آفاق تربوية
| بقلم |
![]() |
| محيي الدين لمليّح |
| من التّجربة الفنّية الى التّجربة التّربويّة: كتابا «الفنّ خبرة» و «الخبرة والتّربية» لجون ديوي منطل |
المقدّمة:
أنجز جون ديوي (1) قطيعة مع الفكر التّربويّ التّقليديّ واضعا بذلك حجر أساس فكر تربويّ حديث تناسلت منه مقاربات بيداغوجيّة جديدة وجّهت الممارسة التّعليميّة صوب وجهات مغايرة أحدثت منعرجا تربويّا رسم ملامح التّفكير التّربويّ الرّاهن.
إنّ هذا الفتح التّربويّ العظيم ما كان ليتحقّق لولا بناء فلسفيّ تقدّميّ نقل فعل التّفلسف من التّفلسف التّقليديّ القائم على التّأمّل المجرّد إلى التّفلسف الحديث القائم على التّجربة والخبرة. إنّ هذا التّصادي بين التّربية والفلسفة بدا لنا جليّا في كتابيه «الفنّ خبرة» و»الخبرة والتّربية»، ففيهما رسم جون ديوي مسار التّفلسف والتّربية من خلال إعادة تأصيل مفهوم التّجربة فلسفيّا ليعيد بذلك بناء التّجربة الفنّيّة والتّجربة التّربويّة.
أيّ دور للتّجربة الجماليّة في أزمة الفنّ ؟ وكيف تمّت النّقلة من التّجربة الفنّيّة إلى التّجربة التّربويّة وأيّ دور للنّظريّة التّطوّريّة في هذه النّقلة؟ وأيّ فضل للفلسفة في فرادة المشروع التّربويّ لجون ديوي؟
1. التّجربة وأزمة الفنّ
يشير جون ديوي في كتابه «الفنّ خبرة»(2) إلى وجود أزمة حقيقيّة تعيشها الفنون الجميلة مرجعا ذلك إلى انحراف طرأ في تعريف التّجربة الفنّيّة فصلها عن السّياقات الإنسانيّة الّتي نشأت فيها أوّل مرّة.(3)
صار العمل الفنّيّ بضاعة تخزّن في رفوف المتاحف كما تخزّن الآثار الفنّيّة. ويستأثر بها قلّة من الأثرياء. ففقدت التّجربة الجماليّة قيمتها وأفرغ العمل الفنّيّ من مذاقه الأصليّ وخلا من أيّ حياة وصار المنتوج الفنّيّ «(...) ناقصا مبهما دون حكم جماليّ».(4) وقد يكون الحلّ لاستعادة الأثر الفنّيّ جماليّته في المراهنة على «دور المتلقّي في التّذوّق وإصدار الأحكام تجاه الأعمال والصّور الفنّيّة»(5)
ذلك ما راهنت عليه التّصوّرات الفلسفيّة الّتي بلغت أوجها مع الإستيتيقا الكانطيّة لكنّها عمّقت أزمة الفنّ حينما جعلت شرط تحقّق الجمال الفنّيّ تحرّر التّجربة الفنّيّة من كلّ شوائب المادّة والمنفعة وأن لا تعود أسيرة الواقع (6).
يعتبر جون ديوي أنّ تقديم تعريف جديد للتّجربة السّبيل الوحيد أمام الفنّ كي يتجاوز أزمته ويتمكّن، بذلك، من استعادة «الاتّصال بين صورة الخبرة في حالات تركّزها وتهذّبها، أوّلا وهي الأعمال الفنّيّة، وبين الأحداث والأفعال والآلام اليوميّة الّتي تكوّن، باعترافنا جميعا صميم التّجربة» (7)
إنّ إعادة تنزيل الأعمال الفنّيّة في سياقها الإنسانيّ وتقريب الفنّ الجميل إلى الحياة العاديّة لا يحطّ «من شأن العمل الفنّيّ»(8). بل يعيد للتّجربة الجماليّة دلالاتها الأصيلة كخبرة جماليّة تتداخل فيها ذات الفنّان مع عالم الموضوعات.
فالمعنى الأصليّ للفنّ عند الإغريق هو «تنظيم لأوجه النّشاط البشريّ فكان فنّ السّياسة وفنّ الأخلاق»(9).
