شخصيات الإصلاح

بقلم
م.فيصل العش
الدكتورة هبة رؤوف عزت: عقل نقدي من أجل التجديد الحضاري
 الدّكتورة هبة رؤوف عزّت مفكّرة وباحثة مصريّة، وواحدة من أبرز الأصوات الفكريّة والأكاديميّة المعاصرة الّتي أسهمت في إعادة تشكيل مقاربات العلوم السّياسيّة والاجتماعيّة من منظور إسلاميّ نقديّ. يندرج عملها في سياق جهود التّجديد الدّينيّ والحضاريّ، متجاوزاً الصّراعات الأيديولوجيّة الحديثة ومؤسّساً لحوار فكريّ عميق يربط بين التّنظير الأكاديميّ والواقع المجتمعيّ.
1.  المولد والنّشأة والتّعليم
وُلدت هبة رؤوف عزّت في مدينة القاهرة بجمهوريّة مصر العربيّة في 25 يوليو 1965. نشأت في بيئة مصريّة حضريّة أتاحت لها الانفتاح على التّيّارات الفكريّة المختلفة، وشجّعتها على البحث والتّساؤل، ممّا وجّه اهتماماتها المبكّرة نحو فهم تفاعلات المجتمع والدّولة والبحث في جذور المفاهيم السّياسيّة.
تميّزت مسيرتها الأكاديميّة بالتّفوّق والالتزام المنهجيّ الصّارم؛ فقد حصلت على درجة البكالوريوس في العلوم السّياسيّة من كلّيّة الاقتصاد والعلوم السّياسيّة بجامعة القاهرة في مايو 1987 بتقدير ممتاز مع مرتبة الشّرف. واصلت دراساتها العليا في الجامعة نفسها لتحصل في ديسمبر 1992 على درجة الماجستير بتقدير امتياز مع مرتبة الشّرف، عن رسالتها التّأسيسيّة «المرأة والعمل السّياسيّ: رؤية إسلاميّة»، وهي الرّسالة الّتي أحدثت دويّاً في الأوساط الثّقافيّة لجرأتها المنهجيّة. وفي عام 2007، نالت درجة الدّكتوراه في العلوم السّياسيّة من الجامعة نفسها بتقدير امتياز مع مرتبة الشّرف عن أطروحتها المعمّقة «المواطنة: دراسة تطوّر المفهوم في الفكر اللّيبراليّ»، والّتي فكّكت فيها البنية المفاهيميّة للمواطنة الغربيّة.
2. المناصب والمسؤوليّات
شغلت الدّكتورة هبة رؤوف عزّت العديد من المواقع الأكاديميّة والبحثيّة المرموقة. بدأت مسيرتها المهنيّة معيدةً ثمّ مدرّسةً مساعدةً، وصولاً إلى منصب أستاذة مساعدة للعلوم السّياسيّة بجامعة القاهرة. لم يقتصر نشاطها على الفضاء الأكاديميّ المصريّ، بل امتدّ لآفاق عالميّة؛ إذ عملت باحثةً زائرةً بمركز دراسات الدّيمقراطيّة بجامعة وستمنستر في لندن (1995-1996)، وباحثةً زائرةً بمركز أوكسفورد للدّراسات الإسلاميّة (1998).
اضطلعت بمسؤوليّات بحثيّة هامّة في المعهد العالميّ للفكر الإسلاميّ بواشنطن (فرع القاهرة)، حيث ساهمت بشكل جوهريّ في مشروعات استراتيجيّة كبرى مثل «العلاقات الدّوليّة في الإسلام» ومشروع «التّحيّز: رؤية معرفيّة ودعوة للاجتهاد» بالتّعاون مع المفكّر الرّاحل عبد الوهّاب المسيري. كما شاركت باحثةً في موسوعة العلوم السّياسيّة الصّادرة عن جامعة الكويت، وتعمل حاليّاً أستاذةً في جامعة ابن خلدون بمدينة إسطنبول، إلى جانب إشرافها على العديد من المبادرات المعنيّة بالعمران والفكر الاجتماعيّ..
3.  مشروعها الفكريّ وأهمّ عناصره
يتميّز المشروع الفكريّ لهبة رؤوف عزّت بتجاوزه للنّمطيّة، حيث يرتكز على إعادة بناء المفاهيم السّياسيّة والاجتماعيّة المركزيّة انطلاقاً من الرّؤية الكلّيّة للإسلام. ويمكن تلخيص أبرز عناصر مشروعها في المحاور التّالية:
1.3  الأسرة كمؤسّسة سياسيّة: 
ترفض المفكّرة حصر الأسرة في النّطاق الاجتماعيّ الخاصّ، وتطرحها باعتبارها الخليّة السّياسيّة الأولى والمؤسّسة المركزيّة الّتي تُبنى عليها شبكات المجتمع الأهليّ، وتتشكّل فيها قيم الانتماء والممانعة ضدّ استبداد الدّولة. وتعبّر الدّكتورة هبة رؤوف عزّت عن مركزيّة الأسرة سياسيّاً ومجتمعيّاً بصياغة دقيقة، حيث تقول: «إنّ الأسرة في الرّؤية الإسلاميّة ليست مجرّد وحدة اجتماعيّة بيولوجيّة، بل هي المؤسّسة السّياسيّة الأولى في بناء الأمّة، والخليّة المركزيّة الّتي تتشكّل فيها قيم الانتماء والممانعة، وتمثّل شبكة الحماية الأولى للمجتمع الأهليّ في مواجهة تغوّل الدّولة واستبدادها»(1).
