فقه المقامات
| بقلم |
![]() |
| الهادي بريك |
| فقه مقامات المشرّع ومنازل التّشريع الحلقة 3: مقام الدّولة ـ الجزء الأوّل ـ |
لا مناص من مقدّمة مقتضبة هنا حول السّلّم العامّ لمختلف مقامات محمّد عليه السّلام وذلك قبل تحرير بعض المقامات. عنوان السّلّم العامّ لفقه المقامات، وهو ما يقع التّفصيل فيه إن شاء الله في خلاصات هذه السّلسلة لاحقا ـ البلاغ العامّ. محمّد عليه السّلام رسم القرآن الكريم دوره وحدّ وظيفته وهي : البلاغ، ولا شيء إلّا البلاغ. بل نبذ عنه ما يضادّ البلاغ. فنفى عنه الوكالة والحفظ من جهة لأجل نبذ التّصوّر الدّينيّ الكهنوتيّ الذي ساد قرونا طويلة في بني إسرائيل وتجربتي الفرس والرّوم. كما نفى عنه السّيطرة والجبر من جهة أخرى لنبذ الحكم القهريّ الفرديّ الاستبداديّ. المفهوم من هذا هو تحرير النّاس كلّهم من أخطر منابع القهر والإكراه : باسم الله والدّين. وبذلك يخلص تديّنهم إن كانوا متديّنين ويخلص تفكيرهم بحثا ونظرا إن كانوا غير كذلك. وباسم مشروعيّة الجبر والقهر والسّيطرة بأيّ دثار تدثّرت سواء كان دثارا عشائريّا قبليّا وراثيّا أو دثارا بالسّيف والغلبة.
إذا كان النّبيّ نفسه ـ كلّ نبيّ مطلقا ـ وهو يوحى إليه ومزكّى من الله ومنه مصطفى لا يجوز له ذلك فكيف بغيره؟ عدا أنّ ذلك البلاغ العامّ ـ الذي هو سقف حاكم، فيه مستويات من البلاغ الفرعيّ كثيرة متنوّعة القوّة والدّرجة والنّوع بسبب واحد هو من صميم الاعتقاد، وهو جماع شريعة الإسلام. جماعا لا يندّ عنه شيء من شؤون الدّين والدّنيا معا. فلا مصلحة في القول إنّ مقاماته بلاغا عن ربّ العالمين ـ هي شريعة ملزمة وغيرها ليست كذلك. فهو إذن، بحسب الاجتهادات الموقّرة دون ريب، مقام ولاية عامّة أو حربيّة أو قضائيّة أو إفتائيّة أو عائليّة أو تدبيرات دنيويّة وغير ذلك. ذلك تفصيل داخل العنوان الأعظم لفقه المقامات النّبويّة وهو : البلاغ العامّ. ويقع التّفصيل فيه إن شاء الله في خلاصات هذه السّلسلة.
1. مقام الدّولة
من فروع البلاغ العامّ : مقام الدّولة، الولاية العامّة بالتّعبير القديم ـ وقبل عرض أمثلة، لا بدّ من التّذكير بملاحظة مهمّة تجعل الوعي صحيحا، وهي أنّ محمّدا فحسب دون غيره من النّاس ـ من بعده طبعا ـ هو الذي يجمع بين الصّفة الدّينيّة التي هو فيها معصوم كلّ عصمة وظيفيّة لأجل تبيين البلاغ من الله إلى النّاس وبين الصّفة الدّنيويّة وما يكون تحتها. وهو فيها كذلك ـ في الأصل العامّ ـ معصوم عصمة عامّة ومطاع وقدوة وأسوة في منهاج المعالجات العامّة. فإن اجتهد فيها فأصاب فهو ذاك، وإن كانت الأخرى عوتب أو رُوجع،كما وقع ذلك مرّات في الكتاب العزيز ـ وفي كلّ ذلك حكم غزيرة. ذلك أولى عندي من القول إنّ مقاماته خارج دائرة البلاغ الدّينيّ عن ربّه سبحانه هي مقامات تشريعيّة غير