الفنّ الخبرة يقتضي النّظر إلى الخبرة في صورتها الأوّليّة بما هي تجسيد لتكيّف الإنسان مع بيئته وتفاعله معها (10). فمعبد بارثنون لم يشيّده الأثينيّون ليكون مجرّد عمل فنّيّ يثير الإحساس بالمتعة عند كلّ من يشاهده بل حتّى يكون نصبا تذكاريّا يجسّد حسّهم المدنيّ المختلط بمعتقداتهم الدّينيّة.
إنّ وصل التّجربة الفنّيّة بالخبرة الإنسانيّة يحوّلها إلى ممارسة «تعيد لنا الحياة الموحّدة والمتماسكة إزاء أنفسنا وإزاء العالم، إنّها مفردات الحياة، بل أكثر من ذلك إنّها الحياة الّتي يجد فيها المرء نفسه موجودا كاملا متّسقا مع نفسه ومع الآخرين».(11) وترجمة لمقاربة فلسفيّة جديدة أسّسها جون ديوي تقطع مع التّصوّرات الفلسفيّة التّأمّليّة، وتضع حجر الأساس لفلسفة براغماتيّة(12) تتبنّى النّظريّة التّطوّريّة لكلّ من داروين وسبنسر ـ والّتي رسمت معالمها في كتابيهما «أصل الأجناس» و»مبادئ علم النّفس».
إنّ الفلسفة البراغماتيّة الّتي وضع جون ديوي أسسها تعتبر أنّ مدّ الجسور بين الفنّ والواقع ما كان ممكنا دون «تصوّر جديد للعالم يقوم على اعتبار الكون في حالة سيلان»(13). وأنّ قدرة الإنسان وكلّ مخلوق حيّ تتجلّى في التّكيّف معه وإدارة الصّراع مع مكوّناته. إنّ هذا التّحوّل يقتضي تغيير دور المعرفة الإنسانيّة. فهي ليست خبرة أو تجربة ذهنيّة مجرّدة تتمثّل الواقع، بل «أداة تكيّف مع وضعيّات جديدة» (14). إنّ الفكر، هاهنا، أداة أو وسيلة نوظّفها للنّجاح في الحياة والتّغلّب على الصّعوبات الّتي نواجهها. (15)
ليست التّجربة الجماليّة، في المنظور البراغماتيّ، مجرّد تهويمات مجرّدة زاهدة في الواقع مديرة ظهرها له. وليست، أيضا، مجرّد متعة مبتذلة انتزعت من البيئة الّتي تكوّنت فيها. إنّها ممارسة عمليّة تختبر قدرة الإنسان، وكلّ كائن حيّ، على تحويل الصّراع إلى تفاعل إيجابيّ يولّد الاستقرار والنّظام في صيرورة التّغيّر.
إنّ مشاركة الإنسان بقيّة الكائنات الحيّة معنى واحدا للتّجربة دفع جون ديوي إلى «الدّعوة إلى العودة إلى الحياة الحيوانيّة - في ما دون المستوى البشريّ - إذا كنّا نريد التّوصّل إلى فهم مصادر الخبرة الجماليّة.(16)
بهذا المعنى يكون لكلّ تجربة بعدا جماليّا. فتجربة الحيوان المتيقّظ وهو يصطاد فريسته، أو يلتهم طعامه أو يحرّك ذيله للتّرحيب بصديقه البشريّ تكشف عن «رشاقة حيوانيّة» يمتزج فيها الإحساس بالحركة والحركة بالإحساس. وعلى هذا النّحو تكون تجربة الإنسان المتوحّش وهو يطارد فريسته خبرة جماليّة يتقاطع فيها النّشاط بالإحساس.
