بحوث
| بقلم |
![]() |
| م.لسعد سليم |
| البحث الثّاني: «الكبائر الفرعيّة»(12) ترك القتال في سبيل الله (2-2) |
استكمالا لما سبق طرحه من صيغ الأوامر والنّواهي الإلهيّة: (الاجتناب، والتّحريم، والنّهي عن القرب، والأمر، والنّهي)، شرعنا منذ العدد 224 في تناول الكبائر المترتّبة على ترك الفرائض الّتي ورد ذكرها بصيغة: «كُتِبَ عليكم». وتُعدّ هذه الصّيغة آخر صيغ الأوامر والنّواهي الإلهيّة الّتي نبحثها ونبيّن أحكامها. وقد وردت حصرا في الآيات المدنيّة دون المكيّة، وتحديدا في الثّلث الأخير من سورة البقرة في مطلع الهجرة (1 - 2 هـ)، وتشمل: الوصيّة، والصّيام، والقصاص في القتلى، والقتال في سبيل الله. وبعد أن تطرّقنا في الحلقات الثلاث الماضيّة إلى «الوصيّة» و «الصّيام» و «القصاص في القتلى»، نخصّص هذه الحلقة للحديث عن، نختتم هذه السّلسلة بعرض مسألة «القتال في سبيل الله» في حلقتين متكاملتين؛ تناولنا في الأولى (الحلقة الفارطة) فقه القتال الدّفاعيّ، ومسألة الأسرى، وتفنيد المرويّات التّاريخيّة، ونخصّص الثّانية (هذه الحلقة) للرّدع الاستباقيّ، ومنظومة الجزية، ومأزق التّيّارات الفكريّة المعاصرة.
يتكرّر الأمر بالقتال (مقترنا بالإنفاق) لردع من يهاجم المسلمين (كردع دفاعيّ)، سواء أكانوا من كيانات المشركين (أصحاب تعدّد الآلهة) أو الكافرين (الرّافضين لمنهج التّوحيد وما يقتضيه من أحكام). وقد ورد ذلك في العديد من السّور المدنيّة، مبشّرا سبحانه برضاه ونعيمه لمن يمتثل لذلك، ومنذرا بغضبه وعذابه لمن يتقاعس عن القتال، ومبيّنا أنّ الحياة والموت بيده وحده سبحانه، يقول تعالى: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾(آل عمران: 146-148] ويقول: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(آل عمران: 166-168). وقال أيضا : ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا * الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾(النساء: 74-77). وقال: ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا ﴾(النساء: 84) وقال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا * سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾(النساء: 90-91).
﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾(الحديد: 10)
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾(الصف: 4)
﴿ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾(الفتح: 16]
وفي سورة التّوبة (وهي من أواخر ما نزل من القرآن)، تنزل الآيات الّتي يأمر فيها سبحانه بمبادرة المشركين بالقتال كـ «ردع استباقيّ»، بغية إزالة القوّة المادّيّة الّتي تتربّص بالكيان الإسلاميّ. فالإسلام، كباقي الرّسالات، أتى لمحاربة الشّرك (تعدّد الآلهة) وما يترتّب عنه من شرعنة لـ «الظّلم والفساد والعدوان»، مقابل التّوحيد وما يقتضيه من «عدل وإصلاح وإحسان»(1) . أمّا الأفراد بعينهم فلا يبحث في أحوالهم أأسلموا أم لا؛ فليس هناك محاكم تفتيش في الإسلام، ولا تمييز على أساس الدّين أو أيّ عنصر آخر. فهذا مخالف للقسط والعدل الّذي أمر به اللّـه عزّ وجلّ في العديد من الآيات، وخاصّة مسألة أخذ الجزية من أفراد داخل المجتمع الإسلاميّ، والّتي تعتبر مخالفة للمحكم من القرآن كما سنبيّن لاحقا.
هذه السّورة الّتي افتتحها عزّ وجلّ ببراءته من المشركين، مع إمهالهم أربعة أشهر (مدّة الأشهر الحرم) لتوبتهم ودخولهم في الإسلام، مع الوفاء بالعهد لمن وقعت معاهدتهم لمدّة أطول. فالعهود والمواثيق في الإسلام تعدّ من أسس الدّين، وبالتّالي من أسس الحضارة، ولا يجوز نقضها ما دام الطّرف الآخر متقيّدا بها لأيّ سبب من الأسباب(2) ، يقول تعالى:﴿ بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(التوبة: 1-5) ثمّ يقول : ﴿ وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾(التوبة: 12-14) ثمّ يقول: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾(التوبة: 36). ويقول أيضا : ﴿ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾(التوبة: 81).ويقول : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾(التوبة: 123).