ملزمة. لا. هي ملزمة، ولكن أحيانا في شرعتها التّفصيليّة وأحيانا في منهاجها العامّ. ربّما لم أظفر في استقراء الشّريعة بما هو أغلى من قيمة النّظر المنهاجيّ الموضوعيّ الجامع العامّ الكفيل بجمع شتات ما لا يحصى ولا يعدّ حقّا ممّا نثر هنا وهناك. ومن يحسن قراءة تلبّس النّبوّة بمقامي الدّين والدّنيا بجماع غير مبتسر؛ يغنم فقهاً. وهو تلبّس خاصّ به هو دون غيره. ولم يسلم ذاك حتّى لمن أشار إليه عليه السّلام ليكون صاحب السّهم الأوفى في الأمّة من بعده إذ ولاّه إمامة الصّلاة في مرضه، أي أبو بكر. فكيف بمن بعده؟
2. الدّولة إنشاء وتأسيسا
من أكبر قواعد الفقه تحكيم القرآن الكريم عندما يتعلّق الأمر بالتّأسيس والإنشاء. القرآن الكريم خطاب عامّ جامع مطلق في الأصل، لا يقيّد ولا يخصّص ولا يفصّل في الأصل إلّا ممّن أذن له بذلك. ولذلك سطّر المحكمات العظمى في القضايا العظمى ولم يتركها للسّنّة نفسها إلّا تجسيدا عمليّا أو تبيينا تفصيليّا. اجتماع النّاس تحت سقف واحد عمرانيّا أي سياسيّا بالتّعبير المعاصر، هو قضيّة عظمى حدّتها الشّريعة بمحكم أعظم وأسمته : التّشاور والتّراضي. ولو كان ذلك غير كذلك لما ترك محمّد عليه السّلام أمّته من بعده هملا بدون بيان في هذا الأمر الذي -رغم بيان القرآن العظيم فيه كلّ بيان- أسال من الدّماء ما أسال، ولن يزال إلى يوم القيامة،جبلّة في الإنسان مجبولة. وليس القول من الأدعياء أنّه عليه السّلام منع من كتاب يبيّن فيه الأمر إلّا خرقاً لعصمته فيما هو فيه مبلّغ مستأمن من ربّه سبحانه.
وليس تصريف الدّولة على غير منهاج التّشاور والتّراضي إلّا كفرا بواحا صراحا بذلك المحكم الأعظم الكفيل بحقن الدّماء وتيسير أسباب الرّغد وهو محكم « وأمرهم شورى بينهم». وهو خلق احتلّ حدقة العين وبؤبؤها بين فريضتي الصّلاة والإنفاق. التّنكّر له بأيّ دعوى كالتّنكّر للقدس السّليب وهو شقيق الحرمين الشّريفين. منهاج التّشاور هو شقيق الصّلاة والإنفاق. تلك أنساق متكاملة لا يكون الكفر بواحد منها إلّا كفرا بها كلّها. هذا دون ذكر أنّ الأصحاب ساروا في تأسيس الدّولة على منوال التّشاور ثلاثين عاما كاملات حتّى حاقت حاقّة النّذير النّبويّ « لتنقضنّ عرى الإسلام عروة عروة أوّلها الحكم وآخرها الصّلاة».
الفقه الذي قال بشرعيّة المتغلّب لم يكن يقصد شرعيّة دينيّة، وما ينبغي له ذلك. إذ هو متعارض مع المحكمات التي هي أمّ الكتاب كلّ تعارض، وإنّما مقصوده حفظ صفّ أمّة هو مهدّد ـ في تقديرهم آنذاك بغضّ النّظر عن صوابيّة التّقدير من خطئه، بالتّصريم. وعندما ننبذ نحن المحكم ـ أمّ الكتاب ـ اتّباعا لغيره ممّا كان علاجا خاصّا لمشكلة خاصّة ـ فالذّنب ليس ذنب كتاب لم يكن مبينا ولكنّه ذنب أتباع لم يكونوا أمناء على محكمات دينهم ولا حتّى وعاة لاجتهادات سلفهم.
