التنمية الطيبة
| بقلم |
![]() |
| الحبيب غربال |
| التّنمية الطّيّبة: برؤية مقاصديّة |
التّنمية الطّيّبة: الماهيّة والضّوابط الشّرعيّة
تستند الفلسفة الاقتصاديّة في الإسلام إلى شبكة مترابطة من المقاصد الشّرعيّة، والّتي يمكن ترتيبها تصاعديّا لتتجلّى غاياتها بوضوح:
أوّلا: إعمار الأرض، وهو المنطلق الأساسيّ للجهد البشريّ.
ثانيا: إرساء العدل، لضمان استقامة المعاملات وحفظ الحقوق.
ثالثا: تحقيق المصلحة، لتوجيه النّشاط نحو ما ينفع النّاس مجتمعا وأفرادا.
رابعا: التّنمية النّفعيّة أو «التّنمية الطّيّبة»، وهي ثمرة المقاصد السّابقة وتتويج لها.
ونظرا للأهمّيّة البالغة لهذا المقصد الرّابع، فقد آثرنا أن نجعله حجر الزّاوية والخطّ التّحريريّ النّاظم لمحتوى هذا الرّكن، الّذي سيكون حاضرا -إن شاء اللّه- باستمرار في مجلّة الإصلاح. وسنكرّس جهودنا في المقالات والدّراسات القادمة لتفكيك هذا المفهوم، وتأصيل قواعده، والتّوسّع في شرح أبعاده وتطبيقاته. فالتّنمية الطّيّبة هي تلك الّتي تتحقّق عبر وسائل وأساليب منزّهة عن الاستغلال والظّلم، لتشمل منفعتها الجميع. ولا يتجسّد ذلك إلّا متى توفّرت الشّروط التّالية:
* أن تكون السّلع والخدمات طيّبة ونافعة في كافّة أطوارها: إنتاجا وتوزيعا واستهلاكا وتملّكا.
* أن تكون العقود والعلاقات التّبادليّة متوافقة مع الضّوابط الشّرعيّة، وذلك باعتماد منتجات ومعاملات ماليّة خالية من أيّ غرر أو ربا أو أيّ صيغ منهيّ عنها شرعا.
مميّزات التّنمية الطّيّبة وفق الرّؤية المقاصديّة:
* الارتكاز على الاقتصاد الحقيقيّ (التّنمية الفعليّة): ويتجلّى ذلك في تحريم الرّبا، واشتراط التّداول الفعليّ للسّلع، وتحريم بيع الدّيون، ومنع الاحتكار.
* مشروعيّة التّنمية (التّنمية الحلال): وتتأسّس على توفير سلع مباحة، مقترنة بأدوات ماليّة شرعيّة متعدّدة ومتنوّعة.
* تنوّع مجالات التّنمية استنادا إلى المزايا التّفاضليّة: مع ترتيب هذه المجالات وفقا للمقاصد الشّرعيّة وأولويّات المصلحة العامّة، كتقديم القطاع الفلاحيّ والصّناعات التّحويليّة على غيرهما من القطاعات لتلبيتها للحاجيّات الضّروريّة.
* تعدّد المؤسّسات التّنمويّة وتكاملها: حيث تبرز مؤسّستا الزّكاة والوقف، إلى جانب البنى المؤسّسيّة الحديثة كالجمعيّات التّنمويّة والخيريّة، والتّعاونيّات، والتّعاضديّات، وصناديق التّأمين التّكافليّ، فضلا عن المؤسّسات الماليّة والشّركات العامّة والخاصّة.
الاقتصاد التّكافليّ والتّنمية الأهليّة: رافدان للتّنمية الطّيّبة
تتأسّس مقاربة التّنمية والاقتصاد في الفكر المقاصديّ على مبدأ الشّورى، ممّا يجعلها تنمية تنبثق من القاعدة صعودا نحو القمّة (من أسفل إلى أعلى). وترتكز هذه المقاربة على المجتمعات المحلّيّة بوصفها النّواة الأساسيّة لتنظيم اجتماعيّ وتضامنيّ بديل. وعليه، يمكن وسم هذه التّنمية بكونها اجتماعيّة وأهليّة، ممّا يقودنا إلى تعريف الاقتصاد الحاضن لها على النّحو التّالي:
«يعبّر الاقتصاد الاجتماعيّ والتّضامنيّ عن مجموع الأنشطة الاقتصاديّة والاجتماعيّة الّتي تنتظم في شكل بنيات مهيكلة أو تجمّعات لأشخاص طبيعيّين أو اعتباريّين، بهدف تحقيق المصلحة الجماعيّة والمجتمعيّة. وهي أنشطة مستقلّة تخضع لتدبير تشاركيّ وديمقراطيّ، ويكون الانخراط فيها حرّا». |




