مكاشفات

بقلم
أ.د عبد الفتاح داودي
مخاض النّظام الدّولي الجديد: الجغرافيا السّياسيّة الإسلاميّة وصراع الأقطاب من الهيمنة إلى التّوازن
  يقف العالم اليوم أمام لحظةٍ تاريخيّةٍ مفصليّةٍ تتجاوز في دلالاتها حدود الأزمات الإقليميّة العابرة، لتلامس تخوم تحوّلٍ هيكليٍّ عميقٍ في بنية النّظام الدّوليّ برمّته. إنّ ما يشهده المسرح العالميّ الرّاهن ليس مجرّد اضطرابٍ عارضٍ في موازين القوى، بل هو انتقالٌ دراماتيكيٌّ من حقبة الأحاديّة القطبيّة -التي سادت أعقاب الحرب الباردة- نحو نظامٍ تعدّديٍّ معقّد، لم تعد فيه أدوات القوّة التّقليديّة كافيةً لفرض السّيطرة المطلقة. وفي قلب هذا التّحوّل الجيوسياسيّ المتفجّر، يبرز الفضاء الحضاريّ والجغرافيّ للعالم الإسلاميّ كحجر زاويةٍ في معادلة التّوازن الجديد؛ حيث تتحوّل ساحاته من مجرّد مناطق ضغطٍ طرفيّةٍ إلى مراكز ثقلٍ استراتيجيّةٍ تتقرّر فيها مآلات الصّراع بين القوى التّقليديّة والقوى الصّاعدة.
لقد استندت بنية النّظام الدّوليّ لعقودٍ طويلةٍ إلى تفوّق الغرب في مجالات التّكنولوجيا والتّمويل والعمل العسكريّ، إلا أنّ التّحوّلات الرّاهنة كشفت عن تصدّعاتٍ عميقةٍ في فاعليّة هذه القوّة. إنّ الحالة الماثلة في غزّة ولبنان واليمن -على سبيل المثال- تمثّل معضلةً استراتيجيّةً كبرى؛ حيث تعجز القوّة العسكريّة الفائقة عن تحويل التّفوّق الميدانيّ إلى حسمٍ سياسيٍّ ناجزٍ أمام إرادةٍ مجتمعيّةٍ صلبةٍ وعمقٍ قيميٍّ متجذّر.
إنّ هذا الفشل في تحقيق الحسم المطلق يعلن بوضوحٍ عن دخول العالم مرحلة «معضلة الّلاتماثل»؛ حيث فقدت أدوات الرّدع التّقليديّة قدرتها على الإخضاع الكليّ، ممّا منح القوى الطّامحة لإعادة تشكيل النّظام الدّوليّ فرصةً للمناورة ورفع سقف التّحدّي. وبناءً عليه، فإنّ هذا التّآكل في هيبة القطب الواحد يفتح الباب واسعًا أمام القوى الأوراسيّة الصّاعدة، وفي مقدّمتها الصّين وروسيا، لتقديم بدائل استراتيجيّةٍ وقواعد اشتباكٍ جديدةٍ تهدف إلى كسر الاحتكار الغربيّ لإدارة الشّأن العالميّ.
  في هذا السّياق المتلاطم، تبرز إيران كعقدةٍ جيوسياسيّةٍ مركزيّةٍ لا يمكن تجاوزها في صراع الأقطاب؛ فهي لم تعد مجرّد لاعبٍ إقليميٍّ يبحث عن نفوذٍ محليٍّ، بل تحوّلت إلى رقمٍ صعبٍ في معادلة التّوازن الدّوليّ عبر تراكم قدراتها التّقنيّة والدّفاعيّة واستثمارها الذّكيّ في الجغرافيا السّياسيّة. إنّ الاستهداف المستمرّ لإيران -سواءٌ عبر الضّغوط الاقتصاديّة أو المواجهات العسكريّة المباشرة- لا ينفصل عن الرّغبة الدّوليّة في السّيطرة على مفاصل الطّاقة العالميّة والممرّات المائيّة الحيويّة. فالموقع الاستراتيجيّ الإيرانيّ المطلّ على مضيق هرمز يمنحها قدرةً استثنائيّةً على التّأثير في التّدقّقات الاقتصاديّة الحيويّة، ممّا يجعلها في قلب الحسابات الجيوسياسيّة للقوى الكبرى. ومن هنا، يصبح الصّمود الإيرانيّ أمام استراتيجيّات الاحتواء القصوى نموذجًا لاختبار قدرة الدّول المتوسّطة على فرض سيادتها في وجه مشروعات الهيمنة؛ وهو الأمر الذي يُربك حسابات القوى التي تسعى لإبقاء منطقة الشّرق الأوسط ضمن دائرة التّبعيّة المطلقة.
