بحوث
| بقلم |
![]() |
| م.لسعد سليم |
| البحث الثّاني: «الكبائر الفرعيّة»(12) ترك القتال في سبيل الله (1-2) |
استكمالا لما سبق طرحه من صيغ الأوامر والنّواهي الإلهيّة: (الاجتناب، والتّحريم، والنّهي عن القرب، والأمر، والنّهي)، شرعنا منذ العدد 224 في تناول الكبائر المترتّبة على ترك الفرائض الّتي ورد ذكرها بصيغة: «كُتِبَ عليكم». وتُعدّ هذه الصّيغة آخر صيغ الأوامر والنّواهي الإلهيّة الّتي نبحثها ونبيّن أحكامها. وقد وردت حصرا في الآيات المدنيّة دون المكيّة، وتحديدا في الثّلث الأخير من سورة البقرة في مطلع الهجرة (1 - 2 هـ)، وتشمل: الوصيّة، والصّيام، والقصاص في القتلى، والقتال في سبيل الله. وبعد أن تطرّقنا في الحلقات الثلاث الماضيّة إلى «الوصيّة» و «الصّيام» و «القصاص في القتلى»، نختتم هذه السّلسلة بعرض مسألة «القتال في سبيل الله» في حلقتين متكاملتين؛ تتناول الأولى (هذه الحلقة) فقه القتال الدّفاعيّ، ومسألة الأسرى، وتفنيد المرويّات التّاريخيّة، بينما تخصّص الثّانية (الحلقة القادمة) للرّدع الاستباقيّ، ومنظومة الجزية، ومأزق التّيّارات الفكريّة المعاصرة.
أوّل ما ورد الأمر بالقتال في سبيل اللّـه في الآية 190 (البقرة)، وذلك من باب «الرّدع الدّفاعيّ المشروع»، مُحرّماً الاعتداء وناهياً عن القتال في المسجد أو الشّهر الحرام إلّا في حال الدّفاع عن النّفس. جاء ذلك بعد الهجرة عندما صار للمسلمين كيان سياسيّ بقيادة رسول اللّـه ﷺ. فالقتال مشروط بالكيان (الدّولة أو المجموعة) إمّا لحمل رسالة الإسلام أو للدّفاع، أي محاربة المعتدي والمُحتلّ (1): ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ* فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ* الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾(البقرة: 190-194)
هذا وقد أخبرنا عزّ وجلّ، بأنّ مَن يُقتل في سبيله ليس بميّت بل هو حيّ يُرزق، وهو ما نؤمن به إيماناً؛ أي تصديقاً قطعيّاً مبنيّاً على العقل. وهو عقليّ لأنّه ثبت قطعاً مصدره المُحكَم في القرآن، دون الخوض في الكيفيّة والمكان، والّتي لا يمكننا إدراكها لأنّها لا تخضع لعوامل حسّيّة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾(البقرة: 153-154). الأمر الّذي وقع تأكيده مرّة أخرى بعد مدّة وجيزة في سورة آل عمران (نزلت بعد سورة البقرة والأنفال): ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾(آل عمران: 168-169)
وقد ذكر اللّـه سبحانه أنّه فرض علينا القتال في سبيله رغم كُرهنا النّفسيّ له، ففيه تعريض للنّفس (أعزّ ما يملك الإنسان) للهلاك، مُبيّناً لنا أنّ كُرهنا لأمر ما (لدوافع غريزيّة فطريّة) لا يكون شرّاً بالضّرورة، بل يمكن أن يكون خيراً للفرد نفسه أو للمجموعة: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾(البقرة:216).
فالقتال في سبيل اللّـه، أي في سبيل الإسلام، هو لإعلاء الحقّ (2)ضدّ الباطل والطّغيان (3)، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾(النساء: 76). وفي هذا الأمر كلّ الخير للبشريّة، شرط أن يكون هذا الإسلام هو الثّابت قطعاً من اللّـه عزّ وجلّ، أي مبنيّاً على المُحكَم من القرآن الكريم. فيكون القتال نفسه خاضعاً لهذه الأسس، وبالتّالي لا قَتْل للأسرى ولا استعباد (سَبْي) للأحرار (بَلْهَ المتزوّجات منهم)، ولا أخذ للجزية من أفراد داخل المجتمع الإسلاميّ، ولا نقض للعهود. فلا عدوان تحت أيّ ظرف كان، كما أمر عزّ وجلّ في آيات مُحكمة وكما كان الحال زمن رسول اللّـه ﷺ وحال كلّ مَن سبقه من الأنبياء والرّسل (فهذه الأحكام من الكبائر الّتي تشترك فيها كلّ الرّسالات والّتي تُحرّم قَتْل الأسرى وسَبْي أو استرقاق الأحرار ونقض العهود).
فكان المقاتلون المسلمون أنموذجاً لم تعهده البشريّة في ذلك الزّمن من الانضباط والاستقامة والتّضحية، الأمر الّذي جعل الجيوش المحاربة لهم تنهار أمامهم، مع التّرحيب والمساعدة من أهالي البُلدان المفتوحة الّتي كانت تعاني من الظّلم والقهر، والّتي رأت فيهم مُحرّرين لا مُغتصبين متجبّرين. وما لبث أهالي هذه البُلدان أن دخلوا في الإسلام أفواجاً لِما رأوه من حُسن معاملة المقاتلين المسلمين لهم. وما بقاء شعوب البلاد المفتوحة في تلك الفترة إلى يومنا هذا على الإسلام إلّا أكبر دليل على حُبّهم لهذا الدّين وحرصهم عليه. ولكن، للأسف، انحرف المسلمون عن هذه المبادئ أواسط القرن الثّاني الهجريّ مع نهاية الحُكم الأمويّ وبداية الحُكم العبّاسيّ، وصار القتال في سبيل الغنائم والسّبْي والخراج (4) أكثر منه في سبيل اللّـه ونُصرة الحقّ. وقام «فقهاء المذاهب» (بإيعاز أو ضغط من الفئة الحاكمة) بتحريف أحكام القتال بحجّة أفعال نُسبت للرّسول ﷺ أو أصحابه وأهل بيته، وحاشى لرسول اللّـه أن يقتل أسيراً أو يسبي حُرّة متزوّجة ويأمر باستعباد أو قَتْل زوجها الأسير، وهو الّذي يأمر بعدم هدم بيت أو قطع شجرة!!
