمفهومهم التّعبّديّ الفرديّ، بل في انحباس ذلك الصّلاح خلف جدران الفردانيّة، وتحوّله من طاقةٍ روحيّةٍ وأخلاقيّةٍ دافعةٍ للإصلاح إلى حالةٍ من الجمود الرّوحيّ الّتي تكتفي بالخلاص الشّخصيّ والنّجاة في معزلٍ عن تلاطم أمواج الواقع. إنّ الفارق بين الصّالح والمصلح هو فارقٌ في الماهيّة المقاصديّة؛ فالصّالح كوكبٌ يضيء لنفسه، أمّا المصلح فهو شمسٌ تشرق على العالمين، وبينهما يكمن سرّ بقاء الأمم أو اندثارها.
إنّ الاستقالة الأخلاقيّة الّتي نشهدها اليوم، حين يلوذ أهل الفضل بصوامع الصّمت بدعوى الورع أو الفتنة، هي في الحقيقة خيانةٌ للأمانة الّتي أُنيطت بالإنسان كخليفةٍ في الأرض. وفي هذا السّياق، تبرز منزلة النُّخب والمثقّفين في الأمم الحيّة كضرورةٍ مُلحّةٍ، فهم كما وصفهم العلّامة محمّد البشير الإبراهيميّ: «والمثقّفون في الأمم الحيّة هم خيارها وسادتها وقادتها وحُرّاس عزّها ومجدها. تقوم الأمّة نحوهم بواجب الاعتبار والتّقدير، ويقومون هم لها بواجب القيادة والتّدبير، وما زالت عامّة الأمم، من أوّل التّاريخ تابعةً لعلمائها وأهل الرّأي والبصيرة فيها، تحتاج إليهم في أيّام الأمن وفي أيّام الخوف. تحتاج إليهم في أيّام الأمن لينهجوا لها سبيل السّعادة في الحياة، ويغذّونها من علمهم وآرائهم بما يحملها على الاستقامة والاعتدال، وتحتاج إليهم في أيّام الخوف ليحلّوا لها المشكلات المعقّدة ويخرجوها من المضائق محفوظة الشّرف والمصلحة.
والمثقّفون هم حفظة التّوازن في الأمم وهم القَوَمَةُ على الحدود أن تُهدم وعلى الحرمات أن تُنتهك وعلى الأخلاق أن تزيغ، وهم الميزان لمعرفة كلّ إنسانٍ حدّ نفسه، يراهم العامّيّ المقصّر فوقه فيتقاصر عن التّسامي لما فوق منزلته، ويراهم الطّاغي المتجبّر عيوناً حارسةً فيتراجع عن العبث والاستبداد. إذا كانوا متبوعين فمن حقّ غيرهم أن يكون تابعاً، أو كانوا في المرتبة الأولى فمن حقّ غيرهم أن يكون في الثّانية، ولا أضرّ على الأمم من الفوضى في الأخلاق والفوضى في مراتب النّاس»(1).
لقد حلّل الإمام محمّد رشيد رضا، ومن بعده روّاد النّهضة في الجزائر، تلك الفجوة بين الفهم الشّعبيّ للدّين وبين القوانين الكونيّة أي السّنن الإلهيّة، إذ يقع الكثيرون في فخّ انتظار المعجزة بمعزلٍ عن السّعي، متناسين أنّ الأرض يرثها أولئك العباد الّذين يُحوّلون المحراب إلى ميدانٍ، ويحوّلون طهارة الثوب إلى نزاهةٍ في الإدارة واستقامةٍ في العمل العامّ.
إنّ السّنن الإلهيّة لا تحابي أحداً؛ فمن أخذ بأسباب القوّة ساد، وتكمن المفارقة التاريخيّة في أنّنا أهملنا سنن التّسخير واكتفينا بالارتباط الوجدانيّ، بينما أخذت أممٌ أخرى بجوهر القوانين الكونيّة في الإتقان والعدل، فتفوّقت رغم اختلاف المعتقد.
إنّ المشهد الأكثر إيلاماً في واقعنا هو مشهد المثقّف الشّرفيّ؛ ذلك الّذي يجلس في برجه العاجيّ، يشرّح جثث القيم بكلماتٍ منمّقةٍ دون أن يجرؤ على غمس يده في طين الإصلاح العمليّ. وهنا نتساءل بصراحة الإمام الإبراهيميّ: «هل فينا مثقّفون بالمعنى الصّحيح الكامل لهذه الكلمة؟».