 إنّ عودة الجغرافيا السّياسيّة الكلاسيكيّة إلى الواجهة تتجلّى بوضوحٍ في تحوّل الممرّات البحريّة -من باب المندب إلى مضيق هرمز وقناة السّويس- إلى أدوات ضغطٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ قادرةٍ على شلّ حركة التّجارة العالميّة، وإعادة تعريف التّضخّم العالميّ في ساعاتٍ قليلةٍ. وهذا التّرابط الصّراعيّ يؤكّد أنّ استقرار الفضاء الإسلاميّ هو شرطٌ بنيويٌّ لاستقرار النّظام الاقتصاديّ العالميّ؛ وهو ما يضع دول المنطقة أمام مسؤوليّةٍ تاريخيّةٍ لاستثمار هذه الأوراق الاستراتيجيّة.
فلم تعد هذه الممرّات مجرّد خطوطٍ جرافيّةٍ لنقل الطّاقة، بل أصبحت نقاط اختناقٍ جيوسياسيّةٍ يمكن من خلالها إعادة صياغة موازين القوى في لحظات الأزمات الكبرى. إنّ القدرة على التّأثير في هذه الممرّات تمنح الفاعلين الإقليميّين ثقلاً تفاوضيًّا يتجاوز حدود إمكاناتهم الاقتصاديّة المباشرة، ويجعل من العالم الإسلاميّ شريكًا لا غنى عنه في أيّ ترتيباتٍ أمنيّةٍ أو اقتصاديّةٍ دوليّةٍ قادمةٍ.
علاوةً على ذلك، يعيش النّظام الدّوليّ أزمة شرعيّةٍ حادّةً نتيجة التّآكل المتسارع للمنظومة القيميّة التي بشّر بها الغرب طويلاً؛ إذ إنّ ازدواجيّة المعايير في التّعاطي مع الأزمات الإنسانيّة والنّزاعات الدّوليّة أدّت إلى سقوط الأقنعة عن الشّعارات المرتبطة بحقوق الإنسان والقانون الدّوليّ. وهذا الانهيار في الصّدقيّة الأخلاقيّة يفسح المجال لصعود براغماتيّةٍ قطبيّةٍ جديدةٍ، حيث يتمّ استبدال الخطاب القيميّ بمنطق المصالح الصّرفة وتوازن الإرادات الصّلبة.
وفي ظلّ هذا الفراغ الأخلاقيّ، تبرز التّكنولوجيا كمحرّكٍ أساسيّ لتوزيع القوّة؛ إذ أدّت ثورة الطّائرات المسيّرة والحروب السّيبرانيّة والذّكاء الاصطناعيّ إلى ما يمكن تسميته بـ «ديمقراطيّة القوّة». لقد أتاحت هذه التّقنيّات لفاعلين غير تقليديّين امتلاك أدوات ردعٍ دقيقةٍ وفعّالةٍ وبتكلفةٍ منخفضةٍ، ممّا كسر احتكار الدّول العظمى للتّفوّق العسكريّ. إنّ هذا التّحوّل التّقنيّ هو أحد أهمّ العوامل التي تسرّع من وتيرة الانتقال نحو نظامٍ متعدّد الأقطاب.
إنّ القراءة العميقة لهذا المشهد تفرض على العالم الإسلاميّ ضرورة الانتقال من موقع «المفعول به» إلى موقع «الفاعل الاستراتيجيّ»؛ إذ لم يعد مقبولاً أن يظلّ هذا الفضاء الحضاريّ -بكلّ ما يمتلكه من موارد طبيعيّةٍ وموقعٍ جغرافيٍّ فريدٍ وعمقٍ بشريٍّ هائلٍ- مجرّد ساحةٍ لتصفية حسابات القوى الكبرى. 
إنّ الانتقال نحو التّعدّديّة القطبيّة يمنح دول المنطقة هوامش مناورةٍ غير مسبوقةٍ للفكاك من قيود التّبعيّة الأحاديّة.
