تزكية
| بقلم |
![]() |
| أ.د. ناصر أحمد سنه |
| الإيمان، وميلاد المجتمع الصالح المُصلح |
يولد المرء مرّة واحدة، وباستعداد للإقرار بنفسه فقط، أثرةً واعتداداً وحفاظاً عليها لتشبّ يافعة. فمدار هذه الولادة حول الجسد وتركيبه (عالم الأشياء)، بيد أنّه تولد معه أيضاً بذور الفطرة: «كلّ مولود يولد على الفطرة، وإنّما أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه»(1). فإذا حُرست هذه الفطرة من كلّ ما يشوبها لتتفتّح العقول، وتتمّ مسؤوليّة التّكليف، أتى دور الإيمان والدِّين (عالم القيم والشّرائع والشّعائر)، ليصوغه فرداً إيمانيّاً صالحاً مصلحاً.
وللمجتمعات والأمم عدّة ولادات؛ فمجتمعات أخرجها اللَّه تعالى للحياة على يد رسله وأنبيائه، ومنها أمّتنا ورسولها الخاتم. ثمّ تتوالى ولادات على يد الصّالحين المصلحين المجدّدين. ومجتمعات تصنعها أيدلوجيّات أرضيّة ومذاهب وضعيّة لا تلبث أن تنهار لبعدها عن جادّة الطّريق؛ طريق السَّماء وطريق الفطرة. ومجتمعات أخرى تولد من رحم الزَّلازل، وركام المنازل، وحطام المدائن، وطوفان الأمواج العاتية، وابتلاءات العلل والأمراض القاتلة. إنها ولادة شابها من الألم والمعاناة والبكاء والعويل أكثر من سابقتها الأولى في شأن الأفراد؛ ففي الأولى منح اللَّه تعالى الحياة لمن كان عدماً محضاً، وفي الثَّانية تمديد للحياة لمن هم عدم نسبيّ.
وبتوالي مرور الأيّام والسّنين، ثمّة فتور ووهن وعلل قد تطرأ على الأفراد والمجتمعات، ممّا قد يُحيدهم عن جادّة السَّعادة والهناء، وغاية الوجود:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾(الذّاريات: 56). هي علل وأعراض خارجيّة، لا تمسّ جوهر الدِّين وحقيقته، ولا الحاجة الماسّة إليه:﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾(الرّوم: 30). لذا فثمّة ولادات متجدّدة بتجديد الإيمان لتبقى الحياة السَّعيدة الحقّة إيماناً وأمناً وسعادة وثقافة وفكراً وصلاحاً وإصلاحاً ونهوضاً وتحضّراً وشهوداً.
وفي إطار ذلك ثمّة أسئلة تبرز: أيّ هذه المخاضات أكثر معاناة وألماً وجهداً؟ وأيّ منها يستحقّ الإعداد والتّعهّد والرِّعاية الدَّائمة؟ وأيّ منها يحقّق غاية الوجود البشريّ المختلف عن بقيّة مخلوقات اللَّه تعالى؟ وهل لنا أن نجزم الاختيار بتجديد حيواتنا ليتجدّد للأمّة شهودها، وللمجتمعات سعادتها، فنحقّق الخيريّة والنّهوض؟
1. الأمّة الوسط والشّهود: إرادة واختيار
إنّ أمّتنا العربيّة الإسلاميّة عصيّة على «الموات الحضاريّ» بحول اللَّه تعالى وقوّته وفضله، لتبقى فيها رسالة السَّماء الخاتمة والأخيرة إلى الأرض. لذا فبإمكاننا -أفراداً ومجتمعات- أن نختار تجديد حيواتنا، اختياراً ينتقل بنا من أفق إلى أفق، ومن حال إلى حال، يعالج الأسباب ولا يقف على تخفيف الأعراض. ومدار هذا الانتقال أسلوب جديد يُصلح جوانب الأجساد ويرشدها حتّى تسمو النّفوس والأرواح لمطالب الإيمان، استجابة واتّصالاً بالحيّ الباقي تحيي القلوب، وتنقلها إلى النّور: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(الأنعام: 122).
