بحوث

بقلم
م.لسعد سليم
البحث الثّاني: «الكبائر الفرعيّة»(10) ترك الصّيام
 عقب آيات فرض الوصيّة، تتنزّل آيات فرض الصّيام في سورة البقرة (1-2هـ)، مبيّنة أنّ هذه الفريضة قد كتبها الله سبحانه أيضاً على أمم من قبلنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(البقرة: 183-184).
وتتعلّق هذه الآية بعموم الصّيام، سواء أكان كفّارة أم غيره، لتليها مباشرة آيات فرض صيام شهر رمضان: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ * أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾( البقرة: 185-187).
وقد حدّد سبحانه وتعالى في هذه الآيات كلّ ما يتعلّق بالصّيام، فجعل إطاره الزّمنيّ مستغرقاً كامل النّهار (مع أطرافه)، أي ابتداء من طلوع الفجر إلى بداية اللّيل (1). كما بيّن تحريم الأكل والشّرب والجماع أثناء الصّيام، جاعلاً ذلك حدّا من حدوده (السّتّة)، ومستثنياً المريض والمسافر على أن يقوما بتعويض ما أفطراه من أيّام لاحقاً. يترافق هذا مع وجوب الفدية (إطعام مساكين، تاركاً تحديد عددهم للتّقدير الشّخصيّ) لمن لا يقدر (2) على الصّوم في كلّ الأحوال، كالمريض بمرض مزمن أو الشّيخ الهرم. وبذلك ترك للمؤمن مسؤوليّة التّقدير الذّاتيّ لشدّة المرض أو عناء السّفر المبيح لعدم الصّيام مطلقاً أو عرضاً، مع إمكانيّة الاستعانة برأي عدل؛ أي خبير في المجال (طبيب). وهذا التّرك ليس سكوتاً أو عموماً يفتقر إلى تخصيص أو تبيان من السّنن والآثار، بل هو تأسيس لمبدأ «الاستقلاليّة الفرديّة» من جهة، إذ تتباين حالة كلّ فرد عن الآخر، وهو من جهة أخرى تكريس لـ «المسؤوليّة الأخلاقيّة» للمؤمن، عبر منحه مساحة لاتّخاذ قرارات بناء على معطيات موضوعيّة يحدّدها (بالاستعانة بخبير)، ليكون أكثر وعياً وانسجاماً مع أفعاله.
وهنا أيضاً تمّ اختراق هذا المجال «الشّخصيّ» إن صحّ التّعبير، والّذي تركه سبحانه للفرد ليقدّره بنفسه، والّذي يتغيّر بالضّرورة حسب الزّمان والمكان (باعتباره متغيّراً وضعيّا لا يحمل صبغة دينيّة ثابتة). فقد عمد الفقهاء إلى التّوسّع الاصطناعيّ للمنظومة الفقهيّة للصّيام، عبر وضع العشرات من الأحكام الّتي تحلّل وتحرّم باسمه عزّ وجلّ، متذرّعين بالسّنن والآثار في بادئ الأمر، ثمّ مستندين في مرحلة تالية إلى قواعد «أصوليّة وفقهيّة» كتخصيص العامّ وتقييد المطلق والقياس والإجماع، إلخ. هكذا استحالت أحكام الصّيام الّتي بيّنها سبحانه في ثلاث آيات إلى مجلّدات ضخمة، توحي للعامّة للوهلة الأولى أنّها من «علوم الدّين» الضّروريّة. إلّا أنّه يتبيّن، عند إعمال أدوات التّدقيق والتّمحيص، أنّها لا تتعدّى كونها اجتهادات بشريّة؛ حتّى وإن جاز القول بصلاحيّتها في حقبة تاريخيّة أو حالة سياقيّة معيّنة، فإنّه لا يجوز بحال من الأحوال إضفاء صبغة دينيّة مطلقة عليها تُحلّل وتُحرّم باسمه تعالى. فذلك يدخل في دائرة التّقوّل على الله عزّ وجلّ، وهو الأمر الّذي يُعدّ من أعظم الكبائر، بل هو أوّل ما حرّمه جلّ جلاله في سورة الأعراف (2هـ): ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾(الأعراف:33)(3) .