إنّ التّشخيص الدّقيق للواقع الجزائريّ والعربيّ يكشف أنّ المثقّفين قليلون جدّاً لا في الكمّ والعدد فحسب، بل في الكيف والحالة. وآفة الآفات الّتي تعطّل فقه المرابطة هي وجود ثقافتين مختلفتين تتجاذبان الأمّة، ممّا أدّى إلى تشتّت الأهواء وتضارب المشارب، وغياب النّظرة الموحّدة للحياة.
إنّ الوجود الذّاتيّ للخير لا يمنع سقوط الحضارات، فالخير الذي يتحوّل إلى إصلاحٍ عامّ هو صمّام الأمان، لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود: 117).والفعّاليّة تعني تحويل الإيمان إلى مشروعٍ عمليّ يواجه الظّلم الاجتماعيّ والتّبعيّة الفكريّة. إنّنا بحاجةٍ إلى هدم الجدران الوهميّة بين الدّين والحياة، ليكون المهندس والمعلّم والمفكّر جميعا مرابطين في ثغورهم، يذودون عن هويّة الأمّة وكرامتها.
إنّ استرداد الرّوح الرّساليّة يتطلّب المغادرة الفوريّة لزوايا الصّمت المريح، والجمع بين المصحف والقوّة، وصناعة النّماذج العمليّة. إنّ المثقّف الّذي يرى قيم الأسرة تُهدم أو اقتصاد بلاده يُدمّر ويكتفي بصلاته شريكٌ صامتٌ في الخراب. إنّ فريضة الإصلاح لا تسقط بالتّقادم، وهي أمانةٌ في عنق كلّ من يحمل في قلبه ذرّةً من إيمانٍ وفي عقله قبساً من نورٍ. إنّ الأمّة الّتي ينام عقلاؤها في لحظات التّحوّل الكبرى توقّع قرار إعدامها بيدها، فالتّغيير لا ينتظر المتردّدين، والقدر لا يحابي الباكين على الأطلال.
وهذه بعض التّوصيات العمليّة لتعزيز ديناميكيّة الإصلاح:
أوّلاً: توحيد طرائق التّثقيف لتجري على ما يوافق روح الأمّة في دينها وعقائدها الصّحيحة وتاريخها ولغتها، لإنهاء حالة التّجاذب الثّقافيّ الّتي تشتّت القوى.
ثانياً: تفعيل دور المثقّف كحارسٍ للحدود الأخلاقيّة وميزانٍ للقدرات، عبر الانخراط المباشر في مؤسّسات المجتمع المدنيّ وتوجيه الرّأي العامّ نحو القضايا المصيريّة.
ثالثاً: الانتقال من ثقافة الوعظ المجرّد إلى ثقافة الحلول الإجرائيّة، بحيث يتحوّل الفكر إلى مشاريع ميدانيّةٍ تعالج أزمات الإدارة والسّياسة والعلوم.
رابعاً: ترسيخ مفهوم المرابطة الشّاملة في الوعي الجمعيّ، ليرى كلّ صاحب تخصّصٍ نفسه واقفاً على ثغرٍ من ثغور الأمّة لا يجوز أن تُؤتى من قِبَله.
خامساً: تعزيز شعور الأمّة بضرورة التّثقيف النّوعيّ (الكيفيّ) وليس الكمّيّ فقط، وتهيئة الأسباب والمناخات الّتي تسمح بنشوء جيلٍ من المثقّفين يجمع بين الأصالة العقديّة والمعاصرة العلميّة.
اللّهمّ يا حيّ يا قيّوم، نسألك أن توقظ فينا همم المصلحين، وتجعلنا ممّن تستعملهم في نصرة الحقّ وإقامة العدل. اللّهمّ اجعل نُخبنا ومثقّفينا حرّاساً لعزّنا، وقادةً لرشدنا، وموازين للقسط فينا. اللّهمّ ألّف بين قلوبنا، ووحّد مشاربنا على ما يرضيك، وأخرجنا من مضائق التّشتّت إلى سعة الوحدة واليقين. اللّهمّ اجعل محرابنا موصولاً بميداننا، وصلاحنا دافعاً لإصلاحنا، وهب لنا من لدنك سلطاناً نصيراً يُعزّ به الدّين وتستنير به الأرض.﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾(سورة هود: 88). |




