نفحات

بقلم
د. عبد الفتاح أبوماضي
ما وراء استنبات الوعي: جدلية التمكين وغائية الإتقان
 في خضمّ التحوّلات العميقة التي تعيد تشكيل نسيج المؤسّسة المعاصرة، تبرز بين الحين والآخر أطروحات فكريّة تحاول تجاوز المفهوم التقليديّ لتنمية الموارد البشريّة. هذه الأطروحات تنهض على نقدٍ مشروع للنظرة الأداتيّة الصرفة للإنسان في سياق العمل، وتقترح بدلًا منها فلسفةً تقوم على «استنبات الوعي والقدرة»، والتعامل مع الإنسان بوصفه «غاية» لا «وسيلة»، والاستثمار في جوهره الإبداعيّ.
لكن هذه الفلسفة، على رونقها الإنسانيّ الأخّاذ، تطرح سؤالًا وجوديًّا لإدارة المؤسّسات لا يمكن القفز عليه: إذا كانت تنمية الموارد البشريّة هي فعلًا رحلة لا وجهة لها، فما الذي يبرّر تمويلها مؤسّسيًّا؟ وإن كان الأمان النّفسيّ حقًّا مطلقًا، فما حدوده حين تتعارض حماية الفرد مع بقاء الجماعة المؤسّسيّة في سوق لا ترحم؟
في الوقت ذاته، حين ننطلق من موقف نقديّ جوهريّ، محوره أنّ الغاية الخفيّة، بل الصريحة أحيانًا، من كلّ فلسفات التمكين و(الأنسنة) تبقى رهينة بمنطق المنفعة الاقتصاديّة والإتقان الإنتاجيّ؛ فالمؤسّسة، في عمقها، لا تُؤنسنك إلا لتُضاعف عطاءك، ولا تصقل وعيك إلا ليصبح أصلًا ربحيًّا لا يستهلك مع الزمن، بل تزداد قيمته السوقيّة بالمرونة والتجدّد. وتتجلّى هذه الفكرة في المحاور التالية:
الغائيّة المؤسّسيّة:
مأزق «الإنسان كغاية» في اقتصاد الرّبح
إنّ الدعوة إلى قلب المعادلة التقليديّة، بأن يصبح الإنسان «غاية في ذاته» ضمن سياق العمل، هي دعوة آسرة فلسفيًّا. فهي تَعِد بالتحرّر من نير «المورد» الذي يُستنزف، والانتقال إلى أفق «الجوهر» الذي يُنمّى. لكنّ هذه الدعوة تواجه سؤالًا تأسيسيًّا لا مهرب منه: لماذا تستثمر المؤسّسة أصلًا في تنمية البشر؟
هل فعلت ذلك يومًا من أجل ذات الإنسان المحضة، أم من أجل قدرته على تحقيق غايات المؤسّسة التي تعلو على كلّ فرد فيها؟ 
الحقيقة الجوهريّة التي تغيب عن هذه الفلسفة هي أنّ عقد العمل، في أساسه، عقد منفعة متبادلة. أيّ أنّ صاحب رأس المال لا يوظّف «كائنات متكاملة» ليرعاها، بل يوظّف «قدرات منتجة» ليستثمرها.وعندما يخصّص ميزانيات للتدريب والتطوير، فهو لا يفعل ذلك حبًّا في استكمال النواقص الوجوديّة للعاملين، بل سعيًا لسدّ فجوة بين «ما هم عليه الآن» من قدرات، و«ما ينبغي أن يكونوا عليه» لتعظيم إنتاجهم وجودة أدائهم. 
من هنا تتحوّل الرحلة التنمويّة، مهما غُلّفت بشعارات اكتشاف الذات، إلى استثمار رأسماليّ مقنّع؛ إنّها ليست رحلة مفتوحة نحو الكمال الإنسانيّ، بل مسار موجّه بدقّة نحو تحقيق الإتقان المطلوب لخدمة غاية المستثمر. بمعنى آخر، لا تتبنّى المؤسّسة فلسفة الإنسان كغاية إلا بقدر ما تخدم هذه الغاية أغراضها الاقتصاديّة. عندئذ تتحوّل الغاية الإنسانيّة نفسها إلى وسيلة فائقة الفاعليّة.
ثلاثيّة المهارات:
هل هي استنبات للجوهر أم إعادة صياغة للأصول الإنتاجيّة؟
التصنيف الثلاثيّ للمهارات (تقنيّة، إنسانيّة، فوق معرفيّة) يُقدَّم كخريطة طريق لبناء إنسان متكامل ومرن في عصر الذكاء الاصطناعيّ. لكن بالنظر إليها من منظور الغائيّة المؤسّسيّة، سنكتشف أنّها ليست سوى عملية إعادة هيكلة متطوّرة للأصول الرأسماليّة. 
