تدبير

بقلم
محمد أمين هبيري
مجالات اشتغال الإستراتيجيا وحدودها المفهوميّة
 1. تعريف المصطلحات
لإرساء فهم مشترك للمناقشة، لا بدّ من تحديد المصطلحات الأساسيّة التي سيتناولها المقال:
1. مجالات الاشتغال: 
يُقصد بمجالات الاشتغال السّياقات العمليّة والقطاعات المختلفة التي يُطبّق فيها مفهوم الإستراتيجيا. وهي تشمل كافّة الميادين التي تتطلّب تخطيطًا طويل المدى وتوجيهًا للفعل لتحقيق أهداف محدّدة. من الضّروريّ هنا التّمييز بين المجال التّطبيقيّ الذي يشير إلى الحيّز العمليّ الذي تُمارس فيه الإستراتيجيا (كالمجال العسكريّ أو الاقتصاديّ)، والمجال المفهوميّ الذي يتعلّق بكيفيّة فهم وتأطير الإستراتيجيا نظريًّا ضمن هذا الحيّز. هذا التّمييز يساعد على فهم كيفيّة انتقال المفهوم وتكيّفه مع متطلّبات كلّ مجال.
2. الحدود المفهوميّة: 
تُشير الحدود المفهوميّة إلى الإطار النّظريّ والدّلاليّ الذي يحدّد ماهيّة المفهوم وما ليس منه. في البحث المفهوميّ، يعني «الحدّ» تلك الخطوط الفاصلة التي تمنع تداخل المفهوم مع مفاهيم أخرى، وتحافظ على دقّته وتميّزه. إنّ التّوسّع في استعمال الإستراتيجيا يطرح إشكاليّة التّمييز بين التّوسّع المشروع، الذي يثري المفهوم ويجعله أكثر قابليّة للتّطبيق في سياقات جديدة مع الحفاظ على جوهره، والتّضخّم الدّلاليّ، الذي يؤدّي إلى تمييع المفهوم وتفريغه من محتواه الأصليّ، ليصبح مصطلحًا فضفاضًا يُطلق على أيّ تخطيط أو فعل منظّم(1). هذا التّضخّم قد يؤدّي إلى فقدان الإستراتيجيا لقوّتها التّحليليّة والتّوجيهيّة.
تكتسب دراسة مجالات اشتغال الإستراتيجيا وحدودها المفهوميّة أهمّيّة مركّبة تاريخيًّا ونظريًّا وعمليًّا. فمن النّاحية التّاريخيّة، يبرز مسار انتقال الإستراتيجيا من مفهوم عسكريّ خالص مرتبط بفنّ إدارة الحرب، كما عند Carl von Clausewitz، إلى مفهوم مدنيّ شامل شهد في القرن العشرين ما يمكن اعتباره «لحظة التّوسّع الكبرى»، حيث غدت الإستراتيجيا أداة لإدارة التّعقيد في الاقتصاد والسّياسة والتّنمية. ويعكس هذا التّحوّل تغيّر طبيعة التّحدّيات من الصّراع المسلّح إلى المنافسة الاقتصاديّة والتّخطيط الاجتماعيّ والتّنمية المستدامة (2).
أمّا نظريًّا، فتتمثّل الأهمّيّة في الحفاظ على تماسك المفهوم ووحدة دلالته رغم تعدّد مجالات استعماله، وتفادي تمييعه عبر التّعميم المفرط. ويقود ذلك إلى مساءلة علاقة الإستراتيجيا بنظريّات الفعل والقرار، ومدى قدرتها على الاستمرار كإطار تحليليّ موجّه للسّلوك المنظّم دون فقدان جوهرها.
وعمليًّا، تحتلّ الإستراتيجيا موقعًا مركزيًّا في صياغة السّياسات العامّة وإدارة المؤسّسات، لكنّها تنطوي في الآن نفسه على مخاطر سوء الاستعمال والتّطبيق السّطحيّ، كما نبّه إلى ذلك Henry Mintzberg. ومن ثمّ، يصبح ضبط حدود المفهوم شرطًا لتعزيز فعّاليّته وتجنّب إفراغه من قيمته التّحليليّة والتّوجيهيّة(3).
