في الصميم
| بقلم |
![]() |
| د.مصدق الجليدي |
| المكوّن القيمي في فروع العلوم المختلفة التي تدرّس في الجامعات (1/5) أهمّية التّربية القيميّة والمداخ |
ينظر هذا البحث التّحليلي -الذي ارتأينا تقسيمه إلى حلقات خمس - في القيم السّائدة في الجامعات، وأثرها في سلوكات الطّلبة؛ إذ إنهم عرضة لتحوّلات ذهنيّة، ونفس-اجتماعيّة، وقيميّة، تُوشِك أن تُزعزع لديهم مرجعيتهم القيميّة التي استبطنوها من التربية الوالدية، ومن ثقافة مجتمعاتهم الأصيلة. ولئن كانت بعض مكوّنات تلك المرجعيّة بحاجة إلى المراجعة والنّقد، مثل الموقف السّلبي من المرأة في مجتمعاتنا العربيّة بتأثير من تراث حقبة الانحطاط الحضاري، فإنّ قيما أساسيّة أصيلة بحاجة إلى التّثبيت، مثل: قيم الإيمان، والبرّ، والإحسان. وإنّ الطّلبة بحاجة إلى استبطان قيم جديدة إيجابيّة ظهرت في السّياق الكوني الحديث، مثل: الدّيمقراطيّة، وحقوق الإنسان، والبيوتيقا وأخلاقيّات التّعامل في شبكة الإنترنت خاصّة، وفي المجال الرّقمي بصورة أعمّ. وبعد البحث في مستوى حضور المكوّن القيمي في مختلف فروع العلوم التي يدرسها الطّلبة في الجامعات العربيّة، تبيّن ضعف هذا الحضور، وعدم كفايته وملاءمته؛ ما جعل الهدف الأخير من البحث هو اقتراح مصفوفة قيم خاصّة بفروع العلوم المختلفة المدرّسة، وتلك التي يجب تدريسها في الجامعات العربيّة. وهذا ما حاولنا فعله من مدخل القيم العليا الحاكمة (التّوحيد، التّزكية، الإنسان، العمران) وفروعها القيميّة، فضلا عن الانفتاح على القيم العمرانيّة الجديدة التي تلائم منظومة القيم الأصيلة ومقاصدها العليا في توجُّهها إلى العالَم والعالمين.
في هذه الحلقة الأولى، نمهّد للموضوع بطرح إشكالية غياب القيم في التعليم العالي أو تغييبها؛ فالطالب الجامعي يتعرض غالباً لتحولات تزعزع مرجعيته القيمية الأصيلة. سيتعرف القارئ في هذا الجزء على دواعي إعادة طرح قضية التربية القيمية داخل أروقة الجامعة، وعلى الدلالات العميقة لمفهوم «القيمة» ، تأسيساً لقراءة نقدية تهدف إلى إعادة بناء شخصية الطالب على أسس معرفية وأخلاقية متينة.
1. مداخل البحث المنهجية:
يتضمّن هذا العنصر إبرازًا لأهمّيّة البحث، وطرحًا لإشكاليّته، وتحديدًا لأهدافه، وتوضيحًا لمنهجه، وتحليلًا لمفاهيمه الأساسيّة. تنبع أهمية البحث ومشروعيته المعرفية من السؤال التالي: لماذا تُطرَح قضية القيم في التعليم الجامعي اليوم؟
ليس من البديهيّ في تصوُّرات بعض الباحثين وأساتذة الجامعات-خلافًا لما قد يظنّ بعضهم- طرح قضيّة القيم في التّعليم الجامعيّ اليوم، بالرّغم من بداهتها في العقل العمليّ عمومًا، وفي الحسّ الأخلاقيّ بوجه خاص؛ إذ يوجد سوء فهم كبير حول هذا الموضوع. «وقد حدّد آرثر شوارتز ثلاثة من عوامل سوء الفهم حول هذا الموضوع، وناقش هذه العوامل بوصفها خرافات. تتضمّن الخرافة الأولى الادّعاء بأنّ الفرد عندما يأتي إلى الجامعة تكون صفاته الأخلاقيّة قد تشكّلت تمامًا، ولذلك سيكون من العبث الاهتمام بتعليم القيم في الجامعة. وتقول الخرافة الثّانية إنّه ليس من مهمّة أساتذة الجامعات تعليم القيم والأخلاق، بل إنّ مهمّتهم تقتصر على تزويد الطّلبة بالحقائق المتعلّقة بالتّخصّص[...]. أمّا الخرافة الثّالثة فهي النّظر إلى موضوع القيم والأخلاق بوصفه موضوعًا دينيًّا، وتوجّهًا إيديولوجيًّا محافظًا»(1).
