خواطر
| بقلم |
![]() |
| شكري سلطاني |
| بين وَهْمِ التمرّد وأفق العبودية: تأملات في الكينونة الإنسانية ومسار العودة إلى الحق |
ليس الإنسان كائناً عابراً في هذا الوجود، ولا وجوده مجرّد حركة زمنيّة تنتهي بانطفاء الجسد، بل هو مشروعُ رحلةٍ روحيّة وفكريّة وأخلاقيّة، تُصاغ ملامحها في كلّ لحظة بين نداءين متقابلين: نداء الهوى ونداء الحقّ. فالإنسان، منذ أن وُجد، يقف في منطقة التّوتّر بين الأرض والسّماء؛ يحمل في طينته قابليّة السّقوط، وفي روحه قابليّة السّموّ.
ولذلك لم تكن الحياة نزهةً هادئة، بل امتحاناً مستمرّاً لمعنى العبوديّة، واختباراً دقيقاً لوجهة القلب والعقل والنّفس. وقد أوجز الإمام عليّ بن أبي طالب -كرّم اللّه وجهه -حقيقة هذا المسار حين قال: «لا ترحلنّ بدون عُدّة فإنّ الطّريق مخوف مخوف»، ولا ينجو فيه إلّا من تسلّح بالوعي وفهم هندسة نفسه قبل أن يغرق في لُجّة العالم.
فالرّحيل هنا ليس انتقال الجسد فحسب، بل عبور الكينونة كلّها نحو المصير الأخير؛ والعدّة ليست مالاً ولا جاهاً، وإنّما وعيٌ يوقظ الإنسان من غفلته، ويجعله يدرك حقيقة نفسه قبل أن يبتلعه زحام العالم
1. الإنسان حين يفقد مركزه الرّوحي
إنّ أخطر ما يصيب الإنسان ليس الفقر ولا الألم، بل فقدان مركزه الرّوحيّ، فيتحوّل من عبدٍ للّه إلى تابعٍ لشهواته وتعلّقاته وأوهامه. فالمعصية، في جوهرها العميق، ليست مجرّد مخالفةٍ أخلاقيّة، بل اضطرابٌ في البنية الوجوديّة للإنسان؛ إذ ينفصل الكائن المحدود عن الغاية الّتي خُلق لها، ويحاول أن يبني معنى وجوده بعيداً عن مصدر النّور والهداية.
وهذا السّقوط لا يحدث دفعةً واحدة، بل يتشكّل عبر ثلاث دوائر متداخلة:
1.1 دائرة النّفس (حين يصبح الهوى إلهاً خفياً):
تبدأ الرّحلة من الدّاخل، من تلك الرّغبات الّتي تتسلّل إلى النّفس حتّى تتحوّل إلى سلطة خفيّة تقود الإنسان دون أن يشعر. وحين يستسلم المرء لهواه، ينقطع عن قياس الأشياء بمعيار الحقّ، بل بمعيار اللّذّة والمنفعة والرّغبة. فيغدو أسيراً لنفسه، ويصبح الهوى مركز قراراته ومواقفه، فتتراجع إرادة المجاهدة أمام إغراء الإشباع العاجل. وهنا تبدأ أولى لحظات التّيه.
2.1 دائرة القلب (حين تتضخم التعلّقات):
القلب لا يبقى فارغاً أبداً؛ إمّا أن يمتلئَ بحضور الله، وإمّا أن يمتلئَ بالأشياء. فإذا غاب المعنى الرّوحيّ، تعلّق الإنسان بالمادّة والأشخاص والصّور والمكاسب، وأخذ يبحث عن الطّمأنينة فيما هو زائل بطبيعته. فيتعلّقُ تعلّقاً يرهقه، ويخاف خوفاً يستنزفه، ويرجو من العالم ما لا يملكه العالم أصلاً. وهكذا تتحوّل التّعلّقات إلى سجونٍ ناعمة، يظنّها الإنسان حرّيّةً وهي في حقيقتها أشكالٌ خفيّة من العبوديّة..
