خواطر
| بقلم |
![]() |
| شكري سلطاني |
| مِن مبنى الوجود إِلَى كسب المعنى: رحلة الوعي والسّلوك |
مقدّمة
على امتداد التّجربة البشريّة، وقف الإنسان حائراً أمام لغز الوجود، متسائلاً عن الغاية القصوى من حضوره في هذا العالم. إِذ لم يُلقَ الإنسان في ساحة الحياة ليقضي أيّامه كحالة بيولوجيّة عابرة، بل ليخوض تجربة وعي فريدة ومستمرّة. وفي خضمّ هذا البحث الدّؤوب، تبرز ثنائيّة «المبنى» و«المعنى» كأحد أعمق المداخل الفلسفيّة لفهم الذّات الإنسانيّة وتوجيه مسارها. إِنّها رحلة الانتقال من القوالب المادّيّة الّتي تحبس الرّوح، إِلَى الجوهر الرّوحيّ والأخلاقيّ الّذي يمنح أفعالَنا قيمتَها الحقيقيّة. فكيف نعبر الجسر الفاصل من مجرّد «الإقامة» في مبنى الوجود إِلَى «استحقاق» معنى الوجود؟
1. الوجود كساحة للتّجلّي
إِنّ الوجود ليس فضاءً ساكناً، بل هو ساحة صراع وتدافع بشريّ محتدم، فيه تنكشف النّوايا وتُعرّى السّرائر. في هذا المختبر الوجوديّ، تبوح النّفوس بمكنوناتها، فتتحوّل المشاعر والعواطف الصّامتة إِلَى سلوكيّات ملموسة تصطبغ بصبغة أصحابها. هنا، يعمل كلّ إنسان «على شاكلته»، مقيّداً بقالب نفسه وجوارحه، وكأَنّ السّلوك هو المرآة الّتي تعكس انفعالاته وتعلّقاته بمسارات الحياة المختلفة.
2. المبنى كدعامة للمفهوميّة
يُعَدّ «مبنى الوجود» الرّكيزة الأساسيّة لمفهوميّة البشر؛ فهو الواقع المادّيّ والاجتماعيّ الّذي يتيح لنا بناء الملاحظات وصياغة الفرضيّات حول الكيان الإنسانيّ المعقّد. ومن خلال هذا المبنى - بما يشرّعه من عادات وتقاليد وسلوكيّات- يتشكّل «المعنى» كاستنتاج نهائيّ وخلاصة واعية. فالمبنى يستوعب الفعل، والمعنى يفسّره ويمنحه الشّرعيّة أَو النّقد.
3. نقد الفعل: مخاض المعنى
إِنّ ما يدفعنا للتّدقيق في ذواتنا هو تفعيل «آليّة النّقد» للفعل الإنسانيّ. نحن لا نكتفي بالعيش، بل نعالج ملاحظاتنا ونمحّص تمثّلاتنا ومفاهيمنا لنطرح السّؤال الجوهريّ: كيف نكتسب معاني وجودنا من خلال مبنى وجودنا النّسبيّ؟
إِنّ هذا التّساؤل هو المحرّك لتصحيح المسارات، وإعادة ضبط التّعلّقات والتّوجّهات. فالمعنى ليس هبة مجّانيّة، بل هو مكسب نحصل عليه حين نحوّل «مبنى» أفعالنا اليوميّة من حركة عشوائيّة إِلَى «قيمة» أخلاقيّة ومعرفيّة تسمو بنا فوق محدوديّة المادّة.
4. الوجود المستعار والوجود الذّاتيّ
هذا الوجود النّسبيّ البشريّ، مهما سما بمبانيه ومعانيه البشريّة، يظلّ محكوماً بقانون الفناء. فكلّ مَن في الوجود مخلوق متغيّر، غير ثابت ولا مستقرّ، يتأرجح بين العدم والبقاء المستعار.وهذا تحديداً ما يدفع البشر للتّدقيق في سلوكهم ونقد أفعالهم؛ أَي إدراكهم لنسبيّة هذا المبنى. فنحن نطرح السّؤال الجوهريّ: كيف نكتسب معاني وجودنا لتصحيح مساراتنا؟ إِنّ هذا التّصحيح لا يكتمل إِلّا بالاعتراف بأَنّ «المبنى» فانٍ، وأَنّ «المعنى» الحقّ هو ما اتّصل بالباقي الّذي لا يزول.
5. البعد الأنطولوجيّ: وجه الله ذو الجلال والإكرام
هنا تنجلي الحقيقة الكبرى في قوله تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾( الرحمن: 26-27).إِنّ وجه الله الكريم هو الدّلالة المطلقة للبقاء في مقابل الفناء؛ فهو التّجلّي الإلهيّ الّذي يباشر هذا الوجود العزيز الحكيم بفيض قيّوميّته. فإذا كان «مبنى الوجود» البشريّ آيلاً للزّوال، فإِنّ المعنى الّذي يكتسبه الإنسان لا يستمدّ ديمومته إِلّا من خلال توجّهه نحو «وجه الله». إِنّ كسب المعنى ليس مجرّد ترف فكريّ، بل هو رحلة للارتقاء من «مبنى» فانٍ ومتغيّر إِلَى «وجه» باقٍ وسرمديّ. فالتّوجّه الانفعاليّ والسّلوكيّ للإنسان لا يستقيم إِلّا إذا اتّخذ من وجه الله العزيز الحكيم قبلةً له، ليتحوّل الفعل البشريّ من مجرّد حركة في الزّمان إِلَى أثر باقٍ ببركة الاتّصال بالخالق الواحد.
خاتمة
ختاماً، يمكن القول إِنّ رحلة الإنسان في هذا الوجود هي في جوهرها حركة مستمرّة للانعتاق من أسر «المبنى» الزّائل إِلَى رحابة «المعنى» الخالد. إِنّ إدراكنا لنسبيّة واقعنا المادّيّ وفنائه ليس دعوة لليأس أَو العدميّة، بل هو حافز واعٍ لتوظيف هذا الواقع كقنطرة نعبر بها نحو الحقائق المطلقة. فعندما نربط أفعالنا اليوميّة ومقاصدنا بالباقي الأزليّ، فإِنّنا لا نكتسب معنىً لوجودنا فحسب، بل نمنح هذا الوجود العابر أثراً لا يمحوه الزّمن، متّجهين بصدق نحو وجه الله ذي الجلال والإكرام. |




