التنمية الطيبة

بقلم
الحبيب غربال
الاقتصاد المقاوم: نحو استراتيجيّة تنمويّة مستقلّة لتونس والعالم العربي
 مقدمة
شهد العالم العربي خلال العقود الأخيرة اندماجًا واسعًا في منظومة العولمة الاقتصادية، على أساس وعود كبرى بالنّمو، والاستثمار، وتحسين مستويات العيش. غير أنّ الحصيلة الواقعيّة، وخاصّة في بلدان مثل تونس، كشفت عن مفارقة واضحة: فبدل أن تؤدّي العولمة إلى تنمية مستقلّة ومتوازنة، عمّقت التّبعية الماليّة والتّجارية، ووسّعت الفجوة بين الاقتصاد المحلّي ومراكز القرار الاقتصادي العالمي، ورسّخت أنماطًا إنتاجيّة هشّة تقوم على الاستهلاك والاستيراد والاقتراض.
لم يعد الحديث عن «الاقتصاد المقاوم» ترفًا فكريًا أو خيارًا نظريًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات العميقة التي يشهدها العالم في السنوات الأخيرة. فقد كشفت الأزمات المتلاحقة - من جائحة كورونا التي أربكت سلاسل الإمداد العالمية، إلى تصاعد العقوبات الاقتصاديّة والحصارات، وصولًا إلى الحروب الكبرى مثل الحرب في أوكرانيا والتّوترات العسكريّة في منطقة الشّرق الأوسط - عن هشاشة الاقتصادات التّقليدية التي تعتمد بشكل مفرط على الأسواق الخارجيّة والتّبادلات الدّوليّة. هذه الصّدمات لم تكتفِ بإحداث اضطرابات ظرفيّة، بل أبرزت اختلالات بنيويّة عميقة تهدّد استقرار الدّول وقدرتها على تأمين حاجيّاتها الأساسيّة.
وفي هذا السّياق، يبرز مفهوم الاقتصاد المقاوم كإطار بديل يسعى إلى تعزيز السّيادة الاقتصاديّة، وتقليص التّبعية، وبناء منظومات إنتاج محلّية أكثر مرونة وقدرة على الصّمود أمام الأزمات. إنّه اقتصاد يقوم على تنويع الموارد، وتشجيع الإنتاج الوطني، وإعادة ترتيب الأولويّات بما يضمن الأمن الغذائي والطّاقي والدّوائي، ويمنح الدّول هامشًا أوسع من الاستقلال في اتخاذ قراراتها. ومن هنا تكتسب الدّعوة إلى تبني هذا النّموذج بعدًا ملحًّا، ليس فقط لمواجهة الأزمات الرّاهنة، بل أيضًا للاستعداد لما قد يحمله المستقبل من تحدّيات أكثر تعقيدًا.
ولذلك، لم يعد السّؤال المطروح هو: كيف نندمج أكثر في النّظام الاقتصادي العالمي؟ بل أصبح: كيف نعيد صياغة علاقتنا به على أساس السّيادة الاقتصاديّة والنّديّة والمصلحة الوطنيّة؟ ومن هنا يبرز مفهوم «الاقتصاد المقاوم» لا باعتباره انغلاقًا أو انعزالًا، بل باعتباره نموذجًا تنمويًّا يقوم على بناء القدرة الذّاتية، وتنويع الشّراكات، والتّحرّر النّسبي من شروط التّبعيّة الماليّة والتّجاريّة.
الاقتصاد المقاوم هو اقتصاد يمتلك أدوات الدّفاع عن نفسه أمام الصّدمات الخارجيّة، ويملك هامش قرار سيادي، ويستند إلى إنتاج حقيقي لا إلى الرّيع أو الدّيون. وهو في جوهره انتقال من اقتصاد هشّ تابع إلى اقتصاد قويّ متوازن قادر على التّفاوض لا على الخضوع.
1. حدود نموذج العولمة والتّبعيّة في التّجربة التّونسيّة والعربيّة
اعتمدت معظم الدّول العربيّة، منذ ثمانينات القرن الماضي، سياسات الانفتاح الاقتصادي المشروط بإملاءات المؤسّسات الماليّة الدّوليّة، والتي تجلّت في تحرير التّجارة دون توفير حماية كافية للإنتاج المحلي، وتقليص دور الدّولة في الاستثمار الاستراتيجي. كما ارتكزت هذه السّياسات على الاعتماد المكثّف على القروض الخارجيّة، وتوجيه الدّفة نحو تشجيع اقتصاد الخدمات والاستهلاك على حساب الاقتصاد الإنتاجي الفعلي.
