بهدوء
| بقلم |
![]() |
| د.ناجي حجلاوي |
| تفسير الطّبري في ميزان المنهج التّاريخي (الحلقة 3/4) |
1. محددات التفسير عند الطّبري: التّوفيق بين المأثور واشتراط الإلمام باللّغة
ينتمي تفسير الطّبريّ إلى لحظة تاريخيّة تفصل بين الانفعال بالمأثور في معظم المعاني القرآنيّة وبين مزاوجة المأثور بالمنظور. وهذا التّزاوج باب مُشرع أمام العقل الّذي سيفعل فعله فيما سيُسمّى، لاحقًا، بالتّفسير بالرّأي (1).
والجدير بالملاحظة، أنّ الرّأي الّذي يورده الطّبريّ في «جامع البيان» ليس رأيًا طليقًا من كلّ القيود الّتي تنبع من المرويّات، وإنّما غاية المرام الّتي توصّل إليها النّظر هي وجه التّرجيح من خلال الدّلالة اللّغويّة، والقراءة وقبول الرّأي ورفض لفكرة أو مناقشة لحجّة أو تصويب لاتّجاه من الاتّجاهات. وقد تحوّل هذا الإجراء إلى خيْط ناظم للعمليّة التّفسيريّة برمّتها، إذ أنّ التّفسير الّذي ينحو منحى الآثار والأخبار في التّعامل مع الآيات القرآنيّة، فهمًا وشرحًا، ينبع حسب ابن جرير الطّبريّ من أنّ التّأويل ينحصر في ثلاثة أوجه: «الأوّل لا سبيل إلى الوصول إليه وهو الّذي استأثر الله بعلمه وحجب هذا العلم عن جميع الخلق مثل وقت قيام السّاعة ووقت نزول عيسى ووقت طلوع الشّمس من مغربها، والوجه الثّاني خصّ الله بعلم تأويله نبيّه دون سائر أمّته وهو ما يحتاج العباد إلى تأويله، فلا سبيل إلى علمه إلّا ببيان تأويل الرّسول له، والثّالث ما كان علمه عند أهل اللّسان الّذي نزل به القرآن وذلك علم تأويل عربيّته وإعرابه (2).
إنّ اللّافت، في هذا التّقسيم للآيات القرآنيّة انطلاقًا من طبيعتها أوّلاً، ومن علاقتها بالمُتلقّي ثانيًا، يطرح أسئلة عديدة لعلّ من أبرزها: ما فائدة إنزال بعض الآيات كان الله تعالى قد استأثر بعلمها؟ والحال أنّها تُمثّل شحذًا للعقول كيْ تبحث في أسرار الطّبيعة من أجل اكتناه القوانين المُتحكّمة في الظّواهر. ومن الأسئلة أيضًا: ما هي الآيات الّتي خُصّ الرّسول بفهمها دون غيْره؟
والحال أنّ الدّارس لا يجد البتّة تفسيرًا خاصًّا بالنّبيّ وحتّى تبيان كيفيّة الشّعائر مأخوذٌ بالتّواتر عن ملّة النّبيّ إبراهيم، عليه السّلام، الّذي اعتبر نفسه أوّل المسلمين. وقد تضمّن القرآن كثيرًا من هذه التّوضيحات في جزء كبير منه يُسمّيه «بتفصيل الكتاب». إنّ الطّبريّ إذ يصرف نصيبًا من القرآن لا يعلم تأويله إلّا الرّسول دون سائر النّاس، فإنّه بذلك يفرض العودة، في بيانه وفهمه وتأويله، إلى الرّسول لأنّ الرّسول هو المحجّة والسّبيل إلى المعرفة في هذا الباب. والحقيقة، هذا القول يجعل الدّارس أمام سؤال آخر مفاده: إذا كان الرّسول هو الضّامن لتأويل القرآن أو نصيب منه لماذا قبض اللّه رسوله ما سينجرّ عنه حرمان الأجيال والقرون اللّاحقة من بيانه وتفسيره وتوضيحه لغوامض القرآن؟ ويبدو أنّ هذا الافتراض من الطّبريّ مجانب للصّواب بمقتضى الأمر الإلهيّ المُوجّه للنّاس جميعًا، بالتّدبّر في القرآن بأسره لا في جزء دون آخر.
