بالمناسبة

بقلم
أشرف شعبان أبو أحمد
بين نارين
 يقود عدد مِن قادة الفكر والسّياسة، وبعض علماء الدّين فِي العالم العربيّ والإسلاميّ، الشّعوبَ إِلَى انقسام واختلاف حول الموقف مِن الحرب الدّائرة بين إسرائيل وأمريكا مِن جهة، وإيران مِن جهة أُخرى. الطّرف الأوّل يرى أَنّ إيران دولة مسلمة تُحسب على الأُمّة الإسلاميّة؛ فرغم انتماء معظم شعبها إِلَى المذهب الشّيعيّ واختلافها مع أهل السّنّة فِي عدد مِن الثّوابت، إِلّا أَنّها تلتقي معهم فِي القواسم الكبرى الّتي تجمع المسلمين كافّة. كما يرى هذا الطّرف أيضاً، أَنّ لليهود عداوة دينيّة متجذّرة للإسلام منذ نشأة دولته فِي المدينة المنوّرة؛ إِذ استمرّ حقدهم ومكرهم فترة طويلة مِن الزّمن، ثمّ عاد وتجدّد منذ أكثر مِن قرن حين زرعتهم بريطانيا فِي أرض فلسطين. فعاثوا قتلاً للمسلمين، وسفكاً لدمائهم، واغتصاباً لأراضيهم، ونهباً لثرواتهم؛ ولم يقتصر ذلك على فلسطين، بل امتدّ أذاهم إِلَى العديد مِن الدّول. وأطماعهم التّوسّعيّة الّتي تستهدف منطقتنا العربيّة بأسرها يعلمها القاصي والدّاني، وهم لا يقفون وحدهم فِي ذلك؛ بل تدعمهم وتساندهم على طول الخطّ -عسكريّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً- الولايات المتّحدة الأمريكيّة وكثير مِن دول الغرب.
ويرى الطّرف الآخر أَنّ إيران ليست مجرّد دولة يؤمن أبناؤها بمذهب مِن مذاهب المسلمين، بل هي مشروع سياسيّ وعقائديّ يهدف إِلَى تصدير الثّورة الإيرانيّة ونشر المذهب الشّيعيّ فِي الدّول المجاورة، لا سيّما تلك الّتي تحظى فيها بامتداد فعليّ، بحكم عوامل أُخرى سابقة لتأسيس النّظام الإسلاميّ فِي إيران. ويرى هؤلاء أَنّ التّمدّد الشّيعيّ فِي بعض الدّول العربيّة يشكّل خطراً على أهل السّنّة عامّة، وعلى بعض الأنظمة الحاكمة خاصّة. ويستند هذا الطّرف إِلَى تجارب دامية عاشتها عدّة دول عربيّة؛ إِذ ارتبط التّدخّل الإيرانيّ فيها بإشعال النّزاعات الدّاخليّة، وتعميق الانقسامات المذهبيّة، وتغذية الميليشيّات العابرة للحدود، فضلاً عن الحرب العراقيّة الإيرانيّة الّتي استمرّت ثمانية أعوام وراح ضحيّتها آلاف الأبرياء مِن كلا البلدين، ناهيك عن الخسائر المادّيّة الهائلة، والّتي انتهت بلا منتصر أَو مهزوم.
والمفارقة الغريبة أَنّ مِن بين أبناء كلا الطّرفين مَن يدعون إِلَى التّقارب والتّعايش بين أبناء الأديان السّماويّة والأرضيّة، ولكنّهم ينكرونه بين أبناء الفرق والمذاهب الإسلاميّة وعلى رأسها المذهب الشّيعيّ. كما أَنّ هناك مَن يدعو إِلَى التّطبيع الكامل، بل وحتّى الذّوبان فِي دولة الكيان الصّهيونيّ، بينما يرفضون أَيّ صورة مِن صور الوحدة العربيّة أَو الإسلاميّة.
