نوافذ
| بقلم |
![]() |
| د.علي رابحي |
| التّفسير والمفسّرون |
التّفسير لغة هو الكشف والإيضاح، وفي الاصطلاح هو علم نزول الآي وأقاصيصها والإشارات النّازلة فيها وترتيب مكّيّها ومدنيّها ومحكمها ومتشابهها وناسخها ومنسوخها وخاصّها وعامّها ومطلقها ومقيّدها ومجملها ومفصّلها. وهناك تعريف آخر مفاده أَنّ التّفسير علم يُبحث فيه عن كيفيّة النّطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأفكارها. أَمّا التّأويل لغة فهو من الأوّل كما قال الزّركشيّ، أَي إِلَى ما تكون العاقبة. واصطلاحا هو نقل ظاهر اللّفظ عن موضعه الأصليّ إِلَى ما يحتاج إِلَى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللّفظ. ويلجأ إِلَى التّأويل خاصّة لتوضيح أوصاف ومعان لا تُقبل على ظاهرها: قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (الملك: 1) نتأوّل اليد بالقوّة أَو العطاء. وقال صاحب البرهان قد يكون اللّفظ محتملا لمعنيين وهو في أحدهما أظهر فيسمّى الرّاجح ظاهرا والمرجوح مؤوّلا، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد: 1) ويستحيل حمل المعيّة على القرب، فتحمل إِمّا على الحفظ والرّعاية أَو القدرة والعلم. وقال العلماء الأصل عدم التّأويل، يبقى العامّ على عمومه حتّى يرد ما يخصّصه، والأمر بالوجوب حتّى يرد ما يصرفه عن الوجوب، قال الله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (الأحقاف: 25)، تأوّلناها فخرج العموم عن عمومه بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ (الأحقاف: 25). أَمّا قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (البقرة:187) فظاهره الأمر وتأويله الإباحة. فكيف تعاملت الفرق والمذاهب الإسلاميّة مع التّأويل؟
الظّاهريّة ومنهم ابن حزم لا يفسّرون النّصوص إِلّا على ظاهرها. أَمّا المعتزلة فأخذوا بالتّأويل بدون تحفّظ واعتبروه من الشّجاعة العربيّة. أَمّا السّلفيّون فيقولون نحن لسنا أحسن تعبيرا من الله - لله يد بلا كيف ووجه بلا كيف - فلا يقولون بالتّأويل ومنهم أحمد بن حنبل وابن تيميّة وابن قيّم الجوزيّة. أَمّا أهل السّنّة والجماعة كالأشاعرة قالوا الأصل أَن تبقى النّصوص على ظاهرها إِلَى أَن يأتي ما يدفعك إِلَى التّأويل. أَمّا الباطنيّة فيقولون بالإشارات الّتي لا يفهمها إِلّا الدّارسون مثل فهمهم من قول الله تعالى ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ (طه: 12] الدّنيا والآخرة. أَمّا الشّيعة والصّوفيّة الغلاة فاستعملوا التّفسير بغير ضوابط، ففسّر الصّوفيّ الجنابة على أَنّها الغفلة أَو الشّهوة، أَمّا الشّيعيّ الّذي يجعل النّصّ القرآنيّ يتمحور حول الإمام يؤوّل الجنابة على أَنّها عدم مبايعة الإمام. قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (محمد: 24)، فالقرآن نزل ليتدبّر وتعرف معانيه وتستنبط أحكامه. والتّدبّر لغة مشتقّ من الدّبر، واستعمل مجازا بمعنى التّقليب. نعم وصف الله القرآن بأوصاف إيجابيّة تعني الوضوح والبيان، إِلّا أَنّ بعض آياته ما تزال مستغلقة، قال الله تعالى: ﴿هو الّذي أَنزل عليك الكتاب فيه آيات محكمات هنّ أُمّ الكتاب وأُخَر متشابهات﴾ (آل عمران: 7). وحصر ابن عبّاس التّفسير في أربعة أنواع: نوع يعلمه عامّة النّاس؛ ونوع يعلمه العلماء لقول الله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: 83)؛ ونوع تعرفه العرب بألسنتها، قال الجاحظ: رأينا أَنّ الله تعالى إِذا تحدّث إِلَى بني إسرائيل يطيل ويطنب في الخطاب، وإِذا تحدّث إِلَى العرب يوجز ويختصر؛ أَمّا النّوع الرّابع ما استأثر الله بعلمه، كالحروف المقطّعة في أوائل بعض السّور وقضيّة الصّفات، وهذا النّوع لا يطلب معرفته، لأَنّه ليست فيها أحكام مكلّفة.