ولكن هذا لا يمنع من وجود عشرات أو مئاتٍ من الدّراسات التي اهتمّت بموضوع القيم في الجامعة. وجُلُّ الدّراسات التي اشتغلت بهذا الموضوع من مداخل مختلفة، تذكر جوابًا على سؤال مشروعيّة طرحه، التّحدّياتِ القيميّةَ للعولمة. وهذا أمر صحيح وواقع، ولكنَّ هذا المعطى ليس خاصًّا بالجامعة فحسب، بل يبدأ منذ المرحلة ما قبل المدرسة من خلال القيم التي تسوّق في أشرطة الصّور المتحرّكة للأطفال، مرورًا بالمناهج الدّراسيّة الخاصّة بالتّعليم الأساسيّ والتّعليم الثّانويّ، في بلدان عربيّة تعرف بعض الانفتاح المعلَن مثل البلدان المغاربيّة، وصولًا إلى الحياة الجامعيّة، وفي الحياة اليوميّة للمجتمعات المختلطة في بعض البلدان الخليجيّة هذه الأيام. والشّيء نفسه يقال عن تأثير الثّورة العلميّة التّكنولوجيّة التّواصليّة وتيسيرها انتقال العناصر الثّقافيّة بين البلدان والمجتمعات، فهذه أيضًا لا تخصُّ طلبة الجامعة دون بقيّة الطّلبة.
والذي يبدو لنا أكثر ملاءمة في تبرير الاهتمام بموضوع القيم في الجامعة هو ما ذكره الباحثان فتحي حسن ملكاوي وأحمد سليمان عودة في بحثهما الموسوم بـ «موقع القيم في التّعليم الجامعيّ››، من أنّ طالب المرحلة الجامعيّة يصبح قادرًا على التّفكير المستقلّ، وكذلك «الاتّخاذ الواعي للتّوجُّهات القيميّة. ومن المتوقّع أن تكون القيم أوّل ما يتعرّض للتّغيير في الحياة الجامعيّة، حيث تتزعزع منظومة القيم التي كانت سائدة في مرحلة ما قبل الجامعة ويعاد تشكيلها››(2). ومن هنا تأتي الحاجة إلى مرافقة الطّلبة الجامعيّين في هذا التّحوّل النّفس-اجتماعيّ القيميّ، لكيلا يتنكّروا لقيمهم الأصيلة، ولكي يعيدوا بناءها في ذواتهم بشكل واع، ويُقبِلوا على القيم الجديدة برويّة وتبصّر. فكما لا يمكن التّنكّر لقيم الآباء والأجداد في العفّة والأمانة والمروءة والكرم، فإنّه يجب كذلك تخيّر ما يمكن اعتباره من مكارم القيم الحديثة، مثل: العقلانيّة، والعقلنة، والانضباط، بدل الارتجال والتّساهل إلى حدّ الفوضى، وحقوق الإنسان والطّفولة، والدّيمقراطيّة، وقيم المواطنة، مثل:المشاركة في الشّأن المدنيّ والعامّ، ومثل أداء الواجب الضّريبيّ، والبيوتيقا، والقيم المهنيّة الحديثة التّابعة للمجتمع الصّناعيّ وما بعد الصّناعيّ، كالدّقّة، والجودة، واحترام الملكيّة الفكريّة، وغيرها.
والجامعة مبوّأة فعلًا للاضطلاع من مداخل شتّى بهذه المهمّة التّربويّة والتّكوينيّة القيميّة. إذ أصبحت الجامعات رمزا لتقدُّم الأمم، ونهضتها، وعنوان رقيّها، وحضارتها، فضلا عن دورها الرياديّ في النّقد الاجتماعيّ الأخلاقيّ، ويُعزى إليها الفضل في تخريج النّخب القياديّة في المجتمع وقدوته الطّلائعيّة. وعلى أيّة حال، فإنّ العلاقة بين التّربية- في كلّ مستويات التّعليم والتّكوين- والقيم علاقة عضويّة. وعن هذه الحقيقة يقول فيلسوف التّربية أوليفيي ربول Olivier Reboul: «لا وجود للتّربية دون قيم، حتّى وإن اختزلنا التّربية في التّعليم المدرسيّ، فإنّنا نتعلّم القيم في المدرسة، وإلّا ما معنى التّعلّم إن لم يكن انتقال من حالة[لم نعد نرغب في البقاء فيها] إلى حالة مرغوبة؟...إنّها بلوغ الأفضل على مستوى الفعل والفهم والكينونة، ومن يقول «الأفضل» يقول القيم»(3).
وهذا ما أشار إليه العالم السّويسريّ جان بياجيه Jean Piaget؛ إذ أفاد بأنّ الهدف من وظائف التّربية «بناء وعي أخلاقيّ...وتنمية الشّخصيّة الإنسانيّة، وترسيخ احترام حقوق الإنسان والحرّيّات الأساسيّة...وإعطاء أولويّة لقيم التّفاهم والتّسامح والصّداقة بين الأمم وبين كلّ الجماعات العرقيّة والدّينيّة من أجل حفظ السّلام»(4). ومن الجدير بالذكر أنّ بعض هذه القيم تدرّس في العديد من الجامعات العربيّة (تونس مثلا) بوصفها موادّ أو مساقات قائمة الذّات، مثل مادّة حقوق الإنسان.
