في العمق

بقلم
د.عبدالله التركماني
مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية (1/2)
 منذ تسعينيّات القرن الماضي يشهد العالم مناقشات خصبة وجادّة حول دور الثّقافة عامّة والكتاب خاصّة في ظلّ مجتمع المعرفة، والطّريقة المُثلى للتّعامل مع ثورة تكنولوجيا الاتّصال والمعلومات. فإلى جانب المفكّرين والمثقّفين شاركت المنظّمات الدّوليّة والإقليميّة المعنيّة بقضايا الثّقافة مشاركة فعّالة في استجلاء جوانب هذه القضايا، وفي مقدّمتها منظّمة «اليونسكو» و«المنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم» اللّتان طوّرتا اهتمامهما بهذه القضايا، وصاغتا برامج ونظّمتا ندوات من أجل التّنمية الثّقافيّة للتّعاطي مع المستقبل.
وهكذا، يشهد العالم مرحلة إعادة نظر جذريّة في قضيّة الثّقافة، بل إعادة اعتبار لها من زاوية استراتيجيّات المستقبل، خاصّة أنّ التّطوّرات الجارية تبشّر بمستقبل جديد على مستوى الإنجاز المادّيّ والتّقدّم التّكنولوجيّ، ومراكز البثّ الإلكترونيّ، وبرامج التّنفيذ في مجالات الإدارة والعمل الوظيفيّ. وكان من نتيجة تلك التّطوّرات أن انتشرت مصطلحات جديدة: «مجتمع المعرفة» و«مجتمع المعلومات» و«مجتمع الاستهلاك» و«ما بعد الحداثة» و«ما بعد المجتمع الصّناعيّ».
ولأنّ مجتمع المعرفة مرتبط أشدّ الارتباط بـ «اقتصاديّات المعرفة» بوصفه مصدرا مهمّا لثروات الأمم اليوم، فإنّ تنمية الرّأسمال البشريّ تعدّ مطمح الأمم الحيّة. وهنا تتنزّل أهمّيّة الكتاب ودوره في التّنمية الثّقافيّة، باعتباره إحدى أهمّ وسائل هذه التّنمية.
إنّ ثورة المعلومات، الّتي أصبحت هي الميزة الرّئيسيّة للقرن الحادي والعشرين، تأثّرت أو تداخلت مع ثورة أخرى وهي ثورة وسائل الاتّصال الحديثة، وكلّ هذا أدّى إلى انفجار معلوماتيّ كبير جدّا ممّا جعل من العسير على الإنسان استيعاب كلّ المعلومات المتوفّرة ودراستها واستغلالها كما ينبغي. وهذه الصّعوبة تحتّم على الأفراد والمجتمعات تطوير تقنيّات وأساليب تجميع المعلومات وتخزينها ومعالجتها بطريقة رشيدة وذكيّة وعقلانيّة. ولهذا أصبح التّنافس على الصّعيد العالميّ في يومنا هذا تنافسا على إنتاج المعلومة وكيفيّة استغلالها واستعمالها في المجال الصّحيح.
إنّ الحديث عن دور الكتاب في مجتمع المعرفة يندرج في إطار أيّ حديث عن الثّقافة والحضارة، لأنّ الكتاب كان ولا يزال أداة تواصل بين الأفراد والأجيال والأمم. فهو يشكّل الوسيلة الأساسيّة في تناقل المعرفة وتأمينها من الزّوال، إضافة إلى دوره في التّنشئة الاجتماعيّة للفرد وتوسيع آفاقه. لذلك تعدّ رعاية الإبداع وترقيته من بين المتطلّبات الحاليّة للمجتمعات المتطوّرة، نظرا لما لهذا الأمر من أثر إيجابيّ على المستويين الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثّقافيّ والحضاريّ. وترتكز هذه الرّعاية على الآليّات الّتي تتيحها السّياسات الثّقافيّة في الدّول العربيّة.
وهكذا، فإنّ مقاربتنا تحاول تناول موضوعات رئيسيّة: ما هو مجتمع المعرفة؟ وما هو واقع التّنمية الثّقافيّة العربيّة وآفاقها؟ وما هو دور الكتاب العربيّ؟ إذ تبدو الحاجة ماسّة لنظرة أشمل لصناعة الكتاب العربيّ في عصر مجتمع المعرفة.‏ سنعالج في هذه الحلقة الشؤال الأول حول ماهية مجتمع المعرفة على أن نعالج الأسئلة الأخرى في الحلقة الثانية.
