نفحات

بقلم
د. عبد الفتاح أبوماضي
اللّسان بين نسك الحجّ وسلوك الصّيام: قراءة في ضوابط الجدال وسلطة المعنى
 جدليّة الصّمت والكلام
يظلّ اللّسان ذلك العضو الهلاميّ المتناقض، يحمل في طيّاته ثنائيّة البناء والهدم، النّجاة والهلاك. في منظور الإسلام، لا يُنظر إِلَى الكلم بوصفه مجرّد أصوات متعالية (ثرثرة) في الهواء، بل بوصفه كينونة وجوديّة تحمل ثقل التّكليف ومسؤوليّة المعنى. ولعلّ المتأمّل في النّصّ القرآنيّ والحديث النّبويّ يدرك عمق هذه الإشكاليّة، حينما تجتمع العبادات التّوقيفيّة الكبرى - كالحجّ والصّيام - على قضيّة واحدة هي تنقية اللّسان وضبط آليّات الحوار والجدال.
فما العلاقة العميقة بين قوله تعالى: ﴿ ..فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾(البقرة: 197)، وقوله ﷺ: «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ»(1)؟
وكيف تتجلّى فلسفة اللّسان في هذين الرّكنين العظيمين؟
أوّلاً: الجدال في الحجّ - تأطير المكان والمكانة
لمّا كان الحجّ تجمّعاً إنسانيّاً فريداً، تلتقي فيه الأجناس والألوف من كلّ فجّ عميق، كانت الحاجة ماسّة إِلَى قانون ينظّم هذا التّجمّع ويحوّل الفوضى البشريّة إِلَى نظام تعبّديّ. هنا يأتي الخطاب القرآنيّ صارماً: ﴿ ..فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. والجدال - كما في أصله اللّغويّ - يعني شدّة المخاصمة والمنازعة، مأخوذ من «جدلت الحبل» أَي أحكمت فتله، فكأَنّ المتجادلين يحاول كلّ منهما فتل الآخر عن رأيه.
لكنّ التّأمّل يكشف أَنّ النّهي عن الجدال في الحجّ يتجاوز البعد الاجتماعيّ إِلَى بعد أعمق. فالحجّ في جوهره تجربة للخروج من سلطة الأنا إِلَى سلطة المطلق. إِنّه إعلان مؤقّت عن تعطيل الجدل بوصفه صراعاً على المعنى، لأَنّ المعنى هنا قد صار متعيّناً في النّسك. ومن هنا قال العلماء: الجدال المنهيّ عنه في الحجّ نوعان: جدال في أحكام الحجّ ذاتها بعد وضوحها، وجدال يؤدّي إِلَى الشّحناء والفتنة. فالمكان المقدّس لا يحتمل صراع التّأويلات، بل يفرض سلطة المعنى الواحد المتعيّن في الفعل التّعبّديّ.
ثانياً: الصّيام سمفونيّة الصّمت التّأديبيّة
أَمّا في الصّيام، فيتحوّل المشهد من الجماعيّ إِلَى الفرديّ، ومن المكانيّ إِلَى الزّمانيّ. هنا يأتي الحديث النّبويّ ليؤسّس نظرة مختلفة في التّعامل مع اللّسان: «فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ». إِنّها لحظة تأمّليّة تستحقّ الوقوف: لماذا قالها مرّتين؟ ولِمَ كان القول باللّسان وليس الاكتفاء بالنّيّة القلبيّة؟
هنا يتجلّى العمق التّربويّ. حين يقول الصّائم «إِنّي صائم» بلسانه، فإِنّه يحوّل صومه من حالة فرديّة خاصّة إِلَى إعلان وجوديّ عامّ. إِنّه يشهد على نفسه أمام الآخر، وأمام الله، وأمام التّاريخ. وكما قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: «إِنّ القول المطلق لا يكون إِلّا باللّسان». إِنّها شهادة وجوديّة تخلخل عدوانيّة الآخر، لأَنّها تحوّل المواجهة من مواجهة «أنا وأنت» إِلَى مواجهة «أنا والله» في حضرة الآخر.
ثالثاً: نظرة موحّدة للّسان في العبادتين
ما يثير الانتباه أَنّ النّصّين يشتركان في مفردة «الرّفث» الّتي تعني الفحش والكلام البذيء. هذا التّقاطع اللّغويّ ليس مصادفة، بل يشير إِلَى وحدة الرّؤية الإسلاميّة لخطورة الكلمة. فالعبادة الكبرى لا تكتمل إِلّا بسلامة اللّسان، كما أَنّ الصّوم لا يكون جُنّة ما لم يصحبه صوم الجوارح عن الآثام.