وعلى سبيل الذّكر لا الحصر، نجد تحديد الفقهاء (واختلافهم طبعاً) لمسافة السّفر المبيحة للإفطار؛ فيكون الصّوم لمسافة معيّنة واجباً في مذهب، وغير واجب في مذهب آخر، أي بمعنى آخر: يكون حلالاً لفئة وحراماً لفئة أخرى (تبعيّة للمذهب)، وهو تناقض يرفضه العقل السّليم. ناهيك عن التّوسّع المعرفيّ في «مبطلات» الصّوم الّتي لم يحدّدها سبحانه (المحصورة في الأكل والشّرب والجماع)، أو ابتداع حالات لجواز الإفطار غير السّفر والمرض، والّتي غالباً ما تتشكّل بـ «ضغط» أو توجيه من الفئة الحاكمة أو النّافذة.
أمّا الصّيام المفروض في غير رمضان، فقد ورد في كتاب الله الكريم في ستّ (6) حالات حصراً: ثلاث منها تتعلّق بالحجّ والعمرة، وتتمثّل في: كفّارة قتل المحرم صيد البرّ، وفدية حلق الرّأس، والهدي في الحجّ. والباقي يتمثّل في: كفّارة اليمين، وتوبة قتل المؤمن خطأً، وحدّ الظّهار. وهذا الصّيام إمّا أن يكون على التّرتيب؛ أي وفق أولويّة حدّدها سبحانه وتعالى، أو على التّخيير؛ حيث يقرّر الشّخص بنفسه الصّوم أو إطعام/كسوة مساكين (4):
1/ كفّارة قتل المحرم لصيد البرّ عمداً (تخييراً، بصيام مدّة يحدّدها عدل/خبير): ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾( المائدة: 95).
2-3/ فدية حلق الرّأس (تخييراً، بمدّة يحدّدها الشّخص نفسه) والهدي في الحجّ (ترتيباً، بصيام 10 أيّام): ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾(البقرة:196)».
4/ كفّارة اليمين (ترتيباً، بصيام 3 أيّام): ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(المائدة: 89).
5/ توبة قتل المؤمن خطأً (ترتيباً، بصيام شهرين متتابعين): ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾(النساء: 92).
6/ حدّ الله في ظهار الزّوجة، وهو قول الزّوج لزوجته: «أنت حرام عليّ كظهر أمّي»، وهي عادة كانت منتشرة عند العرب (ترتيباً، بصيام شهرين متتابعين): ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ۚ ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(المجادلة: 3-4).
إلّا أنّه وقع تعميم مصطلح «الكفّارة» في موروثنا الفقهيّ على كلّ هذه الحالات السّتّ، وهذا غير دقيق (5). فبالرّجوع للآيات ذات الشّأن، نجد أنّ الله وصف حالتين فقط بالكفّارة (اليمين وقتل صيد البرّ)، أمّا بالنّسبة للقتل الخطأ فهي «توبة» كما ذكر عزّ وجلّ، بينما جعل سبحانه صيام حلق الرّأس «فدية»، وصيام الظّهار حدّا من حدوده السّتّة التّي وردت في القرآن الكريم، وذلك ترتيباً أو تخييراً.
تزامن هذا مع قيام «فقهاء المذاهب» باستحداث «كفّارة» لم ترد في كتاب الله، متذرّعين بورودها في الآثار والسّنن، وهي كفّارة الإفطار عمداً في رمضان، المتمثّلة في صوم شهرين متتابعين (مع الخلاف الفقهيّ المعتاد: هل تجب عند الإفطار بالجماع فقط أم تمتدّ لتشمل الأكل والشّرب؟). وهذا مسلك مخالف للنّسق القرآنيّ؛ إذ ليس لرسول الله ﷺ أن يشرّع أحكاماً إضافيّة في قضايا فصّل فيها عزّ وجلّ بياناً في كتابه الكريم. ويشهد لذلك قضيّة ميراث الكلالة؛ فلمّا سُئل عنها النّبيّ، تولّى الله عزّ وجلّ الإفتاء المباشر، مبيّناً تلك النّسبة حصراً .