ويتجدّد أمر اللّـه عزّ وجلّ بالقتال في سبيله أواخر سورة البقرة، متعهّداً بمضاعفة الأجر لمن يُنفق في سبيل ذلك، مُذكّراً بتولّي بني إسرائيل لِما كُتب عليهم كعبرة لنا: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾(البقرة : 244-246). ثُمّ تنزل سورة الأنفال (أوّل 3هـ) وفيها تغليظ على مَن يفرّ من مواجهة العدوّ عند الزّحف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الأنفال: 15-16). وفي نفس السّورة يأتي التّشديد على مواصلة القتال (الإثخان في الأرض) وعدم التّركيز على الأسرى والغنائم، وذلك لكسر شوكة العدوّ الكافر (الرّافض للحقّ): ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * يَا أَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًۭا يُؤْتِكُمْ خَيْرًۭا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ﴾(الأنفال: 67-70)
الأمر الّذي وقع تأكيده بصفة مُحكمة في الآية 6 من سورة محمّد، حيث أعاد سبحانه الأمر بالإثخان قبل الأسر، ثُمّ حدّد وضع الأسرى (بعد انتهاء القتال) بحالتين لا ثالثة لهما: المَنّ أو الفداء. فلا قَتْل ولا استرقاق للأسير تحت أيّ حال من الأحوال: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ...﴾(محمد: 4). ولم يأمر سبحانه بِمَنّهم أو فدائهم فحسب، بل جعل إطعام الأسير من أجلّ الأعمال المُقرّبة إليه: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًۭا كَانَ شَرُّهُۥ مُسْتَطِيرًۭا * وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًۭا وَيَتِيمًۭا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءًۭ وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًۭا قَمْطَرِيرًۭا * ففَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾(الإنسان:7-11).
فليس هناك نصّ من كتاب اللّـه يُبيح قَتْل الأسرى أو سَبْي الأحرار، رجالاً أو نساءً (ناهيك عن الأطفال). هذا مع تحديد الجلاء عن الأرض ومصادرتها كعقوبة لنقض العهد والخيانة، كما أُكّد في سورة الأحزاب (5) والحشر (6) .
تأسيساً على ما سبق، يتوجّب رَدّ جميع السنن والآثار المروية حول حادثة «بني قريظة»، لا سيما تلك التي تتحدث عن القتل الجماعي للذكور وسبي النساء والأطفال. وما يزيد الأمر فداحةً هو نسبة هذا القتل الجماعي إلى حكم الله(7) بدعوى الخيانة؛ في مخالفة صريحة لمحكم القرآن، إذ تنص الآية 3 من سورة الحشر على أن حكم الله فيهم كان النفي والإبعاد: ﴿وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ ...﴾. علاوة على ذلك، فإن منطق العدل يقتضي أن الخيانة يتحمل مسؤوليتها القادة لا عامة الناس، فما الذنب الذي اقترفه ذكور العامة ليُقتلوا، وخاصة الفتية الذين بلغوا الحلم للتو؟ ولو كان القتل هو الجزاء الحتمي للخيانة، لكان المنافقون أولى به، وهو ما لم يأمر به الله عز وجل في كتابه الكريم.
كل هذه التساؤلات والاعتراضات تبرز التناقض الجذري بين محكم القرآن الكريم وبين ما ترويه بعض السنن والآثار حول بني قريظة، وصولاً إلى تلك الروايات المستهجنة التي تزعم كشف عورات الفتية للتأكد من بلوغهم قبل إعدامهم.(8)
إنّ هذه السّنن الّتي اقتصرت في بدايات ظهورها على مئات الأحاديث (إذ ضمّ «موطّأ» الإمام مالك، وهو من أوائل ما جمع، قرابة 1700 حديث)، قد تضخّمت لاحقا لتبلغ أرقاما خياليّة؛ حيث حوى «مسند» الإمام أحمد نحو 27000 حديث (يوجد منها 12000 مكرّرة)!! وهذا التّضخّم الهائل يشير بوضوح إلى وضع الكثير من الأحاديث واختلاقها، خاصّة في روايات أحمد بن حنبل الّذي أقرّ صراحة بأخذه بالحديث الضّعيف (9).
ومن المنطقيّ أنّه طالما جاءت جلّ الأسانيد المشهورة (أحمد، البخاريّ، مسلم...) بعد الإمام مالك - الّذي يعدّ الأقدم، وصاحب البيئة المدنيّة الأقرب زمانا ومكانا لرسول اللّـه ﷺ - فإنّ الأصل في تطبيق قواعد التّحقيق في السّند (أو ما يسمّى بعلوم «الجرح والتّعديل») أن يسفر عن تقليص عدد الأحاديث وغربلتها، لا عن مضاعفتها. فـ«الموطّأ» نفسه يحتوي على قرابة 1000 حديث مرسل (أي لا ينتهي سنده للرّسولﷺ، أو يقتصر على أقوال الصّحابة والتّابعين).
وما يضاعف من ضرورة التّحفّظ الشّديد على صحّة نسبة هذه الأسانيد للرّسولﷺ، هو أنّ ظهور المحدّثين المشهورين امتدّ من القرن الثّاني إلى الثّالث الهجريّ؛ أي بعد مرور أكثر من قرنين على وفاته ﷺ . ناهيك عن أنّ تاريخ التّدوين الفعليّ لهذه السّنن والآثار يبقى مجهولا أيضا، إذ لم يقم الرّواة بتدوينها بأنفسهم في أغلب الحالات(10).