لا شكّ أَنّ النّبيّ كان يعلم تفسير كلّ آية من القرآن، وابن تيميّة يقول إِنّ رسول الله ﷺ لم ينتقل إِلَى الرّفيق الأعلى حتّى فسّر القرآن آية آية، مستدلّا بقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44). لكن جمهور العلماء خالفوه الرّأي لعدم وجود ذلك التّفسير، ويرجّح هذا الرّأي قول السّيّدة عائشة: «لَا يُفَسِّرُ ﷺ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ إِلَّا آيًا بِعَدَدٍ. عَلَّمَهُنَّ إِيَّاهُ جِبْرِيلُ»(1). ففسّر مثلا قول الله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بأَنّهم اليهود والنّصارى (الفاتحة: 7). وفسّر قول الله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ..﴾ (الأنفال: 60) بقوله: (أَلا إِنّ القوّة هي الرّمي)(2). وله منهج ثان في التّفسير هو سيرته النّبويّة الّتي تعتبر بحقّ التّطبيق العمليّ للقرآن حتّى قالت عائشة رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن»(3). مثلا في قول الله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاَة﴾ (البقرة: 43) بَيَّن كيفيّتها بقوله: (صلّوا كما رأيتموني أصلّي)(4)
ومع أَنّ القرآن نزل بلغة العرب عامّة وقريش خاصّة، ورغم ذكاء الصّحابة وفهمهم له بدون بيان من رسول الله ﷺ، عرضت بعض الإشكالات سواء من حيث اللّفظ أَو من حيث الأسلوب بسبب استعمال القرآن لبعض الألفاظ البعيدة عن لغة قريش. فأشكلت على عمر رضي الله عنه كلمة تخوّف في قول الله تعالى: ﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ ..﴾، فقام رجل من هذيل فقال يا أمير المؤمنين هذه لغتنا، التّخوّف هو التّنقّص. قال الشّاعر:
تخوّف الرّحل منّا تامكا قردا *** كما تخوّف عود النبعة السفن.
فكان الصّحابة رضي الله عنهم يسألون النّبيّ ﷺ عن أشياء، ويسكتون عن أشياء، حتّى ينزل القرآن بما يوضّحها، أَو يبعثوا الأعراب ليسألوا الرّسول ﷺ عنها لما عرف عن الأعراب من الجرأة. فبدافع من التّقوى، وخوف أَلّا يصيبوا المعنى، كان الصّحابة رضي الله عنهم يتحرّجون من التّفسير؛ فهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يرسل من يسأله إِلَى عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما. وبما أَنّ التّفسير يكون بالظّنّ كما يكون باليقين، فعدد من الآيات افترق فيها الصّحابة رضي الله عنهم؛ مثال قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (البقرة: 226)، فهِم فريق أَنّ الإيلاء طلاق رجعيّ، وذهب فريق إِلَى أَنّه طلاق بائن. وبفعل معاشرة الصّحابة رضي الله عنهم للنّبيّ ﷺ أصبح العلم عندهم ملكة وسجيّة، زيادة على فهمهم اللّغة العربيّة وذكائهم؛ وبذلك في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ (النور: 39) علموا انتهاء الضّمير في عنده إِلَى العمل. وكان الصّحابة رضي الله عنهم كذلك يعقدون مجالس الشّورى للتّداول حول النّوازل الطّارئة؛ نمثّل لذلك بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (البقرة: 234)، وقوله عزّ وجل: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾(الطلاق: 4)؛ فالمقصود من العدّة براءة الرّحم من حمل قد يكون من الزّوج المطلّق أَو المتوفّى؛ ففريق - ومن بينهم ابن مسعود -ذهب إِلَى أَنّ البراءة تتمّ مع الولادة ولو مضى على الطّلاق أَو الوفاة ساعة أَو سنة، أَمّا الفريق الثّاني فرأى بأَنّ البراءة لا تتمّ إِلّا بأبعد الأجلين. وكان الصّحابيّ يفسّر بما سمعه من رسول اللهﷺ ولا يتخطّاه، فإِن لم يجد اجتهد وفسّر برأيه. واتّخذ التّفسير لدى الصّحابة شعبتين تفسير بالمأثور وتفسير بالرّأي.