كلّ تجربة إذن هي خبرة جماليّة. فالتّفكير العلميّ خبرة جماليّة مماثلة للخبرات الجماليّة الأخرى. لا يختلف عنها إلّا من جهة طبيعة الموادّ المستعملة. ففي الخبرات الجماليّة الموادّ المستعملة هي كيفيّات، أمّا «موادّ الخبرة الّتي تفضي إلى نتيجة عقليّة هي عبارة عن علامات أو رموز ليس لها كيفيّة ذاتيّة خاصّة ولكنّها تقوم مقام أشياء يمكن في خبرة أخرى اختبارها كيفيّا»(17)
لقد نجح جون ديوي في كتابه «الفنّ خبرة» في تأهيل التّجربة وإظهار بعدها الجماليّ الحقيقيّ عندما اعتبرها ضربا من ضروب الخبرة تظهر قدرة الفنّان على التّكيّف مع عناصر الطّبيعة وإعادة تشكيلها تشكيلا جماليّا. كما نجح أيضا في تعميم مفهومه للتّجربة على تجارب الإنسان وغير الإنسان وعلى الإنسان المتحضّر والمتوحّش وعلى كلّ ضروب النّشاط الإنسانيّ. (18)
دفع هذا النّجاح جون ديوي إلى استعادة الوصل بين التّربية والحياة وصلا مماثلا لما بين الفنّ والحياة. فإذا كان هذا الأخير اقتضى فلسفة جديدة للفنّ تماهي بين التّجربة والخبرة فإنّ الوصل الأوّل يستوجب بدوره فلسفة جديدة للتّربية تسلّم بوجود علاقة وثيقة بين الخبرة الواقعيّة العمليّة والتّربية. والفلسفة الجديدة في التّربية تقتضي مثلما اقتضت الفلسفة الجديدة في الفنّ اعتبار التّربية طريقة علميّة يدرس بها الإنسان العالم أي أنّه هناك «اتّصالا وثيقا لا مندوحة عنه بين الخبرة العمليّة الواقعيّة والتّربية».(19) وتكون فيها «التّربية للخبرة وعن طريق الخبرة وفي سبيل الخبرة»(20)
إذا ما سلّمنا مع جون ديوي بأنّ التّحوّل الفلسفيّ اقتضى بناء تربية تقدّميّة تقطع مع التّصوّرات الفلسفيّة القائمة للتّربية وتحلّ محلّها تنظيما تربويّا يتماشى مع خصائص النّموّ ويتوافق مع مبادئ العلم التّجريبـيّ، فهل تمّ ذلك بوساطة التّجربة الجماليّة ؟
حتّى يكون التّنظيم الجديد للتّربية الجديدة / التّقدّميّة متناقضا مع التّنظيم المألوف، كان لزاما أن تستمد هذه الأخيرة أسسها ومبادئها من العلم التّجريبيّ. وعلى وجه أدقّ من التّصوّر البيولوجيّ للكائن الحيّ الّذي حدّدته نظريّة داروين للتّطوّر، ولأنّ «التّربية مسار تطوّر الحياة نفسها»(21) فإنّ الجهد الإنسانيّ أو التّجربة أو الخبرة هو من يدلّ على قدرة الكائن الحيّ على النّموّ من خلال التّكيّف مع الطّبيعة وإدارة صراع البقاء بطريقة ديناميّة غير ساكنة ضمن المجال التّربويّ. ذلك ما فصّل جون ديوي القول فيه في كتابه «الخبرة والتّربية»(22) حتّى يبيّن أنّ تحقّق الصّلة بين التّربية والخبرة الواقعيّة العمليّة إلى فلسفة جديدة للتّربية تقطع مع الجذور الميتافيزيقيّة للتّربية التّقليديّة، وتضع شروط إمكان تجربة تربويّة تقوم على الخبرة التّربويّة.
2. التّجربة الجماليّة نقطة الوصل بين التّجربة الفنّيّة والنّظريّة التّطوّريّة.
حتّى تكون الخبرة التّربويّة عدّة الإنسان لتنظيم الموادّ المدرسيّة والطّرق والعلاقات التّربويّة تنظيما تقدّميّا، عمل جون ديوي في كتابه «الفنّ خبرة» على جعل الفنّ أو الخبرة الفنّيّة جسر المرور إلى التّجربة التّربويّة القائمة على الخبرة.
عمل جون ديوي على إظهار الطّابع الجماليّ للصّراع مع الطّبيعة من أجل البقاء، فاستبدل البعد البيولوجيّ العنيف الّذي ظهر في نظريّة داروين لتطوّر الأجناس ببعد أنثروبولوجيّ فينومينولوجيّ يجعل من اللّقاء مع الطّبيعة والتّكيّف معها والتّواصل مع الآخرين ليس بالضّرورة لقاءً مميتا انتقائيّا بل هو لقاء ممتع ومنتج للتّواصل والتّطوّر الإيجابيّين وتلك هي أهداف التّربية.
