شخصيات الإصلاح

بقلم
م.فيصل العش
جمال الدين الأفغاني: مفهوم «الجامعة الإسلاميّة» كأداة للتّحررّ
 جمال الدّين الأفغانيّ، مفكّر إسلاميّ وناشط سياسيّ، من مؤسّسي حركة الحداثة الإسلاميّة وأحد دُعاة الوحدة الإسلاميّة في القرن التّاسع عشر. يُعَدُّ الأفغانيّ في ذاته ظاهرةً فكريّةً وسياسيّةً استثنائيّةً في تاريخ العالم الإسلاميّ الحديث، أخذت على عاتقها إيقاظ الأمم من سباتها العميق، وتحرير الإرادة العربيّة والإسلاميّة من قبضة الاستعمار الغربيّ والاستبداد الدّاخليّ. وهو الأب الرّوحيّ لمدرسة الإصلاح والتّجديد، الّتي صنعت عقولاً وأخرجت جيلاً من الرّوّاد، في مقدّمتهم الإمام محمّد عبده.  
1.  المولد والنّشأة والتّعليم
وُلد السّيّد محمّد جمال الدّين بن صفدر الحسينيّ عام 1254 هـ (الموافق 1838م) في أسرة عريقة تتّصل نسباً بالحسين بن عليّ رضي الله عنهما. وقد اختُلف في مسقط رأسه بين قرية «أسعد آباد» في أفغانستان، وهو ما اشتُهر به، وبين قرية قريبة من «همدان» في إيران. نشأ في بيئة علميّة دينيّة، وسرعان ما ظهرت مخايل نبوغه المبكّر وذكائه الحادّ.
لم يقتصر تعليم الأفغانيّ على العلوم الشّرعيّة التّقليديّة، بل امتدّ ليشمل طيفاً واسعاً من المعارف الإنسانيّة والكونيّة. حفظ القرآن الكريم في طفولته، ثمّ درس اللّغة العربيّة وآدابها كما أتقن اللّغة الفارسيّة، وتعمّق في الفقه والتّفسير والحديث وعلم الكلام. وإلى جانب ذلك، انكبّ على دراسة الفلسفة الإسلاميّة (خاصّة ابن سينا والملا صدرا)، والمَنطق، والتّاريخ، والرّياضيّات، والفلك، والطّبّ.
في سنّ الثّامنة عشرة، سافر إلى الهند، وأقام بها سنة وبضعة أشهر يدرس العلوم الحديثة على الطّريقة الأوروبيّة وتعلّم اللّغة الإنجليزيّة، فنضج فكره، واتّسعت مداركه. وهناك حدثت النّقلة النّوعيّة في وعيه؛ إذ شاهد بأمّ عينه إحكام الاحتلال البريطانيّ قبضته على شبه القارّة الهنديّة، ممّا زرع في قلبه شرارة المقاومة والعداء لكلّ أشكال الاحتلال.
وممّا زاد في شعلة عدائه للاحتلال البريطانيّ ما رآه بأمّ عينه في بلاد الأفغان من إشعال الإنجليز نار الفتن الدّاخليّة بها، وما بذلوه لتفريق الكلمة، ودسّ الدّسائس. فانكشفت له مطامع الإنجليز، وأساليبهم في الدّسّ والتّفريق، وغرست في فؤاده روح العداء للسّياسة البريطانيّة خاصّةً، والمطامع الاستعماريّة الأوروبيّة عامّةً. وقد لازمه هذا الكره طوال حياته، وكان ذلك مبدأً راسخاً يصدر عنه في أعماله وآرائه وحركاته السّياسيّة.
2. المناصب والمسؤوليّات
لمّا عاد بعد دراسته في الهند إلى كابول تقلّد مناصب رفيعة، حتّى أصبح المستشار الأوّل للأمير محمّد أعظم خان. وهناك حاول بناء دولة حديثة ووضع برامج لإصلاح التّعليم وتأسيس المستشفيات، لكنّ التّدخّلات البريطانيّة أجهضت مشروعه، ممّا اضطرّه لمغادرة البلاد. وفي سنة 1870م وصل إلى عاصمة الخلافة العثمانيّة، فاستُقبل بحفاوة وعُين عضواً في «مجلس المعارف»، وحاضر في «دار الفنون» (الجامعة). إلّا أنّ آراءه الفلسفيّة العميقة ودعوته لإعمال العقل أثارت حفيظة بعض مشايخ السّلطة التّقليديّين، فتمّ إبعاده إلى مصر.