وفي سورة التّوبة ذاتها، نزلت أيضا الآية الّتي تستثني من القتال -مقابل دفع الجزية- الكيانات أو الدّول اليهوديّة والمسيحيّة الّتي انحرفت عن التّوحيد وما يتطلّبه من تطبيق أحكام أساسيّة (اجتناب الكبائر) الّتي جاءت بها كافّة الرّسل؛ وخاصّة تحريم القتل، والفواحش، وشهادة الزّور، وطاعة الطّاغوت، وما إلى ذلك(3):﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾(التوبة: 29). فالآية واضحة وبيّنة في مخاطبة كيانات من أهل الكتاب (لا أفرادا) انحرفت عن التّوحيد. ويتوقّف القتال إذا قبلت هذه الدّول دفع الجزية كأداة ضغط اقتصاديّة وسياديّة لحملها على الرّجوع إلى العدل وأحكامه الأساسيّة حقنا للدّماء. أمّا الدّول اليهوديّة والنّصرانيّة الّتي تلتزم بالتّوحيد وما يقتضيه من أحكام، فهي لا تحارب، بل تعقد بينها وبين الكيان الإسلاميّ معاهدات صداقة وتعاون، إلّا إذا نقضت العهود والمواثيق؛ فعندئذ تقاتل وتعاقب عقوبة أقصاها الجلاء عن الدّيار، كما أمر الله سبحانه في سورة الحشر. فصفة عدم الإيمان بالله واليوم الآخر ليست صفة ملازمة لأهل الكتاب الّذين هم من أهل التّوحيد وفي المرتبة نفسها مع المؤمنين، بدليل قوله تعالى في أوّل ما نزل بالمدينة (سورة البقرة): ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(البقرة: 62). وهو الأمر الّذي تأكّد في أواخر ما نزل من القرآن (والّذي يعطّل حجّة النّسخ الواهية): ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(المائدة: 69). فالأمر إذن لا يتعلّق بالأفراد، بل بكيانات ودول، سواء كان أهلها من اليهود أو المسيحيّين أو حتّى من المسلمين ممّن يرفعون راية الكفر (على سبيل المثال: ألبانيا زمن الحكم الشّيوعيّ بقيادة أنور خوجا).
وإذا رفضت هذه الكيانات دفع الجزية، يجب قتالها حتّى تخضع للكيان الإسلاميّ. وعندئذ يصبح أفرادها جزءا منه، ويعاملون كالمسلمين وكأيّ فرد آخر دون تمييز على أيّ أساس كان. فلا تؤخذ جزية من أفراد داخل الكيان الإسلاميّ بناء على دينهم أو أيّ عنصر آخر بأيّ حال من الأحوال؛ فهذا مخالف للآيات الّتي ذكرناها، كما أنّه مخالف أيضا لمبدأ القسط وعدم التّمييز الّذي أمر به الله عزّ وجلّ، وجعل مخالفته من الكبائر. (وهذا بطبيعة الحال لا يتعارض مع اشتراط الإسلام لتولّي مناصب معيّنة في الدّولة، أو مسؤوليّات ومهامّ تتطلّب هذا الأمر، أو غيرها من الشّروط والتّنظيمات الّتي تقتضيها القوامة).أمّا كيانات ودول المشركين (أصحاب تعدّد الآلهة)، فلا تؤخذ منها جزية، ويقاتلون حتّى توبتهم وإقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة كما ورد في الآيات السّابقة..
وفي السّياق نفسه، وقع هنا أيضا انحراف خطير عن هذه الأحكام المحكمة؛ إذ أجاز فقهاء المذاهب أخذ الجزية من الكيانات المشركة، وحتّى من الأفراد داخل الكيان الإسلاميّ، متذرّعين بسنن وآثار نسبت إلى الرّسول ﷺ وللصّحابة وآل البيت تبيح ذلك: [...وتقبل الجزية عند مالك من كلّ كافر كتابيّ ومجوسيّ ووثنيّ وغيرهم من أصناف أهل الكفر عربا وعجما، إلّا المرتدّين فإنّه لا تقبل منهم جزية...] («الكافي» لابن عبد البرّ القرطبيّ، ت 463 هـ).