فعلى سبيل المثال، نجد أنّ أشهر روايات «موطّأ» الإمام مالك (رواية يحيى بن يحيى الأندلسيّ، ت 234هـ) لم تدوّن إلّا بعد قرابة خمسين سنة، على أقلّ تقدير، من وفاة الإمام، وذلك على يد ابن الرّاوي: عبيد اللّـه بن يحيى بن يحيى (ت 298هـ). ويأتي هذا التّدوين استنادا إلى ما رواه أبوه عن مالك حين لقيه بالمدينة المنوّرة سنة وفاته (179هـ)؛ إذ يشير القاضي عياض الأندلسيّ (ت 544هـ) في كتابه «ترتيب المدارك» إلى أنّه: [كان لقاؤه لمالك سنة تسع وسبعين (أي ومائة)، السّنة الّتي مات فيها مالك]. وهذا الطّرح يعني ضمنا أنّ يحيى قد سمع من مالك -في سنة وفاته وقد بلغ الإمام السّادسة والثّمانين من عمره- ما يقارب 1700 حديث مشافهة، وحفظها عن ظهر قلب!
يضاف إلى ذلك مأزق تاريخيّ آخر يتعلّق بجهالة تاريخ مولد عبيد اللّـه بن يحيى؛ فإذا سلّمنا بأنّ سنة وفاته هي 298هـ كما نقل (أي بعد 64 سنة من وفاة أبيه)، وافترضنا أنّه عاش ثمانين سنة، فإنّ عمره عند تدوينه للموطّأ لم يكن ليتجاوز السّتّة عشر عاما، ممّا يطرح تساؤلات إضافيّة ملحّة حول ظروف تدوين أشهر روايات هذا الكتاب. وهنا يبرز السّؤال الأساسيّ والإشكاليّ: لماذا لم يقم يحيى نفسه بتدوين هذه السّنن حين سمعها من مالك مباشرة، أو إبّان رجوعه إلى الأندلس حيث أضحى صاحب شأن ونفوذ؟ فهو، كما يصفه ابن حزم (ت 456هـ) في «رسائله»: [وقد كان مكينا عند السّلطان (أي عبد الرّحمن بن الحكم) مقبول القول في القضاة]. إنّ كلّ هذه التّساؤلات المنهجيّة (وغيرها) موجّهة بالدّرجة الأولى إلى «محقّقي» الطّبعات الحديثة للموطّأ، والّتي يقع تمويل غالبيّتها من قبل مؤسّسات حكوميّة (11).
وتجدر الإشارة، في هذا السّياق المعرفيّ، إلى أنّه لم يرد في الموطّأ أيّ أحاديث تثبت قتل الرّسول ﷺ للأسرى بصفة عامّة، أو قتل كلّ من «بلغ الحلم» من ذكور بني قريظة بصفة خاصّة، كما لم يرد فيه أيّ ذكر لسبي النّساء أو الأطفال. هذا الغياب التّامّ نجده تحديدا في «رواية يحيى»، والّتي تعدّ آخر الرّوايات زمنا حسب المتداول، وبالتّالي تصنّف كـ «أصحّها» (لكونه سمع من مالك مباشرة في أواخر أيّام حياته وشهد جنازته)، وهي الرّواية ذاتها الّتي يعتمدها فقهاء المذهب المالكيّ في بلدان شمال إفريقيّا والأندلس.
إلّا أنّه، وفي مفارقة عجيبة، يأتي من بعده من يحسب على أتباع «مذهبه»، كالإمام سحنون التّنوخيّ (ت 240هـ) صاحب «المدوّنة الكبرى» (الّتي تعتبر ثاني أهمّ مراجع المذهب المالكيّ بعد الموطّأ)، ليروي فيها أخبارا عن رسول اللّـه ﷺ ينسبها تارة إلى مالك (كفسخ النّكاح بالسّبي، وما يترتّب عليه من جواز استرقاق الحرّة المتزوّجة وجماعها)، وينسبها تارة أخرى لغيره (كمسألة قتل رسول اللّـه ﷺ للأسرى) (12) . ثمّ يقع تداول هذه المرويّات لاحقا بين كبار فقهاء المذهب المالكيّ، كابن عبد البرّ (ت 463هـ) والقاضي عياض (ت 544هـ)، على أنّها آراء وأقوال مسلّمة للإمام مالك (بصيغة: يرى/يقول مالك...)، في حين أنّها لم ترد مطلقا في مدوّنة الموطّأ (رواية يحيى). ناهيك عن التّناقض الصّارخ المتمثّل في تضمّن هذه المدوّنات الفقهيّة لعشرات، بل مئات التّساؤلات والأجوبة التّفصيليّة حول مسائل الطّهارة وأوقات الصّلاة، بينما لا نعثر فيها على تساؤل واحد حول حكم قتل الأسير، وهو الّذي أمر اللّـه صراحة بإطعامه، ثمّ المنّ عليه أو فدائه!
فليس هناك في الإسلام استعباد لحرّ تحت أيّ ظرف من الظّروف، لا من باب المعاملة بالمثل أو غيرها من الأسباب؛ فهو البغي بعينه الّذي حرّمه اللّـه. فأنت تسلب الإنسان حرّيّته وإرادته، أي أعزّ ما يملك، وقد حرّم اللّـه أن تأخذ منه حتّى القليل من ماله. ولو كان استعباد الحرّ جائزا لأمر اللّـه باستعباد أسرى الحرب لقتالهم ومحاربتهم للّـه ورسوله والمسلمين، إلّا أنّه أمر سبحانه بإطعامهم (وهذا إشارة لوجوب ضمان الحاجيّات الأساسيّة من مأكل وملبس وإيواء)، ثمّ الفداء إذا أمكن، وإلّا المنّ عند انتهاء الحرب.
