أهل الاختصاص

بقلم
م.رفيق الشاهد
التّغيّرات المناخيّة بين الحذر والهستيريا (3/4) التّغيّرات المناخيّة كلمة حقّ أريدَ بها باطل
1. التّغيّرات المناخيّة كلمة حقّ أريدَ بها باطل

تاريخيًّا، أوّل من استخدم مقولة «كلمة حقّ أُريد بها باطل»، حسب بوّابة دار الإفتاء المصريّة، هو عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد جاءت ردًّا على شعارٍ رفعه الخوارج حينها. واليوم، أستعير المقولة نفسها لمواجهة الاستغلال الأيديولوجيّ لشعار تغيّر المناخ. وفي السّياق ذاته، أتّفق مع صديقي الخبير على ضرورة تقديم رؤية تتوازن بين اليقظة العلميّة والمنظور التّاريخيّ لمثل هذه الظّواهر الجوّيّة، الّتي تمثّل أحداثًا دوريّةً تُدْرس وتُدرّس في علم المناخ.فمن خلال فهمنا لطبيعة مناخنا، يكون التّعامل معه بعقلانيّة، مع الاعتماد على مصادر موثوقة للمعرفة. إذ إنّ المعلومة الجوّيّة الحينيّة وقريبة المدى ضروريّة وأكيدة لتسيير الأزمات وتفادي تأثيرات الظّواهر الجوّيّة المتطرّفة، وبالتّالي حماية الأرواح والممتلكات. أمّا المعطيات المناخيّة، بالنّظر إلى قيمتها العلميّة، فهي عنصر نفيس من عناصر التّراث اللّامادّيّ للبلاد، والّذي لا بدّ منه في التّخطيط على المدى البعيد. وفي هذه الحالة، يصبح من البديهيّ الحديث عن التّغيّرات المناخيّة فقط على المدى البعيد جدًّا، ولا يصحّ الحديث عنها إلّا بين المختصّين والماسكين بسلطة القرار.بناءً على ذلك، لا بدّ لهؤلاء من اليقظة والانتباه إلى ما أصبح يُسمّى بالاستغلال الأيديولوجيّ لبعض المسائل المستحدثة مثل التّغيّرات المناخيّة وحماية البيئة. إذ تُستخدم هذه الشّعارات أحيانًا كأداة للضّغط السّياسيّ، أو لفرض قيود اقتصاديّة على الدّول النّامية في إطار «العولمة» و«الاستدامة». ولا أحد يهتمّ إن تحوّل النّقاش العلميّ حول أسباب التّغيّر المناخيّ إلى صراعات حزبيّة وصناعيّة تهدف إلى تحقيق مكاسب انتخابيّة أو تجاريّة.ولا أحد يهتمّ كذلك بازدواجيّة المعايير ولا بازدواجيّة الخطابات حين ترفع بعض القوى شعارات التّغيّر المناخيّ والسّعي لتخفيف آثاره عبر حزمة من الإجراءات الهادفة لتقليل انبعاثات الغازات الدّفيئة أو الحدّ منها عبر الانتقال الطّاقيّ. فهذا كلّه «كلمة حقّ» تقف وراءها شروط وقيود اقتصاديّة مجحفة، بل هي معركة كسر عظام عادةً ما تدفع الأنظمة الضّعيفة للانصياع تحت التّهديد والخوف من تغيير النّظام بالقوّة النّاعمة والغليظة؛ بينما تتزايد سيطرة الغرب على التّجارة واحتكار مفاتيح الطّاقات المتجدّدة، وبالتّالي التّكنولوجيا بكلّ أشكالها. إنّ هذه هي الأهداف الفعليّة الّتي لم تعد خفيّةً وراء ستار أصبح شفّافًا، يكشف زيف هذه الدّول واستمرارها في ممارسات ترفع من نسق الانبعاثات الملوّثة.