2.3  المرأة والاستخلاف: 
تعيد قراءة دور المرأة بعيداً عن الثّنائيّات الاستقطابيّة (التّقليد الأعمى أو النّسويّة الغربيّة)، مؤسّسةً العمل السّياسيّ للمرأة على مبدأ «الاستخلاف» والمسؤوليّة المشتركة في عمارة الأرض، مع ربط هذا الدّور بالفضاءات العامّة والخاصّة على حدّ سواء. فحول الرّؤية الإسلاميّة للعمل السّياسيّ للمرأة تقول: «إنّ الرّؤية الإسلاميّة للعمل السّياسيّ للمرأة في إطار التّكوين المؤسّسيّ للمجتمع، وما للمرأة من صلاحيّات شرعيّة، ووظائف اجتماعيّة للمشاركة في هذا التّكوين، تنطلق من الأهليّة والوعي بحسبانها من صلاحيّات المشاركة في التّكوينات الاجتماعيّة»(2).
3.3  الدّولة والمجتمع (العمران):
تقدّم الدكتورة هبة نقداً جذريّاً لتغوّل «الدّولة القوميّة الحديثة» على حساب قوى المجتمع. وتدعو إلى إحياء مفهوم «الأمّة» و«العمران»، معوّلةً على استعادة فاعليّة المؤسّسات المجتمعيّة المستقلّة (مثل الوقف) لخلق توازن هيكليّ يحدّ من احتكار الدّولة للسّلطة والثّروة. تقول الدّكتورة هبة: «إنّ مؤسّسات الأمّة كالمسجد، والأسرة، والوقف وغيرها، هي أمور لا يُنظر إليها في الرّؤية الإسلاميّة بوصفها مؤسّسات تقليديّة بل بوصفها تكوينات أصليّة وأساسيّة تمارس حركتها مندمجة في نسيج الأمّة لتحقيق مقاصد الشّرع، وبوصفها كذلك محاضن طبيعيّة تواجه تضخّم سلطة الدّولة مجسّدةً بذلك خطوط دفاع للأمّة والأفراد يجب استثمارها وتوظيفها لحفظ الشّريعة، أي حفظ الدّين. ونظراً لأنّ الدّولة قد بسطت سيطرتها على مؤسّسات الأمّة، فأوقفت نشاطها أو قنّنته بشكل يفقدها استقلالها ويحجّم تأثيرها...»(3).
4.3  تأصيل المفاهيم وتفكيك التّحيّز:
تعتمد الدّكتورة هبة منهجيّة دقيقة في التّحليل البنيويّ للخطاب السّياسيّ الغربيّ (كالدّولة الحديثة باعتبارها منتجاً لفلسفة التّنوير والحداثة القائمة على الفصل، والدّيمقراطيّة، والمواطنة، والمجتمع المدنيّ)، وتعمل على تفكيك التّحيّزات الكامنة فيها، وترفض التّرقيع أو الاستهلاك السّلبّيّ (رفض أسلمة صيغة الدّولة بشكلها الحاليّ تجنّباً لإعادة إنتاج الاستبداد)، مقترحةً بدائل مفاهيميّة تنبع من التّراث الإسلاميّ وتستجيب لتحدّيات الحاضر (بناء ميزان سلطة مختلف يعيد الاعتبار لقوّة المجتمع والدّين)، وفي هذا تقول: «ما هو نموذج الدّولة الّذي نريده؟ هل من المفيد أسلمة صيغة هذه الدّولة تحديداً؟ أم أنّ جوهر التّصوّر الإسلاميّ بناء ميزان سلطة مختلف بين النّظام والنّاس؛ الدّولة الحديثة جزء من التّنوير والحداثة بفلسفتها لفصل الدّولة عن قوّة المجتمع والدّين، نحتاج اجتهاداً لترويضها كي لا نعيد إنتاجها ونظنّ أنّنا نغيّرها»(4).
وتُعدّ قضيّة «الاستهلاك» واستيراد المفاهيم الغربيّة دون تمحيص من أبرز القضايا الّتي حذّرت منها الدّكتورة هبة رؤوف عزّت، حيث ترى أنّ التّحوّل الخطير في العصر الحديث لم يعد يقتصر على الاستبداد السّياسيّ، بل امتدّ إلى «الاستهلاك» الّذي أصاب حتّى الأفكار والمفاهيم، ممّا جعلها هشّة وتابعة للرّؤية الغربيّة. تقول الدّكتورة: «إنّ المفاهيم الحاكمة أُصيبت بحالة من السّيولة أثمرت مفاهيم رخوة لا نواة لها، فأُعيد تعريفها بما لا يتعارض - بل ويتناغم - مع مفاهيم غربيّة مفتاحيّة في الرّؤية الغربيّة»(5).
الهوامش
(1)  االمرأة والعمل السياسي: رؤية إسلامية،هبة رؤوف عزت، المعهد العالمي للفكر الإسلامي (سلسلة الرسائل الجامعية رقم 18)، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية،ط1، 1995م،ص165
(2)  المرأة والعمل السياسي: رؤية إسلامية،هبة رؤوف عزت،  (م.س)، ص 15
(3)  المرأة والعمل السياسي: رؤية إسلامية،هبة رؤوف عزت،  (م.س)، ص 141
(4)  الخيال السياسي للإسلاميين: ما قبل الدولة وما بعدها،هبة رؤوف عزت،دار الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 2015، الصفحة 54.
(5)  من طبائع الاستبداد إلى طبائع الاستهلاك،هبة رؤوف عزت، وهي مقدمة صاغتها لكتاب «إسلام السوق: الثورة المحافظة الأخرى» للباحث باتريك هايني، مدارات للأبحاث والنشر (القاهرة)، الطبعة الأولى 2015، الصفحة 14.