ناهيك عن جواز سبي المتزوّجة وإباحة جماعها بعد فصلها عن زوجها بقتله أو باستعباده؛ فهذه قمّة الظّلم، وعيب كبير أن ينسب ذلك إلى رسول اللّـه ﷺ (13). ويسكت، بل يجيز «فقهاء المذاهب» هذا الأمر الشّنيع بحجّة وجود سنن وآثار تبيح ذلك، ضاربين بعرض الحائط العشرات من الآيات الّتي جعلت من الزّواج أساسا من أسس الدّين ورفعته إلى مرتبة القدسيّة. فهو الميثاق الغليظ وهو مصدر الرّحم. وما جعل الزّنا (علاقة جنسيّة لمرأة متزوّجة مع غير زوجها) من الكبائر الأساسيّة الثّلاث الّتي توعّد اللّـه سبحانه من يقوم بها بالخلود في العذاب المهين (مع الشّرك باللّـه وقتل النّفس) إلّا تأكيد لقدسيّة الزّواج حفاظا على سلامة العائلة (الرّحم)، وبالتّالي حماية المجتمع من الانحلال، ومن ثمّ الانحطاط والتّخلّف: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾(الفرقان: 68-69).
ثمّ يأتي المسلم الّذي يقاتل (أو يدّعي القتال) في سبيل هذه المبادئ، ليقوم بعد انتصاره في الحرب، وتحت غطاء شرعيّ (باطل)، بالتّعدّي على هذا الميثاق عبر سبي متزوّجة ومعاشرتها. فهذا أشنع من الزّنا لِما فيه من إكراه (إذ الزّنا يكون بالتّراضي)، وهو الفساد في الأرض بعينه. فلا عجب أن انحصرت الفتوحات بعد ظهور هذه التّجاوزات (الكبائر)؛ فمن يرضى أن تسبى زوجته أو يقتل أسيرا؟ فهو سيقاوم ويقاتل حتّى الموت!!
هذا الحكم المُحكم الّذي انحرف عنه المسلمون أواسط القرن الثّاني الهجريّ، وقع إحياؤه من طرف الغرب بعد ما يقارب عشرة قرون، لَمّا فرض الإنجليز على داي الجزائر فدية الأسرى ومنع استرقاقهم (معركة الجزائر، 1816م)، والّذي شكّل بداية المسار القانونيّ لمعاملة إنسانيّة لأسرى الحروب بين الدّول. وهو الأمر الّذي توّج باتّفاقيّات جنيف في الشّأن ذاته (1949م)، والّتي وإن اشتملت على كثير من الفصول المستحدثة، إلّا أنّ أساسها يبقى حكما فرضه اللّـه سبحانه في كتابه الكريم، وهو المنّ أو الفداء للأسير(14).
فهدف الإسلام هو القضاء على الاستعباد (ناهيك عن القتل)، الأمر الّذي يتطلّب بادئ الأمر تجفيف منابعه (منع استحداثه)؛ أي منع أيّ نوع جديد من الرّقّ، سواء كان لحرب أو جريمة أو بالولادة. وإلّا تصير الدّعوة المتكرّرة في القرآن الكريم للعتق لا معنى لها، إذ كيف تعتق من هنا وتستعبد من جديد من جهة أخرى (15)!!
ولا يكفي أن تقع الإشارة، كما يروّج الكثير من الدّعاة والباحثين الإسلاميّين، إلى أنّ هذه الآراء والأحكام الّتي تبيح قتل واستعباد الأسرى وسبي النّساء الأحرار (وخاصّة المتزوّجات منهنّ) كانت مجرّد جزء من منظومة الرّقّ المنتشرة في ذلك الزّمن ولم تعد موجودة الآن (بفضل الغرب لا بفضل المسلمين)، ومن ثمّ غلق الباب والسّكوت عن هذه الممارسات الشّنيعة وطيّ صفحتها. وفي نفس الوقت يقع التّناقض عبر المطالبة بتطبيق «الشّريعة» الّتي تحمل في داخلها هذه الأحكام الّتي وضعها «فقهاء المذاهب» (تحت ضغط الفئة الحاكمة)، والّتي تتعارض مع مُحكم القرآن كما بيّنّا، وذلك بحجّة «صحّ» أو «ثبت» عن رسول اللّـه... ضاربين بعرض الحائط القاعدة الأساسيّة القاضية بأنّه في حال التّعارض مع القرآن الكريم فلا تقبل الأحاديث، متجاوزين هذا التّعارض البيّن بمجموعة من القواعد الّتي وضعت للشّأن ذاته، كتقييد المطلق، وتخصيص العامّ، والقياس، والإجماع، إلخ. فكان لزاما تفكيك منظومة الرّقّ وتبيان مخالفتها لمُحكم القرآن من جهة، ومن جهة أخرى يجب تبيان موضوع ملك اليمين كما ورد في الكتاب الكريم، دون إنكاره جملة وتفصيلا بدعوى «تبييض» الإسلام من هذه «التّهم».
فبالرّجوع إلى كتابه الكريم والتّدقيق في الأمر، يتبيّن كما ذكرنا سالفا، أنّ اللّـه سبحانه منع استحداث رقّ جديد، والّذي كان يحصل خاصّة في الحروب أو كعقاب لبعض الجرائم (السّرقة، عدم خلاص الدّين...) ويستمرّ عن طريق الولادة. فأمر بالمنّ أو الفداء لأسرى الحرب (المقاتلين) أو الجلاء للمجموعة (المدنيّين مع النّساء والأطفال) ومنع استرقاقهم. وسمح فقط بعد انتهاء الحرب بانتقال ملكيّة «ملك اليمين» الّتي كانت تابعة للجهة المحاربة إلى المسلمين، بعد أن خسروا من يعولهم في الحرب. ولئن أجاز سبحانه انتقال ملك اليمين (الفيء)، فهو انتقال لملكيّة جهد الشّخص (لا نفسه)، وذلك من باب الرّعاية (لا الاستعباد) مقابل الخدمة. هذا مع الأمر بحسن المعاملة، والتّحريض المستمرّ على العتق في العديد من الآيات، وجعله ملزما في العديد من الحالات.