ومن الأسئلة كذلك ما تطرحه عربيّة القرآن من إشكالات عديدة تقوم في أغلبها على الرّغبة في إقصاء المُختلف إنْ في الملّة، أو في المشغل العلميّ (3). وبالنّظر إلى تفسير الطّبريّ، نجده يرتكز على الأساس اللّسانيّ، باعتباره شرطًا من شروط المُفسّر المُتصدّي لتوضيح المعاني القرآنيّة، إذ يتوجّب عليه الإلمام بخصائص العربيّة وطرائقها في التّعبير ووجوه تصريفها للسان وضروبه لإدراك المعاني القرآنيّة المنزّلة. وهي، حسب رأيه، معان مطابقة لمعاني كلام العرب موافقة لظاهر لسانها ملائم لظاهر الآيات القرآنيّة (4). وفي حقيقة الأمر لم يشر المفسّر في هذا الصّدد إلى حيويّة اللّسان وانخراط الدّلالات اللّغويّة ضمن الصّيرورة الزّمنيّة ما يُلحق التّغيّر المستمرّ بالمعاني باعتبار حيويّة الأبنية المشكّلة للجهاز اللّسانيّ فضلاً عن إمكانيّة التّفريق المهمّ بين خصائص لسان العرب المطبوعة بطابع الشّعر والخيال والتّرادف والمبالغات والكذب الفنّيّ، وخصائص اللّسان العربيّ القائم على الدّقّة والوضوح والبيان وعدم التّرادف بين المفردات (5).
إنّ المتأمّل في الشّرط المتعلّق بالمُفسّر، والّذي يقتضي معرفة العربيّة والإلمام بقواعدها، يجده في حقيقة الأمر قد تحوّل إلى عائق معرفيّ أمام الشّعوب النّاطقة بغير العربيّة إذ حال دونهم وبذل الجهود في تدبّر الآيات القرآنيّة. وطالما أنّ القرآن منزّل للنّاس أجمعين﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ ..﴾(سبأ: 28)، فإنّ هذا الشّرط قد صرف الأمم من غير العرب عن الغوص في الآيات. وإذا أحجم غير العرب عن بذل الجهد في استنباط المعاني القرآنيّة، فإنّ الانحدار الحضاريّ الّذي عاشه العرب وما يزالون قد جمّد الحركة العقليّة وعطّل النّظر في السّياقات القرآنيّة، فما استطاع العرب الاستفادة من القرآن وما تركوا غيرهم يستنبطون الإفادة منه. وقد انفعل المفسّرون الأوائل، والطّبريّ واحد منهم، باللّاهوت التّوراتيّ ما هيّأ الأرضيّة الصّالحة لِلّاهوت الاستشراقيّ الحديث كيْ يُروّج ما بدا له من الأفكار المضادّة لروح القرآن ومقاصده.
2. مركزيّة الرّواية النّبويّة وإشكاليّة تقييد حرّية التّدبّر والاجتهاد
وبالعودة إلى موقع الرّسول من العمليّة التّفسيريّة، يلاحظ الدّارس أنّ الطّبريّ يعتبر أنّ الإلمام بتصويبات الرّسول المساعدة على التّفسير يعدّ من المرتكزات الأساسيّة في الفهم والتّفسير، ولاسيّما إذا تمّ الاعتماد على النّصوص الّتي صحّ ورودها عنه عليه السّلام، فالأخبار الصّادقة الّتي ترد عن الرّسول عبر الرّواة الأثبات من شأنها مساعدة المُفسّر على توجيه المعاني القرآنيّة نحو المراد من الشّريعة (6)، وإذا لم يفسّر النّبيّ، عليه السّلام، القرآن بشكل كامل، فإنّ الطّبريّ يشعر بالحرج في هذا المستوى، ويلتجئ إلى قياس ما لم يفسّره الرّسول على ما أبان عن معانيه، وعليه ستجري المعاني، حسب رأيه، على سنن ثابتة وخاصّة إذا كان المُفسّر ملمًّا بالشّواهد الشّعريّة وأمثال العرب (7).