وتتمثّل إشكاليّة البحث في الآتي:
تؤدّي الجامعات وظيفة التّربية على القيم من مداخل متنوّعة، بطرق صريحة أو ضمنيّة، قصديّة أو غير قصديّة. وإن كانت الطّرائق التّربويّة الضّمنيّة جائزة، بل مطلوبة أحيانًا، لتأثيرها الخفيّ والعميق في النّفوس، خصوصًا في مجال بناء الاتّجاهات والقيم، فإنّ الوعي بهذه الوظيفة يجب أن يكون واضحًا وقصديًّا. وهو وعي حاضر في الغالب لدى المسؤولين عن الجامعات، ويظهر ذلك -مثلًا -من خلال رسالة الجامعة المُعلَن عنها، أو شَرْطَتِها، أي ميثاقها الأخلاقيّ والسّلوكيّ. بيد أنّ هذه الإعلانات العامّة عن المبادئ الأخلاقيّة والقيم وضوابط السّلوك لمختلف الفئات العاملة في الجامعة لا تصل على نحو دائم وفاعل ومؤثّر إلى الطّلبة الذين يمثّلون الجمهور الأكبر في الجامعة، ويُعَدّون الفئة المستهدفة أساسًا من كلّ العمليّة التّربويّة والتّعليميّة والتّكوينيّة. ولعلّ واحدة من أبرز الطّرائق وأوضحها للتّربية على القيم، تلك التي تعتمد المناهج التّعليميّة حاملًا لها، ومدخلًا إليها.
ولكن،ما مدى حضور القيم في مختلف فروع المعرفة المدرَّسة في الجامعات العربيّة؟ هل هذا الحضور كاف؟ أي، هل تتضمّن جميع مناهج موادّ الجامعة(علميّة، وأدبيّة، وتقنيّة، واجتماعيّة، وفنّيّة، ودينيّة، وغير ذلك)، أهدافًا ومضامين قيميّة بصورة صريحة؟ وما هي فلسفة القيم المتحكّمة في هذه الأهداف والمضامين؟ هل هي فلسفة أصيلة أم حديثة؟ أم تزاوج بين هذا وذاك؟ وكيف نتدارك النّقص الحاصل على هذا الصّعيد في صورة ثبوت حصوله؟
ويمكن إجمال أهداف البحث في ما يأتي:
أ- تحديد منظومة القيم التي يجب الاحتكام إليها في الجامعات العربيّة.
ب- التّعرّف على مدى حضور المكوّن القيميّ في فروع العلوم المختلفة المدرّسة في الجامعات العالميّة والعربيّة.
ج- اقتراح مصفوفة قيم خاصّة بفروع العلوم المختلفة المدرّسة، وتلك الواجب تدريسها في الجامعات العربيّة..
ويتوزّع البحث على قسمين: نظريّ، وتطبيقيّ. أمّا منهجيّته فمركّبة؛إذ هو بحث تأصيليّ؛ ووصفيّ تحليليّ، واستقرائيّ، واقتراحيّ استشرافيّ على التّوالي. وهذا بيانه:
* التأصيل النّظريّ في منظومة القيم الأصيلة العليا، في انفتاحها على القيم الكونيّة( على مستوى قيمتي الإنسان والعمران)، واحتوائها لها.
* وصف وضع المُكوّن القيمي في مختلف فروع العلم التي تُدرَّس في الجامعات الغربيّة والعربيّة.
* تحليل المرجعيّات القيميّة والقيم نفسها الخاصّة بالجامعات الغربيّة والعربيّة.
* استقراء هذه القيم، وتصنيفها، وإعادة توزيعها على مختلف عائلات فروع العلوم التي تُدرّس في الجامعات.
* اقتراح مرجعيّة قيميّة (حداثيّة) أصيلة ومصفوفات قيميّة لمختلف العائلات العلميّة الموجودة في المناهج الدّراسيّة الجامعيّة، واعتمادها في المستقبل المنظور.
ويبدأ البحث، في قسمه النّظري، بتأصيل منظومة القيم الخاصّة بنظام التعليم الجامعي المنشود في المنظومة القيميّة الأصيلة، وفي منظومة القيم الحديثة، وصوغ المنظومة القيميّة المنشودة بطريقة تأليفيّة متّسقة. في حين ينطلق في قسمه التطبيقي من وصف الحالة التي عليها التعليم الجامعي في العالم الغربي والعالم العربي، من مدخل حضور المكوّن القيمي في منظومة ذلك التعليم، اعتمادا على وثائق في صورة تقارير صادرة عن جهات رسميّة، ومنظّمات دوليّة، ومراكز بحوث، وجمعيّات، ومواثيق أكاديميّة، أو مدنيّة، أو عن باحثين جامعيين. ثمّ تحليل ذلك كلّه كمّا ونوعا.
وبناء على نتائج التحليل، سيبني البحث مصفوفة للقيم المنشودة في فروع العلوم المختلفة التي تُدرّس في الجامعات العربيّة، باستقراء تلك النتائج، وإدراجها بنيويّا في منظومة القيم العليا المركبّة في القسم النظري، فيجتمع بذلك النظر مع العمل، ويكون للمقولات حدسها الذي يجعلها قابلة للتطبيق، وكذا مقولاتها التي تضفي عليها المشروعيّة المرجعيّة.
