التنمية الطيبة
| بقلم |
![]() |
| الحبيب غربال |
| الحرّية الاقتصاديّة في تونس : الواقع والأفاق |
1. مقدّمة
تُعدّ الحريّة الاقتصاديّة من الرّكائز الأساسيّة لأيّ اقتصاد حديث قادر على تحقيق النّموّ وجذب الاستثمار وضمان العدالة الاجتماعيّة. وفي السّياق التّونسيّ، ورغم وجود مؤسّسات وقوانين داعمة للمبادرة الخاصّة، إلّا أنّ الواقع يُظهر قيودًا عديدةً تعرقل ممارسة هذه الحريّة، سواء أكان ذلك من خلال البيروقراطيّة الثّقيلة أو من خلال سيطرة الدّولة واللّوبيّات على قطاعات حسّاسة.
غير أنّ معالجة هذا الإشكال لا تقتصر على مقاربات اقتصاديّة وتقنيّة فحسب، بل تتعداها إلى مقاربة سياسيّة .وقبل ذلك كلّه، ثَمّةَ ضرورة للتّأصيل الشّرعيّ الإسلاميّ للموضوع بأبعاده الفقهيّة والمقاصديّة.
الحريّة الاقتصاديّة تعني تمكين الأفراد والمؤسّسات من اتّخاذ قرارات اقتصاديّة (إنتاج، واستثمار، وتبادل، واستهلاك) بأقلّ تدخّل ممكن من الدّولة، مع احترام القانون والشّفافيّة وضمان المنافسة العادلة إلى جانب التّأكيد على أهمّيّة الأسواق الحرّة وحماية الملكيّات الخاصّة.
وتتمثّل حريّة العمل في قدرة الأفراد على اختيار المهن الّتي يرغبون فيها دون قيود. كما تتمثّل حريّة الإنتاج في قدرة المنتجين على تحديد ما ينتجونه من سلعٍ وخدماتٍ، وكلّ هـذا مع سيادة القانون واستقلال القضاء في ظلّ حريّات سياسيّة تُتيح ممارسة دور الرّقابة عبر مؤسّسات مكافحة الفساد.
وقد شجّعت المدارس اللّيبراليّة والكلاسيكيّة على الحريّة الاقتصاديّة؛ حيث اعتبر آدم سميث أنّ الحريّة الاقتصاديّة تؤدّي إلى تحقيق الكفاءة الاقتصاديّة والازدهار العامّ، وأوضح أنّ سعي الأفراد خلف مصالحهم الذاتية يصبّ بشكل عفوي في خدمة المنفعة العامة. وبيّنت اللّيبراليّة أهمّيّة تقييد دور الحكومة في الاقتصاد، والتّركيز على حماية حقوق الملكيّة الخاصّة وحريّة التّعاقد، مع إفساح المجال للسّوق لتحديد الأسعار وتخصيص الموارد.
2. التّشخيص: وضع الحريّة الاقتصاديّة في تونس
تتمتّع تونس بموقع جغرافيّ استراتيجيّ بين أوروبّا وإفريقيا وتمتلك رأسمالاً بشريّاً متعلّماً ومتنوّعاً خاصّة في التّكنولوجيا والخدمات، ممّا سمح بوجود قطاع خاصّ نشط رغم العراقيل، وانفتاح اقتصاديّ نسبيّ مع وجود اتّفاقيّات تجاريّة مهمّة مع الخارج. ومع ذلك ظلّت البيروقراطيّة وتعقيد الحصول على رخص ممارسة النّشاط الاقتصاديّ نقطة ضعف كبيرة إلى جانب احتكار بعض القطاعات من قبل لوبيّات تمنع دخول أطراف جديدة لبعض الميادين أو تجعله أمراً صعباً في بعض الأحيان ممّا أدّى إلى انتشار ظاهرة الأنشطة الموازية خارج الدّورة الرّسميّة للدّولة.
3. التّأصيل الشّرعيّ
كتب ابن خلدون في المقدّمة أنّ العمل البشريّ هو أصل القيمة، وأنّ كلّ ما يُنتَج ويُستخرَج هو ثمرة جهد الإنسان وهذا قريب جدًّا من فكرة «حريّة المبادرة» وارتباطها بالإنتاج. وشدّد على أنّ كثرة الضّرائب والمغارم تقتل روح العمل وتُضعف الإنتاج، كما أشار إلى أنّ التّجارة والرّبح من النّشاطات الطّبيعيّة للإنسان، وأنّ تدخّل السّلطان فيها أو احتكارها يؤدّي للفساد. والخلاصة أنّ ابن خلدون لم يتحدّث عن «الحريّة الاقتصاديّة» كمفهوم ليبراليّ حديث، لكنه ربط ازدهار العمران بحريّة النّاس في العمل والتّجارة، وحذّر من الضّرائب المفرطة وتدخّل الدّولة والاحتكار واعتبر أنّ الظّلم الاقتصاديّ يساوي خراب العمران والدّولة.
تطرّق العلّامة يوسف القرضاوي رحمه الله للمبادرة الفرديّة قائلاً إنّ حريّة التّملّك والعمل والاستثمار هي الّتي تدفع النّاس للإبداع والإنتاج، وإنّها سنّة الله في عمارة الأرض. ولكنّه بيّن أنّ هذه الحريّة مضبوطة بالشّرع الّذي حرّم الرّبا والاحتكار والظّلم، أمّا الدّولة فلها دور تنظيميّ ورقابيّ لا تسلّطيّ. وأخيراً يؤكّد الدّكتور القرضاوي رحمه الله أهمّيّة التّكافل والعدالة الاجتماعيّة باعتبارها مكمّلةً للحريّة.