وقد أسفرت هذه الخيارات في تونس عن تداعيات هيكليّة عميقة، أبرزها تآكل القاعدة الصّناعية والزّراعية، وتفاقم العجز التّجاري، والارتفاع الحادّ في المديونيّة الخارجيّة. وترافق ذلك مع هشاشة واضحة في الأمنين الغذائي والطّاقي، وتراجع ملحوظ في قدرة الدّولة على توجيه سياساتها الاقتصاديّة بحرّية. ونتيجة لذلك، أضحى الاقتصاد الوطني مرتهناً بشكل كلّي للتّوازنات الخارجيّة وتقلّبات أسعار الصّرف والمحروقات والغذاء، خاضعاً لشروط المقرضين؛ وهو ما يجسّد جوهر التّبعيّة المتمثّل في الفقدان التّام للاستقلال في القرار الاقتصادي. 
2. مفهوم الاقتصاد المقاوم
يمثّل «الاقتصاد المقاوم» تصورًا علميًا وتدبيرًا وطنيًّا متكاملًا يرتكز على بناء القدرة الإنتاجيّة الذّاتية في القطاعات الحيويّة، إلى جانب السّعي لتنويع مصادر التّمويل والشّركاء الاقتصاديين. كما يقوم هذا التّوجه الاستراتيجي على ضرورة إرساء قاعدة اقتصاديّة متنوّعة لتجنّب الارتهان لقطاع إنتاجي واحد، وصولًا إلى إعادة صياغة العلاقة مع الغرب وإدارتها لتتأسّس على مبدأ الشّراكة النّدية والمتبادلة بدلاً من التّبعيّة. هو اقتصاد يهدف إلى تقليص درجة الانكشاف الخارجي، وتعظيم الاعتماد على الموارد الوطنيّة، وتحويل الدّولة من مستهلك للنّماذج الجاهزة إلى صانعة لسياساتها التّنموية.
3. الاعتماد على الذات بوصفه قاعدة الاقتصاد المقاوم
لا يعني الاعتماد على الذّات الانغلاق ولا الاكتفاء الذّاتي المطلق، بل يعني التّحكم في القطاعات الاستراتيجيّة التي تمسّ الأمن القومي الاقتصادي، وعلى رأسها:
1.3 الأمن الغذائي:
لا يمكن لأيّ دولة أن تحقّق استقلالها الاقتصادي الفعلي وهي تعتمد على استيراد الجزء الأكبر من غذائها؛ لذا فإنّ تحقيق هذا الأمن يستوجب دعماً جادّاً للزّراعة الوطنيّة، مع إيلاء أهمّية خاصّة لتعزيز استخدام البذور المحلّية وتوجيه الاستثمارات نحو المحاصيل الأساسيّة. وبموازاة ذلك، تبرز الحاجة الملحّة لتطوير المنظومة التّعليميّة بما يخدم ويتوافق مع هذا التّوجه الاستراتيجي، فضلاً عن ضرورة توفير الحماية اللاّزمة للفلّاح المحلي لتجنيبه تداعيات المنافسة الخارجيّة غير العادلة.
2.3 الأمن الطّاقي:
أضحى الانتقال إلى الطّاقات المتجدّدة خيارًا سياديًّا استراتيجيًّا يهدف إلى تخفيض فاتورة الاستيراد وتحرير الميزانية العامّة للدّولة من الضّغوط الماليّة الثّقيلة لقطاع الطّاقة. وعلاوة على ذلك، يمهّد هذا التّحوّل الحيوي الطّريق لخلق قطاع صناعي جديد ومبتكر يرتكز بالأساس على الطّاقة النّظيفة، وهو ما يصبّ مباشرة في خدمة الصّناعة الوطنية وتطويرها وتعزيز استقلاليتها.