2. مفاهيم البحث الأساسية:
1.2 مفهوم «القيم» لغةً واصطلاحاً:
أثار مفهوم «القيم» إشكالات لغويّة لسانيّة بحكم أنّ هذا المفهوم لم يكن مستعملًا في التّراث العربيّ بالمعنى المتداول حديثًا. وسواء أَعُدنا لمعنى القيمة القديم في اللّغة العربيّة أو إلى استخدامه الأصليّ حديثًا، فهو يفيد المعنى المادّيّ والاقتصاديّ للكلمة. قال الفيروز آبادي أنّ: «القيمة بالكسر واحدةُ القيم، وقوّمت السّلعة واستقمتها: ثمّنتها» ثمّ أضاف : «وقوّمته: عدّلته فهو قويم ومستقيم»(5). ومن المعنى اللّغويّ الأخير يمكن الانتقال للمعنى الاصطلاحيّ لكلمة «القيم» (6).
أمّا في الاصطلاح، فقد ركّزت جلّ التّعاريف على البعد الذّاتيّ في تكوين القيم الفرديّة والمجتمعيّة، وبيّنت أنّها: «تقدير نقوم به تجاه شخص أو فرد أو نشاط حسب ما يمكن تحصيله منه. وتتكوّن القيم من مجموع معتقدات واختيارات وأفكار تمثّل أسلوب تصرُّف الشّخص ومواقفه وآراءه وتحدّد مدى ارتباطه بجماعته، وتشكّل مجموع القيم النّظرة إلى العالم»(7).
وبحسب النظرة السوسيولوجيّة، تعدّ القيم «مجموعة من المعتقدات التي تتّسم بقدر من الاستمرار النّسبيّ، وتمثّل موجّهات للأشخاص نحو غايات أو وسائل لتحقيقها، أو أنماط سلوكيّة يختارها ويفضّلها هؤلاء الأشخاص بديلًا لغيرها. وتنشأ هذه الموجّهات عن تفاعل بين الشّخصيّة والواقع الاجتماعيّ والاقتصاديّ والثّقافيّ، وهي تفصح عن نفسها في المواقف، والاتّجاهات، والسّلوك اللّفظيّ، والسّلوك العقليّ، والعواطف التي يكوّنها الأفراد نحو موضوعات معيّنة»(8).
وداخل هذا الإطار السّوسيولوجيّ، توجد قيم خاصّة بكلّ مجتمع، ولكنّها رغم استمراريّتها النّسبيّة، فإنّها تتغيّر بتغيّر أوضاع المجتمع، وتطوّره، وانتقاله من حال إلى حال. ولذلك عرّف بعضهم القيم بكونها «عبارة عن مجموعة من القوانين والمقاييس التي تنبثق من جماعة ما، وتكون بمثابة موجّهات للحكم على الأعمال والممارسات المادّيّة والمعنويّة، وتكون لها القوّة والتّأثير على الجماعة بما لها من صفة الضّرورة والالتزام والعموميّة، وأيّ خروج عليها أو انحراف عنها يصبح بمثابة خروج عن أهداف الجماعة ومُثُلِها العليا»(9).
ويوجد تعريف آخر يُفصِح أكثر عن معياريّة القيم، ويؤكّد على طبيعتها الجماعيّة المشتركة بالرغم من تبنّيها القويّ من الفرد، فالقيم حسب هذا التعريف هي: « مجموعة من الأحكام المعياريّة المتّصلة بمضامين واقعيّة يتشرّبها الفرد من خلال انفعاله وتفاعله مع المواقف والخبرات، ويُشترط أن تنال هذه الأحكام قبولًا من جماعة معيّنة حتّى تتجسّد في سياقات الفرد السّلوكيّة أو اللّفظيّة أو اتّجاهاته واهتماماته»(10).
وقد عبّر التّقرير الأوّل لسنة 2017 الصادر عن المجلس الأعلى للتّربية والتّكوين والبحث العلميّ المغربيّ عن الصّفة المعياريّة للقيم وصاغ لها تعريفًا أكثر إجرائيّة، حيث اعتبرها تشكّل «تفضيلات جماعيّة ومعياريّة، تحيل على أساليب للوجود والتّصرّف، يرى فيها الأفراد أو الجماعات مُثُلًا عليا، توجد في عمق الحياة اليوميّة، وفي الفكر والخطاب، والسّلوك والممارسة، وتُعتبر في الكثير من الأحيان مصدرًا للقرارات والأحكام العمليّة»(11).
وبناء على ما سبق يمكن استخلاص التّعريف الآتي للقيم: «معايير ومبادئ مجرّدة مشتركة بين أفراد مجموعة ما (صريحة أو ضمنيّة)، يُحكم بها على شيء ما (سلوك، قول، قرار، عقليّة، اتّجاه، طبع...الخ) بأنّه مرغوب فيه أو مرغوب عنه»، وهذه المعايير والمبادئ يستبطنها الأفراد بفعل التّنشئة الاجتماعيّة المنظّمة أو العفويّة، وتوجّه سلوكهم بقدر استبطانهم لها، والتزامهم بها.
ومن ثمّ، فإنّ القيم لا تتساوى تمامًا مع الأخلاق كما يظنّ كثير من الباحثين، إذ تعدّ الأخلاق ضربا من ضروب القيم المتعدّدة. فالقيم الجماليّة -مثلًا -ليست بالضّرورة حمّالة لمعانٍ أخلاقيّة، ولا سيّما في تعريفها الفلسفيّ المجرّد. وكذلك حال القيم الرّوحيّة، والقيم المدنيّة، وقيم المواطنة، والقيم العلميّة، والقيم المهنيّة، وغيرها، لكن هذه القيم قد تتواشج ويدعم بعضها بعضًا. فالتّقوى مثلًا، قيمة روحيّة دينيّة تأتي لدعم قيمة مهنيّة واقتصاديّة كالحرص على جودة المنتوج وعدم الغشّ فيه، أو لدعم قيمة مدنيّة كرفع الأذى عن الطّريق، أو لدعم قيمة بيئيّة كالحفاظ على طهارة المحيط، والحرص على حفظ صحّة الآخرين من التّلوّث البيئيّ.
