شخصيات الإصلاح
| بقلم |
![]() |
| م.فيصل العش |
| محمد رشيد رضا: رائد الإصلاح الإسلامي والتّجديد الفكري |
محمد رشيد رضا صحفيٌّ وكاتب وأديب لغويّ ومفكر إسلامي من رواد الإصلاح الإسلامي الذين ظهروا مطلع القرن الرابع عشر الهجري. كان حلقة الوصل الأهمّ في سلسلة العقل الإسلاميّ الحديث، حيث ورث شعلة التّنوير والتّجديد عن أستاذيه جمال الدّين الأفغانيّ ومحمّد عبده، ليبلورها في مشروع فكريّ مؤسّسيّ متكامل برزت ملامحه خاصّة من خلال مجلة «المنار» التي حملت لواء مجلة «العروة الوثقى» التي أسسها الإمام محمد عبده. كان محمّد رشيد رضا مفكّراً مؤسّساً أرسى دعائم منهجيّة علميّة وحركيّة، ودراسة مسيرته هي قراءة في آليّات صناعة الوعي، وكيف يمكن لمنبر فكريّ أو مجلّة أن تتحوّل إلى مدرسة قائمة بذاتها تقدّم البدائل وتوجّه مسار أمّة بأكملها نحو الإصلاح.
1. المولد والنّشأة والتّعليم
وُلد محمّد رشيد بن علي رضا بن محمّد شمس الدّين القلمونيّ، الحسينيّ نسباً، في قرية «القلمون» المطلّة على البحر الأبيض المتوسّط والتّابعة لمدينة طرابلس الشّام (في لبنان حاليّاً)، وذلك في 27 جمادى الأولى عام 1282 هـ (الموافق 23 سبتمبر 1865م). نشأ في بيت علم ودين، حيث كان والده إماماً وخطيباً، ممّا وفّر له بيئة روحيّة وفكريّة خصبة منذ نعومة أظفاره.
بدأ مسيرته التّعليميّة كسائر أبناء جيله في «الكُتَّاب»، حيث حفظ القرآن الكريم وتعلّم مبادئ القراءة والكتابة والحساب. ثمّ انتقل إلى طرابلس ليدرس في المدرسة الابتدائيّة التّابعة للدّولة العثمانيّة، لكنّه لم يجد فيها ما يلبّي نهمه المعرفيّ. كانت النّقلة النّوعيّة في حياته الأكاديميّة عندما التحق بـ «المدرسة الوطنيّة الإسلاميّة» الّتي أسّسها العلاّمة الشّيخ حسين الجسر. تميّزت هذه المدرسة بمنهجها الرّائد الّذي جمع بين العلوم الإسلاميّة التّقليديّة (كالفقه والحديث والتّفسير) والعلوم العصريّة الحديثة (كالرّياضيّات والجغرافيا واللّغات)، وهو ما زرع في عقل رشيد رضا البذرة الأولى لضرورة المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة.
تلقّى رضا تعليماً مكثّفاً ونهل من شتّى المعارف، وقد تُوّجت رحلته التّعليميّة الأولى بحصوله على «الإجازة العالميّة» (وهي بمثابة الشّهادة الجامعيّة العليا في التّقاليد الأكاديميّة الإسلاميّة) من أستاذه الشّيخ حسين الجسر في عام 1897م. كما تتلمذ على يد نخبة من علماء الشّام مثل الشّيخ محمود جواد القاوقجيّ، ممّا صقل لغته العربيّة وملكاته النّقديّة، والشّيخ محمود نشابة الذي درّسه الحديث، والشّيخ عبد الغني الرافعي، ومحمد الحسيني، وغيرهم..