1. مجتمع المعرفة
أصبح مصطلح ثورة المعلومات وغيره من المفاهيم، كالمجتمع المعلوماتيّ ومجتمع المعرفة ومجتمع الحاسوب ومجتمع ما بعد الصّناعة ومجتمع ما بعد الحداثة، ومجتمع اقتصاد المعرفة والمجتمع الرّقميّ وغيرها من المصطلحات، المميّز الرّئيسيّ لحقبة تاريخيّة مهمّة من تاريخ البشريّة. ومجتمع المعرفة هو ذلك المجتمع الّذي يُحسِن استعمال المعرفة في تسيير أموره وفي اتّخاذ القرارات الرّشيدة، وكذلك هو ذلك المجتمع الّذي ينتج المعلومة لمعرفة خلفيّات الأمور وأبعادها بمختلف أنواعها. لقد أفضت الثّورة المعرفيّة إلى مجتمع المعرفة الّذي أصبح يعتمد – أساسا – على المعارف بوصفها ثروة أساسيّة، أي على خبرة الموارد البشريّة وكفاءتها ومعارفها ومهاراتها بوصفها أساسا للتّنمية البشريّة الشّاملة، أي أنّه من هذه الموارد المعرفيّة يمكن إنتاج الكسب واستغلال الطّاقات الإنتاجيّة بصفة أفضل من ذي قبل.
إنّ مجتمع المعرفة، بوضعه المعرفة في قلب المعادلات على اختلاف أنواعها «يشكّل فرصة تاريخيّة نادرة ونقلة نوعيّة فريدة تجعل من المعرفة أساس السّلطان والكسب والجاه»، كما أنّ مجتمع المعرفة «يضع الإنسان بوصفه فاعلا أساسيّا، إذ هو معين الإبداع الفكريّ والمعرفيّ والمادّيّ، كما أنّه الغاية المرجوّة من التّنمية البشريّة بوصفه عضوا فاعلا يؤثّر ويتأثّر ويبدع لنفسه ولغيره» من خلال شبكات التّبادل والتّخاطب والتّفاعل. وهكذا يتبيّن أنّ المعادلة الاقتصاديّة الجديدة «لا تعتمد أساسا على وفرة الموارد الطّبيعيّة ولا على وفرة الموارد الماليّة فقط، بل على المعرفة والكفاءات والمهارات، أي على العلم والابتكار والتّجديد» (1). 
1.1.  توصيف عام لمجتمع المعرفة
ثمّة مصطلحات عديدة استخدمت في توصيف مجتمع المعرفة انطلاقا من المنظور السّياسيّ أو الاقتصاديّ أو الاجتماعيّ، فأحيانا يطلق عليه «المجتمع ما بعد الصّناعيّ» كما أطلق عليه عالم الاجتماع الفرنسيّ الشّهير «آلان تورين»، وأحيانا أخرى «المجتمع المعلوماتيّ» أو «مجتمع المعرفة». إنّ كلّ هذه التّوصيفات تقوم على محاولة إنشاء صلة رمزيّة بين ثقافة ما بعد الحداثة وظرف اجتماعيّ معيّن، فهي تربط بين ولادة «مجتمع ما بعد الصّناعة» وبين «ثقافة ما بعد الحداثة»، ويبدو أنّ المفكّر الاجتماعيّ الأمريكيّ «دانييل بل» هو الأبرز في دراسة هذه العلاقة الاتّصاليّة، حيث يميّز بوضوح بين التّحوّلات الطّارئة على الميدان الاقتصاديّ، وتلك الّتي جدّت على مجمل الحقل الاجتماعيّ، حيث إنّ جوهر الاقتصاد ما بعد الصّناعيّ هو المعرفة، بحيث إنّ البنية الاجتماعيّة المهنيّة الجديدة إنّما تنتظم حول الكفاءات الذّهنيّة، وصفة «ما بعد» ترتبط هنا بالتّداعيات النّاتجة عن الشّخصنة داخل كلّ قطاعات المجتمع، وهو لذلك يدعو إلى النّظر في طبيعة المجتمع ما بعد الصّناعيّ انطلاقا من تفكّك مبادئ الحركة والعمل فيه، أكثر من النّظر في الوحدة والتّماسك المفترضين لنظامه الاجتماعيّ.