وهذا الأمر يتطلّب بناء استراتيجيّةٍ موحّدةٍ تعتمد على التّكامل الجيواقتصاديّ، بحيث تتحوّل الموارد الطّبيعيّة والممرّات المائيّة من نقاط ضعفٍ ومطامع للآخرين إلى أدوات قوّةٍ وضغطٍ في خدمة المصالح العليا لشعوب المنطقة. إنّ الاستقلال التّكنولوجيّ وبناء القدرات الدّفاعيّة الذّاتيّة لم يعودا مجرّد خيارٍ، بل هما ضرورةٌ وجوديّةٌ في عالمٍ لا يحترم إلّا الأقوياء، ولا يعترف إلّا بالفاعلين القادرين على التّأثير في مجريات الأحداث.
وفي ظلّ هذا التّنافس العالميّ المحموم، تسعى الصّين عبر مشروع «الحزام والطّريق» إلى إعادة ربط العالم عبر شبكاتٍ تجاريّةٍ تمرّ بقلب العالم الإسلاميّ، بينما تحاول روسيا استعادة دورها كضامنٍ للأمن في مواجهة التّوسّع الغربيّ. إنّ هذا التّنافس يمنح الدّول الإسلاميّة فرصةً للعب دور «الوسيط الاستراتيجيّ»، وبناء شراكاتٍ متنوّعةٍ تخدم التّنمية المستقلّة؛ فالسّيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعني الانعزال، بل تعني القدرة على الاختيار والمناورة في بيئةٍ دوليّةٍ شديدة التّعقيد. ومن هنا، تبرز أهمّيّة تعزيز التّكتّلات الإقليميّة وتجاوز الخلافات البينيّة الصّغرى لصالح الرّؤية الكبرى التي تضمن للفضاء الإسلاميّ مكانًا تحت شمس النّظام الدّوليّ الجديد.
إنّ الصّراع الدّائر اليوم هو صراعٌ على مستقبل الهويّة العالميّة وشكل القواعد التي ستحكم العالم في العقود القادمة؛ فبين منطق الهيمنة الذي يسعى لتأبيد الوضع الرّاهن، ومنطق التّعدّديّة الذي ينشد توازنًا أكثر عدلاً، تتحدّد ملامح المرحلة المقبلة. إنّ العالم الإسلاميّ يمتلك كافّة المقوّمات ليكون قطبًا حضاريًّا مستقلاًّ، شريطة أن يمتلك الإرادة السّياسيّة والرّؤية الاستراتيجيّة لتحويل عناصر القوّة الكامنة إلى فعلٍ حقيقيٍّ على أرض الواقع. وإنّ الصّمود المجتمعيّ الذي نراه في غزّة وفي مناطق أخرى هو الوقود الحقيقيّ لهذا التّحوّل؛ فهو يثبت أنّ القوّة لا تكمن فقط في التّرسانات العسكريّة، بل في القدرة على التّحمّل والتّمسّك بالحقوق المشروعة.
ختامًا، إنّ النّظام الدّوليّ الذي يتشكّل في رحم الأزمات الرّاهنة سيكون نظامًا تتعدّد فيه مراكز القرار وتتنوّع فيه مصادر القوّة. وفي هذا المخاض الكبير، يبقى موقع العالم الإسلاميّ مرهونًا بقدرته على إعادة تعريف نفسه كفاعلٍ حضاريٍّ وسياسيٍّ واقتصاديٍّ؛ فالتّاريخ لا يهب الفرص إلّا للأمم التي تجرؤ على المبادرة وتدرك حجم التّحوّلات من حولها. واللّحظة الرّاهنة -رغم قسوتها وتكلفتها العالية- هي اللّحظة الأنسب لإعادة بناء الدّور الحضاريّ والمساهمة الفاعلة في صياغة نظامٍ دوليٍّ أكثر توازنًا؛ نظامٍ يحترم سيادة الشّعوب ويؤمن بأنّ العدالة هي الرّكيزة الوحيدة لاستقرار العالم واستمراره. إنّ المستقبل يُصنع الآن في ميادين الصّراع وممرّات التّجارة ومختبرات التّكنولوجيا، ومن لا يحجز مكانه في هذه السّاحات سيجد نفسه خارج سياق التّاريخ في عالمٍ لا يرحم الضّعفاء