التّفسير بالمأثور كتفسير الطّبريّ وابن كثير. يقول الإمام أحمد ثلاثة ليس لها أصل: التّفسير والملاحم والقصص؛ أَي ليس لها إسناد، لأَنّ هذه التّفاسير تتخلّلها إسرائيليّات، ورسول الله ﷺ يقول عن بني إسرائيل: (لا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم)(5)، لأَنّه قد يكون في كذبهم صدق من تعاليم التّوراة الأصليّة. وكذلك من مشاكل التّفسير بالمأثور ما ترتّب عن الانشقاقات بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، حيث صار كلّ فريق من الفقهاء يضع أحاديث لنصرة فريقه. فمثلا الشّيعة صنعت ما صنعت النّصارى فجعلوا نصوص القرآن تدور حول شخصيّة محوريّة هي الإمام، ففسّروا قول الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن:5-6) بأَنّ الشّمس والقمر هما عليّ وفاطمة. وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:5)، ففسّروا الاستواء بالاستيلاء، واستدلّوا بقول الشّاعر:
قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف أَو دم راق.
هذا وقد كانت الرّغبة في التّكثير والتّقميش والتّجميع تؤدّي إِلَى اختلاط الصّحيح بالسّقيم، فكثرت الجذاذات حتّى إِذا جاء وقت التّأليف احتاجت هذه المادّة المريبة إِلَى عارف يمحّصها. مثلا في الآية الواحدة كان الطّبريّ يسوق اثنتي عشر رواية.
التّفسير بالرّأي يبعث على التّفكير وتقليب الآية على أوجه كثيرة والاستنباط، مثال ذلك حين قارن عليّ رضي الله عنه قول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ..﴾ (البقرة: 233) بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (الأحقاف:15)؛ فلمّا ولدت امرأة بعد ستّة أشهر وأراد عمر رضي الله عنه أَن يرجمها عارضه عليّ رضي الله عنه واستدلّ بالآيتين. وكذلك النّصّ القرآنيّ دائم التّجدّد، وفي كلّ يوم تقوم شواهد يأتي بها العلم. فتنفّس الصّبح عند الطّبريّ الإشراق، وعند الزّمخشريّ هبّات النّسيم مع إطلالة الصّبح، وعند المعاصرين كسيّد قطب: فإِنّ حالة النّوم تشبه الموت فإِذا أصبح الصّباح تدبّ الحياة فتتنفّس. ومن أشكال التّفسير بالرّأي التّفسير العقليّ والتّفسير الكلاميّ والتّفسير الفلسفيّ.