2.1.  الأبعاد المختلفة لمجتمع المعرفة
أصبح لمجتمع المعرفة أبعاد مختلفة ومتشابكة يجب استغلالها كما ينبغي حتّى لا نبقى نعيش على هامش المجتمع الدّوليّ، ومن أهمّ هذه الأبعاد ما يلي (2):
(1) - البعد الاقتصاديّ، إذ تعدّ المعلومة في مجتمع المعرفة هي السّلعة أو الخدمة الرّئيسيّة والمصدر الأساسيّ للقيمة المضافة وخلق فرص العمل وترشيد الاقتصاد، وهذا يعني أنّ المجتمع الّذي ينتج المعلومة ويستعملها في مختلف شرايين اقتصاده ونشاطاته المختلفة هو المجتمع الّذي يستطيع أن ينافس ويفرض نفسه.
(2) - البعد التّكنولوجيّ، إذ إنّ مجتمع المعرفة يعني انتشار تكنولوجيا المعلومات وسيادتها وتطبيقها، بما فيها الكتاب الإلكترونيّ، في مختلف مجالات الحياة في المصنع أو المزرعة والمكتب والمدرسة والبيت... إلخ. وهذا يعني كذلك ضرورة الاهتمام بالوسائط الإعلاميّة والمعلوماتيّة وتكييفها وتطويعها حسب الظّروف الموضوعيّة لكلّ مجتمع سواء فيما يتعلّق بالعتاد أو البرمجيّات، كما يعني البعد التّكنولوجيّ لثورة المعلومات توفير البنية اللّازمة من وسائل اتّصال وتكنولوجيا الاتّصالات وجعلها في متناول الجميع.
(3) - البعد الاجتماعيّ، إذ يعني مجتمع المعرفة سيادة درجة معيّنة من الثّقافة المعلوماتيّة في المجتمع وزيادة مستوى الوعي بتكنولوجيا المعلومات وأهمّيّة المعلومة ودورها في الحياة اليوميّة للإنسان. والمجتمع هنا مطالب بتوفير الوسائط والمعلومات الضّروريّة من حيث الكمّ والكيف ومعدّل التّجدّد وسرعة التّطوير للمواطن.
(4) - البعد الثّقافيّ، إذ يعني مجتمع المعرفة إعطاء أهمّيّة بالغة للمعلومة والمعرفة والاهتمام بالقدرات الإبداعيّة للأشخاص وتوفير إمكانيّة حرّيّة التّفكير والإبداع والعدالة في توزيع العلم والمعرفة والخدمات بين الطّبقات المختلفة في المجتمع، كما يعني نشر الوعي والثّقافة في الحياة اليوميّة للفرد والمؤسّسة والمجتمع ككلّ.
(5) - البعد السّياسيّ، إذ يعني مجتمع المعرفة إشراك المواطنين في اتّخاذ القرارات بطريقة رشيدة وعقلانيّة أي مبنيّة على استعمال المعلومة، وهذا بطبيعة الحال لا يحدث إلّا بتوسيع إمكانيّة نشر الكتب وتوفير حرّيّة تداول المعلومات وتوفير مناخ سياسيّ مبنيّ على الدّيمقراطيّة والعدالة والمساواة وإدماجهم في عمليّة اتّخاذ القرار والمشاركة السّياسيّة الفعّالة.
إنّ مجتمع المعرفة لا يقتصر على إنتاج المعلومة وتداولها، وإنّما يحتاج إلى ثقافة تقيّم وتحترم من ينتج هذه المعلومة ويستغلّها في المجال الصّحيح، وهو ما يتطلّب إيجاد محيط ثقافيّ واجتماعيّ وسياسيّ يؤمن بالمعرفة ودورها في الحياة اليوميّة للمجتمع.
3.1.  الأسس الرئيسيّة لظاهرة ما بعد الحداثة
إنّ حركة ما بعد الحداثة تشكّل أحد مظاهر ثقافة مجتمع المعرفة فما هي أسسها الرّئيسيّة، الّتي لها آثار عميقة في مناهج البحث في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة؟ (3):
(1) - تسعى حركة ما بعد الحداثة لتحطيم السّلطة الفكريّة للأنساق الفكريّة الكبرى المغلقة، الّتي عادة ما تأخذ شكل الأيديولوجيّات، على أساس أنّها في زعمها تقدّم تفسيرا كلّيّا للظّواهر، وأنّها ألغت حقيقة التّنوّع الإنسانيّ، وانطلقت من حتميّة وهميّة لا أساس لها.
