نفحات
| بقلم |
![]() |
| د. عبد الفتاح أبوماضي |
| الرجولة في القرآن: تأمّل في تشكُّل المعنى بين العهد والوجود |
مع الغوص في نسمات ظلال قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النّور: 37)، نجد أنّ الرّجولة في الخطاب القرآنيّ ليست لفظًا اجتماعيًّا مستقرًّا، ولا هويّةً جاهزةً تتدثّر بالجسد، بل حالةٌ معنويّةٌ تُستخرج من امتحان الوجود في الحياة الدّنيا. فالقرآن لا يتعامل مع «الرّجل» بوصفه معطىً بيولوجيًّا، بل بوصفه كائنًا أخلاقيًّا يُسأل عمّا حَمَل، لا عمّا وُهب. ومن هنا، فإنّ الرّجولة ليست ما يُعلن، بل ما يُشهد له بالفعل... ويتابع آخر فنجد:
1. بين الذّكورة والرّجولة: المسافة الأخلاقيّة
يمارس القرآن فصلًا صامتًا لكنّه حاسمٌ بين الذّكر والرّجل. الذّكر توصيفٌ خَلقيّ، أمّا الرّجولة فمرتبةٌ اختياريّة. ولهذا جاء التّعبير: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾، إشارةً إلى أنّ الرّجولة ندرةٌ قيميّةٌ داخل الجماعة، لا صفةً جامعة. فالقرآن لا يزكّي النّوع، بل يمتحن السّلوك.
2. الرجولة بوصفها وفاءً للمعنى
حين يصف النّصّ القرآنيّ رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فإنّه لا يمتدح لحظةً، بل سرديّةً كاملةً من الثّبات. الرّجل هنا هو من لم يفاوض القيم تحت ضغط الخسارة، ولم يُجزّئ نفسه بين قناعة وفعل. الصّدق ليس أخلاقًا تُقال، بل تماسكٌ داخليّ يمنع الانشطار. في هذا السّياق، الرّجولة هي: القدرة على أن تكون واحدًا حين يغريك التّعدّد.
3. في قلب السّوق: لا على هامش الرّوح
يستدعي القرآن مشهد التّجارة لا ليدينها، بل ليكشف معيار الرّجولة فيها. ليس الرّجل من هجر الدّنيا، بل من أدارها دون أن تستعبده. أن تكون في حركة الحياة، دون أن تبتلعك؛ تلك معادلة الرّجولة القرآنيّة. فحيث يضيع الإنسان في التّفاصيل، يظهر الرّجل بوصفه حارس المعنى وسط الضّجيج.
4. الرّجولة وحمل الرّسالة
الرّسالة في القرآن لا تُلقى إلّا على من يحتمل ثقلها. والرّجولة، في سياق النّبوّة، ليست امتيازًا، بل تهيّؤٌ لتحمّل المواجهة. فالرّجل هو القابل للمعارضة، القادر على الصّبر على سوء الفهم، المستعدّ للسّير عكس التّيّار دون أن يطلب تصفيقًا. الرّجولة هنا: شجاعة الوقوف باسم الحقيقة لا باسم الذّات.
5. القوامة: أخلاق التكليف لا طغيان السيطرة
حين يتحدّث القرآن عن قوامة، فإنّه يقيّدها بالفعل والإنفاق والمسؤوليّة. أي أنّ الرّجولة لا تمنح سلطةً، بل تفرض عبئًا. ومن لا يحتمل العبء، لا يُمنح الموقع. وهكذا تتحوّل الرّجولة من وسيلة استعلاء إلى منظومة رعاية وانضباط ذاتيّ.
6. الرجولة بوصفها انتصارًا على النفس
في العمق، الرّجولة القرآنيّة ليست انتصارًا على الآخر، بل غلبةٌ على هشاشة الدّاخل. الرّجل هو من يُهذّب خوفه، ويضبط شهوته، ويمنع سلطته من أن تنقلب وحشًا. إنّه كائنٌ يعرف حدود نفسه قبل أن يطالب بحدود الآخرين.
خاتمة تأملية
الرّجولة في القرآن ليست صوتًا أعلى، بل وعيًا أعمق. وليست حضورًا جسديًّا كثيفًا، بل معنىً ثابتًا في لحظة الالتباس. هي قدرة الإنسان على أن يكون أمينًا على العهد، لا متسلّقًا للامتياز.
في ميزان القرآن،... الرّجل من استحقّ الثّقة حين غابت الضّمانات، وثبت على المعنى حين كثر المبرّرون. |