تتمحور الإشكاليّة حول التّساؤل عن «حدود صلاحيّة الإستراتيجيا كمنهج كونيّ لتوجيه الفعل». هل يمكن لمفهوم نشأ في سياق عسكريّ محدّد أن يحتفظ بصلابته المفهوميّة عند تطبيقه على ظواهر مختلفة جذريًّا؟ وهل يؤدّي هذا التّعميم إلى «تضخّم دلاليّ» يطمس الفروقات الجوهريّة بين التّخطيط الإستراتيجيّ في سياقاته الأصليّة وتطبيقاته الحديثة؟
2. الجزء الأوّل: مجالات اشتغال الإستراتيجيا
تاريخيًّا، ارتبط مفهوم الإستراتيجيا بالمجال العسكريّ، لكنّه سرعان ما تجاوز هذه الحدود ليصبح أداة تحليل وتوجيه في ميادين متعدّدة. يمكن تصنيف هذه المجالات إلى صراعيّة وسياسيّة من جهة، وتنظيميّة وتنمويّة من جهة أخرى.
1.2. العنصر الأوّل: الإستراتيجيا في المجالات الصّراعيّة والسّياسيّة
يظلّ المجال العسكريّ المهد التّاريخيّ للإستراتيجيا، إذ تُعنى بتخطيط وإدارة الحرب بوصفها أداة لتحقيق الغايات السّياسيّة للدّولة. وقد عرّفها Carl von Clausewitz بأنّها استخدام الاشتباكات لتحقيق غاية الحرب، بما يشمل تحديد الأهداف، وتعبئة الموارد، وتنسيق القوّات، واختيار الأساليب القتاليّة الملائمة. وفي هذا السّياق، قدّم B. H. Liddell Hart مفهوم «النّهج غير المباشر» القائم على تجنّب الصّدام المباشر واستهداف مواطن الضّعف غير المتوقّعة لدى الخصم(4).
أمّا في المجال السّياسيّ والدّبلوماسيّ، فتتجلّى الإستراتيجيا في إدارة العلاقات الدّوليّة وصياغة السّياسات الخارجيّة عبر التّفاوض والتّحالفات وأدوات الضّغط المختلفة. وتبرز هنا «الإستراتيجيا الكبرى» التي تُنسّق أدوات القوّة المتعدّدة لتحقيق أهداف طويلة المدى، كما بيّن Lawrence Freedman. كما تُستخدم الإستراتيجيا في إدارة الصّراع وتوازن القوى، عبر الرّدع وبناء القدرات واحتواء التّهديدات، بهدف تحقيق الاستقرار وتفادي التّصعيد.
2.2. العنصر الثّاني: الإستراتيجيا في المجالات التّنظيميّة والتّنمويّة
شهد مجال الاقتصاد وإدارة الأعمال توسّعًا ملحوظًا في توظيف مفهوم الإستراتيجيا، حيث غدت الإستراتيجيا التّنافسيّة محور نجاح المؤسّسات. ويعرّف Michael Porter الإستراتيجيا بأنّها خلق موقع فريد وقيّم عبر أنشطة مختلفة، بما يتيح بناء ميزة تنافسيّة مستدامة وتوجيه قرارات الاستثمار والابتكار والتّسويق والتّنظيم(5). وفي الإدارة العموميّة، تُعتمد الإستراتيجيا لتوجيه السّياسات والبرامج والميزانيّات نحو تحقيق الأهداف الوطنيّة وتحسين جودة الخدمات ضمن رؤية طويلة المدى. أمّا في مجال التّنمية والتّخطيط بعيد المدى، فتركّز الإستراتيجيا على صياغة خطط شاملة لتعبئة الموارد، وبناء القدرات، ومواجهة التّحدّيات الهيكليّة، بما يضمن تحقيق تنمية اقتصاديّة واجتماعيّة وبيئيّة مستدامة.
3. الجزء الثّاني: حدود الإستراتيجيا المفهوميّة
على الرّغم من التّوسّع الكبير في مجالات اشتغال الإستراتيجيا، والذي يعكس مرونة المفهوم وقدرته على التّكيّف، إلّا أنّ هذا التّوسّع لم يخلُ من تحدّيات أثّرت على تماسك المفهوم ودقّته. تبرز هنا إشكاليّة «التّضخّم المفهوميّ» و«فقدان التّحديد»، بالإضافة إلى حدود الإستراتيجيا في توجيه الفعل الإنسانيّ.