3.3 الاقتصاد المقاوم لا يقوم بدون صناعة:
لا يمكن إرساء دعائم الاقتصاد المقاوم بمعزل عن بناء قاعدة صناعيّة صلبة؛ وهو ما يتطلّب بالضّرورة تشجيع الصّناعات التّحويليّة وتوفير الدّعم اللاّزم للمؤسّسات الصّغرى والمتوسّطة لتكون قاطرة للنّمو. ولضمان فاعليّة هذا التّوجّه واستدامته، تبرز الأهمّية القصوى لربط مخرجات البحث العلمي بالحاجات الإنتاجيّة الفعليّة للبلاد. ومن خلال هذه الخطوات المتكاملة، يمكن للاقتصاد الوطني أن يتحوّل جذريًّا إلى اقتصاد حقيقي وفعّال يرتكز على الإنتاج وخلق القيمة المضافة بعد أن كان اقتصادًا هشًّا يعتمد على الوساطة والاستهلاك. 
4.3 الأمن الثّقافي والقيمي:
لا يكتمل بناء اقتصادٍ مقاومٍ دون إسناده بحمايةٍ ثقافيّة داخليّة تُحصّن المجتمع من التّآكل القيمي الذي يُفرغ أي مشروع تنموي من مضمونه. فكما أنّ الأمن الغذائي والصّناعي يضمنان البقاء المادّي، فإنّ الأمن الثّقافي يضمن تماسك الرّوح الجماعيّة وصلابة السّلوك العام. إنّ ترسيخ الجدّية، وتعزيز أخلاق العمل، ونشر قيم الاستقامة والحوكمة الرّشيدة، تمثّل جميعها دعائم أساسيّة لمجتمعٍ قادرٍ على مقاومة الانحرافات التي تتجلّى في التّفاهة والفساد والانحلال وتعاطي المخدرات. فالمجتمع الذي يطبع مع هذه الظّواهر يفقد تدريجيًّا مناعته، ويصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات، بينما يشكّل الوعي الثّقافي المنضبط رافعة حقيقيّة لبناء اقتصادٍ متينٍ قائمٍ على المسؤوليّة والانضباط والإنتاج.
4. تنويع مصادر التّمويل كشرط للتّحرر من الهيمنة الماليّة
يُعدّ تنويع مصادر التمويل شرطاً جوهرياً للتحرّر من قيود الهيمنة الماليّة؛ إذ يتجلّى أحد أخطر مظاهر التّبعية في الارتهان الكلّي لمصدر وحيد للتّمويل الخارجي، ولا سيما المؤسّسات الماليّة الغربيّة. ولتجاوز هذا الواقع المرتهن، يستوجب إرساء دعائم نموذج الاقتصاد المقاوم التّوجّه نحو المسارات التّالية:
1.4 تعزيز التّمويل الدّاخلي:
يُمثّل تعزيز التّمويل الدّاخلي ركيزة أساسيّة لتحقيق الاستقلاليّة الاقتصاديّة، ويتحقّق هذا المسعى من خلال العمل الجادّ على تطوير الادخار الوطني وتنميته، بالتّوازي مع السّعي لبناء سوق ماليّة محلّية فاعلة وذات كفاءة عالية. وعلاوة على ذلك، يقتضي هذا التّوجه الاستراتيجي ضرورة تعبئة الموارد الوطنيّة وحسن توظيفها في مسارات التّنمية، لتكون بديلاً آمناً ومستداماً يقي الاقتصاد من استنزاف مقدّراته عبر التّمادي في مراكمة الدّيون.
2.4 تنويع الشّركاء الدّوليّين:
يُعدّ تنويع الشركاء الدوليين خطوة حيوية لتعزيز المناعة الاقتصادية، ويتحقق ذلك من خلال الانفتاح وتعميق التعاون مع دول الجنوب. ويتطلب هذا التوجه الاستراتيجي توسيع رقعة العلاقات التحالفية والاقتصادية لتشمل أقطاباً ومناطق وازنة مثل الصين ودول الخليج والعمق الإفريقي، فضلاً عن تركيا. ومن شأن هذا الانفتاح المتعدد والمدروس أن يسهم بشكل فعّال في كسر حالة الاحتكار الغربي المهيمن على مسارات التمويل والاستثمار، مما يضمن للدولة قدراً أكبر من الاستقلالية والندية في خياراتها الاقتصادية.