(2) - هناك في مشروع الحداثة تقابل بارز بين فئتين: الذّات والموضوع. وتعود حركة ما بعد الحداثة، في جانبها التّشكيكيّ، إلى إلغاء الذّات الحديثة، إذ يرى مفكّرو تيّار ما بعد الحداثة أنّ الذّات من اختراع المجتمع الحديث، وهي ربيبة عصر التّنوير والعقلانيّة. والمفاهيم الحديثة، سواء أكانت علميّة أم سياسيّة، كلّها تفترض ذاتا مستقلّة، وإذا ألغيت الذّات فمعنى ذلك إلغاء تلقائيّ لكلّ المفاهيم الحديثة المرتبطة بها.
(3) - لحركة ما بعد الحداثة أفكار محدّدة وجديدة حول التّاريخ والجغرافيا. ففيما يتعلّق بالتّاريخ بوصفه علما مستقلا، أو مدخلا لكثير من العلوم الاجتماعيّة، تريد الحركة أن تنزله من موقعه وتقلّل من أهمّيّته ومن كثرة الاعتماد عليه. فالتّاريخ، في رأي هؤلاء المفكّرين، اختراع للأمم الغربيّة الحديثة، قام بدوره في قمع شعوب عالم الجنوب والمنتمين إلى حضارات أخرى غير غربيّة. والتّقليل من أهمّيّة التّاريخ يُرَدّ إلى فكرة أساسيّة مفادها أنّ الحاضر الّذي نعيشه، باعتباره نصّا، ينبغي أن يكون هو محور اهتمامنا. وليس التّاريخ مهمّا إلّا بقدر ما يلقي الضّوء على الأحوال المعاصرة.
ومن ناحية أخرى، فإنّ حركة ما بعد الحداثة لها مفهومها عن الزّمن، إذ يرفض أصحاب الحركة أيّ فهم تعاقبيّ أو خطّيّ للزّمن. فهذا الفهم للزّمن يعدّه هؤلاء المفكّرون قمعيّا، لأنّه يقيس كلّ أنشطة الإنسان ويضبطها، وهم يقدّمون مفهوما آخر للزّمن يتّسم بعدم الاتّصال وبالفوضويّة. ويستخدم الباحثون من أنصار ما بعد الحداثة هذه المفاهيم عن الزّمن لكي يلغوا الفرق بين السّياسات الدّاخليّة والسّياسات الدّوليّة، فهم يضعون العلاقات الدّوليّة المنتمية إلى ما بعد الحداثة في موضع يطلقون عليه «اللّامكان».
(4) - لحركة ما بعد الحداثة أفكار عن دور النّظريّة، وعن نفي ما يطلقون عليه «إرهاب الحقيقة». وهم يعدّون السّعي إلى الحقيقة، بوصفه هدفا أو مثالا، إحدى سمات الحداثة الّتي يرفضونها. والفكرة الجوهريّة هنا أنّ الحقيقة يكاد يكون من المستحيل الوصول إليها، فهي إمّا أن تكون لا معنى لها أو أن تكون تعسّفيّة. والنّتيجة واحدة، فليس هناك فرق بين الحقيقة وأكثر الصّياغات البلاغيّة أو الدّعائيّة تشويها للحقيقة. ومن هنا ترفض الحركة أيّ زعم باحتكار ما يسمّى «الحقيقة»، لأنّ في ذلك إرهابا فكريّا غير مقبول.
ومن ناحية أخرى ترفض حركة ما بعد الحداثة النّظريّة الحديثة، في زعمها إمكان سيطرة نظريّة واحدة على علم بكامله أو على تخصّص بأسره. وتريد تقليص دور النّظريّة وإحلال حركة الحياة اليوميّة محلّها، والتّركيز على ديناميّات التّفاعل في المجتمعات المحلّيّة، تلافيا لعمليّة التّعميمات الجارفة الّتي تلجأ إليها النّظريّات، الأمر الّذي يؤدّي - عمليّا - إلى تغييب الفروق النّوعيّة، وإلغاء كلّ صور التّعدّديّة الثّقافيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة.
(5) - ترفض حركة ما بعد الحداثة كلّ عمليّات التّمثيل، سواء أخذت شكل الإنابة البرلمانيّة أو زعم الفنّان التّشكيليّ أنّه يحاكي في لوحته ما يراه في الواقع.
(6) - لحركة ما بعد الحداثة أفكار محدّدة في مجال الإبستمولوجيا ومناهج البحث، وتشمل هذه الأفكار كثيرا من المقولات عن الحقيقة والسّببيّة والتّنبّؤ والنّسبيّة والموضوعيّة ودور القيم في البحث العلميّ، وعن منهجيّة التّفكيك ودور التّأويل الحدثيّ، وعن مستويات الحكم ومعايير التّقويم.