3. الدّولة طاعة وعصيانا
الحقّ أنّه عندما تعلم أنّ أكبر مجال في تاريخنا سلّت فيه الأسياف البتّارة لبعضنا من بعض هو مجال الحكم والسّياسة والدّولة فلا يملك الغيور إلّا الحزن. لو كان في هذا الحقل غموض تشريعيّ لهان أمر لا يهون. كيف وهو محكم من أكبر محكمات الكتاب؟ ولكن العزاء هو أنّ الإنسان « لحبّ الخير لشديد». حرّرتُ قبل سنوات طويلات كرّاسا جمعت فيه أزيد من 120 حديثا نبويّا صحيحا في مجال الدّولة والحكم والشّأن العامّ إدارة ومالا عامّا وعلاقة بالآخر المختلف في الدّاخل والخارج حربا وسلما ومصالحة وغير ذلك. خلصتُ فيه إلى أنّ الأصل في المعالجة السّياسيّة، علاقة بين الدّولة والمواطن، هو أنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق مطلقا. وأنّ أحاديث الطّاعة الكثيرة والتي يتدثّر بها المفسدون من المنسوبين إلى الدّعوة لشرعنة طاعة الأمراء فيما يغضب الله سبحانه محمولة كلّها على مقصد واحد أعظم في الإسلام عنوانه : حفظ الصّفّ الواحد للأمّة مطلب إسلاميّ محكم مقدّم كلّ تقديم. هو وسيلة منعة الأمّة من عدوّها الذي يهتبل ضعفها لإحكام سيطرته عليها و تصرّم صفّها. ولذلك عبّرت عنه الأحاديث الكثيرة الصّحيحة بحفظ الجماعة ولزوم الطّاعة. ولكن لبّس المجرمون فينا ممّن انتسب إلى الدّعوة في تلك الطّاعة كلّ تلبيس فاسد فجعلوا من الوسيلة (طاعة الأمير)غاية، وما هي بغاية، ولكنّها وسيلة لحفظ الصّفّ الذي هو بدوره وسيلة لمنعة الأمّة وتحرير النّاس من حولها.
الصّحابة الذين فقهوا ذلك لم يتردّدوا في قتال الدّولة عندما بغت ـ عبد الله بن الزّبير والحسين بن عليّ وغيرهما كثير. ولو كانت طاعة الأمير،حتّى لو كان شرعيّا بتراض وتبايع وتشاور فكيف بالذي جاء قهرا وإكراها، غاية وحسنة لما قال عليه السّلام « من أعظم الجهاد كلمة حقّ عند إمام جائر». بل أمر بقتل الخليفة الثّاني. كلّ ذلك لحفظ الصّفّ الواحد الذي لا ينحفظ إلّا بدولة واحدة، وليس برؤوس متعدّدة. حتّى عند العجز عن جهاد الإمام الجائر قال إنّه لا حرج إلّا على من « رضي وتابع». أيّ رضي بمنكر القهر والإكراه ونبذ التّراضي والتّشاور وتابع الدّولة على ذلك. ووضع عليه السّلام مسوّغاتٍ وضوابطَ للعصيان والثّورة والخروج بقصد الإصلاح أو العزل. فقال ردّا على سؤال أحدهم حول الخروج على الدّولة « إلّا أن تروا كفرا بواحا لكم فيه من الله برهان».
أمر العلاقة إذن مع الدّولة طاعة وعصيانا مبيّن كلّ بيان. وليس هو في منطقة رماديّة غامضة يمكن معالجتها بظنّيّات أو متشابهات أو أمزجة وتلاعبات. عدا أنّ من حرم النّظر الموضوعيّ جامدا على موضع ما ـ حديث واحد أو مجال واحد فيه فحسب ـ فلا حظّ له من الفقه حتّى لو كان صافي الطّويّة لا يريد متاع دنيا.
4. أعلى مقام نبويّ به نتأسّى متكافلين
هذه الفقرة مهمّة عندي كلّ أهمّيّة إذ هي تعيد تحرير السّنّة النّبويّة تحريرا صحيحا. صحّته هي في جماعه الموضوعيّ الذي يلتقط الرّسالة النّبويّة العامّة التي تنطوي تحتها كلّ السّنن الجزئيّة والفرعيّة في كلّ مناحي الحياة عبورا للزّمان والمكان واستيعابا لكلّ حال جديد وعرف جديد. الحدّ الصّحيح للسّنّة النّبويّة هو أنّها سيرته كاملة شاملة جامعة عليه السّلام مذ نزل من بطن أمّه حتّى توفّاه الله إليه سبحانه، وخاصّة مرحلة النّبوّة. استقراء تلك السّيرة بجماع موضوعيّ لا موضعيّ ينبئك أنّ السّنّة هي تكافل المسلمين من بعده عليه السّلام على فرائض محدّدة لا مناص منها لقيام أمرهم قياما يكونون به أهلا للحياة الكريمة وعبادة الله وعمارة الأرض بالعدل وتبوُّءِ منازل الشّهادة على النّاس. هي فريضة حسن فقه الإسلام لحسن تمثّله أوّلا فرديّا وأسريّا وجماعة. ثمّ فريضة دعوة النّاس إليه قدر الإمكان وتيسير سبل ذلك وتهيئة مناخاته ثانيا. ثمّ فريضة تأسيس وعاء قويّ عتيد يحمي الأمّة من العدوان والإكراه والقهر. وكلّ ذلك حاصل بسبب مضاء أكبر ناموس، وهو ناموس التّداول والابتلاء والفتنة. سمّ ذلك دولة أو أيّ اسم آخر فلا عبرة بالأسماء في الإسلام البتّة. ثمّ فريضة تحرير النّاس شرقا وغربا خارج حدود تلك الدّولة قدر الإمكان، فإن أبى الذين يستعبدونهم ذلك حوربوا بحدّ الحديد.
