نوافذ
| بقلم |
![]() |
| أشرف شعبان أبو أحمد |
| النهي عن الاكتناز والشّح والإسراف والأمر بالحجر |
إنّ حبس المال عن التداول والكفّ عن الإنفاق في جميع أوجه الحياة الإنتاجية والاستهلاكية من شأنه أن يفسد التوازن المالي والتجاري والاقتصادي عامّة ويفسد معه التوازن الاجتماعي(1) ويُعدّ الاكتناز فعلًا عقبة أمام التنمية الاقتصادية في الدول النامية، فقد أبرزت دراسات بعض الخبراء في الأمم المتحدة أن نسبة الاكتناز في بعض الدول تبلغ نحو 10 % من الدخل القومي، وبصفة خاصة في دول جنوب شرق آسيا ودول الشرق الأوسط(2) إذ إنّ اقتطاع هذا الجزء واكتنازه إمّا في صورة نقود أو مصروفات أو أيّ من السلع والصور الأخرى للاكتناز، يحرم التنمية دفعةً مالية قادرة على تنشيطها. وقد توعّد المولى عزّ وجلّ المكتنزين في قوله تعالى:﴿.. وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 34-35]، لذلك ينبغي ألاّ تبقى مسألة الكنز شأنًا فرديًا يترك حسابها إلى الله في الآخرة وحده يوم تكوى الجباه والجنوب والظهور، بل يجب أن تصبح مسألة تشريعيّة تُلزم الدولة بمنعها تشريعًا وتنفيذًا. وقد احتجّ بعض من رجال الدين ذات يوم بالقول بأنّ ما أُدِّيت زكاته ليس بكنز للدلالة على أنّ حقّ المال منحصر في الزكاة وحدها، وأن لا حرج في الكنز بعد ذلك. غير أنّ حديثًا صريحًا يبيّن حدود الكنز ويبيّن فيم يحتفظ بالباقي بعد الزكاة حتى لا يكون كنزًا، ذلك قوله ﷺ: «من جمع دينارًا أو درهمًا أو تبرًا أو فضة ولا يُعِدّه لغريم ولا ينفقه في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة»(3). وذهب البعض ومنهم سيدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: «ما كنز من المال فهو كنز وإن أُدِّيت زكاته» وبناء على هذا الرأي، وجب أن يُنفق المال في سبيل الله أو يوضع في المشاريع الاقتصادية ليخرج عن كونه كنزًا(4). وروى أبو سعيد الخدري عن الرسول ﷺ أنّه قال : «من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له» إلى آخر الحديث. يقول أبو سعيد فذكر رسول الله ﷺ أصنافًا من المال غير الظّهر والزاد حتى رأينا أنّه لا حقّ لأحدنا في فضل وأنّ الظهر والزاد لم تذكر على سبيل الحصر وإنّما ذكرت على سبيل المثال.