وهكذا، تتقدّم حركة ما بعد الحداثة نافية الحداثة ومعلنة رفضها لكلّ أسسها وأصولها، فالحداثة كانت «إمبرياليّة وذات نزعة ذكوريّة متمركزة» في حين أنّ ما بعد الحداثة «ترفع راية التّحرّر».
إنّ المجتمع ما بعد الحداثيّ يبدو أشبه بمجتمع الخدمة الذّاتيّة، والإغراء فيه بمثابة مسار شامل، ينزع إلى تنظيم الاستهلاك والمنظّمات والإعلام والتّربية والأخلاق، وهكذا جاءت علاقات الإغراء بديلا عن علاقات الإنتاج. إنّه يتّجه نحو الحدّ من العلاقات السّلطويّة والزّيادة في الخيارات الخّاصّة وفي منح الأولوية إلى التّعدّديّة، والازدراء بالقيم الكبرى وبالغايات الّتي تنظّم العلاقات في الأسرة والعمل والجيش وغيرها، ويعمّم السّلبّيّة بوصفها القيمة الوحيدة الّتي يسعى الجميع لتحقيقها وهو ما ينتهي بالمجتمع إلى حالة من التّشتّت والقلق والتّشاؤم.
ومهما كان أمر الحركات الفكريّة المختلفة، بما فيها حركة ما بعد الحداثة الّتي قد لا تعنينا كثيرا في العالم العربيّ على اعتبار أنّنا لم ننخرط في عمق الحداثة أصلا، فمن المؤكّد أنّ تنمية منظومة تكنولوجيا المعلومات ودمجها العضويّ في مؤسّساتنا التّعليميّة ومجتمعاتنا تشكّل حاجة ملحّة في عصر مجتمع المعرفة. مع العلم أنّ هذه المنظومة تحمل في طيّاتها قيما معرفيّة وثقافيّة مهمّة، إنّها القيم المتّصلة بالحاضر والمستقبل، إنّها الرّوح الوثّابة والمنهج النّقديّ الّذي يستفزّ ركوننا إلى المسلّمات الموجودة، ويحثّنا على مراجعتها وإعادة النّظر فيها.
4.1. ثقافة الصّورة وما بعد المكتوب
إنّ ثقافة القرن الحادي والعشرين ستتميّز بالانتقال من الفطريّ إلى المكتسب، ومن البسيط إلى المعقّد، ومن التّقليد إلى التّجديد. وفي إطار كلّ ذلك سوف تترسّخ ثقافة الفكر النّقديّ، الّذي لا يسلّم بقضيّة إلّا إذا اقتنع بعقلانيّتها. ولكنّ ذلك سيتمّ في ظلّ تراجع الثّقافة المكتوبة إلى حدّ بعيد، لأنّها ليست من الأدوات الوظيفيّة لثقافة مجتمع المعرفة. إذ إنّ ثقافة العولمة هي ثقافة ما بعد المكتوب، الثّقافة الّتي يُؤرّخ ميلادها لاحتضار الثّقافة المكتوبة، وليست ثقافة ما بعد المكتوب تلك سوى ثقافة الصّورة. أي أنّ الصّورة هي المفتاح السّحريّ للنّظام الثّقافيّ الجديد، وهذا في أساس شعبيّتها وتداولها الجماهيريّ الواسع، بل هذا في أساس خطورتها في الوقت نفسه.
ومن جهة أخرى، فإنّ التّغيير سيطال أسس العمل نفسها، ذلك أنّ العمل في أيّ حقل كان سيتوقّف على إدارة المعلومات والتّصرّف بها عبر الأدمغة الاصطناعيّة ووسائل الإعلام. ولذا سنشهد ولادة فاعل بشريّ جديد هو الإنسان الرّقميّ الّذي ينتمي إلى عمّال المعرفة (ذوي الياقات البيضاء) الّذين يردمون الهوّة بين العمل الذّهنيّ والعمل اليدويّ، إذ لا فاعليّة في العمل من غير معرفة قوامها الاختصاص والقدرة على قراءة رموز الشّاشات، وهو ما سيطرح فهما جديدا هو «العمّالة المعرفيّة».