قرأت السّيرة والسّنّة، وقبلهما القرآن الكريم، فما وجدت تحريرا للسّنّة وحدّا لها أنسب من ذلك. التّحريرات المعروفة صحيحة، ولكنّها مشروطة بلزوم محالّها. الأصوليّون والفقهاء والمحدّثون وغيرهم حدّوها بما نسب إليه عليه السّلام من قول وفعل وتقرير أو شملة وصفة . ذلك صحيح ولكنّها حدود وتعريفات وظيفيّة يحتاج إليها الأصوليّ والفقيه والمحدّث ليستنبط حكما شرعيّا أو أصلا مرجعيّا أو يفحص سندا أو متنا أو غير ذلك من الوظائف العلميّة. ولكنّ السّنّة في موضوعها الأكبر ومجالها الأعظم هي تلك الحياة النّبويّة (حتّى ما قبل النّبوّة) التي جسّدت القرآن الكريم فوق الأرض في كلّ مجالات الحياة خير تجسيد، فأضحت قدوة وأسوة لا يتأسّى النّاس بغيرها.
ومن يستقرئ المسار العامّ لتلك الحياة النّبويّة يفقه بيسر شديد أنّ غرضها العامّ الأعلى هو : الدّعوة، ثمّ التّعليم، ثمّ توحيد من استجاب دعوة وتعليما في صفّ واحد متنوّع ومرصوص في الآن نفسه، ثمّ تحريكه وقيادته ليؤسّس هو بنفسه لنفسه كيانا يحميه وخيمة تظلّه، هو الدّولة بالتّعبير المعاصر، ثمّ إعداد القوّة التي تحمي تلك الأمّة ودولتها وحضارتها ومن معها من غير المسلمين، ثمّ التّكافل على حسن الفهم وحسن العمل وفق قيم الإسلام ومعالجة المشكلات وعمارة الأرض بقيم العدل والقسط. ثمّ إنشاء الحركة والقوّة والعتاد لتحرير النّاس من براثن الاستعباد لغير الله وحده سبحانه شرقا وغربا وفق الاستطاعة دوما. ومن ثمّ ينشأ الجهاد في سبيل الله سبحانه سيما عند عدم انفتاح الحدود التي شيّدها الطّواغيت لأجل الاستماع لكلمة الإسلام، والمقاومة دون تلك الأمّة ودولتها ومن فيها من باب أولى وأحرى عندما يعتدى عليها. كلّ ذلك من المقتضيات الأوّليّة لأعلى قانون في الأرض والكون وهو قانون الازدواج والتّفاضل والتّداول والابتلاء. ذلك هو ما علمته وعرفته حدّا أعلى للسّنّة ووظيفة عظمى لها. وما عدا ذلك آلاف مؤلّفة من سنن فرعيّة جزئيّة تختلف مستوياتها قيمة ودرجة ونوعا في كلّ مناحي الحياة دون أيّ استثناء.
تحرير العلماء إذن -من أصوليّين وفقهاء ومحدّثين وغيرهم- للسّنّة هو تحرير صحيح في محالّه ومظانّه، وهي محالّ العلم ومظانّ الاستنباط، وليس هو تحرير جامع. ذلك هو جهدي علما بالسّنّة. أمّا إعمال النّظر الجزئيّ الفرعيّ في مسألة ما ثمّ نقول إنّها هي السّنّة فهو الحول الفكريّ والعور الذّهنيّ بكلّ ما يعنيه الحول من معنى والعور من عقم. مقتضى ذلك هو الوعي من المسلمين بالرّسالة الموضوعيّة الجامعة العامّة لسّنّة نبيّهم كلّ وعي صحيح ثمّ التّكافل منهم جميعا كلّ ممّا يليه لأجل تثبيت الأمّة على تلك المحجّة البيضاء النّاصعة الكفيلة بالجمع بين فروع السّنّة وجزئيّاتها التي لا تحصى في كلّ عمل وعبادة وبين وظائفها العامّة العظمى الكفيلة بتجديد الأمّة ودينها وحمايتها وتيسير أسباب القيام بمسؤوليّة الشّهادة لله والقيام بالقسط. وما دون ذلك تلهٍّ بما لا يسمن من جوع ولا يغني. والله أعلم. |