ويُحرّم الادخار في أيام الشدائد والأزمات التى تتعرض لها الأمة، وقد ذهب بعض الصحابة إلى القول بتحريم الادخار دائمًا وتحديد الكنز بأنّه ما زاد على حاجة اليوم في كل الأوقات(5). ومن الآثار السلبية للاكتناز انتشار الربا وما ينشأ عنه من أزمات اقتصادية، وقد شهدت فترات تاريخية متباعدة محاولات متفرقة للقضاء على ظاهرة الاكتناز والاقتراض الربوي، وقد أسفرت عن نتائج إيجابية، ولكن سرعان ما أجهضت هذه المحاولات، ومن المتوقّع أن يُحارَب مثل هذا النظام الذي يقضي على الفائدة الربوية وعلى طبقة المرابين التى تعمل على تجميع المال واكتنازه بهدف الحصول على أعلى فائدة(6)
النهي عن الشّح وآثاره:
قال تعالى: ﴿..وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[ الحشر: 9]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ..﴾[ آل عمران: 180]. وقال ﷺ: «ثلاث مهلكات: شحّ مطاع وهوى متّبع وإعجاب المرء بنفسه»، كما قال: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك من أن أُردّ إلى أرذل العمر». وقال كعب: ما من صباح إلا وقد وُكِّل به ملكان يناديان: اللهمّ عجّل لممسك تلفًا وعجّل لمنفق خلفًا. وقال رسول الله ﷺ: «إيّاكم والشح فإنّه أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم»(7) وقوله : «فإنّه أهلك من كان من قبلكم» يحتمل أن يكون المقصود الهلاك الدنيوي، وسببه شحّهم على حفظ المال وجمعه وازدياده وصيانته من الإنفاق، فضمّوا إليه أموال غيرهم حفاظًا عليه. ولا يدرك مال الغير إلا بالحرب والعصبية المفضية إلى القتل واستحلال المحارم أو غيرها من الطرق غير الشرعية التى تملأ القلوب بغضاء وكراهيةً، ويحتمل أن يقصد به الهلاك الأخروي، فإنّه ينتج عمّا اقترفوه من ارتكاب هذه المظالم، والظاهر حمله على الأمرين(8)
فإذا لم يكن المال متوفرًا فالأولى بالعبد أن يلزم القناعة، وإذا كان متوفرًا، فالأولى أن يتحلّى بالإيثار والسّخاء وصنع المعروف والبُعد عن الشّح والبخل، فإنّ السّخاء من أخلاق الأنبياء عليهم السّلام وهو من أصول النجاة. روى عبد الله بن عمرو أنّ رسول الله ﷺ قال : «خلقان يحبّهما الله عزّ وجلّ وخلقان يبغضهما الله عزّ وجلّ فأمّا اللذان يحبّهما الله تعالى فحسن الخلق والسّخاء وأمّا اللذان يبغضهما فسوء الخلق والبخل وإذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله في قضاء حوائج الناس»(9)
ويعرض القرآن الكريم جزاء من بَخِلَ بماله عن إعطاء الفقراء والمساكين حقّهم فيه، ففي سورة القلم ترد قصّة أصحاب الجنّة الذين اتفقوا على أن يقطفوا ثمارها ليلًا ليحرموا المساكين منها الذين اعتادوا أن ينالوا شيئًا من خيرها يوم الحصاد، فنزلت بهم عقوبة الله العاجلة، قال جلّ شأنه: ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيم * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ* أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ* فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ* أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ* وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ* فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ* بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ* قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ* قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ* فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ* قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ* عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ* كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[ القلم: 19-33] (10)
أمّا الذين ينصرفون إلى جمع المال ولا يقضون وقتهم إلا في إنمائه وزيادته، لا يعرفون في الدنيا فرحًا أو حزنًا إلا من خلال حساباتهم ومدخراتهم في البنوك، فهؤلاء قال فيهم ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» (11). والمقصود بعبد الدينار والدرهم من استعبدته الدنيا بطلبها وصار كالعبد لها تتصرف فيه كما يتصرف المالك في مملوكه لينالها وينغمس في شهواتها ومطالبها وذكر الدينار والقطيفة على سبيل المثال، وإلا فكل من استعبدته الدنيا في أيّ أمر وشغلته عمّا أمر الله تعالى وجعل رضاه وسخطه متعلّقين بنيل ما يريد أو عدم نيله فهو عبده (12)
وفي الفرق بين الشحّ والبخل أقوال، منها: أنّ الشّح أشدّ من البخل وأشدّ منعًا من البخل، وقيل هو البخل مع الحرص، وقيل إنّ البخل يكون في بعض الأمور، أمّا الشحّ فأعمّ، وقيل البخل بالمال خاصّة والشّح بالمال والمعروف، وقيل الشّح الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده. والبخل داء له دواء، وسبب داء البخل أمران: الأول حبّ الشهوات التي لا تُنال غالبًا إلا بالمال، وطول الأمل. والثاني حبّ المال لذاته والشغف به وببقائه لديه.