وتتعمّد هذه الدّول نفسها تضخيم مؤيّدات التّغيّر المناخيّ؛ إذ يتمّ اختيار واعتماد مؤشّراتٍ لافتةٍ حدّ الصّدمة. فعلى سبيل المثال، يشير الرّسم البيانيّ المقابل(1)، إلى توزيع الانحرافات عن المتوسّط طويل الأمد لمعدّلات الحرارة في فصل الصّيف للفترة من 1950 إلى 2024. فلا يقتصر الأمر على أنّ المؤشّر السّنويّ -والّذي يمثّل معدّل الحرارة السّنويّ- قد وقع احتسابه باعتبار جميع المحطّات اعتمادًا على معدّل الحرارة اليوميّ خلال فصل الصّيف، بل تتمّ مقارنة هذا المؤشّر بالمتوسّط طويل الأمد (ثلاثين سنة) للفترة المرجعيّة الأخيرة 1991-2020، والّتي تُعتبر الأكثر سخونةً. وهو ما يجعل الرّسم البيانيّ لافتًا وصادمًا أكثر ممّا لو اعتُمد المتوسّط طويل الأمد للفترة المرجعيّة 1961-1990 الّتي أوصت بها المنظّمة العالميّة للأرصاد الجوّيّة، حيث تكون النّتائج أكثر انسجامًا بفضل انحرافاتٍ أقلّ حدّةً.يُضاف إلى ذلك أنّ مراكز الأرصاد الجوّيّة المنضوية تحت المنظّمة العلميّة للأرصاد الجوّيّة تعتبر أنّ المتوسّطات طويلة الأمد (Normales climatiques) المحتسبة على فتراتٍ مرجعيّةٍ لمدّة 30 سنة (2)، على الرّغم من أهمّيّتها في توصيف المناخ الخاصّ بالمنطقة المعنيّة وتصنيفه وخلال الفترة المرجعيّة المحدّدة، غير كافيةٍ ولا يمكنها تأكيد التّغيّر المناخيّ. وتوصي المنظّمة في هذا الصّدد بالاعتماد على بياناتٍ لفتراتٍ زمنيّةٍ أطول، وعلى المتوسّط طويل الأمد المرجعيّ للفترة المرجعيّة 1961-1990 دون سواها.(3)وتشير المنظّمة العالميّة للأرصاد الجوّيّة في تقريرٍ صحفيٍّ بتاريخ 09 فيفري 2019 إلى أنّ عام 2016 يظلّ أحرّ عامٍ مُسجّلٍ (1.2 درجة مئويّة فوق معدّل الحرارة في فترة ما قبل العصر الصّناعيّ). وتشير التّقديرات، بالاعتماد على تسجيلات السّنوات الأخيرة، إلى استمرار الاحترار؛ ممّا يؤكّد المنحى التّصاعديّ للاتّجاه الاحتراريّ طويل الأمد، كما يبيّنه الرّسم البيانيّ التّالي الصّادر عن تقرير مؤسّسة ميتيو-فرنسا (4):والجدير بالذّكر في هذا الصّدد أنّ المنظّمة والهيئات التّابعة لها، وكذلك المراكز البحثيّة، تعالج المعطيات حسابيًّا بهامش خطأٍ إحصائيٍّ ضئيلٍ يعادل 0,13 درجة مئويّة، والحال أنّ هامش الخطأ المعتمد في أجهزة القيس وأنظمته قد يتجاوز ذلك بكثيرٍ؛ وذلك رغم مجهودات مراكز الأرصاد في تأمين إجراءات تعديل أجهزة القيس وتعييرها، علمًا بأنّ هامش الخطأ المسموح به يتراوح بين 0,1 و 0,2 درجة مئويّة. لهذا، وبالنّظر إلى طرق احتساب المعدّلات السّنويّة والمتوسّطات طويلة الأمد وما يشوبها من نقائص، قد تبدو البيانات الرّقميّة المعتمدة دقيقةً أكثر ممّا يُتوقّع من مثل هذه المقاييس بعيدة المدى والأمد. كما أنّ قصر سلسلة البيانات المتعلّقة بالمتوسّطات المناخيّة طويلة الأمد لا يوفّر إمكانيّة تأكيد استمرار المنحى التّصاعديّ لفتراتٍ مناخيّةٍ مرجعيّةٍ لاحقة.إنّ هذه الملاحظات، على أهمّيّتها، لا تنسف حقيقة التّغيّر المناخيّ النّاتج عن انبعاثات الغازات الدّفيئة، ولكنّها تخفّض من درجة الثّقة في حقيقة المنحى التّصاعديّ للاتّجاه الاحتراريّ طويل الأمد؛ ممّا يجعل الدّول الصّناعيّة -صاحبة النّسبة الأكبر من انبعاثات الغازات الدّفيئة- تتستّر وراء هذه الشّكوك

