أهل الاختصاص
| بقلم |
![]() |
| م.رفيق الشاهد |
| التّغيّرات المناخيّة بين الحذر والهستيريا (2/4) الوضع المناخيّ للبلاد التّونسيّة |
في إطار الرّسالة التّنويريّة الّتي تتبنّاها «مجلّة الإصلاح» لمواكبة القضايا الرّاهنة وتفكيكها، ارتأيت أن أطرح عبر صفحاتها هذه الورقة المتمحورة حول التّغيّرات المناخيّة. لقد أردتها أن تحمل طمأنةً من القلق المناخيّ -صوابًا كان أو خطأً- الّذي أصاب المجتمعات بجميع مكوّناتها، ولعلّها تكون وثيقةً توجيهيّةً تصحّح بعض المفاهيم وتضعها في نصابها. بعد أن قمنا في الحلقة الأولى بتفكيك المفاهيم وكشف الآليّات الدّعائيّة الّتي رافقت الخطاب العالميّ حول المناخ، ننتقل في هذه الحلقة الثّانية إلى الإسقاط المحلّيّ. هل ما تعيشه تونس اليوم من شحّ مائيّ وتقلّبات جوّيّة هو فعلاً وليد «التّغيّر المناخيّ» المزعوم، أم أنّه امتداد لخصائص جغرافيّة وتاريخيّة ضاربة في القدم؟ نستعرض هنا لغة الأرقام الصّارمة بعيدًا عن التّضليل، ونضع اليد على الأسباب الحقيقيّة لأزمتنا المتمثّلة في غياب الحوكمة وسوء إدارة المخزون الاستراتيجيّ، ونوضّح الفرق بين النّادر والاستثنائيّ في دورة الطّقس التّونسيّ.
1. الوضع المناخيّ للبلاد التّونسيّة
ألم يخطئ الإعلاميّون في التّعامل مع مسألة التّغيّر المناخيّ بانسياقهم طوعًا خدمةً لأصحاب المصلحة من البروباغندا الإعلاميّة حول التّغيّر المناخيّ؟ ألم يتحاملوا بإقحام التّغيّر المناخيّ عند كلّ نشرة يوميّة للطّقس حتّى تترسّخ في أذهان النّاس فكرة أنّ الطّقس اليوميّ هو نتيجةٌ للتّغيّر المناخيّ؟ ألا يعيش التّونسيّ إرهابًا إعلاميًّا بيئيًّا عندما يُذاع كلّ يوم وكلّ حين أنّ نقص الموارد المائيّة وشحّها هما نتيجة التّغيّر المناخيّ؟
ما الّذي تغيّر في المناخ التّونسيّ المعروف جغرافيًّا بأنّه جافّ وشبه جافّ عمومًا، إضافةً إلى التّفاوت الجغرافيّ الكبير في حجم التّساقطات؟ إذ يتراوح المعدّل السّنويّ بين 800 و1000 مم في أقصى الشّمال، لينخفض إلى حوالي 380 مم في الوسط. وفي حين تتلقّى المناطق ذات المناخ شبه الصّحراويّ أقلّ من 250 مم، وتتلقّى المناطق ذات المناخ الصّحراويّ النّموذجيّ أقلّ من 100 مم من متوسّط هطول الأمطار السّنويّ. أمّا الجزء الجنوبيّ، فلا يصيبه من هطول الأمطار إلّا كمّيّة ضئيلة تصل إلى 50 مم في المناطق المحيطة بالبرمة، على طول الحدود الجزائريّة.
تُعدّ هذه المعدّلات لمحصول الأمطار السّنويّ أساسيّةً في تحديد حاجيات البلاد، إلّا أنّ البيانات المتعلّقة بها تتضارب بين مستخدميها نتيجة غياب الدّقّة حول توزيع هذه المعدّلات حسب المساحات الّتي تغطّيها. فالمساحات الصّحراويّة الجافّة تغطّي جزءًا كبيرًا جدًّا من المساحة الإجماليّة للبلاد التّونسيّة، في حين لا تغطّي المنطقة ذات المناخ المتوسّطيّ والأكثر هطولاً للأمطار في البلاد (800-1000 مم في أقصى الشّمال الغربيّ) إلّا جزءًا ضئيلاً جدًّا من مساحتها.