إنّ اللّافت للانتباه في هذا الإطار، هو مسألة الرّواية عن الرّسول وما حفّ بها من إشكالات فقد شهد القرن الأوّل أكبر حركة تحيّل وكذب على النّبي، عليه السّلام، وهي الّتي عُرفت بحركة الوضع حيث كثرت الفتن والصّراعات الدّينيّة والسّياسيّة، وصارت كلّ فرقة وكلّ مذهب يصنع الأسانيد والمتون متأوّلاً الآيات كما يشاء، ويَنسب ذلك إلى الرّسول كيْ يُشرْعن المسألة ويُغلفها بغلاف ديني حتّى قيل إنّ رجلاً من الخوارج قال: «كنا إذا هوينا أمرًا صيّرنا له حديثًا» (8). وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى ما أورده شمس الدّين الذّهبي في شأن المُهتمين بالأخبار والأحاديث من القول: «ما اجتمع علماء هذا الفنّ على توثيق ضعيف أو تضعيف ثقة» (9).
ولمّا احتكم الطّبري إلى هذا الأساس، جعل العمليّة التّفسيرية رهينة الصّراعات تتجاذبها الأهواء التّي استحلّت الدّماء وانتهكت الحرمات فصار المسلم غنيمة للمسلم وهدفًا مستساغًا، فأنّى للتّفسير أن يسلم من المرويّات المكذوبة على النّبي.
إنّ النّتيجة التّي خلص إليها الطبري، في هذا المضمار، تتمثّل في أنّه لا ينبغي لأحد أن يقول شيئًا يُحدّد به مراد الله في كتابه إلّا بحجّة يجب التّسليم لها من خبر عن الرّسول أو إجماع من الحجّة (10)، ولكنّ المفسّر يقع في تناقض واضح عندما ينسب لنفسه الإمساك بما قصده اللّه وعناه في قوله المتكرر: «عنى الله بقوله هذا» (11)، معرضًا عما يعتري الرّواية من الضّعف والدّسّ، وهو إذ يستشعر هذا الأمر ينسب إمكانيّة الخطأ للرّواة، وفي هذا يقول صلب كتابه تاريخ «الرّسل والملوك» معلّقا على الرّواية والخبر: «فإن وقع فيهما ما يستنكره القارئ أو يستشنعه السّامع فليعلم أنّه لم يؤت في ذلك من قِبَلنا وإنّما أتي من قِبل بعض ناقليه إلينا وإنّا إنّما أدّينا ذلك على نحو ما أدّي إلينا» (12).
وليس خافيًا على ذي لبّ أنّ تقيّيد الطبري للمفسّر أن ينهج سبل الأخبار المعتبرة صحيحة عن الرّسول من شأنها أن تُضيّق الخناق على سُبل التّدبّر فلا يجري المفسّر مع ما يرد على ذهنه من أفهام تحتملها الأبنية اللّسانية ولاسيّما إذا تمّ ترتيلها ومقاطعتها مع آيات قرآنية أخرى، علما بأنّ الفلسفة الثّاوية وراء هذا التّصوّر للتّفسير تكمن في تأبيد الاجتهادات النّبوية الّتي هي أقرب إلى الاجتهاد والتّاريخ، منها إلى الدّين ولاسيّما أنّ الوعي الدّيني برمّته لم يُفرق بين النّبوءة والرّسالة (13). فالنّبوءة علوم ومعارف وطرق في الاجتهاد يصيبها الخطأ كما ينالها الصّواب. ولذلك خُوطب النّبي بالآية التالية، على سبيل المثال:﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(التحريم: 1)، في حين أنّ كلامه وسلوكه من منطلق الرّسالة لا يحتمل إلاّ وجهًا واحدًا هو العصمة في التّبليغ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾(المائدة: 67). ومن هذا المنطلق الّذي ينهض فيه الوعي الدّيني على الخلط والتّعميم تحوّل التّاريخ إلى دين عند المتأخرين من المسلمين، وصاروا أمام ضروب من الوحي: وحي بالقرآن ووحي بالسّنة، ووحي آخر يُسمّى بالحديث القدسي، وكلّ ذلك مجانب لصريح القرآن لقوله تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾(الشورى: 7)، والنّتيجة الطّبيعية الّتي يخلص إليها الطبري انطلاقًا من هذه الخلفية النّظرية القائمة على الرّواية، تتمثّل في ألاّ يكون ما انتهى إليه المفسّر من تفسير أو تأويل خارجًا عن «أقوال للسلف من الصحابة والأئمة والخلف من التّابعين وعلماء الأمّة» (14).