تلك الولادة الإيمانيّة، وهذا التّجديد الّذي صاغ «عمر بن الخطّاب» (رضي اللَّه عنه) فاروقاً عادلاً وخليفة راشداً وقد كان له في الجاهليّة ما كان، ومحا ما قبله لـ «خالد بن الوليد» (رضي اللَّه عنه): «اللَّهمّ اغفر لخالد كلّ ما أوضع فيه من صدّ عن سبيلك» (2). هذا التّجديد وتلك الولادة الّتي نقلت ـ في طفرة زمنيّة غير مسبوقة ـ قبائل جاهليّة، كانت بعيدة كلّ البعد عن قيم الأمن والأمان والتّحضّر والشّهود، إلى قيادة البشريّة للعديد من القرون، فتحقّق للسّلف الصّالح، وللأمّة المسلمة معنى حياتهم، ومسؤوليّة دورهم، وحقيقة شهودهم: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾(البقرة: 143).
فالأمّة الوسط ـ على تعدّد معاني الوسطيّة: تصوّراً واعتقاداً، شرائع وشعائر، تفكيراً وشعوراً، تنظيماً وتنسيقاً، ارتباطاً وعلاقات، زماناً ومكاناً ـ وظيفتها الشّهادة على النّاس في إقامة العدل والقسط وضبط القيم والموازين. وهي وظيفة لن تتحقّق إلّا بتحقّق معاني الشّهادة: حضوراً وقرباً وإتياناً وتبصّراً وعلماً وتمكّناً. وتلك مسؤوليّة ورسالة عظيمة على الأمّة تجديد النّهوض بها. ولعلّ كثرة حديث العلماء عن «تجديد الخطاب الدِّينيّ» إنّما غايته توالي تجديد الإيمان في النّفوس، والسَّعادة في الحياة، والأمان في المجتمعات، والشّهود في الأمّة.
2. كيف نجدّد حيواتنا وحياة أمّتنا؟
بتحقيق إيماننا إخلاصاً للنيّات والأعمال والطّاعات للَّه تعالى، ومراقبته ـ سبحانه ـ تقوى وإحساناً: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (3). «والإيمان ذلك المعنى الّذي يُلقي في أرواحنا السَّكينة لأنّها متّصلة باللَّه تعالى، وفي ضمائرنا المحبّة لأنّها متّصلة بالنّاس. ذلك المعنى الّذي يُعلمنا ما نحن ممّن حولنا؟ وما حياتنا ممّا وراءها؟ ذلك الاعتقاد الكبير الّذي تَصغر عنده الحياة بما فيها من الخير والشّرّ، وتهون بما فيها من النّفع والضّرّ» (4).
لنجدّد أهدافنا وأولويّاتنا في الحياة ضمن رسالتنا العامّة، تحقيقاً لكينونة الأفراد والمجتمعات والأمّة، وتوحّدها ووحدتها لتحقيق خلافة اللَّه تعالى في أرضه:﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(البقرة: 30). فبذلك نحقّق سعادتنا بحسن تجارتنا: «إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ، فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا» (5).
الرّضا والشّكر والتّوبة.. طعم الإيمان وروح السَّعادة: فقد «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (6). فرِضانا عن طريقنا إلى اللَّه تعالى يُضيء نفوسنا، فتضيء لنا الحياة، فنسعد وننهض. ولمن بلغ الأربعين عليه شكر خاصّ لنعم اللَّه تعالى:﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾(الأحقاف: 15). وليكن دوماً صمتنا فكراً، ونطقنا ذكراً، ونظرنا عِبراً.
حياتنا الجديدة اغتنام للأعمال: «اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحّتك قبل سقمك، وفراغك قبل شُغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك» (7)، وقال ﷺ: «بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلّا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدّجّال فشرّ غائب يُنتظر، أو السَّاعة فالسَّاعة أدهى وأمرّ» (8). وكان «أبو بكر الصّدّيق» رضي اللَّه عنه يقول: «إذا فاتك خير فأدركه، وإذا أدركك شرّ فاسبقه».