وتجدر الإشارة إلى أنّ نقل ابن عبد البرّ لرأي الإمام مالك ليس دقيقا؛ إذ لم يرد في «الموطّأ» قول لمالك بأخذ الجزية من عابد وثن، بل استنتجه من حديث ابن شهاب (وهو حديث مرسل، أي ثبت أنّ الرّاوي أخبر عن رسول الله دون أن يلقاه): [بلغني أنّ رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس البحرين، وأنّ عمر بن الخطّاب أخذها من مجوس فارس، وأنّ عثمان بن عفّان أخذها من البربر]، وكذلك حديث جعفر بن محمّد بن عليّ، عن أبيه: [أنّ عمر بن الخطّاب ذكر المجوس، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم، فقال عبد الرّحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب]. وهذا الحديث أيضا منقطع؛ لأنّ عليّ بن حسين لم يلق عمر ولا عبد الرّحمن بن عوف. وهو الأمر الّذي يؤكّده الإمام سحنون في «المدوّنة الكبرى»: [قال مالك في مجوس البربر...].
بناء على ذلك، لا أثر لكلمة «وثنيّين» الّتي استعملها ابن عبد البرّ (والّتي تعني في الأصل المشركين) في «الموطّأ» (رواية يحيى) أو في «المدوّنة الكبرى»، وهما المرجعان الأساسيّان للمذهب المالكيّ. ويضاف إلى ذلك خلط الفقهاء بين الشّرك والكفر وجعلهم الكلّ في المرتبة نفسها، ممّا يبرز عدم الدّقّة في النّقل عن شيوخهم بهدف إضفاء مصداقيّة أكبر على هذه الآراء المخالفة لمحكم القرآن.
وعلى النّحو ذاته، نلاحظ في هذا السّياق تعمّد الفقهاء عدم استعمال كلمة «شرك» أو «مشركين»، وإحلال كلمة «مجوس» محلّها حتّى في وصفهم للبربر! ويبدو أنّهم كانوا يتحرّجون من استعمالها (حتّى في ذلك الزّمن، أي قبل مئات السّنين من ظهور فزّاعة «الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان» الّتي نعيشها في وقتنا الحاضر)، خاصّة فيما يتعلّق بجواز أخذ الجزية منهم، وذلك لمخالفته الصّريحة للآيات كما ذكرنا آنفا. وهو ما دفع كثيرا منهم إلى التّفريق بين مشركي العرب (تحريم أخذها) ومشركي العجم (جواز أخذها)(4)، وذلك في محاولة بائسة للخروج من هذا المأزق الّذي وضعوا أنفسهم فيه، أو بالأحرى الّذي وضعتهم فيه الفئة الحاكمة الّتي صار همّها الأساسيّ تحصيل الأموال، ومن ثمّ شرعنة أخذ الجزية حتّى من المشركين.
ويعدّ هذا دليلا آخر على أنّ كثيرا من السّنن والآثار كانت في غالب الأحيان توضع «تحت الطّلب» (أحاديث موضوعة) (5) لتغيير أحكام الله الثّابتة قطعا، والّتي تتعلّق خاصّة بقضايا «المصلحة العليا» للدّولة كما أرادها الحكّام؛ كقتل الأسير (للقضاء على المعارضة)، أو استرقاق الأطفال (الّذين يتمّ جمعهم وتدريبهم منذ الصّغر ثمّ إدخالهم لاحقا في الخدمة العسكريّة)، أو أخذ الجزية من أفراد لا من كيانات (للإنفاق على أجهزة الدّولة، وخاصّة العسكريّة والأمنيّة). ثمّ توسّعت القاعدة، فصارت الأحكام تتغيّر لمصلحة الغنيّ على حساب الفقير (في الزّكاة والخراج)، ولصالح الرّجل على حساب المرأة (في الطّلاق والميراث)، وتدوّن في كتب الفقه على أنّها أحكام شرعيّة إلهيّة من الله عزّ وجلّ، في مخالفة صريحة لما ورد في كتابه الكريم. ولضمان استمراريّة هذه المنظومة، أنشئت مدارس الحديث ابتداء من القرن الخامس الهجريّ (الحادي عشر الميلاديّ)، خاصّة في مصر والشّام، والهيئات المصاحبة لها كهيئة الأزهر في مصر والزّيتونة في تونس، والّتي تخرّج فيها أغلب من اشتهر من الفقهاء.