2. عن تجربته الصّوفيّة
بدأ تصوّف رشيد حين كان يقرئه شيخه «حسين الجسر» بعض كتب الصّوفيّة ومنها بعض الفصول من «الفتوحات المكية»، وفصول من «الإبريز». ويذكر «رشيد» أن الذي حبّب إليه التّصوف هو كتاب «إحياء علوم الدّين» للغزالي. يقول عن تجربته في التّصوف التي استمرت سنوات طويلة: «وجملة القول أنني كنت أعتقد أن سلوك طريقة المعرفة وتهذيب النّفس والوقوف على أسرارها جائز شرعاً لا حظر فيه، وأنّه نافع يُرجى به معرفة الله بما لا يوصَل إليه بدونه». ويقول: «إنني قد سلكت الطّريقة النّقشبنديّة، وعرفت الخفيّ والأخفى من لطائفها وأسرارها، وخضت بحر التّصوّف ورأيتُ ما استقر في باطنه من الدّرر، وما تقذف أمواجه من الجيف، ثمّ انتهيت إلى مذهب السّلف الصّالحين، وعلمت أنّ كل ما خالفه فهو ضلال مبين».
3. المناصب والمسؤوليّات
تقلّد «رشيد رضا» عدّة مناصب ومسؤوليّات محوريّة، من أبرزها تأسيسه ورئاسته لتحرير مجلّة «المنار» في مصر عام 1898م، حيث أدرك مبكّراً أنّ صناعة التّغيير تتطلّب منبراً إعلاميّاً رصيناً. كانت «المنار» منارًا للإحياء والتّجديد والتّربية والتّعليم، وقد تصدّت لقضايا الأمّة بعامّة، وعُنيت بإصلاح العقيدة ومحاربة البدع، والاهتمام بشأن العلم المادّي والتّجريبي، والدّعوة إلى إنهاض الأمّة في جميع المجالات. ولقد كانت بصمات الشّيخ «رشيد رضا» على المجلّة واضحة، فهو أكبر محرّريها، وأكثر من كتب فيها، بل جُلّ مقالاتها تُنسَب إليه شخصيًّا أو إلى المدرسة التي انتمى إليها في المرحلة الوسيطة من حياته. وقد تولّى رئاسة تحريرها وإدارتها طيلة 37 عاماً، محوّلاً إيّاها من مجرّد دوريّة إلى أهمّ منتدى فكريّ إسلاميّ في العالم، ومرجعيّة علميّة تصدر عنها الدّراسات والبدائل الفقهيّة والسّياسيّة، وسجلٍّ تاريخيٍّ لأحداث العالم الإسلامي.
وفي خضمّ التّحوّلات الكبرى التي شهدتها المنطقة العربيّة وخاصّة الشّام بعد الحرب العالميّة الأولى، انتُخب رئيساً للمؤتمر السّوريّ العامّ (1920م)، وهو ما يعادل منصباً تشريعيّاً رفيعاً، حيث ساهم في إعلان استقلال سوريا وصياغة توجّهاتها الدّستوريّة الأولى. واستشعاراً منه لخطورة الجهل والتّبشير، أسّس في سنة 1912م «دار الدّعوة والإرشاد» وهي مدرسة عليا في مصر لتخريج دعاة وعلماء مؤهّلين ومسلّحين بالعلوم الشّرعيّة والعصريّة، ليكونوا قادة فكر في مجتمعاتهم.
وكان «رشيد رضا» عضواً بارزاً في «المجمع العلميّ العربيّ» بدمشق (مجمع اللّغة العربيّة لاحقاً)، وشارك في تأسيس العديد من الجمعيّات السّياسيّة والفكريّة الّتي دافعت عن حقوق الشّعوب العربيّة والإسلاميّة..
4. مشروعه الفكريّ وأهمّ عناصره
ارتكز المشروع الفكريّ لمحمّد رشيد رضا على مفهوم محوريّ واحد هو «الإصلاح». لقد شخّص داء الأمّة في نقطتين: الجمود النّاشئ عن التّقليد الأعمى، والابتعاد عن الجوهر الحقيقيّ للإسلام. وبناءً على ذلك، قدّم رؤية شاملة تتضمّن عدّة بدائل لمعالجة أزمات العقل والمجتمع. فقد دعا إلى التّحرّر من التّقليد رافضاً الجمود المذهبيّ والتّعصّب، وداعياً إلى فتح باب الاجتهاد لتلبية النّوازل المستجدّة. فقد كان يرى أنّ العقل العربيّ والإسلاميّ قد تكبّل بشروح المتون والحواشي، وأنّه لا سبيل للنّهضة إلّا بالعودة المباشرة إلى ينابيع التّشريع الصّافية: القرآن الكريم والسّنّة النّبويّة الصّحيحة. ونادى بتنقية العقيدة، حيث خاض معارك فكريّة ضارية عبر صفحات «المنار» ضدّ الخرافات الّتي التصقت بالممارسة الدّينيّة، مؤكّداً أنّ الإسلام دين العقل والعلم، ولا تناقض فيه بين الوحي الثّابت والعلم التّجريبيّ القطعيّ.