التّفسير اللّغويّ وهو الأكثر، وتعرفه العرب بألسنتها، مثال ذلك في قول الله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ (يوسف: 82) والمراد اسأل أهل القرية وأصحاب العير، فيوجد صارف يصرفنا عن فهم النّصّ كما هو، وهذه الآية اشتملت على مجاز عقليّ، والإيجاز يدخل تحته الحذف. مثال ثان في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (النساء: 10) فكلمة أكل هنا أصبحت تشمل الإنفاق وغيره، مثل قول الشّاعر: «فإِنّ قومي لم تأكلهم الضبع». فاللّغة منطوية على أسرار ومغاليق، فهي تغمض حتّى تصل إِلَى حدّ الرّمز، وتنفتح حتّى يعلمها العامّيّ. والتّفسير اللّغويّ بدأ مع ابن عبّاس رضي الله عنه الّذي كان يجيب نافع ابن الأزرق بشواهد من شعر العرب، علما أَنّ العرب شفهيّين يعتمدون على الحفظ أكثر من التّدوين. بدأ النّاس في عصر التّدوين يكتبون التّفسير على الأساس اللّغويّ، فكان علماء البصرة والكوفة في هذه المرحلة يرحلون إِلَى البوادي لجمع اللّغة من شعر وأخبار، وقال سيبويه: ليس لك أَن تفقه القرآن إِن لم تفقه لغته. فظهرت في القرن الثّالث مجموعة من المؤلّفات منها معاني القرآن للأخفش ومعاني القرآن للفرّاء والإعجاز القرآنيّ لأبي عبيدة. نأخذ منها نموذج أبي عبيدة، فهو لا يقصد من الإعجاز القرآنيّ معناه اللّغويّ بل المعنى والتّفسير، أَي الأسلوب الّذي يجيزك وينقلك إِلَى الفهم. ومشروع الكتاب انطلق لمّا استشكل على أحد الأمراء قول الله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (الصافات: 65) فتساءل كيف يشبّه الله عزّ وجلّ شيئا مجهولا بشيء مجهول؟ فيجيب أبو عبيدة بأَنّ هذا جار على أسلوب العرب وعلى طريقتها في البيان وذكر بيت امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي *** ومسنونة زرق كأنياب أغوال.
فالعرب لم تر الغول قطّ، ولكن لمّا كان أمر الغول يفزعها ويرعبها شبّهها على ذلك. وجمع أبو عبيدة استعمالات في القرآن غير مألوفة وغير قابلة للقاعدة فأثبت أَنّها مألوفة وقابلة للقاعدة. فضرب مثلا لذلك قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: 38) والسّياق فاقطعوا يديهما، فجاء المثنّى بصيغة الجمع، والعرب تفعل هذا فيما يتعلّق بأعضاء الجسد. وقال في قول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (يوسف: 4)، والقياس رأيتها لي ساجدة، والعرب تعطي جمع العاقل لغير العاقل إِذا صدر منها شيء يشبه فعل العقلاء. وفي قوله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ (القصص: 76)، الّذي ينوء هو الحامل وليس المحمول، تقول العرب: أدخلت الحائط في المسمار. وفي قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾(هود: 43) والمعنى استعمال المفعول وإرادة الفاعل. وقال أيضا: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾(مريم: 4) أَي اشتعل الشّيب في الرّأس، والأوّل فيه مبالغة مقصودة. قال أبو عبيدة إِنّ العرب تلفّ الكلام لفّا ثمّ تلقي به جملة واحدة.
بدأ النّاس يكتبون في آيات الأحكام ككتاب «أحكام القرآن» لابن عربيّ وكتاب «آيات الأحكام» للجصّاص وكتاب «الجامع» للقرطبيّ. ومن كتاب «جامع البيان في تأويل آي القرآن» المشهور بتفسير الطّبريّ نورد نموذج قول الله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ، تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة: 196) يقول الطّبريّ إِنّ القرآن ليس فيه زوائد، وخالف الطّبريّ من يقول بأَنّ الله يريد التّوكيد بذلك، مثل قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ (النحل: 26) ومعلوم أَنّ السّقف لا يخرّ إِلّا من فوق. فيرى أَنّ الفرق الزّمنيّ بين ثلاثة أيّام والسّبعة، قد يقع فيه النّسيان والتّراخي فيتغافل الحاجّ وتضيع منه تلك العشرة. فجاءت كلمة «كاملة» حتّى يعلم الحاجّ أَنّ عليه أَن يصوم ما فرض عليه.