3.1 دائرة العقل (حين يُبرَّر الانفصال عن الحق):
ثمّ تأتي المرحلة الأخطر: أن يتحوّل الانحراف إلى «قناعة». فهنا لا يكتفي الإنسان بالسّقوط، بل يبدأ في تبريره وصياغته فكريّاً، فيُخضع القيم لمنطق المصلحة، ويختزل الوجود في المادّة، ويجعل من الدّنيا غاية نهائيّة بدل أن تكون معبراً. إنّها لحظة انتصار الرّؤية المحدودة على الحكمة المتعالية؛ لحظة يصبح فيها العقل أداةً لتبرير الرّغبة بدل أن يكون وسيلةً لاكتشاف الحقيقة.
2. لحظة المواجهة: حين ينظر الإنسان إلى نفسه
غير أنّ الإنسان، مهما ابتعد، يبقى يحمل في أعماقه سؤال الحقيقة. وفي لحظات الصّدق النّادرة، يضطرّ إلى مواجهة نفسه من ثلاث زوايا كاشفة:
1.2 زاوية روحيّة، يكتشف فيها كم أرهقته الغفلة وأطفأت بصيرته.
2.2 زاوية وجوديّة، يرى فيها هشاشة تعلّقاته وضآلة ما كان يظنّه عظيماً.
3.2 زاوية فكريّة، يدرك فيها أنّ كثيراً من يقيناته لم تكن سوى تبريرات أنيقة لرغبات دفينة.
وهنا يبدأ التّصدّع الدّاخليّ الّذي يسبق التّحوّل الحقيقيّ.
3. التّوبة: الانقلاب الوجوديّ
ليست التّوبة مجرّد ندم عابر، ولا اعتذار لغويّ يقال باللّسان؛ إنّها إعادة تشكيلٍ كاملة للذّات.إنّها اللّحظة الّتي يدرك فيها الإنسان أنّ أكبر معاركه ليست مع العالم، بل مع نفسه. ولذلك كانت التّوبة ألماً؛ لأنّ العودة إلى الحقّ تقتضي تحطيم الأصنام الدّاخليّة: الكِبر، والأنانيّة، ووهم الاكتفاء بالنّفس. وفي هذا المعنى تبدو العبارة العميقة صادقة إلى حدّ بعيد: «على الإنسان أن يعيد بناء نفسه، ولا يمكنه ذلك بلا ألم؛ لأنّه هو المطرقة وهو المنحوت في آنٍ واحد». فالتّوبة ليست هروباً من الذّات، بل إعادة بنائها على ضوء الهداية. إنّها انكسارٌ يحرّر، لا انكسارٌ يُذلّ؛ إذ لا ينهض الإنسان روحيّاً إلّا حين يعترف بفقره إلى اللَّه.
4. العبوديّة: المعنى الأعلى للحرّيّة
وحين يكتشف الإنسان حقيقة العبوديّة، يدرك أنّها ليست قيداً على الإرادة، بل تحريرٌ لها من كلّ استعبادٍ آخر.
فالّذي يتحرّر من عبوديّة المال، والنّاس، والرّغبات، والصّور الزّائلة، يصبح أقرب إلى السّلام الدّاخليّ؛ لأنّه يعود إلى مركزه الحقيقيّ.
ومن هنا كانت العبادة أكثر من طقوسٍ مؤقّتة؛ إنّها أسلوب وجود، ورؤية للعالم، وحضور دائم مع اللَّه في تفاصيل الحياة كلّها.
فالعبد الصّالح لا يرى الطّاعة واجباً ثقيلاً، بل يراها طريقاً للنّور والسّكينة. يعيش بين شكرٍ على التّوفيق، واستغفارٍ من التّقصير، سائراً نحو اللَّه بقلبٍ يعرف أنّ أعظم الكرامات هي الاستقامة.
5. نحو أفق القرب
إنّ الوجود الإنسانيّ لا يستقرّ إلّا في أحد طريقين: إمّا قربٌ يمنح الرّوح معناها، وإمّا بُعدٌ يستهلك الإنسان في فراغٍ لا ينتهي.
ولذلك تبقى العبوديّة الصّادقة هي المرفأ الأخير للرّوح المتعبة، لأنّها تعيد الإنسان إلى أصله النّورانيّ، وتمنحه القدرة على عبور هذا العالم دون أن يغرق فيه.
فيا أيّها المسافر في دروب الزّمن: قبل أن يطويك العمر، حدّد وجهتك. فالدّنيا ليست وطناً نهائيّاً، بل قنطرة عبور؛ والنّجاة ليست في كثرة ما تملك، بل في صدق ما تحمل في قلبك نحو اللَّه. |