هنا يمكن القول: إِنّ الحجّ يمثّل «الصّوم الكبير» في بعده الجماعيّ المكانيّ، بينما الصّيام يمثّل «الحجّ المصغّر» في بعده الفرديّ الزّمانيّ. وكما أَنّ الحجّ لا رفث فيه ولا جدال، فكذلك الصّوم لا رفث فيه ولا جدال. بل إِنّ أبا العبّاس القرطبيّ يذهب إِلَى أَنّ النّهي في الصّوم تأكيد لحرمة أصليّة، وليس ابتداء تشريع، فالرّفث والجدال ممنوعان على الإطلاق، لكنّ الصّوم يزيدهما تأكيداً.
رابعاً: الجدال المذموم والجدال المحمود - قراءة في أنطولوجيا الحوار
لا ينبغي أَن يُفهم من هذه النّصوص دعوة إِلَى الصّمت المطلق، فالإسلام دين الحوار والمناظرة بالّتي هي أحسن. القرآن نفسه يحوي ألواناً من الجدال المحمود: ﴿...وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125). فالمسألة إذن ليست مسألة «كلام» مقابل «صمت»، بل مسألة ضبط للكلام وتأطير للجدال. الفرق دقيق: الجدال المذموم هو الّذي يكون للغلبة وإسكات الآخر، بينما الجدال المحمود هو الّذي يكون لكشف الحقيقة وبلوغ المعنى.
وفي هذا السّياق، يمكن فهم حديث النّبيّ ﷺ: «ما ضَلَّ قومٌ بعدَ هُدًى كانوا عليه إِلّا أُوتوا الجَدَلَ». فالجدال هنا ليس مجرّد نقاش، بل هو تعصّب للمذاهب الفاسدة والانغلاق عن الحقّ. إِنّه خيانة للمعنى لصالح الانتصار للذّات.
خامساً: نحو الصّمت التّعبّديّ
ما يقدّمه النّصّ الإسلاميّ في شأن اللّسان يتجاوز الأخلاق الاجتماعيّة إِلَى بناء أنطولوجيا جديدة للوجود الإنسانيّ. حين يمسك الحاجّ عن الجدال، وحين يعلن الصّائم صومه في وجه الشّاتم، فإِنّهما يؤسّسان لـ «قوّة الصّمت» الّذي يتجاوز ثرثرة الكلام إِلَى عمق الوجود.
العلّامة أبو حامد الغزاليّ قسّم الكلام إِلَى أربعة أقسام: ضرر محض، نفع محض، ما فيه نفع وضرر معاً، وما لا نفع فيه ولا ضرر. والصّمت التّعبّديّ في الحجّ والصّيام هو آليّة لتصفية الكلام من أقسامه الثّلاثة الأُولى، والاكتفاء بما كان نفعاً محضاً أَو كان عبادة في ذاته.
العبادة كتطهير للّغة
يمكن القول إِنّ الحجّ والصّيام يمثّلان محطّتين رئيسيّتين في مشروع إسلاميّ كبير لتطهير اللّغة وإعادة تأهيلها لتحمّل مسؤوليّة المعنى. فالعبادة الإسلاميّة لا تكتفي بتزكية الجسد، بل تمتدّ لتزكية الكلمة، لأَنّ الكلمة هي الجسد الآخر للإنسان. ومن هنا كان الجزاء: «والحجّ المبرور ليس له جزاء إِلّا الجنّة»، وكان الصّوم جُنّة من النّار.
إِنّها دعوة دائمة لأَن يكون الإنسان مسؤولاً عن كلّ لفظ يلفظه، كما في قوله تعالى:﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾(ق: 18). وفي ذلك تأكيد على أَنّ بناء الإنسان لا يكتمل إِلّا حين يبني لسانه، كما يبني جوارحه، فيصبح الكلام عبادة، والصّمت تأمّلاً، والجدال حكمة، والقول ذكراً.
الهوامش
(1) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الصيام، باب حفظ اللسان للصائم)، برقم (1151) عن أبي هريرة.
(2) أخرجه الإمام التّرمذيّ فِي سننه (كتاب تفسير القرآن، باب ومِن سورة الزّخرف)، برقم (3253)، وكذلك أخرجه ابن ماجه فِي سننه، والإمام أحمد فِي مسنده. أبي أمامة الباهليّ رضي الله عنه (واسمه صديّ بن عجلان، الصّحابيّ الجليل). وقد عقّب الإمام التّرمذيّ على هذا الإسناد بقوله: «هذا حديث حسن صحيح»