وكما هو الحال في منع استعباد الأسرى، أُعيد منع ممارسات الرّقّ من قبل الغرب أيضا في بداية حداثته، وبالتّالي نهضته في القرن الثّامن عشر، ممّا يؤكّد مجدّدا طرحنا القائل بأنّ أسس النّهضة، ومن ثمّ الحضارة، هي ذاتها؛ إذ تقوم على الأسس التّشريعيّة للدّين (اجتناب الكبائر) كما وردت في كتابه الكريم. فأسس النّهضة هي من اللّـه عزّ وجلّ، وهي الوظيفة والمقصد الأساسيّ للدّين الّذي تأتي به الرّسل رحمة للعالمين، أي لتحقيق النّهضة ومن ثمّ التّقدّم والرّقيّ المادّيّ للشّعوب. إلّا أنّه يقع تحريف هذه الأسس بعد مدّة من الزّمن من طرف سادة هذه الأمم، فتدخل في مرحلة الانحطاط والتّخلّف (الأمر الّذي يساعد ويسارع عليه بروز منافس حضاريّ)، بينما تعمل أمم أخرى، عادة ما تكون مجاورة (وبالتّالي معاينة لنهضة وتقدّم من سبقها)، بنفس هذه الأسس فتنهض هي بدورها، وذلك مع تحريف وإنكار لأصلها الدّينيّ التّوحيديّ في أغلب الحالات، مع إدخال الشّرك في مرحلة متأخّرة كأداة لتبرير السّيطرة المطلقة والطّغيان.
ولعلّ أبرز مثال على ذلك الحضارة المصريّة الّتي قامت بفضل سيّدنا يوسف على أسس التّوحيد، ثمّ ازدهرت الدّولة وتعاظمت حتّى سيطرت على العالم القديم كلّه تقريبا. ولكن مع مرور الزّمن، تسرّب الشّرك والطّغيان -الّذي بلغ ذروته زمن الملك فرعون- إلى هذه الدّولة؛ فأمعنوا في التّنكيل ببني إسرائيل بصفتهم حاملي التّوحيد في ذلك الزّمن، فكانت عاقبة ذلك الدّمار.
وإذا تعطّلت هذه «الدّورة الحضاريّة»، أعاد الله سبحانه إرسال الرّسل للمهمّة نفسها، وهكذا دواليك وصولا إلى رسول الله ﷺ. فلا نبيّ بعده، وعلى هذا الأساس تعهّد الله سبحانه بحفظ القرآن وحده (لا سننا ولا آثارا)، فوجب الرّجوع إلى كتابه الكريم وحده لمعرفة أسس الدّين بغية إعادة إطلاق «الدّورة الحضاريّة». وهو ما تؤكّده جغرافيا انتشار الحضارة، انطلاقا من بلاد ما بين النّهرين (مهد الرّسل) إلى أوروبّا غربا (مرورا بالشّام ومصر واليونان)، والصّين شرقا (مرورا بآسيا الوسطى). وفي المقابل، بقيت مجتمعات في بلدان لم تعرف رسالات سماويّة، كأستراليا مثلا، تعيش في حالة بدائيّة إلى يومنا هذا، ممّا يعدّ دليلا قاطعا على أنّ أصل الحضارة هو دين التّوحيد عن طريق الرّسل والأنبياء.
أمّا التّجارب البشريّة وما ينتج عنها من تراكمات علميّة، فهي أساس التّقدّم المدنيّ المستمرّ والإبداع والتّجديد في الوسائل والنّظم. وليس الأمر كما يزعم كثير من الخبراء «المؤدلجين» من أنّ تعدّد الآلهة (الشّرك بالله عزّ وجلّ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا) هو دين الإنسان البدائيّ، وأنّ الحضارة هي نتيجة التّراكمات المعرفيّة لمختلف المجتمعات على مرّ التّاريخ؛ إذ تمثّل هذه الادّعاءات مغالطة كبرى تهدف إلى تحريف دور الدّين التّوحيديّ وأسسه في النّهضة والتّقدّم.
لذا، يجب تنقية هذه الأسس ممّا علق بها من شوائب أحدثها «فقهاء المذاهب» على مرّ العصور بضغط من الفئة الحاكمة، متذرّعين بسنن وآثار نسبت زورا إلى الرّسول ﷺ، أو الصّحابة، أو آل البيت والأئمّة المعصومين، وهي الشّوائب الّتي يتبنّاها ورثتهم اليوم ممّن يسمّون بـ«السّلفيّين» أو المؤسّسة الدّينيّة «الرّسميّة»(6).