بفضل هذه الواسطة الجماليّة استطاع جون ديوي أن يعمّم مبادئ الخبرة أو التّجربة الّتي طبّقها على العمل الفنّيّ لتشمل العمل التّربويّ. فما تغيّر هو أنّ الموضوعات، هذه المرّة، لن تكون موضوعات طبيعيّة يشكّلها الفنّان ويكيّفها ويعدّلها حتّى تكتسب بعدا جماليّا بل أطفالا صغارا ينمون ويكبرون وهم يتفاعلون مع بيئتهم تفاعلا مباشرا عبر خبرتهم الذّاتيّة أو بوساطة خبرة من يرافقهم تربويّا. فتتحوّل التّربية، بذلك إلى «(...) عمليّة تكوين النّزعات الأساسيّة الفكريّة والعاطفيّة في الإنسان تلقاء الطّبيعة وأخيه الإنسان»(23)
أن تكون الخبرة منطلق التّجربة التّربويّة فإنّ ذلك يعني، بحسب جون ديوي «أن تنتقي من الخبرات الحاضرة ما يترك أثرا مثمرا في الخبرات التّالية»(24) وتصير بذلك التّربية مسار ترقّ ونموّ. فما هي المبادئ الّتي تقوم عليها الخبرة أو التّجربة التّربويّة بما هي مسار نموّ وتطوّر؟
3. مبادئ الخبرة التّربويّة:
هي نفس المبادئ الّتي تقوم عليها كلّ خبرة إنسانيّة وغير إنسانيّة حضاريّة وغير حضاريّة مع الأخذ بعين الاعتبار لخصوصيّة أطراف التّجربة في التّربية. فمن ينمو ويتطوّر هو الطّفل الّذي لم ينضج بعد.
1.3. مبدأ الاستمرار:
يقتضي مبدأ استمرار وتواصل الخبرة في التّربية تنظيم النّظم التّربويّة وفق مبدأ احترام الفرد ومراعاة الوئام في العلاقات بين البشر عبر التّشاور والإقناع عن طريق الحجّة حتّى تنشأ خبرة جديدة «أرقى من تلك الّتي توجد في التّربية التّقليديّة»(25)
ويشترط جون ديوي أن تصير الخبرة عادة في دلالتها البيولوجيّة أي الّتي تؤدّي إلى التّطوّر والنّموّ فتصير «كلّ خبرة نتاج لشخص ما فيمارسها، تعدّل من هذا الشّخص الّذي تتاح له فيمارسها في حين أنّ هذا التّعديل يؤثّر بدوره في صفة الخبرات التّالية»(26). وهكذا بفضل الخبرة التّربويّة تتكوّن الاتّجاهات النّفسيّة والانفعاليّة والفكريّة وأيضا أحاسيسنا الأوّليّة وكيفيّة مواجهتها واستجابتنا للظّروف الّتي نصادفها في الحياة وتتطوّر لأنّ «كلّ خبرة تكتسب شيئا ما ممّا سبقها من الخبرات كما أنّها تعدّل بطريقة نوع الخبرات الّتي تليها»(27) فالشّخص الّذي يمارس هذه التّجارب الأخيرة يختلف عمّا كان عليه من قبل الّذي يمارس هذه التّجارب يختلف إلى حدّ ما عمّا كان عليه من قبل»(28).
يؤكّد جون ديوي على العلاقة السّببيّة بين الخبرة والنّموّ: «إذا كان النّموّ ميزة الحياة فالتّربية والنّموّ أمر واحد وليس لهما غاية وراءهما. والمقياس الّذي به تقدّر قيمة التّربية المدرسيّة هو مبلغ ما تخلقه من الرّغبة في النّموّ المتّصل وما تعدّه من الوسائل لتنفيذ هذه الرّغبة في الواقع»(29) فالخبرة تجعل الطّفل الّذي يتعلّم الكلام مثلا يكتسب سلاسة جديدة ورغبة جديدة. ولكنّه فضلا عن هذا قد وسّع من مجال الظّروف الخارجيّة لمتابعة التّعلّم أيضا، وهو أيضا يطرق بيئة جديدة حين يتعلّم القراءة.
ولمّا كانت «كلّ خبرة تؤثّر في الاتّجاهات النّفسيّة الّتي تعين على تحديد نوع الخبرات التّالية سواء كان ذلك التّأثير حسنا أم سيّئا»(30) فإنّ جون ديوي يعتبر أنّ الخبرة التّربويّة الّتي تنمو عند الطّفل وفق مبدأ التّواصل والاستمرار تحتاج إلى مرافق يساعد على نموّها وتواصلها. وهو ما يقتضي الوقوف عند الطّريقة الّتي يطبّق بها هذا المبدأ ذلك أنّ «كلّ خبرة فكرة محرّكة»ولا يمكن تقدير قيمتها إلّا على أساس الهدف الّذي تتّجه نحوه وتعمل للوصول إليه».