فصيام غير رمضان، من كفّارة أو توبة أو حدّ أو فدية، فصّله الله عزّ وجلّ في كتابه الكريم. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ القرآن تطرّق إلى أدنى مدّة للصّيام (ثلاثة أيّام لكفّارة اليمين) وأقصى مدّة (شهران متتابعان لحدّ الظّهار)، فكيف يُعقل أن يسكت المشرّع الحكيم عن عقوبة صيام شهرين متتابعين إزاء إفطار يوم واحد في رمضان؟ وهل هذه العقوبة المستحدثة كفّارة، أم توبة، أم فدية، أم حدّ من حدوده عزّ وجلّ؟ ناهيك عن أنّ الأمر بالامتناع عن الأكل والشّرب والجماع قد ورد صراحة بوصفه حدّا من حدوده عزّ وجلّ في الآية: ﴿..وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾(البقرة: 187). فلو كان الخرق يستوجب «كفّارة» مستقلّة، لذكرها النّصّ القرآنيّ مباشرة في آخر الآية، كما هو مطّرد في كلّ آيات التّشريع ذات الصّلة.
يُضاف إلى ذلك التّساؤل المنطقيّ المشروع: كيف تكون كفّارة الإخلال بالصّيام مدّة صيام أطول وأشقّ؟ فإن كان الغرض هو التّرهيب من الإفطار في رمضان، فإنّ اعتبار انتهاك الأكل والشّرب والجماع حدّا من حدود الله كافٍ لتحقيق الرّدع الذّاتيّ؛ إذ أنّ حدوده سبحانه من الكبائر الّتي توعّد من يتعدّاها بالخلود في العذاب المهين: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾(النساء: 13-14)(6). وهو البعد الرّدعيّ الّذي طمسه «الفقهاء» حين اختزلوا مفهوم حدود الله في العقوبات البدنيّة (الحدود الفقهيّة) استناداً إلى السّنن والآثار.
وقد روى الإمام مالك في «الموطّأ» (باب كفّارة من أفطر في رمضان) حديثين متناقضين في هذا الشّأن؛ الأوّل يفيد وجوب قضاء ذلك اليوم فقط (متبوعاً بتعليق للإمام بأنّ هذا أحبّ ما سمع إليه)، والثّاني يوجب كفّارة صيام شهرين متتابعين. فأيّ الرّوايتين تمثّل «السّنة الصّحيحة»: القضاء أم الكفّارة؟ وأين تتجلّى وظيفة «البيان» للقرآن إذا كان الحديثان متناقضين ومتعارضين في ذاتيهما؟ هذا التّساؤل موجّه لمن يدعو للاحتكام إلى السّنن في مسألة الإفطار العمديّ، مع التّذكير بأنّنا بيّنّا سابقاً ضعف هذه السّنن لمخالفتها قاعدة تشريعيّة حاكمة: ليس لرسول الله ﷺ أن ينشئ حكماً شرعيّا مستقلاًّ في مساحات فصّل فيها القرآن؛ كأحكام الطّلاق، ونسب الميراث، والكفّارات (تُضاف إليها القاعدة الإبستمولوجيّة الأولى: ردّ كلّ السّنن والآثار المصادمة لمحكم التّنزيل وإن زُعم تواترها أو صحّة سندها (7)، كرجم الزّاني، أو إباحة قتل الأسرى، أو استرقاق الأحرار).