وعلاج حبّ الشهوات يكون بالقناعة باليسير وبالصبر، أما علاج طول الأمل، فبالإكثار من ذكر الموت وذكر موت الأقران والنظر في وتأمّل طول تعبهم في جمع المال، ثمّ ضياعه بعدهم وعدم نفعه لهم، وقد يمسك المرء المال شفقةً على أولاده من بعده، وعلاج هذا أن يعلم أن الله هو الذي خلقهم، فهو رازقهم، وينظر في نفسه، فإنّه ربما لم يخلف له أبوه فلسًا، ثم ينظر ما أعدّه الله عزّ وجلّ لمن ترك الشّح وبذل من ماله في مرضاة الله، وينظر في الآيات القرآنية الحاثة على الجود، المانعة عن البخل، ثم ينظر في عواقب البخل في الدنيا، فإنه لا بدّ لجامع المال من آفات تخرجه على رغم أنفه، فالسخاء خير كله ما لم يخرج إلى حدّ الإسراف المنهي عنه، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾[ الفرقان: 67].
فخيار الأمور أوسطها، لا إسراف ولا تقتير، ولكن وسط بين ذاك وذلك، كلٌّ على حسب حالته، وخلاصته على من وجد عنده فضل مال أنفقه في وجوه المعروف بالتي هي أحسن، ويكون بما عند الله أوثق منه بما هو لديه، ومن لم يكن لديه مال لزم القناعة (13) ويقف المسلم بين الإسراف والاقتار في حدود سعته المالية وذلك عملًا بقوله تعالى﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾[ الطلاق: 7] (14)
النّهي عن الإسراف وآثاره:
يلفت القرآن الكريم النظر إلى أنّ حرية التملك التى أباحها الإسلام للفرد مقيّدة بعدم الطغيان وعدم الإفساد وعدم الإسراف، قال تعالى ﴿ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ..﴾[ طه: 81] ، وقال عزّ وجلّ: ﴿..كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾[ البقرة: 60] ، وقال ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚإِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[ الأعراف: 31]، وقد أشارت إلى ذلك أحاديث نبوية منها: «كلوا واشربوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة» (15)، فليس للإنسان أن يسرف في طعامه أو شرابه أو لباسه وأمور معيشته، ولا يجوز له أيضًا أن يقتر على نفسه ومن يعولهم، وعليه أن يتوسّط بين الأمرين وألّا يتجاوز حدود الاعتدال، فقد حرّم الله السّرف وبسط اليد في المال كما حرّم التقتير وقبض اليد عن النفس بما هي محتاجة إليه، قال تعالى ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾[ الإسراء: 29] (16)
ولا خير في مؤمن جعل كل همه ومتعته ومقصده في حياته الدنيا ملء بطنه، بما يمكنه الحصول عليه من طعام، حتى ينفق في سبيل ذلك كل ماله وكسبه، وما أصدق قول رسول الله ﷺ في وجوب الاعتدال في الطعام إذ يقول: « نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع» (17) وقال أيضا: «مَا ملأَ آدمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإِنْ كَانَ لا مَحالَةَ فَثلُثٌ لطَعَامِهِ، وثُلُثٌ لِشرابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ »(18) وقالت عائشة رضي الله عنها: «أوّل بلاء حدث في هذه الأمّة بعد نبيها الشبع، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم فضعفت قلوبهم وجمحت شهواتهم (19) وأخرج البيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: رآني رسول الله ﷺ وقد أكلت في اليوم مرتين فقال: «يا عائشة أما تحبين أن يكون لك شغل إلا جوفك؟. الأكل في اليوم مرتين من الإسراف والله لا يحب المسرفين»، وعند ابن الأعرابي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «جلست أبكي عند رسول الله ﷺ فقال: ما يبكيك؟. إن كنت تريدين اللحوق بي فليكفك من الدنيا مثل زاد الراكب ولا تخالطين الأغنياء ولا تستخلقي ثوبًا حتى ترقيعه»، وأخرج الطبراني عن جعدة رضي الله عنه أن النبي ﷺ رأى رجلًا عظيم البطن فقال بإصبعه في بطنه «لو كان هذا في غير هذا لكان خيرًا لك». وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر رأى في يد جابر بن عبد الله رضي الله عنه درهمًا فقال: «ما هذا الدرهم؟». قال: «أريد أن أشتري لأهلي به لحمًا قرموا إليه». فقال: «أكلما اشتهيتم شيئًا اشتريتموه؟. أين تذهب عنكم هذه الآية ﴿..أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا ..﴾[ الأحقاف: 20] . ودخل عمر على ابنه عبد الله رضي الله عنهما وكان عنده لحمًا، فقال: «ما هذا اللحم؟». قال: «اشتهيته». قال: «وكلما اشتهيت شيئًا أكلته؟ كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما اشتهاه» (20)
وإذا كان الشرع قد عَدَّ الإفراط في المباحات من مظاهر الإسراف، فإنّ إنفاق الأموال في الترف العابث والمباهاة الفارغة أولى بالذمّ والإنكار، لما فيه من تبديد للنعمة وصرف لها عن وجوه النفع والعدل. ومهما تعدّدت صور السرف وتبدّلت مظاهره، فإنّها تظلّ شاهدًا على اختلال ميزان المال حين ينفصل عن مسؤوليته الاجتماعية والأخلاقية، ويغدو أداة للمتعة المنفلتة والمباهاة العقيمة، مع أنّه خُلق ليكون وسيلة للعمران والتكافل.(21)
عمومًا يؤدي كل من الإسراف والاقتار إلى أضرار اقتصادية واجتماعية إلى جانب الأضرار الصحية والنفسية التى تصيب المسرف والمترف ومن حولهما، فضلًا عن حرمان غيره حقَّه فيما رزقه الله، ومن هذه الأضرار الاقتصادية حدوث التضخم وما يتبعه من غلاء الأسعار وحدوث التفاوت في الدخول وتضرّر أصحاب الدخول المنخفضة، أما في حالة الاقتار فيؤدي إلى حدوث الكساد وما يستتبعه من هبوط الإنتاج والاستغناء عن العمالة وحدوث البطالة، أما الأضرار الاجتماعية فإنّ المترفين لا يستجيبون لدعاوي الإصلاح بل يعارضونها ويقاومونها ولذلك فهم يناوئون رسالات الأنبياء ويكذبون بها. ويؤدي الإفساد والصدّ عن دعاوى الإصلاح وتكذيب الأنبياء إلى هلاك البلاد في الدنيا والعذاب في الآخرة، ويوضح لنا ذلك قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾[ سبأ: 34] (22) كما عرض القرآن أخبار أمم ذهبت ريحها قبلنا وعلّل هلاكهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة بأنّهم ﴿ .. كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ﴾[ الواقعة: 45]، وقال تعالى عنهم ﴿.. وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾[ هود: 116] (23) والمترفون كانوا على مدار التاريخ من أسباب وعلامات انهيار وهلاك المجتمعات والشعوب، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾[ الإسراء: 16](24) .