والقيم في مجتمع ذي ثقافة ومرجعيّة معياريّة معيّنة هي -في الحقيقة -منظومة مترابطة العناصر. ومن ثمّ يمكن الحديث عن منظومة القيم الأصيلة، أو منظومة القيم الحديثة. وهذا هو المفهوم الذي يتبنّاه البحث؛ أي مفهوم «منظومة القيم». وسيأتي لاحقًا تحديد طبيعة هذه المنظومة القيميّة.
2.2 المكوّن القيميّ في فروع العلوم المختلفة المدرّسة في الجامعة:
ليس الهدف من إدراج هذا العنصر بسط القول في ما يشير إليه عنوانه الفرعيّ من حيث المضامين القيميّة المنهاجيّة، وإنّما الهدف منه هو توضيح معناه، وشرح وجه مشروعيّته. أمّا مسألة المضامين المتعلّقة به فستأتي لاحقًا بما هي ثمرة البحث في نهاية المطاف.
عندما تُذكر الجامعة تُستحضر عادة وظيفتها المعرفيّة في المقام الأول: المعرفة الرّياضيّة، المعرفة الهندسيّة، المعرفة الطّبّيّة، المعرفة اللّغويّة، المعرفة الفلسفيّة، وغير ذلك. وكما يقول الباحثان فتحي حسن ملكاوي وأحمد سليمان عودة، فإنّه «لا خلاف على أهمّيّة المعرفة المتخصّصة في التّعليم الجامعيّ وما يرتبط بها من المهارات التي تُعِدّ خرّيجي الجامعة لممارسة المهن والوظائف المختلفة في المجتمع. ولكنّ السّؤال المهمّ يدور حول الغرض من التّعليم والتّدريب الذي يقوم به الأستاذ الجامعيّ لطلّابه، ولا سيّما حين يشعر بأنّ عمليّة التّعليم الجامعيّ -في حدّ ذاتها- مهمّة أخلاقيّة، تقوم على بذل جهد واع في توجيه الطّلبة إلى ما يكون فيه فائدة لهم، ومعنى في حياتهم وفي واقع مجتمعهم»(12)
فإذا سلّمنا بالوظيفة التّربويّة القيميّة للتّعليم الجامعيّ في مختلف مساقاته (موادّه) فإنّ السّؤال الذي يُطرح الآن -بعد سؤال الأهمّيّة -هو سؤال الكيفيّة؛ أي، ما هي الكيفيّات التي يحضر بها المكوّن القيميّ في هذا النوع من التّعليم؟ الصّعوبة هنا ليست في العثور على الكيفيّات المطلوبة، وإنّما هي في تصوّر وضعيّة من وضعيّات التّعليم ليس لها بعد قيميّ، «فلكلّ موضوع ولكلّ فعل قيمة. فإدراج أي موضوع أو مادّة تعليميّة ضمن البرنامج الدّراسيّ لتخصّص معيّن يتمّ على أساس إعطاء ذلك الموضوع قيمة عالية تستدعي دراسته، والطّريقة التي يتم فيها قرار تدريس الموضوع تعكس بُعدًا قيميًّا [الشّورى، الدّيمقراطيّة، الحرّيّة..]»(13).
لكن ما يهتمّ به البحث حصرًا هو كيفيّة واحدة من كيفيّات حضور القيم في مختلف فروع التّعليم الجامعيّ، وهي حضورها في المناهج الدّراسيّة الخاصّة بمختلف تلك الفروع الدّراسيّة. وعندما نركّز على هذه الفروع فرعًا فرعًا، لا ينصبّ الاهتمام على ما هو قاسم مشترك بينها، أي القيم العامّة.