لقد خوّل الطبري لنفسه ولمن لحقه من المفسرين أن يستلّوا لأنفسهم جانبًا من القداسة المنحدرة من الرّسول طالما اعتبروا أنهم يعتمدون على أقواله الصحيحة الواردة في أخبار موثوق بها ولا يرقى إليها الشّكّ. ومن ثمّ تكلّم هذا المُفسّر من منطلق اليّقين بما يورد من أفكار وآراء . ويبدو أنّ هذا الوثوق هو الّذي بوّأ كتب التّفسير منزلة تضاهي منزلة القرآن في الضمير الجمعي، فأضحت المعبر الوحيد لفهم الآيات القرآنية، وهذا مثال من الطبري يكشف عن النّزعة الوثوقية فيما يقول: «وليس في وجود اسم السبع المثاني لفاتحة الكتاب ما يدفع وجود اسم المثاني للقرآن كله، ولما يُثنى من السور، فأمّا وجه تسمية مائتي المئين من سور القرآن بالمثاني فقد بيّنّا صحته، وسندل على صحة وجه تسمية جميع القرآن به، عند انتهائنا إليه في سورة الزمر، إنْ شاء الله» (15). وعليه أضحى من يفهم السّبع المثاني فهمًا مغايرًا، خاطئًا في نظره، لأنّه تدبّر الآيات ونظر في القرآن بعيْن مغايرة، وهو يقول في مقام آخر: «وقد بيّنّا الصّواب من القول عندنا في كتابنا «اللّطيف في أحكام شرائع الإسلام» بوجيز من القوْل، وسنستقصي بيان ذلك بحكاية أقوال المختلفين فيه من الصحابة والتّابعين والمتقدّمين والمتأخرين في كتابنا الأكبر في «أحكام شرائع الإسلام» إن شاء الله ذلك» (16). إنّ المدقق في هذا الشاهد يلحظ أنّ المفسّر قد أشار إلى اختلاف الصحابة والتّابعين في الفهم وطرائق التّأويل وهو نفسه يُورد في إطار تفسيره للآية الواحدة آراء عديدة ومختلفة ومتعارضة، ولو صحّ ما نظّر إليه من أسس التّأويلات المأثورة عن النّبي، عليه السّلام، ما اختلف الصحابة وهم المجايلون له.
إنّ تعويل الطبري على تجميع الأخبار، وإنْ أكّد صحتها وألحّ على ضرورة تواترها من أجل محاصرة المعنى القرآني، عمل يتعارض مع توجيهات الآيات العديدة المتعلّقة بالتّدبّر، وكلّها تصبّ في عملية التّفكّر في الآيات بمعزل عن الأخبار الحافّة بعملية التّنزيل، وحتّى الآية القائلة: ﴿.. وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾( الحشر: 7)، تذكر عبارة الرّسول بوصفه مبلغًا للوحي بكلّ حياد وأمانة، ولا مجال للتّدخل فيه، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾(المائدة: 67)، وفي هذا الإطار، توعّد الله تعالى النّبي، عليه السّلام، في حالة الإخلال بأداء مهمّة التّبليغ على الوجه الأكمل ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ* لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾(الحاقة: 44-46).
والّذي يخلص إليه الدّارس، انطلاقًا ممّا سبق، إنّ انحصار العملية التّأويليّة وفق شروط وضعها علماء مخصوصون في فترة زمنيّة بعيْنها يُمثّل بمقتضى التّطوّر الزّمني معيارًا يتحكّم في رقاب المختلفين في مناهج التّأويل وما يُفضي إليه، ذلك من اختلاف في النّتائج. وتلك مآزق معرفيّة انخرطت فيها الحضارة العربيّة الإسلاميّة، فأضحى الاختلاف والتّنوع اللّذيْن أرادهما الله غاية الخلق لعنة ووبالاً، يقول الله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾(هود: 118-119). وعليه كيلت التّهم لمن ندّ رأيه عمّا سطّره العلماء في فترة من الفترات، يقول الطّبري في هذا السّياق في معرض تفسيره للآية 7 من سورة آل عمران 3: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: «ما تشابهت ألفاظه، وتصرّفت معانيه بوجوه التّأويلات، ليحقّقوا بادعائهم الأباطيل من التّأويلات في ذلك، ما هم عليه من الضّلالة والزّيغ من محجّة الحقّ، تلبيسًا منهم بذلك على من ضعفت معرفته بوجوه تأويل ذلك، وتصاريف معانيه» (17).