ويُعدّ هذا دليلاً إضافيّا على أنّنا أمام «سنن وآثار» بشريّة تتّسم بالتّعدّد والتّناقض الدّاخليّ حتّى ضمن المذهب السُّنّيّ الواحد (8)، وهو مأزق معرفيّ يتضخّم بمجرّد إدماج المذاهب «الشّيعيّة» (المعتدّ بها لدى المؤسّسات الرّسميّة كالأزهر، كالاثني عشريّة/الجعفريّة)، والّتي تؤسّس منظومتها على آثار يُشترط حصر رواتها في أهل البيت أو الأئمّة المعصومين، مقصية الصّحابة والتّابعين. ووفق هذه الثّنائيّة الإقصائيّة، ترفض المذاهب (السّنّيّة والشّيعيّة) مرويّات بعضها البعض، مدفوعة بتحزّب أيديولوجيّ ونصرة سياسيّة تسبق التّحقيق المعرفيّ. وتكمن المفارقة الكبرى هنا في اطمئنانهم لـ «إنكار» سنن بعضهم البعض دون حرج، في حين يُجلبون بخيلهم ورجلهم ضدّ كلّ باحث مستقلّ يحقّق خارج أسوار المذهب، ويبرهن على بطلان ما نُسب للنّبيّ ﷺ لمصادمته محكم القرآن، فيرموه بتهمة «إنكار السّنة».
إنّ هذا الاختلاف والاضطراب في الرّوايات (في النّصّ أو المتن) شاهد على تهافتها الدّاخليّ حتّى لو تمّت هندسة «صحّتها» ظاهريّا. فالسّند (الرّواة) في معظمه آحاد لا يفيد القطع واليقين، فلا ينهض تالياً ليكون مصدراً للتّشريع الإلهيّ المُلزم، بله أن يُبنى عليه إيمان أو عقيدة غيبيّة. بل تُعدّ هذه المرويّات، في أحسن أحوالها التّاريخيّة، اجتهادات وتدابير إداريّة صدرت عن الرّسول بوصفه قائد أمّة ووليّ أمر، أو مقولات للوعظ والإرشاد النّسبيّ.
فلا قطع بالثّبوت المطلق لنصّ دينيّ إلّا للقرآن الكريم وحده، تصديقاً لتعهّده سبحانه بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(الحجر: 9). فهو الخاتم للوحي البشريّ، فلا نبيّ ولا رسول بعد محمّد ﷺَ :﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾(الأحزاب: 40). ولا تشريع يُنسب للسّماء إلّا بالمحكم من آياته: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(آل عمران: 7).
وقد بيّن سبحانه هذه الثّنائيّة المعياريّة الأساسيّة في التّشريع في سورة محمّد (5-6 هـ)، مؤكّداً أنّه لا تشريع إلّا بنصّ قرآنيّ، وبشرط أن تكون السّورة محكمة: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾(محمد: 20). فلو كان رسول الله ﷺ يشرّع بأقواله أو أفعاله (فضلاً عن تقريره وسكوته)، لما افتقر المؤمنون والمجتمع النّبويّ للمطالبة بسورة قرآنيّة لإقرار وجوب القتال. هذا يؤكّد بما لا يدع مجالاً للشّكّ وعيَ الصّحابة التّامّ بأنّ التّشريع الإلهيّ المُلزم محصور في النّصّ القرآنيّ. ولم يأتِ الرّدّ الإلهيّ في هذا السّياق بالأمر بـ «طاعة الرّسول» أو اتّباعه لحسم المسألة التّشريعيّة، وهي المصطلحات الّتي ينتزعها «الأصوليّون» من سياقها لتبرير إلزاميّة السّنن. فبالتّدقيق الموضوعيّ، يتبيّن أنّ الأمر القرآنيّ بـ«طاعة الرّسول» لم يرد قطّ في سياق تشريع أصل دينيّ غيبيّ جديد، بل ورد في إطار الطّاعة التّنفيذيّة لوليّ الأمر الدّنيويّ، شأنه شأن أيّ قائد بعده، أو في سياقات قضائيّة وتنظيميّة بحتة.
وختاماً، وإن كان الالتزام بصيام رمضان لا يزال حاضراً بقوّة في الوجدان الإسلاميّ، إلّا أنّه يُلحظ إهمال شديد وضمور في تطبيق الحالات السّتّ الأخرى الّتي أمر بها القرآن نصّاً، رغم تذكيره بشدّة انتقامه لمضيّعيها. فورود أوّل حدّ من حدود الله في سياق الصّيام، يدلّ دلالة قاطعة على وجوبه الصّارم، وأنّ التّفريط فيه يُعدّ من الكبائر. وعلاوة على الفوائد الفرديّة (الصّبر والارتقاء نحو التّقوى) والاجتماعيّة (التّضامن والانتماء)، تتجلّى الفوائد الفيزيولوجيّة للصّيام بوصفه آليّة وقائيّة فعّالة لتنقية الجسد من السّموم ودرء العديد من الأمراض(9).