3.2 فروع العلوم المختلفة التي تدرّس بالجامعات وقيمها:
من المعروف أنّ أنظمة التّعليم العاليّ تشتمل مؤسّسات تعليميّة خاصّة بمختلف فروع المعرفة الأساسيّة والتّطبيقيّة، مثل: كلّيّات العلوم، وكلّيّات الآداب والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وكلّيّات الحقوق والعلوم السّياسيّة، وكلّيّات الطّبّ، والمعاهد العليا للدّراسات التّكنولوجيّة. غير أنّ الضّبط المفصّل لمختلف الموادّ الدّراسيّة التي تدرّس في المؤسّسات التّعليميّة العليا يتطلّب جردًا طويلًا لا نرى أنّ طبيعة الهدف المنشود من هذا البحث توجب القيام به؛ بسبب الخاصّيّة الشّموليّة لأغلب القيم. فقيم مثل الإبداع أو حرّيّة التّفكير أو النّزاهة أو الأمانة العلميّة، تنطبق على كلّ فروع المعرفة. وحتّى القيم الأخلاقيّة (مثل: التّسامح والاحترام والصّدق)، فإنّها تنطبق على كلّ مادّة من موادّ العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، بل إنّ بعضها ينطبق على تخصّصات علميّة تطبيقيّة مثل العلوم الطّبّيّة. فمثلا، الصّدق خصيصة من الخصائص الملازمة للتّفكير الرّياضيّ نفسه. ولذلك نرى أنّه من الأنسب التّعامل في هذا البحث مع «العائلات»، أو الأصناف الكبرى لفروع العلوم المختلفة التي تدرّس في الجامعات، بحسب مشتركاتها القيميّة، وليس بالضّرورة بحسب منزلتها الإبستمولوجيّة دائمًا. فقيمة الجودة -مثلًا- قيمة مستدعاة من عالم الاقتصاد، لكنّها حتما تنطبق على نواتج التّكنولوجيا، وحتّى على نوعيّة الخدمات الإداريّة والتّسويقيّة. ومن ثمّ، فإنّنا نقترح التّصنيف التّعليميّ المعرفيّ (الأساسيّ، والتّطبيقيّ) القيميّ الآتي:
* العلوم الصّحيحة والدّقيقة: تضمّ العديد من الموادّ، مثل: الرّياضيّات، والفيزياء، والكيمياء وعلم الفلك..
* الآداب والحضارة والفلسفة والموادّ الإنسانيّة والاجتماعيّة: تضمّ موادّ عدّة،مثل: اللّغات، والحضارة، والفلسفة، والتّاريخ، والجغرافيا، وعلوم الاجتماع، وعلوم النّفس، وعلوم التّربية، والعلوم الثّقافيّة.
* التّكنولوجيا، وعلوم الإعلام، وعلوم الاقتصاد، والإدارة، والخدمات، والسّياسة، والقانون، والتخصّصات الشّبيهة بها، والقريبة منها.
* العلوم الطّبّيّة، والبحوث البيولوجيّة، والتّحاليل المخبريّة، وعلوم الجينات، والعلوم القريبة منها.
* العلوم الدينيّة : نعني بها العلوم الإسلاميّة الأصيلة تحديدا: التوحيد، والفلسفة الإسلاميّة (فلسفة التوحيد)،(14)والفقه، وعلم الفرائض، وأصول الفقه، والمقاصد الشرعيّة (15)، وعلوم القرآن وتفسيره، وعلوم الحديث، والسيرة النبويّة، والتصّوف. ويمكن إضافة الفكر الإسلامي إليها: تجديد الفكر الديني في الإسلام، والفكر الحضاري الإسلامي، والفكر المقاصدي، وما قد يظهر من فروع معرفيّة إسلاميّة جديدة. ولكن، هل يتعيّن إدراج هذه العلوم الدّينيّة في عائلة علميّة خاصّة بها، أم إدراجها في العائلة المعرفيّة العلميّة السابقة التي تضمّ العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة والثقافيّة؟
بوجه عام، توضع العلوم الديّنيّة في خانة معزولة عن العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة والثقافيّة؛ إمّا انتقاصا من مكانتها العلميّة، كما هو حال الدراسات الوضعانيّة التي تعدّ الدّين مرحلة سابقة على المرحلة الوضعانيّة ذات الصفة العلميّة بامتياز بحسب أوغست كونت، وإمّا عكس ذلك إعلاءً من شأنها، بوصفها أشرف العلوم؛ لأنّها من أشرف المصادر، وهي: نصوص القرآن الكريم، والسنّة النبويّة الشريفة.
ولنا تحفّظ على كلا الاتجاهين: الازدرائي، والإعلائي، لأنّ العلوم الإسلاميّة الأصيلة علوم إنسانيّة من حيث:
* المنشأ: العقل البشريّ باجتهاد علماء المسلمين؛ فهذه العلوم ظهرت تاليا على الوحي: قرآنا، وسنّة ثابتة.
* الموضوع: الإنسان، وسعادته، ومصلحته في الدّنيا والآخرة. فالله غنيّ عن العالمين، وحاشاه أن يكون -بما هو مُطلَق وكامل- موضوعا لنظر عقل الإنسان الجزئيّ والنّاقص، وهو ما نبّه له ابن خلدون، ونهى عنه.
* الغرض: الإرشاد إلى طرائق تحصيل تلك السّعادة، وتحصيل تلك المصلحة. ومنهجها هو التّفاعل بين العقل والنّقل (فهمًا، واستنباطًا، وقياسًا، واستقراءً للمصلحة والمقاصد)، وبين العقل والواقع؛ تحقيقا لمناطات الحكم الشّرعيّ، وتنقيحا لها، وتعرّفا لوجود علل الأحكام في الوقائع المستجدّة لدى القياس، أو شبيهه الذي هو الاستحسان، أو تقريرا مصالح مرسلة تتطلّبها أحوال العمران البشريّ، أو استقراء لطبائع العمران البشريّ، والطّبيعة البشريّة (الفطرة)، وهي الأصل الواقعيّ للمقاصد، كما أشار إلى ذلك ابن خلدون (بخصوص الطّبائع)، ومحمّد الطّاهر ابن عاشور (بخصوص الطّبائع والطّبيعة).