5.1.  الهويّة والخصوصيّات الثّقافيّة وضرورة تجسيد التّنوّع البشري
يكاد سؤال الهويّة يكون الهاجس الوحيد الثّابت في أيّة مقاربة لسيرورة مجتمع المعرفة، خاصّة أنّها أدخلت العالم في تفاعلات ومواجهات لم يعرفها من قبل، بسبب إسقاطها المستمرّ لحدود الزّمان والمكان. لذلك أصبحت الشّعوب والدّول والثّقافات أكثر حاجة للبحث عن شروط ومواصفات تؤكّد اختلافها وتمايزها، بقصد تكوين علاقة واضحة بين الأنا والآخر.
إنّ أشدّ ما يقلق البعض في القضايا الّتي يثيرها مجتمع المعرفة هو ما لها من آثار على الهويّة والخصوصيّات الثّقافيّة، وهو قلق له ما يبرّره في ظلّ ما نراه من محاولات قوى الهيمنة الاقتصاديّة تنميط سلوكيّات البشر وثقافتهم في المجتمعات كافّة وإخضاعها لنظام قيم وأنماط سلوك سائدة في مجتمعات استهلاكيّة، إذ يحمل فيض الأفكار والمعلومات والصّور والقيم القادمة إلى كثير من المجتمعات إمكانيّة تفجّر أزمة الهويّة، الّتي أصبحت من المسائل الرّئيسيّة الّتي تواجه التّفكير الإنسانيّ على المستوى العالميّ. وفي سياق هذه الأزمة تنبعث العصبيّات القبليّة والطّائفيّة والمذهبيّة والقوميّة الضّيّقة، وتزداد الرّغبة في البحث عن الجذور وحماية الخصوصيّة.
ويبدو أنّ هاجس الخصوصيّة الثّقافيّة هو نفسه هاجس الأصالة والمعاصرة معا، إذ يخطئ من يعتقد أنّ حماية الذّات الثّقافيّة تكمن في عزلها عن العالم الخارجيّ وحمايتها من مؤثّرات الثّقافة الكونيّة. فغنيّ عن التّوكيد أنّ الذّات الثّقافيّة المطلوب حمايتها من الاغتراب هي ثقافة الإبداع وليس الاستهلاك، ثقافة التّغيير الشّامل وليس ثقافة الجمود والاحتماء بالسّلف الصّالح، ثقافة الوحدة الوطنيّة بأفقها الإنسانيّ الحضاريّ لا ثقافة الأجزاء المفكّكة للوطن.
على أنّ بعض الدّراسات تحاول التّركيز على تاريخيّة الهويّة ونسبيّتها وعدم الإقرار بثباتها، وهو ما يجعلها مرنة قد تتعايش مع ثقافات أخرى أو تقتبس منها، بل قد تساعدها عوامل التّقارب وسقوط الحواجز على تفاعل إيجابيّ وخلّاق مع مجتمع المعرفة. لذلك، قد يكون السّؤال ليس كيف نقاوم ثقافة مجتمع المعرفة ونحمي أنفسنا منها، ولكن كيف نعيش عالمنا الرّاهن بواقعيّة ودون تناقضات وتأزّم وبلا إحساس بعقدة نقص أو خوف؟ كما أنّ بعض المقاربات ترى أنّ هذه الثّقافة لا تهدّد الهويّة بالفناء أو التّذويب، بل تعيد تشكيلها أو حتّى تطويرها لتتكيّف مع الحاضر، فالإنسان يتّجه نحو إمكانيّة أن يعيش بهويّات متعدّدة، دون أن يفقد أصالته الوطنيّة.
إنّ الثّقافات الإنسانيّة، مهما أغرقت في تفرّدها وأصالتها، هي ثقافات مولّدة، وهي حصيلة تلاقح وتفاعل مع الآخر أكثر ممّا هي ناجمة عن عبقريّة خالصة صافية. ومعنى هذا أنّ أحدا لا يستطيع أن يزعم اليوم أنّ ثقافة ما، مهما كانت منزلتها في نظر أصحابها، تستطيع أن تدّعي لنفسها مكانة متميّزة تستأثر بها دون سائر الثّقافات، أو أن تنظر إلى نفسها نظرة السّيّد السّامي وتنظر إلى غيرها نظرة العبد.
علينا أن ندعو إلى شراكة معرفيّة بين منتجي المعرفة والعلم في الشّرق والغرب معا، في الجنوب والشّمال معا، وفي كلّ أرجاء العالم، وأن ندعو بالمقدار نفسه إلى توظيف حصيلة هذه الشّراكة وما تنتجه من معرفة وعلم في خدمة الإنسان، بصرف النّظر عن جنسه ولونه ولغته ودينه، وأن نرفض مبدأ احتكار المعرفة تحت أيّة مظلّة يحتمي.