هذا، وإن أحلّ اللّـه عزّ وجلّ معاشرة المرأة ملك اليمين، إلّا أنّه حثّ على تزويج بناتهم؛ وفي هذا إشارة إلى حرمتهم ووجوب معاملتهم كالأبناء والبنات، وذلك بوصف من يملك اليمين بـ «الأهل» (النّساء: 25). فلا يجوز بالتّالي الجمع ومعاشرة الأمّ وابنتها أو الأختين في نفس الوقت، أو إكراههنّ على البغاء كما كان سائدا قبل الإسلام:
﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ...﴾(النساء: 25)
الأمر الّذي وقع تأكيده مرّة أخرى في سورة النّور: ﴿...وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(النور: 33).
هذا التّحريم لاستحداث رقّ جديد، مع التّحريض والإلزام بالعتق، من شأنه أن يقضي على الرّقّ خلال جيلين أو ثلاثة أجيال كأقصى حدّ (100 عام تقريبا) وبطريقة سلسة. (إذ لا جدوى من الأمر بتحرير ملك اليمين دفعة واحدة؛ فهذا يعني تحويلهم إلى الفاقة بدون مأوى أو مورد رزق، في وقت كان يعاني فيه المسلمون أوضاعا حرجة نتيجة تكرّر الاعتداءات من المشركين وأهل الكتاب بعد الهجرة). هذا القضاء التّدريجيّ على الرّقّ تشير بعض القرائن إلى حدوثه فعليّا؛ كظهور الخلفاء من أبناء الجواري الّذين لم يبرزوا إلّا في بداية القرن الثّاني الهجريّ (أوّلهم الخليفة الأمويّ يزيد بن الوليد، ت 126هـ)، وهو الأمر الّذي صار منتشرا بكثافة بعد إحياء منظومة الرّقّ من جديد أواسط القرن الثّاني الهجريّ (16).
وأخيرا وليس آخرا، لا يجوز بيع وشراء ملك اليمين وتحويله إلى بضاعة بدعوى أنّه «غنيمة» (17). ففي القرآن الكريم، ورد ملك اليمين بوصفه من الفيء: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ...﴾(الأحزاب: 50). وليس من الغنيمة الّتي وصفها سبحانه بـ «الشّيء» الّذي يؤكل، وبالتّالي يمكن بيعه وشراؤه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(الأنفال: 41) و ﴿ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(الأنفال: 69) . وحاشى للّـه أن يصف الإنسان بالشّيء بعد أن خلقه وأمر الملائكة بالسّجود له، ثمّ كرّمه بالخلافة في الأرض الّتي سخّرها له. فالمالك يملك فقط جهده مقابل الإنفاق عليه وحسن معاملته، بل والإحسان إليه كما أمر عزّ وجلّ:﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾(النساء: 36).
هذا مع العلم أنّ الغنيمة يجب أن تكون محصورة فقط فيما هو بحوزة المقاتلين (أملاك منقولة)، أمّا الأرض والدّيار (أملاك غير منقولة) فلا تغنم إلّا في حالة الأمر بجلاء المحارب من أرضه كعقوبة لنقضه العهود كما أشرنا سابقا. مع وجوب إعطاء خُمس هذه الغنائم لليتامى والمساكين وابن السّبيل حصرا، كما ورد في الآية:﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(الأنفال: 41). (علما أنّ الجزء المخصّص لرسول اللّـه ﷺ وقرابته ينتفي بعد موته).
فلا مكان للتّنكيل بالمنهزم بعد انتهاء القتال («تضع الحرب أوزارها»)؛ فهذا كلّه يدخل في باب التّشفّي، ويجعل المغلوب يحقد على الغالب ويتحيّن الفرص للانتقام. وهو بعيد كلّ البعد عن العدل والاستقامة اللّذين أمر بهما عزّ وجلّ. وهذا هو الحال الّذي كان عليه المقاتلون المسلمون قبل بداية انحرافهم (أو انحراف حكّامهم) عن أسس القتال هذه أواسط القرن الثّاني الهجريّ، كما ذكرنا آنفا. وما تشبّث البلاد المفتوحة في صدر الإسلام (شمال إفريقيا، بلاد فارس، آسيا الوسطى) حتّى يومنا هذا بالإسلام، إلّا أكبر دليل على حسن التّطبيق هذا. وهو التّطبيق الّذي انحرف بتسلّط الفئة الحاكمة الّتي صار همّها البقاء في الحكم، فوقع إحياء منظومة الرّقّ (وتبريرها شرعا بالسّنن والآثار)، فلم يعد القتال في سبيل اللّـه، بل صار قتالا من أجل المغانم والشّهوات والتّسلّط.
وهو ما يفسّر انحصار الفتوحات الإسلاميّة بعد تلك الفترة من جهة، وعدم دخول الشّعوب الّتي سيطر عليها (ولا نقول فتحها) المسلمون في العصور المتأخّرة -خاصّة في أوروبّا الشّرقية والهند- في الإسلام (الّذي أصبح «إسلام مذاهب») من جهة أخرى. هذا مع تزايد الاقتتال الدّاخليّ بين المسلمين، ممّا أضعف الدّول الإسلاميّة نفسها وجعلها مطمعا للمغول والصّليبيّين (تدمير بغداد وبداية سقوط الأندلس في القرن السّابع الهجريّ).