وفي المقابل، نجد أطروحات «الحداثيّين» الّذين يرون أنّ النّهضة تقوم على مجهود بشريّ بحت لا علاقة له بالدّين. وهذا الدّين، في رأيهم، يجب حصره، على أقصى تقدير، في المجال الخاصّ، وإبعاده إبعادا تامّا عن المجال العامّ بدعوى معارضته للحقوق والحرّيّات؛ إذ يختزلون الإسلام في الإرث المذهبيّ التّقليديّ، ويوجّهون سهام نقدهم إلى السّنن والآثار (كما كان حالهم قبل ما يسمّى بالرّبيع العربيّ)، لينتقلوا بعد ذلك إلى مهاجمة النّصّ القرآنيّ نفسه، خاصّة فيما يتعلّق بأحكام المرأة (كالإرث، والقوامة، والزّواج من غير المسلم).
وبين هذين التّيّارين، يبرز تيّار «الإسلاميّين الدّيمقراطيّين»(7). وقد قفز هؤلاء على مسألة تنقية الدّين من «التّراث»، وهي مسألة يرون أنّه لا يمكن حلّها ولا فائدة ترجى من ذلك(8). وقد حصروا أسس النّهضة في الجانب السّياسيّ وحده، كالدّيمقراطيّة والمواطنة وحقوق الإنسان والحرّيّات، معتبرين إيّاها من نتاج الحضارة الغربيّة الّتي «أشار» إليها الإسلام (أو إلى بعضها)، ومن ثمّ عمدوا إلى تدعيمها بنصوص من التّراث الدّينيّ(9) إن لزم الأمر، بقصد إضفاء نوع من «الشّرعيّة الإسلاميّة» عليها، وهي شرعيّة تكون في غالب الأحيان مخالفة لمحكم القرآن. وهو ما أوقعهم في تناقضات لا حصر لها، خاصّة في مسألة الحرّيّات الفرديّة.
فالدّيمقراطيّة والمواطنة والحرّيّات وحقوق الإنسان تبقى بالنّسبة إلينا، على الرّغم من أهمّيّتها، مجرّد نظم وأدوات وقيم، لا أسسا مطلقة للنّهضة. ويجب بيان محدوديّتها وكشف المغالطات الّتي تحيط بها، وذلك بعد إدراك الأسس الحقيقيّة للنّهضة وبيانها، والّتي لا يمكن أن تكون إلّا في كتاب الله الكريم وحده؛ بصفته المصدر الأوحد للعقائد والأحكام المبيّنة في آياته المحكمة الّتي تمثّل «الرّحمة للعالمين» (أي أساس الرّقيّ والتّقدّم، ومن ثمّ النّهضة والحضارة). ويكون ذلك بعيدا عن المتشابه من الآيات، وبعيدا عن السّنن والآثار المنسوبة إلى الرّسول ﷺ أو الصّحابة وآل البيت.
فالمتشابه من القرآن الكريم نؤمن به، دون اتّباعه أو حمله على رأي أو حكم محدّد (تأويله). فتعدّد الآراء والأحكام في المسألة الواحدة يعني اختلاف حكم الله عزّ وجلّ فيها، فتكون حلالا وحراما في الوقت نفسه، وهذا غير منطقيّ ولا يقبل به أيّ عقل سليم. ويضاف إلى ذلك ما نتج (وينتج) عن هذا الاختلاف من فتن وتناحر، وحتّى اقتتال بين المسلمين على مدى العصور، مصداقا لقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾( آل عمران: 7).
أمّا السّنن والآثار، فكثير منها يفتقر إلى الاتّصال بالرّسول ﷺ (لانقطاع الأسانيد)، وتتّسم بالتّناقض الدّاخليّ في نصوصها (تعارض المتون)، فضلا عن كونها غير محفوظة (فالله تعهّد بحفظ القرآن وحده). فلا تصلح إذن أن تكون دليلا على المقدّس (العقائد والحلال والحرام)، أي لا تصلح أن تكون أسسا للحضارة؛ بل هي، في أحسن الحالات، للوعظ والإرشاد، أو للتّنظيم الوضعيّ المحدود بالزّمان والمكان. ويضاف إلى ذلك أنّ كثيرا منها وضع لغايات سياسيّة وسلطويّة، ممّا أدّى إلى تحريف أحكام الله، خاصّة تلك المتعلّقة بالكبائر (كالحدود، والطّلاق، والميراث، والأسرى، وملك اليمين...)، كما بيّنّا في هذا البحث وفي بحوث سابقة.
