نبش في التراث

بقلم
عبدالقادر رالة
أبو عبد الله محمّد البتّاني من رواد علم الفلك العرب
    يُعَدّ أبو عبد الله محمّد البتّانيّ (858 ــ 929م) واحداً مِن أهمّ علماء الفلك العرب، كما يُعتبر مِن أقوى وأشهر العلماء الّذين أسهموا فِي تطوّر علم الفلك. وهو فلكيّ عاش فِي مدينة الرّقّة، وكان أصله مِن مدينة حرّان، واشتهر بكتابه «الزّيج».
بدأ الرّصد وهو لا يزال شابّاً يافعاً لم يتمّ الثّلاثين مِن عمره، وانتهى منه لمّا جاوز السّتّين بعد أَن ضعفت حواسّه؛ فالرّصد مِن أبرز مقوّماته الاعتماد على قوّة الإبصار. وقد امتدّ به العمر حتّى بلغ السّبعين.
ولم يكن البتّانيّ معزولاً عن الأحداث السّياسيّة المتقلّبة الّتي كانت تجتاح بغداد عاصمة الخلافة، أَو فِي الشّام ومصر، ومدينته الرّقّة.
ولئن كان متمكّناً فِي رصد الكواكب وحساب مواقع النّجوم، فإِنّه كان أيضاً ضليعاً فِي الفلسفة والرّياضيّات والهندسة.
قام البتّانيّ بأرصاده فِي مدينته الرّقّة، وفِي مدينة أنطاكية. وقد قدّم إسهامات علميّة تمثّلت فِي إضافات وتصحيحات تتعلّق بعلم الفلك وحركة الأجرام على العموم. وقد وصف العالم الموسوعيّ الكبير أبو الرّيحان البيرونيّ أرصاد البتّانيّ بأَنّها مِن أوثق الأرصاد فِي التّاريخ حتّى عصره، وكذلك مدحه العالم صاعد بن أحمد الأندلسيّ، وفعل مثلهما الباحث الأمريكيّ ديتريك سترويد إِذ قال إِنّه أعظم فلكيّ عرفه العرب عبر التّاريخ.
وقد انتشرت أعمال البتّانيّ وأصبحت مشهورة لدى الفلكيّين الأوروبّيّين فِي فترة عصور النّهضة، الّتي يمكن أَن نقول إِنّها بدأت وقويت مع انطفاء أَو خفوت نور الحضارة العربيّة الإسلاميّة بسبب الغزو المغوليّ المدمّر واشتداد الحركة الاستعماريّة الأوروبّيّة العنيفة على بلاد العرب والمسلمين.
وقد ترجم زيجه إِلَى اللّغة اللّاتينيّة، وإِلَى أهمّ اللّغات الأوروبّيّة الحيّة. والمدهش أَنّ إنجازاته كانت دقيقة وصحيحة رغم أَنّها ظهرت قبل اختراع التّلسكوب بقرون؛ فهو لم يصحّح ويضف على ما ورد فِي كتب الأقدمين مثل بطليموس فحسب، بل أتى بالجديد والمبتكر فِي عالم مراقبة النّجوم والأفلاك.
وحتّى وقت متأخّر فِي القرن الثّامن عشر، كان العلماء الأوروبّيّون لا يزالون يستشهدون بملاحظاته حول الكسوف.