هذا الانحراف الّذي بدأت «مأسسته» مع استلام العبّاسيّين للحكم (132هـ / 750م)، وما صحبه من اقتتال بين المسلمين أنفسهم، وصل إلى حدّ التّصفية الجسديّة لكلّ البيت الأمويّ ومن والاهم، صغيرا أو كبيرا، مقاتلا أو مسالما. وذلك في صراع على السّلطة والمال (تحت غطاء دينيّ) بين القبائل العربيّة بادئ الأمر (خاصّة بين القيسيّة واليمنيّة)، أُقحم فيه الفرس لاحقا. فلا عهود ولا مواثيق تحترم(18)، ولا امتناع عن القتال في الأشهر الحرم (وهو ما نراه يتجدّد للأسف في وقتنا الحاضر)؛ الأمر الّذي كان حتّى المشركون يعظّمونه!!
فإن كان هذا حال المسلمين في حروبهم بعضهم ضدّ بعض، فقتالهم لغيرهم بدعوى «نشر الإسلام» لا يحتاج إلى تعليق. وحتّى يقع تبرير هذه الممارسات المخالفة لمحكم القرآن في وسط مجتمع مسلم لا يزال القرآن أساس حياته، كان لا بدّ من إدخال آراء، ومن ثمّ أحكام، تبيح نوعا من هذه الممارسات بدعوى أنّها من سنن وآثار الرّسول ﷺ والصّحابة وآل البيت. ترافق ذلك مع اتّهام كلّ من يرفض هذه الآراء بالخروج عن الجماعة والزّندقة (كالخوارج)، وهي تهم وُضعت لها عقوبة الإعدام ليقع التّخلّص من كلّ تيّار مناهض.
الهوامش
(1) كلّ قتال فردي خارج إطار الكيان/المجموعة محرّم (ومحكوم عليه بالفشل). على هذا الأساس أمر الله سبحانه المسلمين قبل الهجرة بالصّبر على إيذاء قريش، حالهم حال بني إسرائيل لمّا آذاهم فرعون وقومه. إلاّ أنّ هذا الصّبر على الأذى لا يعني السّكوت، ناهيك عن «التّعاون» مع الطّاغية/المغتصب، بل يجب مقاومته بكلّ الطّرق السّلميّة، وإلاّ صار شريكًا له، وبالتالي استحقّ غضب الله عزّ وجلّ وعذابه (قصّة قارون). ولنا أسوة في ذلك بـ«سحرة» فرعون الذين ضحّوا بأنفسهم لمّا أعلنوا إيمانهم بالله عزّ وجلّ أمام عامّة النّاس. أنظر سورة الأعراف، الآيات : 120-126
(2) الإسلام هو الحق (ليس الحل) كما ورد في العديد من الآيات الكريمة، فهو يحتوي على أسس (أحكام/كبائر) لحلول تضعها المجموعة (الخبراء) للمشاكل التي تواجهها في مختلف الأزمنة والأمكنة، وهذه الحلول/القوانين تكون ظرفية أي متغيرة، وبالتالي ليس لها صفة القدسية، ولا يصح أن تُنسب إلى الله عزّ وجلّ، إلا أنها تكون إلزامية عن طريق الشورى لا البغي والتسلط
(3) أنظر مقالنا : «عبادة الطّاغوت»، الإصلاح 215
(4) وأكبر دليل على هذا التّوجّه، كتاب «الخراج» المنسوب لأبي يوسف (ت 182هـ) قاضي قضاة هارون «الرّشيد»، والذي يُعتبر من أوّل كتب الفقه، والذي أباح فيه قتل الأسرى وسبي الأحرار، وأطلق فيه يد «الخليفة» العباسي يتصرّف كيف يشاء في مال وعباد البلدان المفتوحة («سابقًا»، فجلّ الفتوحات تمت في عهد الخلفاء الرّاشدين والأمويّين) بناءً على سنن وآثار نسبها للرّسول ﷺ والصّحابة والتّابعين، مع إهمال شبه كلّي للقرآن الكريم، فلم يذكر في الكتاب إلاّ 20 آية تقريبًا مقابل المئات من الأحاديث [..فأمّا الأسارى إذا أُخذوا وأُتي بهم إلى الإمام فهو فيهم بالخيار إن شاء قتلهم وإن شاء فادى بهم..]، فصل «قتال أهل الشّرك»/كتاب الخراج.
(5) يقول تعالى : ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾( الأحزاب: 27)
(6) يقول تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ * وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾(الحشر: 2-3)
(7) حديث تعقيب الرّسول ﷺَ على حكم سعد بن معاذ «لقد حكمت فيهم بحكم الله» ورد فيما يُعرف «بالصّحيحين»، ولكن بطريق واحد (ليس هناك تعدّد في الرّواية يُقوّي هذا الحديث)، رواه أبو سعيد الخدري عن النّبي ﷺَ ، والذي كان عمره عند الواقعة 15 عامًا (أي مراهقًا) حسب علماء الحديث أنفسهم، ولكن رغم ذلك اعتبروه «صحابيًّا»، وبالتّالي لا يُقدح في عدالته!! مع العلم أن أحكام الله لا يعلمها عامّة النّاس (حتّى لو كان سعد بن معاذ نفسه)، بل تُوحى إلى الأنبياء والرّسل فيبلغونها إلى عامّة النّاس، أمّا ما رُوي عن السّيدة عائشة في صحيح مسلم (1769/2) عن نفس القول لرسول الله «حكمت فيهم...» فهو زيادة عن حديثها، أوردها هشام بن عروة إخبارًا عن أبيه (عروة بن الزّبير): «قال أبي: فأُخبرت أنّ رسول الله قال: «لقد حكمت...»)، وهذه الزيادة لم يروها البخاري، وبالتّالي يكون أبو سعيد الخدري قد تفرّد بهذه الرّواية، كما ذكرنا. هذا لمن يقول بصحّة الحديث، والذي يبقى مع هذا كلّه ظنّيًا لأنّه لم يبلغ التّواتر، والذي إن صحّ كان بالأحرى أن يرويه مالك في «الموطأ» عن طريق كبار الصّحابة أبي بكر وعمر، فلا يُعقل عدم إخبارهم عن أمر جلل كهذا القتل الجماعي، وما ترتّب عنه من تشريع إباحة القتل والسّبي من طرف الفقهاء.