ومن هذا المعيار أُلّفت أخبار وغُلّفت باسم الحديث، وأضحت كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار، فضاقت سُبل الإبداع وانغلقت أبواب الاجتهاد من أهل الملّة والدّين فضلاً عن المخالفين، يورد الطّبري ما يلي: «كائنًا من كان، ومن أيّ أصناف المبتدعة كان: من أهل النّصرانيّة كان أو اليهوديّة أو المجوسيّة، أو كان سبئيًّا أو حروريًّا أو قدريًّا أو جهميًّا، كالّذي قال ﷺَ : فإذا رأيتم الّذين يجادلون فيه فهم الّذين عنى الله فاحذروهم» (18).
3. الاحتكام إلى «الظّاهر» ومسألتا التّخصيص والنّسخ
وبعد الإشارة إلى الوعي المنهجي عند الطّبري المصاحب للعمليّة التّفسيريّة تجدر الملاحظة إلى المستوى العملي والتّطبيقي لديْه، إذ يكتفي بظاهر الآيات سدًّا للذّرائع أمام أصحاب التّفسير الباطني، وقد وضع قواعد في هذا الاتّجاه واعتبر أنّ تأويلهم باطل إذْ هو مخالف لظاهر التّنزيل (19)، يقول: «وذلك أنّ الحكم عندنا في كلّ ما أنزله الله في كتابه على ما احتمله ظاهر التّنزيل»، وهو يحتكم في تحديد ظاهر اللّغة إلى العرف الجاري وعادة المتكلّمين بها، والحال أنّ هذه القاعدة بدورها رجراجة لأنّ الكلمة الواحدة تتلّون بحكم العرف ذاته من قبيلة إلى أخرى في ذات اللّحظة الزّمنيّة، وهو السّبب الكامن وراء ظهور القراءات، فضلاً عن اختلاف الأعصر والأزمان، وما يمكن أن يفعله ذلك من ضروب الانزياح الدّلالي والتّغيّر في المعنى، علمًا بأنّ هذه النّزعة التّطوريّة في اللّسان هي أبرز العلامات المميّزة للنّسخة الأخيرة من رسالات الإسلام الّتي عهد الله بها إلى عباده، وهي رسالة خاتمة، رغم ثبات نصّها شكلاً، تهب لكلّ عقل شكلاً من أشكال الوعي بها بحسب المتغيّرات الاجتماعيّة والتّاريخيّة، وفي هذا يقول محمّد أبو القاسم حاج حمد: «إنّ خاصّية القرآن تكمن في أنّه يحمل ضمن نصّه الثّابت الّذي لا يتغيّر أشكالاً مختلفةً للوعي به ولكلّ شكل طبيعته التّاريخيّة المتميّزة» (20).
لقد حصر الطّبري التّأويل القرآني في توجيهه نحو الأشهر من المعاني ومجانبة الأنكر، يقول: «وتأويل القرآن إنّما يُوجّه إلى الأغلب الأشهر من معانيه، ما وجد إلى ذلك سبيل، دون الأنكر» (21). وهي طريقة تكتفي بالظّاهر الأعمّ النّاتج عن المجهود الأدنى من النّظر والتّمحيص في حين أنّ منهج القرآن المعرفي هو بحر زاخر من المعاني الّتي لا تُحدّ، وقد رسمت الآيات تناظرًا بيْن القرآن التّكويني يتجلّى في الكوْن وقرآن تدويني يظهر في النّصّ المقروء، قال الله تعالى في الأوّل: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾(الواقعة: 75)، وأشار إلى الثّاني بقوله: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾(الواقعة: 77)، ولكنّ الطّبري رغم تأكيده على الظّاهر لم ينتبه إلى هذا الرّبط الّذي رسم للقرآن أفقًا واسعًا لا يتعارض البتّة مع مُنجزات العقل البشري رغم تطور الفترات الزّمنيّة وتغيّرها، لأنّه كلام سماوي واسع الأفضية، لقوله تعالى: ﴿.. وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾(البقرة: 255).