الهوامش
(1)  تعتمد المذاهب السنية غروب الشمس للإفطار (طبعا حسب سنن و آ ثار) بينما الشيعة غياب الشفق الأحمر (20 دقيقة بعد الغروب)، إلا أنه يلاحظ دخول الليل بعد 30-45د من الغروب أي نصف المدة الزمنية بين المغرب و العشاء، انظر: ﴿و أتموا الصيام إلى الليل﴾ للباحث عدنان الرفاعي/www.thekr.net
هذا مع ذكر غروب الشمس في القرآن الكريم مرتين, تتعلق بالتسبيح حصرا : ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ﴾(ق: 39)، ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾ (طه: 130), فلو كان الصيام لغروب الشمس لذكر ذلك, فالليل ليس بالغروب 
(2)  ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ أي لا يقدرون عليه،من فعل «أطاق» و هو عكس «طاق» (لدخول همزة التعدي عليه)، انظر «وعلى الذين يطيقونه» للباحث عدنان الرفاعي/www.thekr.net
 (3)  انظر مقالنا «التّقوّل على الله»، الإصلاح 210
 (4)  المسكين هو فاقد السكن و لهاذا السبب تعددت الآيات التي تأمر بإطعامه (طعام جاهز, فهو يفتقد لسكن يحضر فيه طعاما) أما الفقير  فله سكن لكنه يجد صعوبة في تأمين باقي الحاجات الأساسية من مأكل و ملبس بشكل منتضم و لهذا جاءت الآيات تأمر بمساعدته ماديا (الإنفاق) و تبيح له أكل مال اليتيم (الذي تحت كفالته) بالمعروف: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾(النّساء: 6)
 (5)  وقد لمسنا هذا القصور المنهجيّ وقمنا باستخدام المصطلح ذاته في بداية بحوثنا المتعلّقة بحدود الله، الإصلاح 189 و214
 (6)  انظر مقالينا «حدود الله»، الإصلاح 189 و214
 (7)  من أول من رفض الأحاديث المخالفة للقرآن الكريم، الإمام أبو حنيفة (ت150ه): «أكذب هؤلاء ولا يكون تكذيبي لهؤلاء والرّد عليهم تكذيبا للنّبي ﷺَ...»، (العالم والمتعلم». و هو ر أي الخوارج و أوّل المعتزلة في صدر الإسلام, و يعتبر المرحوم الشّيخ محمد الغزالي (ت1996م) من أكبر الدّعاة إلى هذا الأمر في عصرنا الحاضر، فقد دعا إلى رد الأحاديث التي تخالف نصّ القرآن أو روحه: «إنّ أي حديث يخالف روح القرآن ونصّه فهو باطل»،(هذا ديننا) 
 (8)  و حتّى يقع تجاوز التّناقضات البيّنة بين نصوص السّنن و الآثار في نفس المسألة بدون التّشكيك في صحّتها, «تفنّن» الفقهاء في التّوفيق بين أضداد الأحاديث من تأويل وترجيح بادئ الأمر وصولا حتّى النّسخ و التّعديل، مصداقا لقول المحدث ابن خزيمة (ت311ه): «لا أعرف أنّه روي عن النّبي ﷺَ حديثان بإسنادين صحيحين متضادّان، فمن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما»، (من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث, جورج طرابيشي)
 (9)  كما هو الحال بالنسبة لنقد الرّبا أو الشّذوذ الجنسي, فالذين بيّنوا  فوائد الصّيام الصّحيّة هم أيضا من الكتاب الغربيون و خاصة الألماني: 
                                                                                                             مع العلم أنّ مسألة التّداوي بالصّيام تجد مقاومة شرسة من شركات الأدوية العالميـــّة التي تسيطـــــر (عن طريق التّمويل) على مناهج التّعليم و البحوث الطّبيّة في أهم الجامعات الغربيّة.