تلك هي مهمّة المربّي الموجّهة للخبرة «فمهمّة المربّي إذن أن يتبيّن الاتّجاه الّذي تسير فيه الخبرة ولا جدوى من كون المربّي أكثر نضجا إذ هو أهمل بصيرته بدلا من أن يستخدمها في العمل على تنظيم ظروف الخبرة لغير النّاضجين. وإذا أخفقنا في أن نأخذ في اعتبارنا القوّة المحرّكة للخبرة بقصد الحكم عليها وتوجيهها بالنّسبة لما هي سائرة فيه كان معنى ذلك تنكّرنا لمبدأ الخبرة نفسها. فماذا يقصد جون ديوي في توجيه الخبرة واستخدامها لتنظيم ظروف الخبرة لغير النّاضجين وهي من بين مهام المربّي في التّوظيف التّربويّ للخبرة؟
2.3. مبدأ تنظيم الخبرة:
تلك هي مهمّة المربّي الّذي يستفيد من خبراته الخّاصّة الماضيّة وفاء لمبدأ أنّ جميع الخبرات الإنسانيّة هي في النّهاية خبرات اجتماعيّة أي تتضمّن الاتّصال والتّبادل أي بتعبير أخلاقيّ توظيف القدرات، الّتي اكتسبها من خبرات خاصّة في ظروف معيّنة، لتفهيم هؤلاء الصّغار تفهّما يقوم على أساس المشاركة الوجدانيّة.
على المربّي أن ينتبه للطّريقة الّتي تتحقّق بها هذه المشاركة فلا يكون ذلك ضربا من الرّقابة الخارجيّة عليهم بل الانتباه لما عسى أن ينشأ من الاتّجاهات العقليّة والنّزوع العاديّ وتكون له القدرة على تقرير أيّ من هذه الاتّجاهات يؤدّي بالفعل إلى النّموّ المستمرّ وأيّ منها يؤدّي إلى تعطيله. وعليه العمل أيضا على تفهّم الأفراد بوصفهم أفرادا فهما يقوم على العطف ويدرك ما يدور فعلا في أذهان من يتعلّمون. لكن هذه الخبرات ودورها في تكوين اتّجاهات رغبته وأهدافه لا تتحدّد فقط تحديدا داخليّا بل إنّ فعّاليّتها تتعدّل بمعنى وفق الظّروف الموضوعيّة الّتي تكتسب فيها تلك الخبرات.
فنحن نعيش منذ مولدنا إلى مماتنا في عالم أشخاص لم يصل إلى حالته الرّاهنة إلّا بفضل ما أنجز وانتقل إلينا من ألوان النّشاط الإنسانيّ السّابق، فنكتسب «العادات والتّقاليد وأساليب التّفكير والمثل العليا والمطامح» (31). ويمكن أن ترتدّ إلى ما كانت عليه إن لم يقع التّفاعل والنّموّ والتّطوّر فخبرة التّحضّر الّتي أنتجت المدنيّة بفعل تكيّفها مع الظّروف الموضوعيّة الّتي نشأت فيها مثل وجود الطّرق ووسائل الحركة والنّقل السّريع والآلات والأدوات والضّوء والآلات الضّوئيّة هذه الظّروف الموضوعيّة الّتي نشأت فيها خبرة المدنيّة قد تحطّم المدنيّة عندما ترتدّ خبرتنا إلى زمان الهمجيّة وتصبح خبرة كخبرة الهمجيّة.
3.3. البيئة الخارجيّة وبناء الخبرة التّربويّة:
إنّ الأخذ بعين الاعتبار لهذين الأمرين يؤكّد أنّ الخبرة لا تحدث بكلّيّتها داخل جسم الفرد وعقله بل لها أيضا مصادر من خارج الفرد تنشأ عنها وتمثّل مصدرها الدّائم.فالظّروف الموضوعيّة الخارجيّة والمختلفة تؤثّر في خبرة المتعلّم وتحدث اختلافات بين المتعلّمين، ويجب ألّا ننظر إليها على أنّها اختلافات بديهيّة بل ذات أهمّيّة تربويّة قصوى. فالمتعلّم القادم من بيئة فقيرة خبراته ليست كخبرة المتعلّم القادم من بيئة مثقّفة نفس الحال خبرة من هو قادم من بيئة حضريّة وآخر من بيئة ريفيّة.