والترف يقوم غالبًا على شظف فريق واسع من أبناء الأمة فمن دماء الجماهير وجهودها ومن ضرورياتها وحاجاتها يستمد هذا النفر المترف لذّاته وكمالياته (25) ولما كان وجود فوائض المال في أيدي المترفين دافعًا لإنفاقها على موائد الخمر والميسر ومضاجع البغايا، أوجب الإسلام أن تحد الدولة من إسرافهم، وتهذب من سفههم، وتقيّد من طغواهم، وتردّ من فضول أموالهم على الفقراء والمحرومين والأيتام، بدلًا من تلك المصارف الخبيثة المحرّمة(26) وهنا يتدخل مبدأ سدّ الذرائع ويفرض على الدولة أن تنزع من أيدي المترفين سلاحهم في الفساد والإفساد، فمبدأ سد الذرائع هو مبدأ الوقاية من المآلات المتوقعة وهو الذي يحرم الوسيلة إذا كانت تؤدي إلى غاية محرمة ولو كانت الوسيلة في ذاتها مباحة، ووجود المال الفائض في أيدي هؤلاء هو الوسيلة التى يجب منعها اتقاء للعاقبة (27)
الحجر على السّفيه وأحكامه:
الحجر في اللغة هو التضييق والمنع. ومعناه في الشرع: منع الإنسان من التصرف في ماله. وينقسم الحجر قسمين:
* الأول الحجر حفظًا لحقّ الغير كالحجر على المفلس؛ إذ يُمنع من التصرف في ماله حفظًا لحقوق الغرماء، فقد حجر الرسول ﷺ على معاذ وباع ماله في دينه. فمن له مال ولكنه لا يفي بديونه فإنّه يجب على الحاكم أن يحجر عليه متى طلب الغرماء، أو بعضهم، ذلك حتى لا يضرّهم، وللحاكم أن يبيع ماله إذا امتنع هو عن البيع، ويقع بيعه صحيحًا لأنّه يقوم مقامه.
* الثاني: الحجر لحفظ النفس مثل الحجر على الصغير والسفيه والمجنون، ففي الحجر على هؤلاء مصلحة تعود عليهم، ويُحجر على السفيه البالغ بسبب سفهه وسوء تصرفه، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾[ النساء: 5]. وتدل الآية على جواز الحجر.
قال ابن المنذر: أكثر علماء الأمصار يرون الحجر على كل مضيع لماله صغيرًا كان أم كبيرًا. وفي نيل الأوطار: والسفه المقتضي للحجر، هو صرف المال في الفسق أو فيما لا مصلحة فيه ولا فرض ديني ولا دنيوي، وكشراء ما يساوي درهمًا بمائة (28) أمّا الحنفيّة فقد عرّفوا السفيه بأنّه من لا يحسن إدارة ماله، فينفقه فيما لا يحلّ، أو فيما لا نفع فيه، ويتصرّف فيه بالتبذير والإسراف. ومن الإسراف الموجب للحجر دفع المال إلى المغنيين واللّعابين وشراء الحمام والديكة ونحوهما بثمن غالٍ، وصرف الأموال في المقامرة، وغير ذلك من الإنفاق في غير ما يقتضيه العقل والشرع، وكذلك إذا أنفق ماله كله في عمل من أعمال الخير كبناء مدرسة أو مسجد أو غيرهما فإنه يعدّ سفيهًا ويحجر عليه لأنّ الله تعالى إنما كلف الإنسان بعمل الخير إذا كانت حالته المادية تسمح بذلك بحيث لا ينفق ماله ويفلس من أجل الخير.
وقال المالكية : السفه هو التبذير وعدم حسن التصرف في المال فمتى اتصف الشخص بذلك سواء كان ذكرًا أو أنثى فإنه يكون مستحقًا عليه. وقال الشافعية : السفيه هو المبذر في ماله وهو الذي ينفقه فيما لا يعود عليه بمنفعة عاجلة أو آجلة كأن يقامر أو ينفقه في اللّذات المحرّمة الضارة بالبدن والعرض والدين كالزّنا وشرب الخمر، أو ينفقه في المكروهات كأن يشتري به الدخان، أو يضيعه بسوء تصرفه كأن يبيع ويشتري بالغبن الفاحش إذا كان لا يعلم به، أما إذا تساهل في البيع والشراء مع علمه فإنّ ذلك لا يعدّ بسفه لأنّه يكون من باب الصدقة. ولو أنفق ماله في وجوه البر والخير كبناء المساجد والمدارس والمصحّات والتصدّق على الفقراء والمساكين فإنّه لا يكون بذلك سفيهًا، وكذلك لو أنفق ماله في اللذات المباحة كالملبس والمأكل والمشرب ولو توسع في ذلك بما لا يناسب حاله فإنّه لا يعدّ سفيهًا، ومثل ذلك ما إذا أنفقه في التزوّج ونحوه من كلّ متاع حلال، فإنّه يكون قد أنفقه في مصرفه لأن المال جُعل للإنفاق في الخير وفي الاستمتاع بما أحلّه الله.