وبناءً على ذلك، ونظرًا للبون الشّاسع بين أعلى كمّيّة لهطول الأمطار وأدناها، وتوزيعها الجغرافيّ غير المنتظم وغير المتكافئ، يُقدّر المحصول السّنويّ العامّ للأمطار -حسب الدّراسات القديمة والحديثة والبيانات المعتمدة لدى وزارة الفلاحة- بما يقارب 3,3 مليار متر مكعّب موزّعةً على كامل تراب الجمهوريّة المقدّرة مساحتها بـ 163.610 كم2. وهذا يعني أنّ المتوسّط العامّ لحجم التّساقطات السّنويّة لا يتجاوز 201 مم إذا ما احتُسبت كلّ نقطة من التّراب التّونسيّ، ممّا يؤكّد التّوصيف المعتمد للمناخ التّونسيّ بأنّه شبه جافّ.
وفي هذا السّياق، لا يتجاوز نصيب الفرد من مجموع الأمطار السّنويّة معدّل 330 مترًا مكعّبًا، وذلك دون اعتبار ما يُفقد منها نتيجة نسبة التّبخّر المرتفعة في ربوعنا، وفيضانات الأودية الّتي تصبّ في البحر. وإنّ 330 مترًا مكعّبًا في السّنة يُعدّ أعلى معدّل استهلاك توفّره الأمطار للمواطن الواحد، ممّا يؤكّد كذلك تصنيف البلاد تحت خطّ الفقر المائيّ المحدّد عالميًّا بـ 500 متر مكعّب للفرد سنويًّا..
ويتوجّب أن يُنظر إلى هذه الأرقام المتعلّقة بالمياه، والضّئيلة نسبيًّا، باعتبارها ناتجةً عن التّساقطات المحدودة الّتي تمثّل المصدر الأساسيّ للمياه في البلاد. وفي المقابل، يجب أن ننظر إلى البيانات المعتمدة من وزارة الفلاحة وهياكلها، والمتعلّقة بالموارد المائيّة الإجماليّة القابلة للاستغلال في تونس كمخزون مائيّ سنويّ للبلاد، الّذي يُقدّر حجمه بنحو 4,8 مليار متر مكعّب؛ أي بزيادة لا تقلّ نسبتها عن 50 بالمائة مقارنةً بالموارد الأساسيّة المذكورة، وذلك دون اعتبار الموارد المهدورة بسبب النّسبة العالية للتّبخّر وفيضانات الأودية الّتي تصبّ مباشرةً في البحر.
وتتأتّى هذه الزّيادة الهامّة نتيجةً لمجهودات الدّولة واستثماراتها المتواصلة منذ عقود بغرض التّحكّم في هذه الموارد الأساسيّة وحسن التّصرّف فيها، إضافةً إلى كمّيّة المياه السّطحيّة الّتي تصل من الجزائر أساسًا عبر وادي مجردة، والّتي تضاءل حجمها نتيجة عدد السّدود المنشأة خارج الحدود التّونسيّة.
وتتوزّع هذه الموارد المائيّة القابلة للاستغلال بين 56 % مياه سطحيّة (2,700 مليون م³) و44 % مياه جوفيّة (2,155 مليون م³)، ممّا يرفع من نصيب الفرد إلى مستوى 400 م³ سنويًّا. ورغم ذلك، لم تتعافَ تونس من الشّحّ المائيّ المزمن الّذي يميّز مناخها شبه الجافّ، لا سيّما مع ارتفاع حجم احتياجات المواطن من المياه الضّروريّة، والموجّهة في أغلبها لقطاع الفلاحة الّذي يستأثر بـ 80 % من هذا الاستهلاك..
وبالنّظر إلى تفاصيل الموارد المائيّة في تونس، والمتمثّلة في مياه سطحيّة تُقدّر بحوالي 2,700 مليون متر مكعّب سنويًّا، نجد أنّ معظمها (حوالي 90%) يتمركز في الشّمال. وتتمّ تعبئة هذه المياه وتوزيعها عبر شبكة سدود مرتبطة ببعضها، وتتكوّن من 37 سدًّا كبيرًا، و258 سدًّا جبليًّا، إضافةً إلى ما يقارب الألف بحيرة جبليّة. وتسمح هذه المنشآت بطاقة خزن قصوى تُقدّر بما يقارب 3,800 مليون متر مكعّب. أمّا المياه الجوفيّة فتُقدّر بحوالي 2,155 مليون متر مكعّب، وتنقسم إلى مياه جوفيّة سطحيّة متجدّدة، ومياه جوفيّة عميقة (غير متجدّدة بنسبة كبيرة). وبالنّظر إلى هذه البنية التّحتيّة الّتي استثمرت فيها الحكومات السّابقة وعوّلت عليها الدّولة، فإنّ الحجم الأقصى للموارد المائيّة القابلة للتّخزين قد يبلغ 6000 مليون متر مكعّب، باعتبار طاقة استيعاب المنشآت المائيّة من سدود وبحيرات؛ وهو ما يمثّل مخزونًا استراتيجيًّا للبلاد يتوجّب حسن التّصرّف فيه، وعدم استنزاف هذه الثّروة العزيزة والثّمينة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ العديد من المهتمّين بالشّأن البيئيّ عادةً ما يسقطون في فخّ المغالطات باعتماد أرقام دون أخرى، أو اللّجوء إلى المقارنات غير المتكافئة لتفسير التّغيّر المناخيّ، أو حين ينسبون التّقلّبات الحادّة في نسب التّساقطات بين سنة وأخرى إلى التّغيّر المناخيّ. والحال أنّ هذه التّقلّبات ذاتها هي من سمات المناخ التّونسيّ ومن خصوصيّاته؛ إذ تتّسم التّساقطات فيه بعدم الانتظام، مع كثرة الأمطار الخريفيّة الّتي تكون أحيانًا -ولفترات وجيزة- غزيرةً وفي شكل زخّات قويّة وعنيفة، ممّا يؤدّي إلى حدوث فيضانات (Averses fortes, violentes et de courte durée). وعادةً ما تكون هذه الأمطار غزيرةً في الشّمال (لا سيّما في المرتفعات)، بينما تتناقص بشكل ملحوظ كلّما اتّجهنا جنوبًا.