أمّا القيم العليا الأصيلة (التّوحيد، والتّزكية، والإنسان، والعمران)، فهي مؤصّلة في القرآن الكريم، وليست من إبداع العلوم الإسلاميّة ابتداءً. وصوغها على هذه الشّاكلة المنظوميّة أمر متأخِّر لم يظهر إلّا في هذا العصر، ضمن إطار الفكر الإسلاميّ الحضاريّ والمقاصديّ، وليس ضمن إطار العلوم الإسلاميّة الأصيلة في التّراث. فوجود هذه القيم متناثرة في التّراث الأصيل لا يجعلها - تلقائيّا- «منظومة قيم حاكمة» بما هي بناء نظريّ واحد واعٍ، وإنّما يكون تركيبها في بنية منظوميّة قيميّة واحدة عن طريق الاستقراء، والوعي التّاريخيّ والحضاريّ الإسلاميّ المعاصر.
وهذه ملاحظة ذات طبيعة إبستمولوجيّة، ونضيف ملاحظة أخرى، هي التّذكير بمنهجيّة بنائنا للعائلات، أو الفئات العلميّة التي تدرّس في الجامعات، التي أشرنا إليها عند تعريف مفهوم فروع العلوم المختلفة المدرّسة في الجامعات، ورأينا أنّه من الأنسب التّعامل مع «العائلات» أو الأصناف الكبرى لفروع العلوم المختلفة التي تدرّس في الجامعات بحسب مشتركاتها القيميّة، وليس المكوّن القيميّ في فروع العلوم المختلفة التي تدرّس في الجامعات بالضرورة بحسب منزلتها الإبستمولوجيّة دائما. فالعلوم الدّينيّة لها قواسم قيميّة مشتركة مع العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة والتّربويّة مقارنة بالعلوم الأخرى؛ نظرا لاعتنائها بتحقيق مصالح الإنسان والمجتمع، وحفظ نظام العالم.
ولكن، بالرّغم من تسجيلنا لتلكم الملاحظتين؛ الإبستمولوجيّة والمنهجيّة، فإنّنا نميل إلى إفراد العلوم الإسلاميّة في عائلة معرفيّة علميّة خاصّة بها، للأسباب الثّلاثة الآتية:
* انبجاس منظومة القيم العليا الحاكمة منها، على مرحلتين: مرحلة تشكّل المفاهيم المكوّنة لتلك المنظومة واحدا واحدا: التّوحيد (علم التّوحيد)، والتّزكية (التّربية الأصيلة، والتّصوّف)، والإنسان والعمران (الفكر الإسلاميّ المعاصر في تفاعله مع القرآن الكريم، ومع الفكر الحديث (الإنسان)، ومع التّراث (علم العمران البشريّ لدى ابن خلدون)، ومع الواقع (طبائع العمران وحاجاته).
* تشكيل منظومة القيم العليا انطلاقا من أمرين؛ أوّلهما: المفاهيم المكوّنة لها، وهي مفاهيم مؤصّلة في القرآن الكريم، والتّراث، والفكر الإسلاميّ المعاصر المتفاعل مع النّصّ، والفكر الإنسانيّ العالميّ، والواقع. وثانيهما: إقامة الرّوابط المنطقيّة والتّفاعليّة المنظوميّة بين مختلف تلك المفاهيم ضمن اجتهادات الفكر الإسلاميّ الحضاريّ والمقاصديّ المعاصر الذي اعتبرناه من بين العلوم الإسلاميّة، ولكن بمنزلة معرفيّة متميّزة، تتمثّل في أنّه علم عابر للتّخصّصات العلميّة الإسلاميّة، محقّقا قدرا من التّشبيك والتّأليف بينها، ومولّدا قيماً ومفاهيمَ حضاريّةً مضافةً نتيجة ذلك التّأليف من جهة، ونتيجة تفاعله مع الفكر العالميّ من جهة أخرى (مبدأ التّعارف القرآنيّ). ولعلّ بناءه منظومة القيم العليا على النّحو الذي بيّنّاه هو أحد الأمثلة على ما نقول.
* اشتمال العلوم الإسلاميّة والفكر الإسلاميّ المجدّد على مختلف القيم الخاصّة ببقيّة عائلات الفروع العلميّة. فكلّ القيم الخاصّة بتلك الفروع العلميّة، التي تتوافق مع منظومة القيم العليا، موجودة في مقاصد الشّريعة الضّروريّة والحاجيّة والتّحسينيّة، لا كما عيّنها القدامى ضرورة، ولكن بما هي منهج وفلسفة قيميّة مفتوحة على تطوّر العمران البشريّ، وتجدّد أحواله. وهذا ما تتحمّله الاجتهادات التّجديديّة في العلوم الإسلاميّة وإبداعات الفكر الإسلاميّ المعاصر. ونضرب مثالا على ذلك القيم الخاصّة بعائلة العلوم الطّبّيّة والبيولوجيّة، والعلوم القريبة منها؛ ففضلا عن القيم المحمولة على العلوم عامّة، مثل: الصّدق، والنّزاهة، والأمانة الموصى بها قرآنيّا، وفي السّنّة النّبويّة الشّريفة، التي تتّخذ أشكالا إجرائيّة مختلفة في التّشريعات الفقهيّة، فإنّ مقاصد حفظ النّفس، وحفظ العرض أو النّسل، وحفظ الدّين، يمكن أن تشمل كامل (أو أغلب) القيم الخاصّة بتلك العائلة العلميّة الأكاديميّة.