شكّلت إقامته في مصر (1871 - 1879م) أزهى فترات عطائه الفكريّ. حيث لم يتقلّد منصباً حكوميّاً، وحوّل بيته ومقهى «متاتيا» وأروقة الأزهر إلى جامعات مفتوحة. هناك بثّ الرّوح الفلسفيّة ودرّس علم الكلام والمنطق والسّياسة، وصنع نخبة من قادة الرّأي والفكر (محمّد عبده، سعد زغلول، عبد الله النّديم، وغيرهم). وبعد نفيه من مصر، انتقل إلى باريس، حيث أسّس مع تلميذه محمّد عبده مجلّة «العروة الوثقى» عام 1884م. وقد سُمّيت باسم الجمعيّة الّتي أنشأتها، وهي جمعيّة تألّفت لدعوة الأمم الإسلاميّة إلى الاتّحاد والتّضامن والأخذ بأسباب الحياة والنّهضة، ومجاهدة الاستعمار، وتحرير مصر والسّودان من الاحتلال. وكانت تضمّ جماعة من أقطاب العالم الإسلاميّ وكبرائه، وهي الّتي عهدت إلى الأفغانيّ بإصدار الجريدة لتكون لسان حالها. ورغم قصر عمرها، كانت المجلّة منبراً قويّاً في مواجهة الاستعمار البريطانيّ وتعبئة الشّعوب الإسلاميّة.
ثمّ دعاه شاه إيران ناصر الدّين ليكون مستشاره، لكنّ الأفغانيّ سرعان ما اصطدم باستبداد الشّاه وتنازلاته الاقتصاديّة للبريطانيّين، فقاد من منفاه ما عُرف بـ «ثورة التّبغ» (1891م) الّتي أجبرت الشّاه على التّراجع.
3.  مشروعه الفكريّ وأهمّ عناصره
مشروع جمال الدّين الأفغانيّ هو مشروع «نهضويّ مقاوم»، يجمع بين الفكر والسّياسة، وبين النّظريّة والتّطبيق. فقد كان الأفغانيّ أوّل من بلور مفهوم «الجامعة الإسلاميّة» كإطار سياسيّ وروحيّ يجمع شتات المسلمين من إندونيسيا إلى المغرب، معتبراً أنّ الوحدة هي السّلاح الوحيد القادر على صدّ التّغلغل الاستعماريّ الغربيّ. وكان عداؤه للاستعمار (خاصّة البريطانيّ) المحرّك الأساسيّ لنشاطه. وكان يرى أنّ الغرب لا يتفوّق عقائديّاً، بل مادّيّاً وتنظيميّاً، ومن ثمّ دعا إلى تبنّي أسباب القوّة الحديثة لمواجهته بأسلحته. ولأنّه كان مدركاً أنّ الاستعمار الخارجيّ هو نتيجة طبيعيّة للاستبداد الدّاخليّ، فقد ركّز في مشروعه على مقاومة هذا الاستبداد، فحرّض الشّعوب على التّمرّد على حكّامها المستبدّين والمطالبة بالشّورى والدّستور والمشاركة السّياسيّة.