ولا تجديد للحياة بلا قدوة:﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾(الأحزاب: 21). ففي عصر «السّيولة» القيميّة و«الذّبذبة» الأخلاقيّة، وشيوع الاستبداد والقهر والظُّلم والفقر والعنف الحاكم لعصر العولمة والحداثة وما بعدها، يبقى المعيار القيميّ والأخلاقيّ والسُّلوكيّ والتّطبيقيّ هو تعاليم قرآننا المعصوم والخالد، وهدي رسولنا ﷺ، وصحابته الأبرار رضوان اللَّه عليهم أجمعين.
وفي حسن الخُلق سعادة الدّارين، وأمن المجتمعات، ونهوض الأمّة: «إنّ من أُعطي حظّه من الرّفق فقد أُعطي حظّه من خيري الدّنيا والآخرة، وصلة الرّحم وحسن الخُلق وحسن الجوار يعمران الدّيار ويزيدان في الأعمار» (9). وللَّه درّ أمير الشعراء أحمد شوقي حينما قال:
وإنّما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
ولنُحسن إدارة أوقاتنا، فهي ظلّ حياتنا. فصلواتنا وعباداتنا وأعمارنا موقوتة بأوقاتها. وسعادتنا وطريق نهضتنا في المحافظة على الصّحّة وأوقات الفراغ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من النّاس: الصّحّة والفراغ»(10). وحسن استثمار الأوقات تجديد للحياة وإضافة أعمار إلى الأعمار، ورحم اللَّه «شوقي» حين قال:
دقّات قلب المرء قائلة له *** إنّ الحياة دقائق وثوانِ
من كان في استطاعته الحجّ ولم يحُجّ، فليبادر؛ فالحجّ تجديد للحياة، ونقاء لصفحتها: «من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمّه»(11)، وهو تواصل إسلاميّ عامّ يحقّق التّكاتف والتّكافل والأمان.
استقرار أُسرنا وتماسكها طريق كلّ أمن وسعادة ونهوض: فلنُحسن إلى زوجاتنا مودّة ورحمة، ولنباشر ـ بحرص وعناية وصبر ـ تربية أولادنا صغاراً ليسهل عليهم تجديد إيمانهم غلماناً وشبّاناً: «أدّبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم»(12). لقد كان «زكريّا» عليه السَّلام حريصاً على أن يكون له «وليّ» يرثه لينهض بالولاية والدِّين والاستقامة، وليس (ولداً) يأتي من الولادة الطّبيعيّة:﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ (مريم: 5). وها هي «امرأة عمران» لمّا وضعت مريم البتول رنت إلى «ذرّيّة» صالحة منها(13): ﴿.. وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾(آل عمران: 36).
إنّ أصحاب الرِّسالات دأبهم التّطلّع لمن يرث الدِّين والقيم والهدى ليجدّدوا بها حياة النّاس، وليس التّطلّع لنسل بعيد عن الهداية: ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ* قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾(هود: 45-46). فروابط الدّم والنّسب والقرابة تتقطّع عند حدّ الإيمان ليبقى نسب العقيدة والإيمان فوق كلّ نسب: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ..﴾ (المجادلة: 22).
ولندع عنّا الهموم والنّزاع والشِّقاق والتّشاحن والقلق.. لا نقتل بها أنفسنا، فالأمور بمقادير: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49). والعدل ملاك الأمر كلّه. ولنحرّر إرادتنا فلا نقع أسرى لمال أو سلطة أو جاه أو منصب: «والإيمان الصّحيح تحرّر صحيح، لأنّه يعصم من ضروب الذّلّ والعبوديّة كلّها تماماً كما يولد المرء حرّاً، وهو حدٌّ قائم بين النّفس وشهواتها تلك الّتي ضررها لا يُحدّ. وتبقى الغاية من الحياة كمال الحيّ في نفسه وجسمه؛ فإن تمّ له ذلك بالفقر فذلك غناه، وإن نقص بالغنى فذلك فقره»(14).