الهوامش
(1) أنظر مقالنا «الشّرك باللّـه»، الإصلاح 206
(2) أنظر مقالنا : «عدم الوفاء بالعهد»، الإصلاح 209
(3) أنظر مقالنا : «الكبائر في القرآن الكريم»، الإصلاح 206-211
(4) وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه التّفرقة كانت تمثّل حلّا عمليّا بالنّسبة إلى «فقهاء المذاهب»؛ فبانتشار الإسلام في الجزيرة العربيّة لم يعد هناك مشركون عرب. أمّا المشركون «العجم»، فتوقّف قتالهم بإباحة أخذ الجزية منهم في مخالفة لمحكم القرآن، وهو ما أدّى إلى توقّف الفتح الإسلاميّ في العهد العبّاسيّ، خاصّة في الهند. ونحن نعيش تبعات ذلك حتّى وقتنا الحاضر؛ إذ وصل الهندوس المشركون إلى الحكم (2014) مع تبنّيهم علنا برنامجا يدعو إلى هندوسيّة الهند، ومن ثمّ شدّ الخناق على الوجود الإسلاميّ فيها، وذلك في إطار تحالف استراتيجيّ مع الكيان الإسرائيليّ. وهذا يعيد إلى أذهاننا تحالفات بني قريظة والنّضير مع مشركي قريش ضدّ المسلمين منذ أوّل الهجرة، مصداقا لقوله تعالى: ﴿لتجدنّ أشدّ النّاس عداوة للّذين آمنوا اليهود والّذين أشركوا﴾ (سورة المائدة: 82). وهو ما ينبّئ بكارثة جديدة للمسلمين (خاصّة في منطقة كشمير) في ظلّ سكوت مخز للدّول الإسلاميّة.
(5) باعتراف فقهاء المذاهب و «علماء الحديث» أنفسهم الذين ألفوا في المجال العديد من الكتب, إلا أنهم قاموا بحصر هذه الأحاديث في عدد ضئيل, حفاضا عل المنظومة الفقهية المبنية على السنن و الآثار
(6) وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا التّيّار كان دوما حريصا على مواجهة الغزو من الخارج ودعاوى الانحلال والفساد في الدّاخل؛ بدءا من ابن تيميّة (ومحاربته للتّتار، 1303م)، مرورا بمؤسّسة الأزهر (ومقاومتها لنابليون وجيشه، 1798م، ثمّ للاستعمار الإنجليزيّ في مصر)، وصولا إلى مؤسّسة الزّيتونة ومقاومتها للاحتلال الفرنسيّ، وتصدّيها في وقتنا الحاضر لمحاولة إباحة فاحشة الشّذوذ الجنسيّ في تونس (2018) من خلال التّنسيقيّة الوطنيّة للدّفاع عن القرآن والدّستور، وذلك في ظلّ صمت مريب من حزب النّهضة «الإسلاميّ».
(7) وهو التّيّار البارز في حركة الإخوان المسلمين بصفة عامّة، وحركة النّهضة التّونسيّة بصفة خاصّة خلال ثورات الرّبيع العربيّ
(8) حسب ما يفهم من مواقفهم، أنظر على سبيل المثال كتاب «ما بعد العلمنة والأسلمة» للأستاذ محمّد القومانيّ
(9) على سبيل الذّكر ما ورد في«الحرّيّات العامّة في الدّولة الإسلاميّة» للأستاذ راشد الغنوشي: [ولذلك اتفق الفقهاء على أن الذمة تعطى لطوائف من غير المسلمين، أي حقّ المواطنة في الدّولة الإسلاميّة، وإنما اختلفوا في النوع، فمنهم من قصرها على اليهود و النّصارى..... ومنهم من عمّمها لتشمل كلّ طالب لها, و إن يكن عابد وثن، كما هو رأي المالكيّة]، محيلا إلى كتاب «الكافي»، لإبن عبد البر القرطبي (ت463ه)، وكان الأولى الرّجوع إلى كتاب الله وحده و ما ورد فيه من عدم جواز أي تفرقة بين أفراد المجتمع الإسلامي على أيّ أساس, هذه التّفرقة التي أقحمت لتبرير تعميم أخذ الجزيّة كما ذكرنا (مع العلم أنّ مصطلح «أهل الذمّة» لم يرد في القرآن الكريم بل استحدثه «فقهاء المذاهب» للغرض)
|