كما أنّ ندرة المياه والجفاف ليسا بجديدين على البلاد الّتي عُرفت قديمًا بـ«الحنايا الرّومانيّة» و«فسقيّة الأغالبة» لنقل المياه من مسافات بعيدة. ويعود هذا النّقص إلى طبيعة المناخ التّونسيّ الّذي يعاني من نسبة تبخّر عالية مقابل أمطار متواضعة إلى قليلة، ممّا يجعل الموازنة المائيّة سالبةً. هذا إضافةً إلى تغيّر أنماط العيش ومتطلّبات الحياة في المجتمع التّونسيّ، الّذي يواكب بطبعه التّقدّم الحضاريّ والحضريّ المسترسل. ولا يُنكر أحد على الدّولة التّونسيّة مجهوداتها الكبيرة -عبر عقود قبل الاستقلال وبعده- المتمثّلة في تطوير البنى التّحتيّة الضّروريّة لخزن أكبر كمّيّة ممكنة من المياه سطحيًّا أو تحت الأرض، والعمل على ترشيد الاستهلاك للمحافظة على المخزون الاستراتيجيّ المتحصّل عليه عبر التّراكم خلال السّنوات الممطرة، لاستغلاله في سنوات النّدرة. ولم يعد هذا التّرشيد يقتصر على النّصح باستخدام وسائل وتقنيّات الرّيّ الحديثة (كالرّيّ بالتّنقيط وفي أوقات محدّدة)، بل يجب أن يُعدّل التّرشيد في اتّجاه أهداف البرنامج الاستراتيجيّ للدّولة، ليتماشى مع خارطة المنتجات الفلاحيّة؛ أي أن يشمل التّرشيد توحيد الأهداف والخيارات الاستراتيجيّة كافّةً.
2. التّغيّر المناخيّ قد يكون حقيقةً، ولكن وقع تضخيمه وتهويله
إنّ ما تغيّر حقيقةً ليس المناخ وحده، بل تغيّرت أنماط العيش ومتطلّبات الحياة في المجتمع التّونسيّ. وإنّ ما تغيّر أيضًا هو العربدة والعشوائيّة في استنزاف المياه الجوفيّة بعد السّطحيّة دون رقابة؛ ففي غياب سلطةٍ ترتيبيّةٍ وجزائيّةٍ فاعلةٍ تملّحت الأراضي المميّزة. وإنّ ما تغيّر كذلك هو التّهافت للاستجابة لا لطلبات السّوق الدّاخليّة للمنتوج الفلاحيّ التّونسيّ فحسب، بل وللأسواق الخارجيّة أيضًا، إلى حدّ استنزاف المخزون المائيّ الاستراتيجيّ للبلاد ممّا يزيد من فقرها؛ فتصدير المنتوجات الفلاحيّة يعني تقليص نصيب الفرد من مجموع الموارد المائيّة للبلاد.