وتجديد حياتنا لا يكون بلا علماء ومتعلّمين، فرسالة الإسلام كانت بدايتها ومدارها حول «اقرأ». فسعادتنا وأمننا وشهودنا الحضاريّ في بسط المعرفة الحقّة بشرائع وشعائر الإسلام السَّمحة والوسطيّة والواقعيّة، تزامناً مع بسط الجناح الآخر للشّهود الحضاريّ: العلوم والتّقنيّة. فمساهمتنا في «صناعة المعرفة» ـ الّتي من فقدها فقد أسباب الحياة فضلاً عن تجديدها ـ تتأتّى بالعمل المؤسّسيّ الجادّ، وتنمية القدرات وتعلّم الحِرف والخبرات، وإعادة الاعتبار «لفروض الكفاية» خدمةً لأوطاننا، وزيادةً لأعمالنا بعد مماتنا.
فبالموت تموت كلّ الفروق بين النّاس في المال والجاه والقوّة، وتبقى فروق الأعمال الّتي يستمرّ عطاؤها لتضيف حياة جديدة لأصحابها: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلّا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له»(15). ولنصل حياتنا بحياة المسلمين، وهموم أمّتنا. وفي مسيرة تجديد حياتنا نُجدّد معنا حياة الآخرين ليتحقّق تواجد «الصّالحين المصلحين» الّذين هم قوام خيريّة الأمّة: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾(آل عمران: 110).
وحتّى البلاء، صفحة نقيّة في حياتنا: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتّى يلقى اللَّه تعالى وما عليه من خطيئة»(16). وتجديد الحياة يلهمنا الحكمة عند كلّ مصيبة والثّقة في الحكمة العليا الّتي قد نجهلها، ولنجدّد دوماً مَعيننا من الصّبر:
ولا تحسبنّ المجد تمراً أنت آكله *** لن تبلغ المجد حتّى تلعق الصّبرا (17)
والعافيّة كنز كبير يحقّق السَّعادة والأمن والنّهوض: «من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدّنيا بحذافيرها»(18). «والفقر خلوّ من المال، ولكنّ أقبح الفقر الخلوّ من العافيّة.. والغنى أن تملك الدّنيا، ولكنّ أحسن الغنى أن تهنأ في الدّنيا»(19). والمال وسيلة للسَّعادة والنّهوض وليس غاية: فلنحرص على اكتسابه من حلّه، وإنفاقه في حلّه، وعلى زكواتنا وصدقاتنا، فبذلك تطهُر أموالنا وتتجدّد، وتسهم في إعانة وتجديد حيوات أخرى توادّاً وإيثاراً: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾(الحشر: 9)، فيقع التّوافق والتّماسك الاجتماعيّ والإقلاع الحضاريّ: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسّهر والحمّى»(20).
وأمّة الرِّسالة والشّهود، إنسانها لا يستغرق في الاستهلاك والتّسابق إليه، وحبّ الدّنيا والدّعة فيها، فينجذب إلى الأرض تاركاً مهمّته المنوطة به.
وصلة أرحامنا تحقّق أمننا، تزيد في أرزاقنا، وتطيل في أعمارنا: «من أحبّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره (أي يؤخّر له في أجله وعمره) فليصل رحمه»(21). فلنحرص على أداء حقوق الجيران والمسلمين وعامّة النّاس:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ...﴾(الحجرات: 13). فالمتّحدون في أصل بشريّ واحد، المختلفون أجناساً وألواناً ولغاتٍ، المتفرّقون شعوباً وقبائل، عليهم ألّا يتفرّقوا ولا يتخاصموا ولا يذهبوا بدداً. فالغاية من جعلهم هكذا ليست التّنازع والتّناحر، بل التّعارف والتّآلف، والتّعاون والتّكامل وفق معيار: التّقوى والعمل الصّالح، والتّصالح على عُرف حسن، ومعرفة رشيدة.. أعمال كسبيّة (ليست وراثيّة / عنصريّة) يتسابق فيها النّاس جميعاً مرضاةً لربّهم، وخدمةً لمجتمعاتهم وإنسانيّتهم(22).