2.. الغاية تبرّر الوسيلة

كشفت تقارير مؤتمر الأطراف في اتّفاقيّة الأمم المتّحدة الإطاريّة بشأن تغيّر المناخ عن حقيقة أنّ شعار البيئة شعار يُوظّف لصالح أجندات سياسيّة واقتصاديّة وللسّيطرة والهيمنة الغربيّة. بل دعّمت حقيقة أنّ «مراكز البحوث المموّلة من قِبل الماكينة الاقتصاديّة الغربيّة تدرك جيّدًا أهمّيّة هذا الشّعار وضرورة الحرص على تضخيم الأخطار النّاجمة عن التّغيّر المناخيّ وتهويلها؛ وذلك بغرض ابتزاز الدّول المنتجة للبترول من بلدان الخليج(5)، الّتي لا تتخلّف حكوماتها عن تبنّي البرامج التّنمويّة المزعومة وتمويلها بسخاء في إطار التّخفيف من آثار التّغيّر المناخيّ (Mitigation) والتّكيّف معها (Adaptation) أو المشاريع المنسجمة مع الحياد الكربونيّ (Carbon Neutrality).فالغرب يبيع الوهم لمن يشتري وبشروط المزوّد. هكذا أصبح الاجتماع الدّوريّ لمؤتمر الأطراف مناسبةً في كلّ سنة لتهنئة من باع لمن اشترى، ويكفي البلد المنظّم شرفًا نجاح مؤتمر «كوب 28» مثلاً؛ إذ تمثّلت نجاحاته في تأسيس صندوق الخسائر والأضرار والتزام دولة الإمارات بتمويلات بقيمة 30 مليار دولار. ولكن يبدو أنّ هذه الانطلاقة القويّة للمؤتمر لم تصمد، وانكشفت حقيقة أنّ دعوات الدّول الكبرى للتّخلّص من الوقود الأحفوريّ، هي مجرّد مواقف شعبويّة. وما انسحاب الولايات المتّحدة، أكبر منتجي النّفط والغاز ومصدّرييهما، من اتّفاقيّة باريس واستمرارها في تطوير حقول جديدة إلّا تأكيد على ذلك. ولتثبيت موقفها، لم تتوقّف عند عدم مشاركتها في محادثات مؤتمر «كوب 30» الّذي نُظّم في بيليم (Belém) بالبرازيل سنة 2025، بل دفعت بالشّركات المنتجة للطّاقة لتجنيد ما سُمّي بجماعات الضّغط(6) المدافعة عن الوقود الأحفوريّ في محادثات «كوب 30»؛ فلم يكن مآله إلّا الفشل، وقد أُعلن ذلك.وفي الحقيقة، ليست الولايات المتّحدة وحدها الدّاعمة لجماعات الضّغط، بل بلدان أوروبا كذلك. ففي حين تعهّدت بعض الدّول قبل انعقاد مؤتمر الأطراف «كوب 30» بعدم إحضار جماعات الضّغط المدافعة عن الوقود الأحفوريّ إلى المحادثات، تبيّن في تقرير مفصّل للمنظّمة أنّ دولاً في الاتّحاد الأوروبّيّ أحضرت 84 من جماعات الضّغط إلى مؤتمر المناخ التّابع للأمم المتّحدة في وفودها الرّسميّة، وجلبت فرنسا وحدها 22 مرشّحًا، 5 منهم من شركة توتال إنرجيز، بما في ذلك رئيسها التّنفيذيّ(7)