ولا يفارق الوعي بهذه النّزعة منطق المساءلة الّذي يضع لوازم ثقافة مجتمع المعرفة موضع البحث، كاشفا عن إمكاناتها واحتمالاتها المتعارضة، لا من المنظور الّذي يرى بعدا واحدا من الظّاهرة، وإنّما من المنظور الّذي يلمح التّناقض داخل الظّاهرة نفسها، ومن ثمّ يكشف عن إمكانات أن تنقلب بعض الوسائل على غاياتها الأوّليّة، فتؤدّي وظائف مغايرة ومناقضة في حالات دالّة. فلا شكّ في أنّ ثورة المعلومات وتقدّم تقنيّات الاتّصال، الملازمة لمجتمع المعرفة، يمكن أن تؤدّي إلى نقيض الهيمنة لو تمّ توظيفها بعيدا عن الاستغلال، ومن ثمّ إدراكها وإخضاعها لشروط مغايرة من علاقات الاعتماد المتبادل للتّنوّع البشريّ الخلّاق.
إنّ الثّقافة المواكبة لمجتمع المعرفة هي تلك الّتي تجعل من نفسها صدى للثّورة المعرفيّة والتّكنولوجيّة واستجابة لمتطلّباتها، وهو ما يفتح لها أفقا لتركب مركبة التّاريخ ولا تتقهقر أو تهمّش، ولتستوعب قيم التّجديد الحضاريّ، ولتبلور حداثة حقيقيّة.
6.1.  ثورة النّشر الإلكتروني
شهد العقدان الأخيران من القرن المنصرم طفرات متوالية في حقلي الاتّصال والمعلومات، وفي مقدّمتها ثورة الإنترنت ثمّ ثورة الوسائط المعلوماتيّة «الإنفوميديا» وهما الذّروتان الثّانية والثّالثة في مسيرة الثّورة المعلوماتيّة بعد الذّروة الأولى المتمثّلة في ظهور الحاسوب الشّخصيّ. هذه الثّورة الّتي ورثها قرننا الجديد تتصاعد وتيرة إنجازاتها منذ بداية تسعينيّات القرن العشرين، وتتواصل خطاها الآن سعيا إلى قفزة جديدة يمكن عدّها الذّروة الرّابعة الكبرى في الثّورة الاتّصاليّة المعلوماتيّة، المتمثّلة في «طريق المعلومات السّريع» مع الذّكاء الاصطناعيّ.
وفي غضون السّنوات القليلة المقبلة ستكتمل ملامح ثورة نوعيّة داخل هذا التّيّار المتواصل من الثّورات المعلوماتيّة المتتالية ألا وهي ثورة «النّشر الإلكترونيّ» (4). فالسّنوات القليلة القادمة ستشهد تطوّرا متسارعا تكون إحدى ثماره المباشرة اتّساع رقعة النّشر الإلكترونيّ على حساب حجم النّشر الورقيّ. 
7.1. المحتوى هو التّحدّي الحقيقي في مجتمع المعرفة
يعد المحتوى أساس مجتمع المعرفة واقتصاده،‏ فهو أهم المقومات بلا منازع،‏ وهو ساحة السّباق السّاخنة التي ستشهد - من جانب - تنافساً حاداً للهيمنة على السّوق العالمية لاقتصاد المعرفة.‏ 
وممّا لا شكّ فيه أنّ قضيّة المحتوي قضيّة شائكة للغاية،‏ وذلك نظراً للأسباب الرّئيسيّة التّالية‏ (5):‏
(1) - ‏ التنوّع الواسع لمحتوى المعلومات،‏ فهو يشمل نتاج صناعات النّشر الورقي والنّشر الإلكتروني والبرمجيّات على اختلاف أنواعها ومستوياتها‏ ومجالاتها.‏
(2) -‏ حدّة التّشعّب والتّداخل،‏ نتيجة للاندماج الشّديد بين العوامل العلميّة والتكنولوجيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة،‏ علاوة على الجوانب التّشريعيّة والتنظيميّة والقانونيّة‏.‏
(3) -‏ الديناميّة الهادرة‏،‏ نتيجة لتسارع المتغيّرات التكنولوجيّة ونقلاتها النوعيّة‏،‏ وقد تشابكت هذه المتغيّرات مع متغيّرات عديدة أخرى لا تقلّ عنها حدّة‏، على الصّعيدين السّياسي والاقتصادي‏.‏