ولحياة متجدّدة دوماً برفقة نبيّنا ﷺ في الجنّة.. نكفل الأيتام، ونرعى الأرامل والمرضى والمحتاجين: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (البقرة: 220). وقال ﷺ : «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُحسن إليه، وشرّ بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُساء إليه» (23)، ثمّ أشار بإصبعيه السّبّابة والوسطى وقال: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»(24)، كي نصون إيمان وحياة وأمن هذه الفئات في زحمة المجتمعات.
يقول الإمام الغزاليّ: «إنّ نظام الدِّين لا يحصل إلّا بنظام الدّنيا، فنظام الدِّين بالمعرفة والعبادة لا يُتوصّل إليهما إلّا بصحّة البدن وبقاء الحياة وسلامة تلك الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن. فلا ينتظم الدِّين إلّا بتحقيق الأمن في هذه الأمور الضّروريّة».
وفي عصر تصوغه توجّهات العمل المؤسّسيّ، يبقى على عاتق مؤسّساتنا التّربويّة والتّعليميّة والعلميّة الإعلاميّة والاقتصاديّة والسّياسيّة دور كبير ورائد في تجديد حياة المسلمين نحو الصّلاح والإصلاح والتّحرّر والحرّيّة والعدل والعدالة والأمن والأمان والسَّعادة والنّهوض والرِّيادة الحضاريّة.
وصفوة القول: «حسبنا من المتاجرة مع السَّماء بضاعة من الإيمان الّذي لا غشّ فيه، ومن المتاجرة مع الأرض بضاعة طيّبة من النّيّة الّتي لا دنس فيها، وربحنا من كلتا البضاعتين أن يُلقي اللَّه علينا محبّة منه وتأييداً وسكينة.. وهل السَّعادة إلّا ذلك» (25)، وهل سبيل تجديد حياتنا، وسعادة مجتمعاتنا، ونهوض أمّتنا غير ذلك؟
الهوامش
(1) متفق عليه.
(2) قالها رسول الله ﷺ حينما وُلد «خالد» من جديد بإسلامه ورغبته الأكيدة في أن تبدأ صفحات حياته المقبلة بيضاء ناصعة لا يشوبها ما شابها من قبل.
(3) رواه مسلم من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
(4) بتصرف من كلام الرافعى: كتاب المساكين، دار الكتاب العربي ، ط 10، 1982م.
(5) من أقوال الأمام على كرم الله وجهه.
(6) رواه مسلم من حديث العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه.
(7) رواه الحاكم والبيهقى.
(8) رواه الترمذى من حديث أبى هريرة رضى الله عنه وقال: حديث حسن.
(9) رواه أحمد عن عائشة رضى الله عنها.
(10) رواه البخاري.
(11) رواه الشيخان.
(12) رواه ابن ماجه.
(13) بتصرف من مقال للدكتور عودة الله منيع القيسي: منار الإسلام (371)، ذو القعدة 1426هـ، ص 12ـ 13.
(14) بتصرف من كلام الرافعى: كتاب المساكين، مرجع سابق.
(15) مسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.
(16) رواه مالك والترمذى من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.
(17) حبيب بن أوس بن الحارث الطائي الملقب بأبي تمام (188-231هـ)(وقيل في بعض المصادر إنه لشاعر آخر أو من الأبيات التي جرت مجرى الأمثال ولا يُعرف قائلها على وجه الدقة، لكن النسبة الأشهر في التراث الأدبي تتجه لأبي تمام).
(18) البخاري في الأدب المفرد والترمذى وقال حسن غريب، وأبن ماجه.
(19) بتصرف من كلام الرافعى: مرجع سابق.
(20) رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضى الله عنه.
(21) متفق عليه من حديث انس رضى الله عنه.
(22) راجع تفسير الآية ابن كثير، دار إحياء الكتب العربية، د.ت.، ج/4، ص 217- 218،»في ظلال القرآن» الجزء السادس، ط 16 ، دار الشروق 1410هـ ـ 1990م، ص: 3348
(23) أخرجه الإمام البخاري في كتابه «الأدب المفرد»وابن ماجه في سننه، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(24) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.(وقد ورد بلفظ مشابه عن أبي هريرة في صحيح مسلم)
(25) بتصرف من كلام الرافعى: مرجع سابق.
|