1.3. العنصر الأوّل: تضخّم المفهوم وفقدان التّحديد
أدّى الانتشار الواسع لمفهوم الإستراتيجيا إلى تعميمه على كلّ فعل منظّم، مهما كان بسيطًا أو قصير الأمد، فأصبح يُستعمل لوصف خطط إجرائيّة أو تكتيكات ظرفيّة، ما أفقده عمقه ودلالته الأصليّة. وتفاقم هذا التّوسّع مع الخلط بين الإستراتيجيا والتّكتيك والإدارة؛ إذ تختصّ الأولى بتحديد الأهداف الكبرى والاختيارات الحاسمة، بينما يُعنى التّكتيك بالتّنفيذ الجزئيّ، وتُعنى الإدارة بالتّسيير اليوميّ للموارد، كما يبيّن Henry Mintzberg. هذا الخلط أسهم في تآكل الدّقّة المفهوميّة، وحوّل الإستراتيجيا إلى مفهوم مطّاطيّ يُطلق على كلّ شيء تقريبًا، وهو ما حذّر منه Lawrence Freedman، لما يترتّب عنه من فقدان القيمة التّحليليّة والتّوجيهيّة للمفهوم.
2.3. العنصر الثّاني: حدود الإستراتيجيا في توجيه الفعل الإنسانيّ
تميل العديد من المقاربات الإستراتيجيّة، خصوصًا في مجالات الإدارة والأعمال، إلى اختزال الإنسان في عنصر أو متغيّر قابل للضّبط داخل معادلات النّجاعة والأداء، بما يهمّش تعقيده الوجدانيّ والقيميّ والرّمزيّ. ويؤدّي هذا المنظور الأداتيّ إلى التّركيز المفرط على الفعّاليّة والكفاءة، على حساب البعد الأخلاقيّ للفعل الإنسانيّ، إذ ليست كلّ إستراتيجيّة ناجحة من حيث النّتائج عادلة أو مشروعة من حيث القيم. كما يكشف هذا التّصوّر عن قصور في استيعاب الطّبيعة المركّبة للسّلوك البشريّ، الذي لا يخضع دائمًا لمنطق العقلنة والحساب، بل يتأثّر بعوامل نفسيّة واجتماعيّة وثقافيّة يصعب التّنبّؤ بها أو التّحكّم فيها، ما قد يفضي إلى نتائج عكسيّة تحدّ من جدوى الفعل الإستراتيجيّ ذاته.
4. ختامًا، 
لقد كشف هذا المقال عن العلاقة الجدليّة بين توسّع مجالات اشتغال الإستراتيجيا وحدودها المفهوميّة. فمنذ نشأتها في المجال العسكريّ، اتّسعت الإستراتيجيا لتشمل ميادين السّياسة والاقتصاد والإدارة والتّنمية، ممّا يعكس مرونتها وقدرتها على التّكيّف كمنهج لتوجيه الفعل الإنسانيّ المنظّم. ومع ذلك، فإنّ هذا التّوسّع لم يخلُ من تحدّيات، أبرزها «التّضخّم الدّلاليّ» الذي يهدّد بتآكل الدّقّة المفهوميّة للإستراتيجيا، والخلط بينها وبين التّكتيك والإدارة.
إنّ الإشكال الحقيقيّ لا يكمن في الاستعمال المتعدّد للإستراتيجيا في سياقات مختلفة، بل في «التّعميم غير المنضبط» الذي يحوّلها إلى مصطلح فضفاض يفتقر إلى التّحديد. فالمفهوم، لكي يحافظ على قيمته التّحليليّة والتّوجيهيّة، يجب أن يظلّ محدّدًا بحدود واضحة تميّزه عن غيره من المفاهيم، وتسمح له بتقديم إطار فكريّ متماسك لتوجيه الفعل الهادف. كما أنّ الإستراتيجيا، في سعيها لتوجيه الفعل، يجب أن تظلّ واعية بحدودها في استيعاب التّعقيد الإنسانيّ وأهمّيّة الأبعاد القيميّة والأخلاقيّة....
الهوامش
(1)    Freedman, L. (2013). Strategy: A History. Oxford University Press, Page 5
(2)      Clausewitz, C. von. (1976). On War. (M. Howard & P. Paret, Trans. & Eds.). Princeton University Press. Original work published 1832
(3)    Mintzberg, H. (1994). The Rise and Fall of Strategic Planning. Free Press
(4)     Liddell Hart, B. H. (1967). Strategy: The Indirect Approach. Frederick A. Praeger
(5)     Porter, M. E. (1980). Competitive Strategy: Techniques for Analyzing Industries and Competitors. Free Press