(4) -‏ جدّة المشاكل وابتكاريّة حلولها‏، إذ إنّ‏ معظم القضايا التي تطرحها إشكاليّة المحتوى هي من قبيل الأمور المستحدثة التي لم يعهدها العالم من قبل‏،‏ والتي تتطلّب رؤى وحلولاً مبتكرة‏.‏
8.1.  دور التّعليم في مجتمع المعرفة
أمام الثّورة العلميّة والتّكنولوجيّة الهائلة الّتي تصاحب مجتمع المعرفة لا بدّ من توفّر نظام تعليميّ يحقّق الجودة ويمنح الفرصة للحصول على خبرات تعليميّة تلبّي الاحتياجات الآنيّة والمستقبليّة لدفع عجلة التّنمية الشّاملة في العالم العربيّ. فلم يعد كافيا أن يعتمد التّعليم على نقل الخبرة من المعلّمين إلى الأجيال القادمة، إذ إنّ المستقبل يحمل الكثير من التّحدّيّات، لذلك من الضّروريّ أن نسلّح أبناءنا بالقدرات الّتي تمكّنهم من التّعامل مع مشكلات وسيناريوهات لم نعاصرها ولم نتعامل معها ولم نتخيّل إمكانيّة حدوثها.
لقد تغيّر مفهوم التّعليم تغيّرا جذريّا وشاملا في هذه الحقبة الزّمنيّة الّتي تظلّلها ثقافة مجتمع المعرفة وتسيطر عليها آثار الثّورة التّكنولوجيّة والمعلوماتيّة، إذ أصبحت المعرفة الكلّيّة بديلا عن الاختزال، وأصبح التّعليم لا يرتبط بالمدرسة وفترة التّلمذة فحسب، بل إنّه تعليم مستمرّ يسمح بحقّ الاختيار وحرّيّة الاختلاف. كما أصبح التّعليم هو المحرّك الأساسيّ لمنظومة التّنمية الاجتماعيّة الشّاملة، وهو الوسيلة الفاعلة لتمكين الإنسان من الخبرات والقدرات ولإيجاد فرص العمل المتاحة في الإنتاج كثيف المعرفة(6)
وإن كان هذا يعني شيئا فإنه يعني أنّ مجتمع المعرفة يرتبط بمفهوم مجتمع التعليم الذي يتيح كلّ شيء فيه فرصاً للفرد ليتعلّم ليعرف‏،‏ ويتعلّم ليعمل‏،‏ ويتعلّم ليعيش مع الآخرين،‏ ويتعلّم لتحقيق ذاته‏.‏ وكلّ ذلك يتطلّب ضرورة وجود شريحة عريضة من المجتمع من قوى عاملة على مستوى تعليمي عالٍ ومتطوّر وقادر على الإبداع والابتكار،‏ وهذا يمثّل تحدّياً لنظم التّعليم في مختلف المجتمعات‏،‏ ويلقي عليها مسؤوليّة سرعة تطوير نفسها بحيث تصبح مجتمعات منتجة للمعرفة‏.
الهوامش
(1)  د. محمد بن أحمد: الثقافة والتنمية في عصر العولمة – عن كتاب: السياسات الثقافية من أجل التنمية في الوطن العربي، إدارة برامج الثقافة والاتصال في « المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم « – 2002، ص 26 و27.
(2)   د. محمد قيراط: ثورة المعلومات والتحديات الكبرى – عن صحيفة « البيان « الإماراتية – 27 أغسطس/آب 2002.
(3)   السيد يسين: الثورة الكونية ومجتمع المعلومات/نحو ما بعد الحداثة – عن مجلة « شؤون الأوسط «، العدد (12)، بيروت – أكتوبر/تشرين الأول 1992، ص 44 و 45.
(4)   د. سليمان إبراهيم العسكري: عالمنا العربي ومستقبل النشر الإلكتروني – عن صحيفة « البيان « الإماراتية – 1 يناير/كانون الثاني 2001.
(5)   د. نبيل علي: أهمية صناعة المحتوى – المعرفة في مجتمع المعلومات – عن صحيفة « الأهرام « المصرية – 3 أكتوبر/تشرين الأول 2003.
(6)   د. حسن الزين: تطوير التعليم والتنمية في عصر العولمة – عن صحيفـــة « الأهرام « المصرية – 11 فبراير/شباط 2003.