خواطر

بقلم
شكري سلطاني
مسبّب الأسباب
 من آفات البشر التقيّد بالأسباب والتعلق بها دون التفطن إلى مسبّب الأسباب، ميسّر الصعاب، ومسهّل الأحوال؛ فالله لطيف بعباده، وهو واهب العطايا والنِعم، ومسبغ ستره على خلقه. فلماذا تستحكم الغشاوة في النفوس، فتغيّب العقول عن اكتناه الحقائق؟ حتى يغيب الإنسان في التفصيلات والهوامش، وتنهكه الشواغل، وتتنازعه الدوافع الداخلية، فينسى المصدر والمآل، ولا يتذكر إلا الآني القريب ومصلحته الشخصية. فمتى يرفع الإنسان حجبه، ويتحرّر من شرنقة نفسه وغلبة هواه، ليرى ببصيرته ما لم يره ببصره؟
الحُجُب المانعة
1. حجاب الغير والسوى: (Ordre Macro)
كل ما عدا «الأنا» يدخل في دائرة الغير أو السوى (Le non-soi). وهذا الحجاب يعيق النقد الذاتي، ويحجب الذات عن مكاشفة عيوبها؛ فالاستغراق التام في «الغير» قد يكون مهلكة للروح، في حين تكون العزلة المؤقتة رحمة، والزهد في التعلّق بالعباد نعمة. 
إن إعادة البناء تقتضي خلوة وزهدًا وورعًا، حتى يصحح الإنسان مساره ويستعيد حرية الاختيار. وقد كان الأنبياء والمرسلون والمصلحون والحكماء أزهد الناس فيما سوى ربهم، وأشدهم استئناسًا بالحق، مع حضورهم العميق في إصلاح الخلق. 
2. حجاب الوجود الذاتي (الكينونة): (Ordre Méso)
إن التكوين البيولوجي، والسمات الوراثية للشخص، وجنسه، محددات لها دور كبير في توجيه الاهتمامات والتعلقات، والانتماءات؛ ولا ينكرها إلا جاهل بالأقدار. وعلى الإنسان أن يستوعب وجوده الذاتي وكينونته، ويتحكم في توجيهها، حتى يضمن سلامة صيرورة حياته العائلية، والدراسية، والمهنية، والاجتماعية، دون أن تجعله هذه القوالب أسيراً لها.
3. حجاب النفس: (Ordre Micro)
النفس أكبر حجاب بين العبد وربه، وأعظم عائق أمام الترقي الروحي والمعرفي. فمن ذا الذي يقدر على مغالبة أناه، والخروج من دائرة الأنانية الضيقة؟ 
إن العُجب، والاغترار بالنفس، والتكبّر، والغرور، مساوئ تعمي النفس البشرية عن رؤية عيوبها واكتشافها،ومحاسبة ذاتها؛ فمن ملك نفسه ملك بصيرته، ومن ملكته نفسه حجب عن نور البصيرة.