يقوم مشروع الأفغانيّ أيضاً على إحياء العقل والفلسفة، فحارب الجمود العقائديّ بشراسة، ورأى أنّ تراجع المسلمين بدأ عندما هجروا التّفكير الفلسفيّ والعلوم العقليّة العميقة واكتفوا بظواهر النّصوص. وشدّد على أنّ الإسلام دين البرهان والفكر والمنطق. وكان يرى أنّ القاعدة الأساسيّة للإصلاح وتيسير الدّين للدّعوة هي الاعتماد على القرآن الكريم؛ فالإصلاح الدّينيّ في نظره لا يقوم إلّا على القرآن وحده أوّلاً، ثمّ فهمه فهماً صحيحاً حرّاً، وذلك بتهذيب العلوم الموصلة إليه، وتمهيد الطّريق إليها، وتقريبها إلى أذهان متناوليها. يقول الأفغانيّ: «القرآن من أكبر الوسائل في لفت نظر الإفرنج إلى حسن الإسلام، فهو يدعوهم بلسان حاله إليه. لكنّهم يرون حالة المسلمين السّوأى من خلال القرآن فيقعدون عن اتّباعه والإيمان به». ويقول أيضاً: «ومن مزايا القرآن أنّ العرب قبل إنزال القرآن عليهم كانوا في حالة همجيّة لا توصف؛ فلم يمض عليهم قرن ونصف قرن حتّى ملكوا عالم زمانهم، وفاقوا أمم الأرض سياسة وعلمًا وفلسفة وصناعة وتجارة».
تتميّز لغة الأفغانيّ بالقوّة والبلاغة والحرارة العاطفيّة الّتي تُلهب الوجدان. ومن أهمّ متونه الّتي توثّق مشروعه مقالات مجلّة «العروة الوثقى»، وكتابه الفلسفيّ «الرّدّ على الدّهريّين». ففي حثّه على الوحدة وخطورة التّنازع، كتب في «العروة الوثقى» قائلاً بلهجة قاطعة: «إنّ الأمّة الإسلاميّة متى تفرّقت وتشتّت شملها، وتعدّدت حكوماتها وممالكها، واختلف أمراؤها وملوكها، ضعف شأنها، وذهبت ريحها، وصارت طُعمة للطّامعين، ونهبة للغاصبين... وما أتى المسلمين الوهن إلّا من قِبَل تركهم أصول دينهم، وركونهم إلى الاستبداد، وإعراضهم عن الشّورى الّتي أمرهم الله بها.»
وفي رفضه القاطع للاستكانة وتبرير التّخلّف بالقضاء والقدر الموهوم، يقول في دعوته لإرادة التّغيير: «إنّ الأمّة الّتي لا تقف على تاريخها، ولا تعرف مقدار ماضيها، لا يمكنها أن تتبوّأ مقعداً بين الأمم الحيّة، ولن تفهم معنى استقلالها. لا ينهض الشّرق إلّا بالحقّ والعدل، ولا يذلّ إلّا بالجهل والظّلم. فالعاقل من اتّعظ بغيره، والأحمق من كان موعظة لغيره.»
أمّا في كتابه «الرّدّ على الدّهريّين» (المادّيّين)، فيلخّص رؤيته حول دور الدّين في بناء الحضارة وتماسك المجتمع، مدافعاً عن الإسلام كقوّة دافعة للعلم، فيقول: «إنّ الدّين الإسلاميّ هو الدّين الوحيد الّذي يتأسّس على العقل، ولا يأنف من البرهان، ويأمر أتباعه بالنّظر في ملكوت السّماوات والأرض... وإنّ الاعتقاد بالخالق هو الأساس المتين لحفظ الأخلاق، ومنع الطّباع من التّوحّش، وبدونه تنحلّ رابطة الاجتماع الإنسانيّ، ويسود قانون التّغالب.»
تُوُفِّيَ الأفغانيّ في إسطنبول صبيحة الثّلاثاء 9 مارس سنة 1897م وفاةً أُشِيع بأنّها مدبّرة. وما إن بلغ الحكومة العثمانيّة نعيه حتّى أمرت بضبط أوراقه وكلّ ما كان باقياً عنده، وأمرت بدفنه من غير رعاية أو احتفال في مقبرة المشايخ بالقرب من نشان طاش، فدُفن كما يُدفن أقلّ النّاس شأناً في تركيا وتحت مراقبة الدّولة. وقد تمّ نقل جثمانه من تركيا في عام 1944 في موكب إسلاميّ مهيب إلى بلده أفغانستان، حيث دُفن في وسط جامعة كابول. رحل الأفغانيّ لكنّه بقي حاضراً في كلّ أوطان المسلمين، حيث ترك خلفه بذوراً فكريّة لحركات تحرّريّة غيّرت مجرى التّاريخ في مصر وإيران وتركيا والهند.