وبين هذين الطّرفين يقف المسلم البسيط؛ سواء الّذي ليس له من الإسلام سوى الاسم، أَو الّذي يكاد يؤدّي الفرائض الإسلاميّة كلّها أَو بعضاً منها، أَو مَن يفتقر إِلَى الحظّ الوافر من العلم الشّرعيّ لفهم ما يحيط به. فهؤلاء جميعاً يعيشون بين نارين: نار إسرائيل وأمريكا وبعض الدّول الّتي تكنّ كراهية للإسلام والمسلمين، والّتي تمتلك سجلّاً تاريخيّاً طويلاً فِي الاحتلال والاستعمار واستنزاف موارد الشّعوب واستعبادها؛ ونار إيران وما يرافقها من تخويف بانبعاث العرق الفارسيّ مرّة أُخرى، والسّعي لإقامة إمبراطوريّتها على حساب الأُمّة العربيّة والإسلاميّة.
وقد سبق للعالم الإسلاميّ أَن انقسم على هذا النّحو قبل وأثناء الحرب الأمريكيّة على العراق فِي بدايات القرن الحاليّ؛ وهي إحدى أكبر النّكبات الّتي أضرّت بالمسلمين فِي العصر الحديث، إِذ بدأت فِي مارس مِن عام 2003 ميلاديّ وانتهت فِي شهر إبريل مِن ذات العام. فخلال أقلّ مِن شهر، سقطت بغداد وتمّ إسقاط النّظام العراقيّ، ليفرّ الرّئيس صدّام حسين إِلَى أَن قُبض عليه بعد عدّة أشهر، وقُدّم لمحاكمة قضت بإعدامه، وهو حكم نُفّذ صبيحة يوم عيد الأضحى عام 2006م. وترافق ذلك مع احتلال عسكريّ أمريكيّ وبريطانيّ لكامل التّراب العراقيّ، وأُعلن عن حلّ الجيش؛ وما صاحب ذلك مِن سرقة لثروات البلد وكنوزه وآثاره، وتدهور فِي الاقتصاد، واضطراب فِي الأمن، وتقسيم للعراق إِلَى شيع متناحرة تفاقم الصّراع والعنف بينها، وصولاً إِلَى تنصيب حكومة موالية تماماً لأمريكا والغرب. وفِي تلك الأثناء، باتت الفضائيّات تنقل صوراً لفرحة بعض فصائل الشّعب العراقيّ وطوائفه، ومحاولاتهم إزالة صور صدّام وتماثيله مِن الميادين والسّاحات، والهجوم على قصوره ومنتجعاته ونهب مقتنياتها. وبينما انتظر الشّعب العراقيّ الحياة الرّغدة والحرّيّة والكرامة مِن الجيش الأمريكيّ، اصطدموا بواقع مرير، تجلّت أبرز صوره فِي سجن أبي غريب، حيث مُورست الانتهاكات الجسديّة والنّفسيّة وعُذّب العراقيّون على أيدي الجنود الأمريكيّين؛ ليستمرّ هذا الحال حتّى عاد بالعراق إِلَى الوراء عشرات السّنين.
وخلاصة القول، إِنّ ما تمرّ به الأُمّة الإسلاميّة فِي هذه المرحلة التّاريخيّة الحسّاسة يفرض عليها، أكثر مِن أَيّ وقت مضى، ضرورة التّعالي على الجراح وتجاوز كافّة الخلافات المذهبيّة والانقسامات الّتي تمزّق جسدها. إِنّ الواجب الدّينيّ والوجوديّ يقتضي منّا توحيد الكلمة والصّفّ، وإعادة توجيه البوصلة نحو مواجهة العدوّ الحقيقيّ اليهوديّ الصّليبيّ الّذي يتربّص بالجميع دون تمييز. ولتحقيق ذلك، لا بدّ مِن نبذ التّعصّب الطّائفيّ والوقوف صفّاً واحداً لدعم خيار المقاومة الباسلة بشقّيها. وختاماً، يجب علينا نحن المسلمين توجيه تحيّة إجلال لرموز المقاومة كافّة؛ لفصائل المقاومة الفلسطينيّة وعلى رأسها حماس كطليعة للتّيّار السّنّيّ، ولحزب الله فِي لبنان كطليعة للتّيّار الشّيعيّ، إكباراً لصمودهم طوال السّنين الطّويلة السّابقة أمام هذا العدوّ المتغطرس.