ثمّ إنّ عمليّة الانتقال من الظّاهر إلى الباطن إنّما تكون بحجّة يجب التّسليم بها، فهو يقول: «فلن يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلاّ على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألْسُن العرب، دون الأقل، ما وُجد إلى ذلك سبيل، ولم تضطرّنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنّه بمعنى واحد، فيحتاج إلى طلب المخرج بالخفيّ من الكلام والمعاني» (22)، وما عدا ذلك فهو يردّه لأنّه أمر باطل. وذات المعيار المتمثّل في الحجّة الخبريّة القاطعة يطبّقه على العامّ والخاصّ ولا سبيل لتخصيص العامّ إلاّ من خلال هذا المعيار والعكس بالعكس، يقول الطبري: «والكلمة إذا احتملت وجوهًا لم يكن لأحد صرف معناها إلى بعض وجوهها دون بعض إلاّ بحجّة يجب التّسليم بها» (23)، ومثال ذلك مفردة «الأمّة» الواردة في الآية 127 من سورة البقرة 2 يفنّد رأي من اعتبرها متعلّقة بالعرب، ويرد على ذلك بكوْنها تعني النّبييْن إبراهيم وإسماعيل دَعَوَا الله أن يجعل من ذرّيتهما أهل طاعته وولايته والمستجيبين لأمره، وقد كان في ولد إبراهيم العرب وغير العرب، يقول الطّبري: «فلا وجه لقول من قال: عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقًا من ولده بأعيانهم، دون غيرهم إلاّ التّحكّم الّذي لا يعجز عنه أحد» (24).
وفي العموم يحرص الطّبري على إبقاء العامّ على عمومه وعدم تخصيصه إلاّ بحجّة قاطعة ومن ذلك ما بدا في فهمه لقول الله تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾(التكوير: 15-16)، ومن أنّ المعنى يخصّ النّجوم عامّة فهي تبدو باللّيل وتخنس بالنّهار (25). وقد لخّص هذا المنحى في الفهم بقوله: «وذلك أنّ الحكم عندنا في كلّ ما أنزله الله في كتابه: على ما احتمله ظاهر التّنزيل، ما لم يبيّن الله تعالى ذكره، لعباده أنّ مراده منه الخصوص: إمّا بتنزيل في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺَ ، فإذا خصّ منه البعض كان الّذي خصّ من ذلك غير داخل في الجملة الّتي أوجب الحكم بها، وكان سائرها على عمومها، كما قد بيَّنَّا في كتابنا: «لطيف القول من البيان عن أصول الأحكام» وغيره من كتبنا» (26).
وفي مستوى تناول الطّبري لظاهرة النّسخ، داخل النّصّ القرآني، يظلّ متمسكًا بالقاعدة نفسها وهي الحجّة من الخبر القاطع ، فحذر المفسّر بادٍ من أن يقول في كتاب الله بغير دليل نقلي قاطع. وهو لا يستنكف من تكرار الذّكر للحجّة المسلّم بها، وفي ذلك مجانبة للتّسرّع في الحكم على آيتيْن تبدوان متعارضتيْن بأنّ إحداهما ناسخة للأخرى، يقول في هذا المجال: «وقد بيّنَّا، في غير الموضع من كتابنا هذا، وفي كتابنا اللّطيف من البيان، أنّ كل آيتيْن أو خبريْن كان أحدهما نافيًّا حكم الآخر في فطرة العقل، فغير جائز أن يقضي على أحدهما بأنّه ناسخ حكم الآخر إلاّ بحجّة من خبر قاطع للعذر مجيئه» (27).