يعتبر التّفسير البيانيّ شعبة مستقلّة من شعب التّفسير، فلا يستطيع الفقيه أَن يضع حكما حتّى يقلّب الآيات على وجوهها، لأَنّ القرآن قطعيّ الثّبوت من عند الله يقينا، وضنيّ الدّلالة لأَنّه حمّال أوجه ومعانيه قابلة للأخذ والرّدّ. قال الله تعالى: ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 138) والبيان تبليغ المعاني الإلهيّة على أحسن وجه بالتّوضيح وإظهار النّصوص أكثر إيجازا وأكثر تفصيلا. وكنموذج نقرأ أمثلة من كتاب الكشّاف للزّمخشريّ الّذي يقول إِنّ التّفسير لا يزاوله إِلّا رجل قد برع في علم البيان وعلم المعاني. فيقول في قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ (الحج: 63) في الاستعمال العاديّ نقول أصبحت لأَنّ الماضي يتبع الماضي، فأعرض الله عن استعمال الماضي إِلَى المضارع، لأَنّ المضارع يفيد الاستمرار عكس الماضي الّذي لا يمتد في الزّمان، ونزول المطر يقع دون امتداد في الزّمان عكس الاخضرار الّذي فيه امتداد. ويقول في قول الله تعالى: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى﴾ ( طه: 68) في السّياق تقرير على غلبته على عدوّه وقهره، وتوكيده أوّلا بالاستئناف ثمّ بكلمة التّشديد: إِنّك بدل أنت، ثمّ بتكرير الضّمير: إِنّك أنت، ثمّ بلام التّعريف: الأعلى، ثمّ بلفظ العلوّ: الأعلى، ثمّ بالتّفضيل الأعلى بدل العالي. أَمّا في قول الله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ (مريم: 4) يتساءل لماذا اختار القرآن الكريم لفظ العظم ولم يقل وهنت؟ فيجيب: لأَنّه لا يوجد لفظ آخر يصوّر حالة الضّعف أكثر منه، لأَنّه هيكل البدن، فإِذا هوى، هوى البدن كلّه.
التّفسير الإشاريّ ويسمّى أيضا الباطنيّ والصّوفيّ، وأخطره هو التّفاسير الشّيعيّة الّتي تتمحور كما قلنا حول سيّدنا عليّ رضي الله عنه وفاطمة رضي الله عنها. وهذا النّمط من التّفسير ظهر بعد القرن الخامس مع الانحطاط ودخول الفكر الغيبيّ والصّوفيّ، وبعد أَن نقلت إِلينا علوم المجوس واليونان والدّيانات الأخرى. فلفظ الإشاريّ مأخوذ من الإشارة وهي الإيماء للشّيء من بعيد، والإشارة في القرآن أَنّ للآية معنى قريب يعطيه لك ظاهر النّصّ ولكنّك تلمس له معان أخرى. فللفقيه المعنى الظّاهر وللصّوفيّ المعنى الباطن. ونقرأ نموذجا من هذا التّفسير لابن عبد الله السّلميّ حول قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ (البقرة: 249)، فالسّلميّ قبل تفسيرها الظّاهريّ، وزاد أَنّه لا مانع من أَن نظيف بأَنّ في الآية إشارة إِلَى أَنّ النّاس أقسام أربعة، قسم أوّل: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ وهو قسم مَن أكثرَ من الدّنيا ونسي الله. وقسم ثان: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ وهو قسم الزّهد والإعراض عن الدّنيا. وقسم ثالث: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ وهو قسم من أخد من الدّنيا بنصيب حدّ الكفاف. وأخيرا قسم رابع: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ وهؤلاء خير ممّن قبلهم. وعلّق ابن تيميّة على السّلميّ قائلا: «وهذا الكلام حسن لولا أَنّ النّصّ لا يدلّ عليه».
الهوامش
(1) مسند أبي يعلى، تحقيق حسين أسد، جـ8، ص: 22، حديث رقم 4528: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا مَعْنُ الْقَزَّازُ، عَنْ فُلَانِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ «لَا يُفَسِّرُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ إِلَّا آيًا بِعَدَدٍ. عَلَّمَهُنَّ إِيَّاهُ جِبْرِيلُ».
(2) صحيح مسلم 1917
(3) أخرجه أحمد (25813) واللّفظ له، وأبو يعلى (4862)، والطّحاويّ في (شرح مشكل الآثار) (4435)
(4) - عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ (631)
(5) - (إِذا حدَّثَكم أَهلُ الْكتابِ فلا تصدِّقوهم ولا تُكذِّبوهم فإِمَّا أَن يحدِّثوكم بحقٍّ فتُكذِّبوهُ وإِمَّا أَن يحدِّثوكم بباطلٍ فتصدِّقوهُ) البخاريّ (4485)
|