(8)[عن عطيّة القرظيّ قال: عرضنا على النّبيّ ﷺ يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلّي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت، فخلّي سبيلي].
رواه أحمد وأصحاب السّنن الأربعة، ولم يروه مالك ولا الشّيخان. إلّا أنّ ابن كثير، وبعد ما يقارب 8 قرون!! (دار الحديث بالسّكّريّة/دمشق، ت 774هـ)، قام بـ«تهذيب» هذه الرّواية في «البداية والنّهاية» قائلا: [وكانوا يعرضون على من يعرف الاحتلام، فمن وجد منهم محتلما قتل...]. وفي هذا التّصرّف إشارة جليّة لكيفيّة التّعامل مع السّنن والآثار، و«تطويع» نصوصها (حسب الحاجة) من طرف «فقهاء المذاهب» الّذين لعبوا دور المؤرّخين أيضا. وما يجمع هؤلاء هو قاسم مشترك؛ فهم من خرّيجي ومدرّسي «دور الحديث» الّتي أسّسها السّلاجقة ومن بعدهم المماليك، لنشر وتعميم المذاهب الفقهيّة السّنّيّة على العامّة. وكان الهدف السّياسيّ من ذلك هو محاربة الفكر «الشّيعيّ»، وبالتّالي الحيلولة دون عودة الشّيعة («البويهيّين» و«الفاطميّين») للحكم.
ومن اللّافت للنّظر أنّ الفقهاء يروون هذا الحديث في سياق إثبات البلوغ، دون أيّ تعليق يذكر على فداحة مصيبة القتل الجماعيّ هذه (أو البحث في مدى صحّتها) إلّا ما ندر وبإيجاز شديد. وهذا الصّمت ينسحب تماما على تعاملهم مع حديث [لا يصلّينّ أحد العصر إلّا في بني قريظة]، الّذي أشبعوه بحثا وتعليقا لتبرير جواز الاختلاف في «أحكام الدّين» الفرعيّة؛ مخالفين بذلك النّهي الصّريح الوارد عن اللّـه عزّ وجلّ عن الاختلاف في الدّين أصلا كان أو فرعا، واصفا إيّاه بالبغي (انظر مقالنا : «الاختلاف في الدّين»، الإصلاح 221).
(9) أنظر مقالنا : «التّقوّل على اللّـه»، الهامش 6، الإصلاح 210
(10) يثير هذا الأمر العديد من التّساؤلات حول مدى صحّة الموروث التّاريخيّ لـ«بيت الحكمة» في بغداد (217هـ، زمن المأمون)، ودورها المزعوم في نشر المعرفة عبر التّرجّمة. إذ نرجّح، بناء على قرائن كثيرة، أنّها كانت في المقام الأوّل أداة لنشر الفقه المذهبيّ (عبر كتابة السّنن والآثار، ونسبتها بأثر رجعيّ للقرن الأوّل الهجريّ). وقد جاء هذا التّوجّه تتويجا لهيكلة جهاز القضاء عبر إحداث منصب «قاضي القضاة» (170هـ، زمن الرّشيد)، في ظلّ حكومة مركزيّة اتّخذت من بغداد عاصمة جديدة لها (150هـ، زمن المنصور). وكان الهدف إحكام السّيطرة وتوجيه المجتمع وفقا لرؤية النّظام العبّاسيّ، الّذي نعدّه أوّل نظام استبداديّ ممنهج في التّاريخ الإسلاميّ (تأثّرا بالنّموذج الملكيّ الفارسيّ).
لقد قام هذا النّظام بـ«مأسسة»، إن لم نقل بابتداع، «إسلام المذاهب» في المشرق؛ حيث رعى المذهب الحنفيّ عن طريق أبي يوسف (صاحب أبي حنيفة). وممّا يلفت النّظر أنّ هذا المسار قد تقاطع تماما مع ما قامت به الدّولة الأمويّة في مغرب العالم الإسلاميّ (الأندلس)، حيث تمّت مأسسة المذهب المالكيّ عبر يحيى بن يحيى اللّيثيّ (صاحب مالك)، وتزامن ذلك مع بناء مدينة الزّهراء وتأسيس مكتبة قرطبة واستحداث منصب قاضي القضاة هناك أيضا.
ولم تكن هذه الخطوات المتوازية شرقا وغربا إلّا استجابة لدواعي سياسيّة واقتصاديّة وعسكريّة محضة؛ كان على رأسها إعادة إحياء منظومة الرّقّ، وشرعنة القضاء على المعارضة السّياسيّة تحت ذرائع دينيّة كـ«الرّدّة» و«الخروج عن الإمام».
(11) من أشهرها تحقيق بشير عواد معروف (وزارة الأوقاف القطرية/2000م) و محمد الأعظمي (مِؤسسة الشيخ زايد/2004) لموطأ مالك, رواية يحيى الليثي
(12) [بن وهب عن بن لهيعة ... أن رسول الله ﷺَ قتل سبعين أسيرا من يهود و قتل عقبة بن معيط صبرا..] باب ما جاء في قتل الأسرى/ «المدونة الكبرى» للإمام سحنون التنوخي (ت240ه)
(13) وفي السّياق ذاته، نجد الحديث التّالي: [عن أبي سعيد الخدريّ: أنّ رسول اللّـه صلّى اللّـه عليه وسلّم، يوم حنين، بعث جيشا إلى أوطاس فلقوا عدوّا فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا؛ فكأنّ ناسا من أصحاب رسول اللّـه صلّى اللّـه عليه وسلّم تحرّجوا من غشيانهنّ من أجل أزواجهنّ من المشركين، فأنزل اللّـه عزّ وجلّ في ذلك: {والمحصنات من النّساء إلّا ما ملكت أيمانكم (24)} (النّساء)؛ أي فهنّ لكم حلال إذا انقضت عدّتهنّ] (صحيح مسلم: 3608).