والحقيقة أنّ هذا الموقف ليس نابعًا من تصوّر خاصّ بظاهرة النّسخ في حدّ ذاتها، وإنّما هو تهّيب من التّجرّؤ على الآيات الثّابتة. والنّتيجة هي تجنب الأحكام النّابعة عن جهل أو هوًى. والمهمّ في هذا المجال، أنّ النّسخ عند الجيل الأوّل من المفسّرين إلى حدود القرن الرّابع للهجرة وبالتّحديد بُعيْد وفاة الطّبري، كان متعلّقًا بالآيات القرآنيّة الّتي تنسخ اللاّحق منها السّابق في مستوى الأحكام من منطلق المراعاة للصّيرورة الزّمنيّة وللحركيّة الاجتماعيّة إلى أن صدع أبو مسلم الأصفهاني المعتزلي (ت322ه) برأيه في معرض تفسيره للآية 106 من سورة البقرة 2 الماثل في أنّ المقصود بالآية المعنية بالنّسخ إنّما هي الشّريعة بأسرها، فشريعة عيسى أحلّت بعض ما حُرّم على بني إسرائيل، وشريعة الإسلام نسخت اليهوديّة والنّصرانيّة، فكلّ شريعة لاحقة هي بالضّرورة ناسخة للشّريعة السّابقة (28). وبالنّسبة إلى الطّبري فإنّه يحصر عدد الآيات الّتي شملها النّسخ بثلاث وثلاثين آية، وذلك يُمثّل نسبة ضعيفة قدرها 2,4 بالمائة.
الهوامش
(1) محمّد حسين الذّهبي، التّفسير والمفسّرون، ج 1، م ن، ص268.
(2) الطّبري، جامع البيان، مج1، م ن، وبالتّحديد مقدّمة المؤلّف، ص105.
(3) نائلة السليني الراضوي، تاريخيّة التّفسير القرآني: قضايا الأسرة واختلاف التّفاسير النكاح والطّلاق والرّضاعة والمواريث، المركز الثّقافي العربي، الدّار البيضاء، المغرب، ط1،2002، ص 7.
(4) الطبري، جامع البيان، مج1، م ن، ص55.
(5) عائشة عبد الرحمن، الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق، دار المعارف، القاهرة، مصر، ط3، 1419ه، ص 194.
(6) الطّبري، جامع البيان، مج1، م ن، ص33.
(7) الطّبري، جامع البيان، مج1، م ن، ص233.
(8) شهاب الدّين أبو الفضل بن علي بن حجر العسقلاني، لسان الميزان، ج1، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط2، 1390ه، 1971م، ص10.
(9) شمس الدّين الذّهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ج3، تصحيح محمّد بدر الدّين النعساني، مطبعة السعادة، مصر، ط1، 1325ه، ص291.
(10) الطّبري، جامع البيان، مج1، م ن، ص 685.
(11) نذكر من ذلك على سبيل المثال: الطّبري، جامع البيان، مج3، م ن، ص 1670.
(12) الطبري، تاريخ الرسل والملوك،ج1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1407ه، ص13.
(13) محمّد شحرور، الكتاب والقرآن، دار الأهالي للطباعة والنّشر، دمشق، سورية، ط1، 1998، ص101. والسّنة الرّسولية والسّنة النّبوية: رؤية جديدة، دار الساقي، بيروت، لبنان، ط1، 2012.
(14) الطبري، جامع البيان، مج1، م ن، ص 233.
(15) الطبري، جامع البيان، مج1، م ن، ص 106.
(16) الطبري، جامع البيان، مج 1، م ن، ص 117.
(17) الطبري، جامع البيان، مج3، م ن، ص1683.
(18) الطبري، جامع البيان، مج3، م ن، ص1685.
(19) الطبري، جامع البيان، مج 2، م ن، ص1262.
(20) محمّد أبو القاسم حاج حمد، القرآن والمتغيّرات الاجتماعية والتّاريخية، دار الساقي، بيروت، لبنان، ط1، 2011، ص 131.
(21) الطبري، جامع البيان، مج 10، م ن، ص8621.
(22) الطبري، جامع البيان، مج 3، م ن، ص 1763.
(23) الطبري، جامع البيان، مج 1، م ن، ص227.
(24) الطبري، جامع البيان، مج1، م ن، ص713.
(25) الطبري، جامع البيان، مج 10، م ن، ص 8499.
(26) الطبري، جامع البيان، مج 2، م ن، ص1262.
(27) الطبري، جامع البيان، مج 2، م ن، ص1180.
(28) أبو مسلم الأصفهاني، التفسير، تحقيق الخضر محمد نبها، تقديم رضوان السّيّد، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، ط1، 2008، ص45.
|