وهكذا تقرّر لدينا وجود خمس عائلات علميّة مشتملة على مختلف الفروع العلميّة التي تدرّس في الجامعات، وسنأتي في نهاية القسم التّطبيقيّ إلى اقتراح مصفوفة للقيم، يجب التّركيز عليها في مختلف الأصناف العلميّة والمعرفيّة-التّعليميّة الجامعيّة الكبرى. غير أنّنا لن نذكر في مصفوفة قيم العلوم الإسلاميّة والفكر الإسلاميّ إلّا القيم التي تنفرد بتأكيدها من دون بقيّة العلوم، أو تمتاز بها أكثر من غيرها من العلوم.
الهوامش
(1) ذكره فتحي حسن ملكاوي وأحمد سليمان عودة، «موقع القيم في التعليم الجامعي»، أعمال الندوة الدولية «القيم الإسلامية ومناهج التربية والتعليم» المنظمة من المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية والمعهد العالمي للفكر الإسلامي ومنظمة الإيسيسكو والمدرسة العليا للأساتذة بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان/ المغرب، بتاريخ 21-23 نوفمبر 2005، الصادرة في مجلة البصيرة التربوية العدد الأول، أكتوبر 2006م، ص. 79.
وقد قدّم الباحثان مستأنسين بمناقشة شوارتز لتلك «الخرافات» إجابات عنها باتجاه تفنيدها.
(2) المرجع السابق، ص. 72.
(3) Reboul, O. (1992). Les valeurs de l’éducation, Paris : PUF, p. 1.
(4) Piaget, J. (1988). Où va l’éducation ? Paris : Gallimard, p.p. 104- 105.
(5) الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، بيروت: مؤسسة الرّسالة، ط. 2، 1978م، باب الميم، فصل القاف، ص. 1487.
(6) ورد شيء من التفصيل عن حضور القيم في القرآن الكريم ضمن حقل دلالي واسع يتضمّن بعض المعاني، مثل: الوزن،والثمن، والخيرية، والفائدة، والثبات والاستقرار والتّماسك، والمسؤوليّة والرّعاية، والاستقامة والصّلاح. وربّما يعزى سبب غياب مصطلح «القيم» - بالدلالة المعاصرة لهذا اللفظ - عن التّراث الإسلامي إلى استخدام علماء الأمّة مصطلحات أخرى بصورة تشمل ما نصّنفه اليوم ضمن عنوان «القيم»، مثل: مصطلح الفضائل، والشمائل، والأخلاق. ثمّ إنّ دوافع السلوك القيمي كانت ترتبط بأركان الإسلام، وأركان الإيمان، ومفاهيم التقوي، والعبادة، والجزاء، وكل ذلك جعل موضوعات القيم هي موضوعات الإسلام. انظر تفصيل ذلك في :
- ملكاوي، فتحي حسن. «التأصيل الإسلامي لمفهوم القيم»، مجلّة إسلاميّة المعرفة، (كلمة التحرير)، عدد 54، خريف 2008م، ص5-22
(7) الفاربي، عبد اللطيف وآيت موحى، محمد، معجم علوم التّربية، سلسلة علوم التّربية 9 و10 دار الخطابي للطباعة والنشر، ط1، 1994م، ص. 359.
(8) عبد الغني عماد، سوسيولوجيا الثقافة: المفاهيم والإشكالات من الحداثة إلى العولمة، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط. 1، 2006م، ص. ص. 142-143.
(9) لطفي بركات أحمد، القيم التّربوية، الرياض: دار المرّيخ للنّشر، 1983م، ص. 4.
(10) ضياء زاهر، «القيم في العمليّة التّربويّة»، معالم تربوية، القاهرة: دار الكتاب للنّشر، 1991، ص. 24.
(11) التقرير الأوّل لسنة 2017 (1/ 17) للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي المغربي: «التربية على القيم بالمنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي»، الفقرة 3.
(12) فتحي حسن ملكاوي وأحمد سليمان عودة، «موقع القيم في التعليم الجامعي»، مرجع سبقت الإشارة إليه، ص. 80.
(13) المرجع السابق، ص. 81.
(14) نفضّل هذه التسمية على تسمية علم الكلام، أو أصول الدّين، بعد نقد ابن خلدون السّوسيولوجي والإبستمولوجي لعلم الكلام، واعتبار أنّ الحاجة إليه للردّ على المُلحِدة والمُبتدِعة قد زالت، وأنّ موضوعه (الغيبيات) من فوق طور العقل، ولكن -في رأينا- تظلّ الحاجة قائمة إلى بناء فلسفة في التّوحيد؛ لأنّها البديل عن الفلسفات الميتافيزيقية، والوجودية، والأخلاقية المثاليّة، والمادّية القائمة.
(15) المقاصد مبحث من مباحث أصول الفقه. ولكن بعد كتابة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور كتابه المشهور عنها -الذي هو أشبه بمداخل لتأسيس علم خاص بالمقاصد الشّرعيّة مستقل عن أصول الفقه- ظهرت دراسات وبحوث عديدة ترسّخ استقلاليّة هذا العلم.
|