ودعا إلى الإصلاح التّربويّ واللّغويّ منتقداً بشدّة مناهج التّعليم العقيمة، وموليا اهتماماً بالغاً باللّغة العربيّة، معتبراً إيّاها وعاء الفكر وحامية الهويّة، ومطالباً بتجديد الأساليب التّربويّة لتخريج عقول مبدعة لا مجرّد أوعية حافظة. كما قام مشروعه الفكري على إيجاد البديل السّياسيّ متأثّراً في ذلك برفيق دربه عبد الرّحمن الكواكبيّ. ورغم دفاعه عن فكرة «الخلافة الإسلاميّة» كإطار جامع للأمّة، إلّا أنّه اشترط أن تكون مبنيّة على «الشّورى» الحقيقيّة والعدالة، وقدّم في كتابه «الخلافة أو الإمامة العظمى» تنظيراً عميقاً لشكل الدّولة الإسلاميّة الحديثة ومؤسّساتها.
تتجلّى رؤية رشيد رضا بوضوح في كتاباته، حيث نجد في نصوصه دقّة المحرّر وصرامة العالم، ففي بيانه التّأسيسيّ لمشروعه الإصلاحيّ في العدد الأوّل من مجلّة «المنار»، يحدّد بوصلته قائلاً: «أمّا الغاية الّتي نُنشئ (المنار) لأجلها؛ فهي الإصلاح... والبحث في ما يقتضيه حال الأمّة من التّربية والتّعليم، وما يشوب عقائدها وعاداتها من البدع والخرافات، والجمع بين طوائف الأمّة، والتّحذير من أسباب الشّقاق والفرقة.» ويختزل هذا النّصّ رؤيته للمنبر الإعلاميّ كأداة للتّقويم والجمع وتقديم الحلول.
وفي دفاعه عن العقل وحريّة التّفكير ضدّ التّبعيّة العمياء، يقول في تفسير المنار (تفسير سورة البقرة): «إنّ الله تعالى منح الإنسان العقل، وجعله مناط التّكليف، وأمره بالنّظر في ملكوت السّماوات والأرض... وما تراجع المسلمون إلّا يوم عطّلوا عقولهم، واكتفوا بتقليد من سبقهم في كلّ شاردة وواردة، فجمدوا حيث تحرّك غيرهم.».
وفي كتابه «يسر الإسلام وأصول التّشريع العامّ»، يقدّم رؤيته حول مرونة الشّريعة وصلاحيّتها لكلّ زمان، قائلاً: «إنّ دين الإسلام مبنيّ على اليسر ورفع الحرج... والتّشريع فيه مقصور على القواعد الكليّة والأصول العامّة، وتُركت التّفصيلات لاجتهاد أولي الأمر والعلماء في كلّ عصر، بحسب ما تقتضيه المصلحة وتدفع به المفسدة.»
توفي «رشيد رضا» بمصر في 23 جمادى الأولى 1354 هـ الموافق لـ 22 أوت (أوت) 1935م، تاركاً إرثاً فكريّاً ضخماً، أبرزه «تفسير المنار» ومجلّدات المجلّة الّتي لا تزال حتّى اليوم مرجعاً لا غنى عنه لكلّ باحث في تاريخ الفكر الإسلاميّ، ولكلّ إدارة فكريّة تطمح إلى تقديم قراءات نقديّة وبدائل جادّة تنهض بواقع الأمّة.. |