3.4 التّمويل الإسلامي والبديل:
يمثّل التّمويل الإسلامي والتّمويل البديل خياراً استراتيجيّاً فعّالاً، حيث يعتمد على آليّات مبتكرة ومتنوّعة تشمل الصّكوك الإسلاميّة، والتّمويل التّشاركي، فضلاً عن تعزيز منظومة الاقتصاد الاجتماعي والتّضامني. وتبرز أهمّية هذه الأدوات الماليّة المتكاملة في كونها لا تقتصر فقط على التّقليل من الأعباء الثّقيلة المترتّبة على أسعار الفائدة، بل تتجاوز ذلك لتُرسّخ منطق المشاركة في تحمل المخاطر، ممّا يجنّب الدّول الخضوع للشّروط القاسية والمجحفة التي تفرضها مؤسّسات الإقراض التّقليديّة.
5.  تنويع القاعدة الاقتصاديّة وبناء اقتصاد مرن
يرتكز الاقتصاد المقاوم في جوهره على تنوّع حقيقي ومتكامل، متجاوزًا فكرة الاعتماد على قطاع أحادي كالسّياحة أو التّحويلات الماليّة أو الخدمات. ويتجلّى هذا التّنوع في بناء زراعة قويّة وصناعة منتجة، بالتّوازي مع تطوير اقتصاد رقمي ناشئ وإرساء قطاع خدمات لوجستيّة متطوّرة، فضلاً عن تعزيز سياحة مستدامة متحرّرة من المنطق الرّيعي. ومن شأن هذا التّنوع الهيكلي المتين أن يمنح الاقتصاد قدرة استثنائيّة على امتصاص الصّدمات، ممّا يقلّل بشكل كبير من هشاشته وانكشافه أمام الأزمات والتّقلبات العالميّة.
6.  إعادة تعريف العلاقة الاقتصاديّة مع الغرب
يسعى التّوجه نحو الاقتصاد المقاوم إلى التّأسيس لعلاقة ندّية وشراكة حقيقيّة مع الغرب، قائمة على التّبادل العادل للمصالح المشتركة. ويستوجب هذا المسار الرّفض القاطع لأيّ إملاءات اقتصاديّة أو سياسيّة، وتوطيد التّعامل مع الغرب كطرف واحد ضمن شبكة واسعة ومتنوّعة من العلاقات الدّولية المتكافئة. وبهذا المعنى العميق للسّيادة، يتحقّق التّحرّر الفعليّ من الهيمنة الاقتصاديّة، ليتّخذ الغرب موقعه الطّبيعي بالنّسبة لنا كـ «شريك من بين شركاء» متعدّدين.
7.  الاقتصاد المقاوم كمشروع سياسي-اقتصادي شامل
لا يمكن لنموذج الاقتصاد المقاوم أن يحقّق النّجاح المنشود بمعزل عن وجود دولة قويّة تتبنّى رؤية استراتيجيّة واضحة، وتستند إلى إرادة سياسيّة حقيقيّة ومستقلّة. كما يتطلّب إنجاح هذا المسار إرساء دعائم إدارة رشيدة تأخذ على عاتقها محاربة الفساد من خلال انتهاج سياسة وقائيّة حازمة، تعتمد أحدث أساليب التّنظيم المؤسّسي ورقمنة المعاملات، فضلاً عن تطبيق منظومات الجودة وتفعيل دور مؤسّسات الرّقابة والتّدقيق القويّة. ولا تكتمل هذه المنظومة إلّا بحضور نخب فكريّة واقتصاديّة فاعلة تؤمن بعمق بمبدأ التّحرّر التّنموي؛ فالاقتصاد في هذا السّياق مشروع حضاري وسيادي متكامل الأركان وليس مجرّد آليات وتقنيات مجردة .
خاتمة
الاقتصاد المقاوم ليس رد فعل عاطفي على فشل العولمة، بل هو إعادة بناء عقلانيّة لمسار التّنمية على أسس السّيادة والقدرة الذّاتيّة والتّوازن في العلاقات الدّوليّة. هو انتقال من منطق التّبعية إلى منطق الشّراكة، ومن اقتصاد هشّ إلى اقتصاد قوي، ومن دولة مستهلكة للسّياسات إلى دولة صانعة لها.
الاقتصاد المقاوم بالنّسبة لتونس والعالم العربي ضرورة تاريخيّة. فإمّا أن نستمر في الدّوران داخل حلقة المديونيّة والتّبعية والهشاشة، وإمّا أن نؤسّس لمرحلة جديدة عنوانها: التّنمية بالسّيادة، والاندماج دون خضوع، والانفتاح دون ارتهان. وهذا هو جوهر الاقتصاد المقاوم.