3.أين الحقيقة ؟

إنّ العلاقات بين الدّول تنظّمها المصالح حسب موازين القوى؛ وحيث لا تنفع القوّة النّاعمة، تحلّ محلّها القوّة الخشنة بما فيها العسكريّة. وفي كلّ الحالات، فإنّ مواقف الدّول من موضوع التّصدّي للتّدهور البيئيّ نتيجة ارتفاع حدّة آثار التّغيّر المناخيّ تُعتبر رؤًى استراتيجيّةً، فمن البديهيّ أن تخضع للسّرّيّة واعتماد المراوغة والخُدعة، فتُعلن الأنظمة مثلاً ما لا تبطن، وتلجأ لتجنيد أطرافٍ أخرى لتنفيذ الأجندة المرجوّة.كم أتمنّى أن تكون المنظّمات والجمعيّات على وعيٍ بهذه الخلفيّات الجيوسياسيّة، وألّا تكون أطرافًا تمّ تجنيدها لغير ما يُعلم. في الحقيقة، هناك ما يدعو للقلق والشّكّ في العديد من المنظّمات والهياكل الوطنيّة المنضوية تحت منظّماتٍ غير حكوميّةٍ والمموّلة منها. فالضّغط العالي على الحكومات من قِبل هذه المنظّمات الّتي تحرّك المجتمع المدنيّ، والّذي يؤثّر بدوره في الرّأي العامّ، يعيق التّوصّل إلى الخيارات الّتي تنفع البلاد وتنسجم مع أهدافها التّنمويّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. بل تدفع في كلّ مرّة أصحاب القرار نحو الخضوع لإملاءات أصحاب المصالح غير المعلنة. وهذا حقيقةً ما تعيشه بلادنا والعديد من البلدان الأخرى من ضغوط تجعلها في كلّ مناسبةٍ دوليّةٍ تلتزم بما لا يلزم. فعوض أن تكون المنظّمات والمجتمع المدنيّ أداةً مساعدةً في اتّخاذ القرار وسندًا للدّولة في علاقاتها الخارجيّة، أثبتت الأحداث الأخيرة أنّ القوى الخارجيّة كثيرًا ما استعملتها أداةً لتقويض الأمن والاستقرار في الدّاخل.ماذا يُنتظر من مفاوضاتٍ بين خبراء مسنودين بترسانةٍ من القرارات الاقتصاديّة ويلوّحون بخياراتٍ عسكريّةٍ، وبين آخرين -مع الأسف- لا حول لهم ولا قوّة، بل يجدون أنفسهم عراةً فاقدين لكلّ أدوات التّفاوض والمراوغة، بعد أن نقل ممثّلو المنظّمات غير الحكوميّة -عن وعيٍ أو بحسن نيّةٍ- أخبار وتفاصيل كلّ الخيارات الاستراتيجيّة؟ وما أكثر هذه المنظّمات الّتي أضحت نشطةً داخل بلداننا، شأنها في ذلك شأن الحائزين على اللّجوء السّياسيّ من أشباه المعارضين.

الهوامش

(1)  النّشرة الشّهريّة للمناخ التّونسيّ - جانفي 2026 - موقع المعهد الوطني للرصد الجوّي    www.meteo.tn (2)           La normale climatique est la moyenne d›une variable météo (température, précipitations) calculée sur une période de 30 ans,  mise à jour tous les 10 ans par l›OMM. Elle sert de référence pour comparer le climat actuel au passé (ex: 1991- 2020), en calculant la moyenne arithmétique de 30 valeurs mensuelles ou annuelles (3)  تقرير صحفي للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية بتاريخ 09 فيفري 2019(4)   ( Météo-France - Normales climatiques : Une nouvelle période de références – (Marie Gatti - 06 /07 /2022(5)  تصريح لوزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، يقول فيه أن السعودية وبعض الدول أعلنت صراحة عدم موافقتها على تطرق محادثات المناخ لتخفيض استخدام النفط. وأضاف «أؤكد لكم أنه لا أحد، وأتحدث هنا عن الحكومات، يؤمن فعلاً بتقليص استخدامه». ورغم وضوح المقصود بفعل «الإيمان»، فإنه يعني أن ما تقوله وتطالب به بعض الدول على المنابر هو مجرد أقوال، أما الأفعال وما تؤمن به حقاً فشيء آخر. فأميركا مثلاً حققت هذا العام أرقاماً قياسية بإنتاج النفط والغاز. وتمكنت من انتزاع صدارة الدول المصدرة للغاز المسال من قطر. وألمانيا عادت إلى الفحم الحجري، وتقوم بإنشاء عدة محطات لتعويض الغاز الطبيعي المسال. والنرويج عادت إلى تنشيط عمليات الاستكشاف والتنقيب. وشركات النفط الكبرى عادت إلى الاستثمار المكثف في النفط والغاز، وقائمة الأفعال تطول لتشمل كافة الدول تقريباً. (6)  تعرّف جماعة الضغط في مجال الوقود الأحفوري على أنّها أي مندوب يمثّل منظمة أو وفدا يهدف إلى التّأثير على سياسة المناخ لصالح صناعة الوقود الأحفوري أو شركات وقود أحفوري محدّدة. ويشمل ذلك الممثّلين الماليّين للمؤسّسات التي قدّمت تمويلا كبيرا لشركات الوقود الأحفوري منذ توقيع اتفاق باريس للمناخ.(7)  تقرير تحالف «اطردوا الملوثين الكبار» لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة COP30 البرازيل 2025