وفي هذا الحديث، نجد الرّاوي ذاته لـ «واقعة» قتل أسرى بني قريظة من الرّجال وسبي النّساء والولدان (وهو أبو سعيد الخدريّ، الهامش 4). فلا نجد أثرا لأبي بكر ولا عمر ولا عليّ ولا غيرهم من كبار الصّحابة المشهورين في رواية هذا الحدث الجلل، بل نجد مراهقا وقع توثيقه ورفعه إلى مرتبة «الصّحابيّ» وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره إبّان غزوة الأحزاب (بني قريظة)، ثمّ يأتي هو نفسه ليروي إباحة جماع السّبايا المتزوّجات في غزوة حنين وأوطاس (بعد ثلاث سنوات تقريبا).
(14) هذا مع العلم أنّ سلسلة الرّواة تضمّ «قتادة بن دعامة السّدوسيّ»، الّذي وصفه ابن حبّان (ت 354هـ) بالتّدليس في كتابه «الثّقات». ويضاف إلى هذا المأزق الإسناديّ أنّ البخاريّ لم يصحّح هذا الحديث! وفي الوقت ذاته، نرى كيف اتّخذت هذه المرويّات أساسا لما يسمّى بـ «أسباب نزول» القرآن الكريم، رغم المفارقة التّاريخيّة الصّارخة؛ فسورة النّساء نزلت بين السّنتين الخامسة والسّادسة للهجرة، بينما وقعت غزوة حنين في السّنة الثّامنة للهجرة مباشرة بعد فتح مكّة! ناهيك عن أنّه لا علاقة للآية، لا من قريب ولا من بعيد، بجواز سبي المتزوّجة ومعاشرتها.ويعدّ هذا النّصّ مثالا واحدا من أمثلة عديدة تبرز «اجتهادات» فقهاء المذاهب ومخالفتها الصّريحة للمحكم من القرآن الكريم، خاصّة في مسألة الرّقّ، بناء على سنن وآثار واهية في متنها وسندها.
وكما قام الغرب بإحياء هذا الحكم الإلهيّ الأساسيّ (المنّ أو الفداء لأسرى الحرب مع تغطية الحاجيّات الأساسيّة)، عاد هو ذاته في بداية القرن الحادي والعشرين (إبّان العدوان الأمريكيّ على العراق سنة 2003) ليعطّله على أرض الواقع. فقد تعمّد تصنيف المقاتلين العراقيّين كـ «مقاتلين غير شرعيّين»، بغية استثنائهم من مظلّة معاهدة جنيف لأسرى الحرب، ممّا أتاح له الإمعان في التّنكيل بهم، وتعذيبهم، وقتلهم دون أيّ محاسبة! (وهو في حقيقة الأمر امتداد لما يقوم به الكيان الإسرائيليّ مع الفلسطينيّين منذ اغتصابه لأرضهم).
وفي هذا التّحوّل إشارة واضحة إلى بداية انحطاط الحضارة الغربيّة بابتعادها عن أسس النّهضة الحقيقيّة؛ تلك الأسس الّتي تشكّل قوانين الحرب العادلة، كما أمر بها اللّـه عزّ وجلّ، ركنا أساسيّا منها.
(15) قد فصل محمد قطب في «شبهات حول الإسلام» مسألة الرق تفصيلا مطولا و بين منع الإسلام استحداثه في جل الحالات إلا أنه استثنى للأسف, رق الحرب من باب المعاملة بالمثل/عقوبة للمحاربين (تأئرا بالسنن التي وردت في الشأن)
(16) ومن الصّعب إيجاد أدلّة مباشرة على هذا الأمر؛ فأحداث هذه الفترة تمّت صياغتها بعد مدّة من الزّمن من قبل مؤرّخين كانوا في الوقت ذاته محدّثين وفقهاء مذاهب (كالخطيب البغداديّ الشّافعيّ، ت 463هـ)، و(ابن الجوزيّ الحنبليّ، ت 597هـ)، و(ابن كثير الشّافعيّ، ت 774هـ). أمّا كتب المغازي والسّير (كابن إسحاق وابن هشام)، فإنّ حتّى المحدّثين يردّون العديد من الأخبار الّتي وردت فيها. فلا تصحّ هي أيضا، بالتّالي، أن تكون مصدرا لمعلومات موثوقة فيما يتعلّق بالقرن الأوّل من الإسلام، وخاصّة فترة الرّسول ﷺ والخلفاء الرّاشدين.
(17) حتّى إنّ الفقهاء أباحوا «الاشتراك» في الجارية الواحدة، مع التّفصيل في عدّة أحكام تتعلّق ببيعها وردّها وما إلى ذلك. والأدهى من ذلك عدم اعتبار معاشرتها من طرف «مالكيها» زنا، لوجود ما يُسمّى بـ «شبهة ملكيّة». وبالتّالي، لا يوجب ذلك حدّا، بل يعدّ حراما يستحقّ التّأديب فقط، كما ورد في كتاب «المغني» لابن قدامة الحنبليّ (ت 620هـ): [قال وإذا كانت الأمة بين شريكين فأصابها أحدهما وأحبلها أدّب ولم يبلغ به الحدّ]!!
|