أمّا الحنابلة فقالوا: السفيه هو الذي لا يحسن التصرف في ماله، فإذا كان الشخص البالغ سفيهًا لا يحسن التصرف فإنّ الحجر عليه يكون من حقّ الحاكم (29)
والخلاصة الراجحة ممّا سبق أنّ الإسلام شرّع الحجر على التملك الفردي إذا أنفق المال المملوك في الفساد والانحلال واستعمل في الخمر والزنا والقمار والانسياق وراء الشهوات والملذات على النحو الذي ذكرناه سالفًا، والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾[ النساء: 5]. وفي تعبير القرآن ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ إشارة إلى أنّ الانتفاع بهذا المال متصل بمصلحة المجتمع، فإذا ثبت السفه، وجب منع صاحبه من التصرف المطلق فيه، ويُستثمر فيما يعود بالنفع على المجتمع، ولا يجوز دفعه له إلاّ إذا أنسنا منه رشدًا أو بارقة من صلاح (30) فلا يعقل أن تضيع أموال المسلمين بهذا العبث بينما هناك من يموتون من الجوع والمرض لا يجدون ما يسدّ جوعهم أو يداوي مرضهم.
الهوامش
(1) السلام العالمي والإسلام، سيد قطب، ص153-155
(2) تنمية المال في الاقتصاد الإسلامي، د. أميرة عبد اللطيف مشهور، ص68-71
(3) السلام العالمي والإسلام سيد قطب ص153-155
(4) التكافل الاجتماعي في الإسلام عبد الله ناصح علوان ص44
(5) الحرمان والتخلف في ديار المسلمين د0 نبيل صبحي الطويل ص13
(6) تنمية المال في الاقتصاد الإسلامي د0 أميرة عبد اللطيف مشهور ص68-71
(7) أحياء علوم الدين أبى حامد الغزالي ج3 ص237-240
(8) سبل الإسلام الصنعاني ج4 ص184-185
(9) أحياء علوم الدين أبى حامد الغزالي ج3 ص228
(10) مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام يوسف القرضاوي ص112
(11) أخرجه البخاري عن أبي هريرة في «صحيحه» (ج4 ، ص34) برقم: 2783
(12) سبل السلام الصنعاني ج4 ص174
(13) سبل الإسلام الصنعاني ج4 ص184-185
(14) الإطار الأخلاقي لمالية المسلم قطب إبراهيم محمد ص221-225
(15) دين ودولة احمد محمد جمال ص333-334
(16) المال والحكم في الإسلام عبد القادر عوده ص47
(17) القرآن الكريم والسلوك الإنساني محمد بهائي سليم ص150-152
(18) رواه الترمذي عن أَبي كَريمَةَ المِقْدامِ بن مَعْدِيكَرِب ،وقال: حديثٌ حسنٌ.
(19) الإبداع في مضار الابتداع على محفوظ ص71
(20) حياة الصحابة محمد يوسف الكاندهلوي ج2 ص282-284
(21) للتعرف على بعض الأمثلة من الإسراف والتبذير للعرب والمسلمين أنظر كتاب «عرب ومسلمون للبيع» د. عبد الودود شلبي ص50-51
(22) الإطار الأخلاقي لمالية المسلم قطب إبراهيم محمد ص221-225
(23) دين ودولة احمد محمد جمال ص333-334
(24) العدالة الاجتماعية في الإسلام سيد قطب ص145-149
(25) السلام العالمي والإسلام سيد قطب ص152-153
(26) دين ودولة احمد محمد جمال ص333-334
(27) السلام العالمي والإسلام سيد قطب ص152-153
(28) فقه السنة السيد سابق ج3 ص566- 582
(29) الفقه على المذاهب الأربعة عبد الرحمن الجزيري ص367-371
(30) التكافل الاجتماعي في الإسلام عبد الله ناصح علوان ص30
|