فالمهارات الإنسانيّة، كالذكاء العاطفيّ والتعاطف وفنّ الحوار، التي يُحتفى بها بوصفها بوصلة «تؤنسن» العمل، ليست مطلوبة لذاتها. المؤسّسة لا تبحث عن موظّف متعاطف لأنّه أفضل إنسانيًّا، بل لأنّ هذا التعاطف يُحسّن تجربة العميل، ويسهّل إدارة الفرق، ويقلّل الاحتكاك المدمّر للإنتاجيّة. إنّها «أدوات ناعمة» للتحكّم في بيئة العمل ورفع كفاءتها، لا قيمًا أخلاقيّة مجرّدة. أمّا المهارات فوق المعرفيّة، «الملاّح» ومهارة تعلّم كيف تتعلّم، فهي تمثّل القمّة في إعادة الصياغة الأداتيّة. 
في سوق متقلّب، الموظّف الذي يملك القدرة على تفكيك معتقداته السابقة وإعادة بناء مهاراته من الصفر، ليس «مفكّرًا حرًّا» بالمعنى الفلسفيّ، بل هو أصل رأسماليّ استثنائيّ؛ أصل لا يصدأ، يتكيّف مع أيّ آلة جديدة، ويجدّد قيمته الإنتاجيّة تلقائيًّا دون أن تضطرّ المؤسّسة لاستبداله. بذلك، يصبح التدريب على «تعلّم كيف تتعلّم» هو الاستثمار الأذكى، ليس لتحرير وعي الموظّف، بل لضمان تدفّق ربحيّ مستدام من كيان بشريّ قادر على إعادة برمجة نفسه باستمرار لخدمة السوق.
بيئة النّموّ المشروطة:
تتقمّص تُراب الأمان النّفسيّ وثمرة المغامرة المحسوبة 
من المغري جدًّا تصوّر بيئة العمل كحاضنة إنسانيّة، تربتها «الأمان النّفسيّ» وثقافتها «التعلّم المستمرّ». غير أنّ تحليل هذه الصورة يكشف عن طبيعتها المشروطة. الأمان النّفسيّ الذي يُشاد به كشرط للإبداع ليس ضمانًا غير مشروط لحقّ الفرد في التجربة والخطأ. إنّه، في العمق، ترخيص إداريّ محسوب المخاطر، يُمنح لأنّ تكلفة الخطأ الصغير في بيئة آمنة أقلّ كثيرًا من تكلفة الجمود والانصياع الأعمى في سوق تعاقب على التخلّف عن الابتكار. المؤسّسة تُشجّعك على المغامرة بالتعلّم، لأنّ عدم مغامرتك هو الخطر الاستراتيجيّ الأكبر على استمراريّتها الربحيّة.
وحين يتحوّل كلّ تحدٍّ يواجه الفريق، بقيادة ملهمة، إلى «درس لا عقاب»، فإنّ هذا الدرس لا يُستخلص من أجل النّموّ الوجوديّ لأعضاء الفريق، بل ليتمّ تشفيره كمعرفة مؤسّسيّة تُضاف إلى أصول المنظّمة غير الملموسة، وتمنع تكرار الفشل المُكلّف. التعلّم هنا ليس رحلة فرديّة، بل هو عمليّة تراكم رأس مال معرفيّ للمؤسّسة ذاتها. وبالتالي، فالثقافة الداعمة ليست هبة إنسانيّة، بل استراتيجيّة لإدارة المخاطر والموارد، تضمن ألّا يهرب رأس المال البشريّ، بل ينمو في اتجاهات مدروسة تخدم كفاءة المنظومة ككلّ.
خاتمة
لنخلص إلى فكرة ما بعد الوهم الإنسانيّ في قلب علم الإدارة (في الفكر الرأسماليّ)
إنّ فلسفة تنمية الموارد البشريّة بوصفها «استنباتًا للوعي» و«تشكيلًا للمسارات الإنسانيّة»، رغم ما تقدّمه من بديل جذّاب لبرودة النظرة الأداتيّة البحتة، تقع في وهم نبيل. وهم أنّها قادرة على تجاوز المنطق الاقتصاديّ الذي يحكم وجود المؤسّسة. التحليل النقديّ الأعمق يكشف أنّها مجرّد قفاز مخمليّ لقبضة حديديّة من المنفعة؛ إنّها الأنسنة بوصفها أداة تعظيم ربح لا أكثر. 
التنمية الحقيقيّة في سياق المؤسّسة ليست «رحلة لا وجهة لها»، بل هي «رحلة وجهتها الإتقان لمنفعة الغير». البوصلة ليست تحقيق الذات، بل تعظيم ثروة المستثمر من خلال إتقان العمل.أيّ لسان حال المؤسّسة يقول لا نطوّر الموظفين ليسعدوا، بل ليكونوا أكثر فاعليّة وإبداعًا ومرونة في إسعاد المساهمين. وهذه ليست مفارقة أخلاقيّة بقدر ما هي حقيقة وجوديّة للمؤسّسة المعاصرة، وكلّما تصالحنا معها فكرًا، استطعنا أن نبني استراتيجيات تنمية أكثر وضوحًا وصدقًا، لا تخدع نفسها ولا تخدع العاملين، بل تقول بصراحة: «نحن نستثمر فيك، لتصبح أفضل، لأننا بذلك سنصبح معًا أكثر نجاحًا وربحيّة».