إنّ ما تغيّر كذلك هو التّهافت على توفير محاصيل فلاحيّة ذات بصمة مائيّة عالية في مناخٍ شبه جافّ، وتصديرها بأثمانٍ لا تشمل التّكلفة الحقيقيّة للماء المستخدم في منظومة الإنتاج؛ أي أنّنا نبيع مياهنا بدون مقابل، عوض أن نصدّر موادّ تحويليّةً أقلّ كلفةً مائيّةً. يُضاف إلى ذلك التّهافت على تسمين العجول للتّجارة في اللّحوم دون إنتاجٍ حقيقيٍّ للأبقار، ودون إمكانيّة التّعشيب، حيث يقع تعليفها بالكامل من الموادّ المستوردة من الخارج. فمتى نفهم أنّ استيراد اللّحوم -وإن كان بنفس التّكلفة- يوفّر لنا الكثير من الماء الثّمين الّذي يُفترض أن يُوجّه إلى إنتاجٍ فلاحيٍّ أكثر جدوى؟
لقد عاشت بلادنا، نتيجة غياب الحوكمة والعربدة، شحًّا مائيًّا أفسد أراضيَ وجعلها مهدّدةً بزوال النّفع منها جرّاء ارتفاع نسب ملوحتها، بعد أن كانت من أفضل الأراضي خصوبةً (منطقة مرناق مثلاً). وبصفتي مختصًّا في الرّصد الجوّيّ، أُشاطر رأي زميلي وصديقي هشام مولدي الصّكوحي؛ الّذي يُعدّ -بما اكتسبه من تجربة- خبيرًا في دراسة الطّقس ونواميسه وتقلّباته وتحليلها، وهو غنيّ عن التّعريف في محيط الأرصاد الجوّيّة الوطنيّة والدّوليّة. ووددت أن أقدّم نبذةً من تدوينةٍ له جاءت، حسب قوله، في سياق متابعته للتّقلّبات الجوّيّة الاستثنائيّة ليومي 19 و20 جانفي 2026، وما عقبها من أحداثٍ عاشت على وقعها بلادنا. وقد جاءت هذه التّدوينة أيضًا كردٍّ على انتشار موجةٍ من المحتوى التّحليليّ المبنيّ على قراءاتٍ جزئيّةٍ غير مسؤولةٍ لنماذج التّنبّؤات الجوّيّة العدديّة، والّتي قُدّمت في شكل «توقّعاتٍ قطعيّةٍ» أو «تحذيراتٍ دراميّةٍ» أربكت الرّأي العامّ دون قصد، ودون تقديرٍ لعواقب الخلط بين تغيّر الطّقس خلال الفترة المبيّنة وعلاقته بتغيّر المناخ.
ويقول الزّميل المختصّ: «إنّ ما نراه اليوم من تساقطاتٍ وهطولٍ مكثّفٍ ليس ظاهرةً خارقةً، بل هو ردّة فعلٍ طبيعيّةٍ لنظامٍ مناخيٍّ يجتاز مرحلة إعادة التّوازن بعد سنوات الجفاف المتتالية». ثمّ ذكّر بأنّ تاريخ تونس الحديث يحمل شواهد عديدةً على أحداثٍ مماثلةٍ ساقها على التّوالي، منها: فيضانات نابل (1986)، وسيدي بوزيد (1990)، وتطاوين (1995)، وبوسالم-جندوبة (ماي 2000)، وتونس العاصمة (سبتمبر 2003)، والرّديف (سبتمبر 2009)، ثمّ الشّمال الغربيّ (2003، 2012، 2015)، ونابل والمحمديّة (2018)، وصولاً إلى الفيضانات العارمة الأخيرة لمناطق شمال شرق تونس وجهة السّاحل أيّام 19 و20 جانفي من هذه السّنة 2026. فهذه الأحداث تؤكّد، حسب رأيه، أنّ الوضعيّات الماطرة الشّديدة تبقى جزءًا من طبيعة مناخنا المتوسّطيّ.
ومن الدّروس المستفادة والمستخلصة ممّا تقدّم -حسب المصدر نفسه- ضرورة إدراك وفهم الفرق بين «الاستثنائيّ» و«النّادر» أوّلاً؛ أي أنّ بعض الظّواهر نادرة الحدوث، لكنّها ليست خارجةً عن النّطاق التّاريخيّ الطّبيعيّ؛ أي طبيعة المناخ في البلاد التّونسيّة.
وثانيًا، يتعيّن المرور من «التّخويف» إلى «التّأهّب»؛ أي بدلاً من تضخيم الخوف، يجب تحويل الطّاقة وتوجيهها نحو تعزيز الأنظمة التّحذيريّة، ودعم مؤسّسات الرّصد الجوّيّ الوطنيّة لتحسين التّوقّعات. وأخيرًا، تقديم الحلول المؤسّساتيّة عبر تفعيل الآليّات المعتمدة مثل صندوق الجوائح، وتحسين منظومات التّصرّف في الطّوارئ، واعتماد آليّات التّأمين على المنتوجات الفلاحيّة ضدّ آفات التّطرّف الطّقسيّّ. |