أمّا الشّيخ محمّد الطّاهر ابن عاشور رحمه الله فقد تناول موضوع الحريّة الاقتصاديّة من زاوية مقاصديّة، أي ربطها بمقاصد الشّريعة الكبرى: العدل، وحفظ المال، ورفع الحرج، وتحقيق المصلحة. وأبرز ما ذكره في هذا المجال هو أنّ الأصل في المعاملات الاقتصاديّة هو الحريّة والإباحة، إلّا إذا جاء نصّ بتحريم. معنى ذلك أنّ للإنسان حريّة التّملّك، والبيع، والشّراء، والاستثمار، لكن بشرط ألاّ يُهدر المال أو يكتسبه بطرق غير مشروعة. مؤكّداً أنّ الحريّة الاقتصاديّة لا تعني الفوضى، فكلّ ممارسة تؤدّي إلى الإضرار بالنّاس (الاحتكار، الغشّ، الرّبا) تُمنع لأنّها تُخالف مقصد العدل. ودعا إلى دور محدود للدّولة يتمثّل في التّنظيم وحماية المصلحة العامّة، دون التّدخّل في حريّة الأفراد إلّا عند الضّرورة.
وملخّص القول إنّ مطلب الحريّة الاقتصاديّة ليس ترفاً فكريّاً، بل ضرورةً ملحّةً لتحقيق النّموّ وجذب الاستثمار وإرساء العدالة الاجتماعيّة. والتّشخيص السّابق يبيّن وجود عراقيل عديدة مرتبطة بالبيروقراطيّة، والاحتكار، والفساد، ومع ذلك فإنّ الحلول متاحة من خلال إصلاحات قانونيّة وإجراءات شجاعة ومبادرات قويّة وسريعة إداريّة وهيكليّة.
أمّا من منظور شرعيّ، فالحريّة الاقتصاديّة متجذّرة في التّصوّر الإسلاميّ، إذ أقرّها الإسلام كأصل، ووضع لها ضوابط لحماية المستهلكين والمنتجين معاً من الاستغلال والظّلم والغبن والإذعان والغرر؛ وعليه، فإنّ تعزيز الحريّة الاقتصاديّة في تونس ينسجم تمامًا مع مقاصد الشّريعة الإسلاميّة في حفظ المال، ورفع الحرج، وتحقيق العدالة، ويشكّل خطوةً محوريّةً نحو تنميةٍ طيّبةٍ شاملةٍ ومستدامةٍ.
4. الإصلاحات الممكنة لتعزيز الحريّة الاقتصاديّة
في معظم البلدان، لا تُستوجب موافقة الدّولة إلّا لممارسة أنشطة محدّدة متعلّقة بمسائل تهمّ الصّحّة العموميّة أو الأمن أو احترام البيئة. لكن في تونس، تظلّ مثل هذه الموافقة هي القاعدة المعمول بها. ويُعلّل ذلك عموماً بحماية المواطن والمستهلك وضمان جودة المنتجات والخدمات. غير أنّ ذلك يؤدّي في الواقع إلى عرقلة الاقتصاد وتعزيز هيمنة الاقتصاد الرّيعيّ، ولهذا فإنّ نظام الرّخص يجب أن يُراجَعَ مراجعةً جذريّةً بسنّ قانون شامل لحريّة المبادرة الاقتصاديّة بحيث يصبح لكلّ مواطن الحقّ في مزاولة أيّ نشاط غير محظور صراحةً.
ولتحقيق هذا الهدف، ينبغي إحداث آليات سريعة وواضحة تركز بالأساس على المستوى التشريعي؛ حيث يتوجّب مراجعة مجلة الاستثمار وتبسيط القوانين، إلى جانب التخلص من القيود البيروقراطية عبر إلغاء الرخص غير المبررة أو تبسيطها كرخص التّجارة وبعض المهن الحرّة، بل والمضي قدماً نحو إلغاء مبدأ الرّخص تماماً في هذه المجالات والاستعاضة عنه بإجراء تصريح بسيط. أو كراس شروط ميسّرة.
ولا تشمل القوانين والتّشريعات إلّا الأنشطة الممنوعة، أو الّتي يجب أن تحتكرها الدّولة مثل أمور السّلاح والأمن، أو الّتي تتطلّب مواصفات معيّنة مثل قطاع الصّحّة أو إنتاج الموادّ الغذائيّة وكلّ ما يتعلّق بالغذاء والتّغذية، لما لها من تأثيرات على صحّة النّاس.
هذا، وقد شهدت تونس في عدّة مناسبات توجّهاً نحو تبسيط إجراءات الحصول على الرّخص وتخفيف القيود، ولكنّها ظلّت دون المطلوب ومحدودة؛ بل في بعض الأحيان يتم تعويضها بكرّاس شروط لا يقلّ تعقيداً وصعوبةً عن الرّخص.
لذلك، لا بدّ أن تكون الإصلاحات عميقةً وجذريّةً وشجاعةً، وألا تتأثّر بالإملاءات الخارجيّة، بل أن تكون وطنيّةً صرفةً وحرّةً لتعزّز السّيادة الوطنيّة. |