يرى جون ديوي أنّ الوعي بهذه الاختلافات يعدّ أمرا ضروريّا لأنّها الطّريقة الّتي يستطيع بها المربّي أن يوجّه خبرات الصّغار دون أن يمرّ إلى الرّقابة الخارجيّة (32)
لا بدّ من تكييف الخبرة الحقيقيّة عن طريق تهيئة الظّروف المحيطة بها. على المتعلّمين أن يدركوا بشكل محسوس، بواسطة المعلّم، هذه العوامل البيئيّة المحيطة سواء كانت طبيعيّة أو اجتماعيّة واستغلالها للحصول على أكثر فائدة لبناء خبرات لها قيمتها وتحقّق النّموّ. ولعلّ غياب الانتباه لهذه العناصر المحيطة الطّبيعيّة والاجتماعيّة هو سبب إخفاق التّربية التّقليديّة بحسب جون ديوي وعدم قدرتها على التّوظيف الجدّيّ للبيئة المدرسيّة من «أدراج وسبّورات وفناء صغير» واعتقادهم أنّها كافية للتّربية وإغفالهم حاجة المدرّس إلى معرفة وثيقة بظروف البيئة المحيطة طبيعيّة، اجتماعيّة، اقتصاديّة، تاريخيّة...»(33) ليتسنّى له استغلالها باتّخاذها مصادر تعليميّة ذلك أنّ نظاما تربويّا يقوم على أساس العلاقة الأكيدة بين التّربية والخبرة يحتّم أخذ هذه الاعتبارات في حسابه دائما.
يستنتج جون ديوي أنّ التّجربة التّربويّة الّتي تجعل الخبرة تستمرّ وتنمو وتنتظم على ضوء التّفاعل مع الظّروف الخارجيّة والدّاخليّة للطّفل هي الّتي تنتج ما يسمّيه موقفا. بيد أنّ الموقف إن كان قائما على التّفاعل يجب ألّا ينظر إليه على أنّه إخضاع قسريّ لتلك الظّروف الخارجيّة إمّا لرغبات المتعلّم أو للمعلّم، وفرض لرقابة خارجيّة ورفض لحرّيّة الأفراد.
إنّ التّخطيط التّربويّ الّذي يتفاعل مع الظّروف الخارجيّة والدّاخليّة للمتعلّم يجعل كلّ من عمل المعلّم والكتب والوسائط التّعليميّة وكلّ ما يمثّل نتاج خبرات الرّاشدين الأكثر نضجا يصير إخضاعا منظّما لرغبات الصّغار وأحاسيسهم / فيكتسب الفرد القدرة على التّفاعل مع واقعه وبناء مواقف وليس «(...) تنفيذ أعمال تسير وتفرض عليه من الخارج مهما كانت هذه العناية صادرة عن «شعور بالواجب»(34)
تلك هي التّجربة وقد تحوّلت إلى خبرة تكون نتاج تفاعل مشترك بين الفرد وبيئته سواء كانت تلك البيئة «(...) أشخاصا يتحدّث إليهم في موضوع أو حادثا ما، وهنا يكون موضوع الحديث أيضا جزءا من الموقف- أو تكوّنت من اللّعب الّتي يلعب بها أو الكتاب الّذي يقرأه-(وقد تكون الظّروف الّتي تكوّن بيئته في ذلك الوقت هي إنجلترا أو بلاد اليونان، القديمة أو قطرا خاليا) أو كانت موادّ تجربة يقوم بإجرائها»(35)
إنّ تفاعل الطّفل مع بيئته والمواقف الّتي تنتج عنها يؤكّد أنّ التّعلّم القائم على الخبرة عمليّة «قائمة ما بقيت الحياة وما دام التّعلّم»(36). وإذا تكاملت الخبرات وانسجمت في ما بينها تكون شخصيّة المتعلّم تامّة ومكتملة. أمّا إذا تفكّكت خبرات الفرد وتناقضت فستتفكّك شخصيّته ويعجز عن بناء موقف وسيصير شخصا معتوها(37)
أيّ دور للمربّي في تحقيق الاتّحاد الفعّال بين الخبرات وضمان استمرارها؟
4. المربّي التّقليديّ والمربّي التّقدّميّ
أو دور الفلسفة في بناء صورة جديدة للمربّي:
إنّ التّربية التّقدّميّة الّتي أسّسها جون ديوي «توجد في خبرة الحياة وهي تقتضي بيان ماهيّة الخبرة وما يميّز الخبرة التّربويّة عن الخبرة غير التّربويّة». والخبرة غير التّربويّة تعني هاهنا تصوّرا فلسفيّا تقليديّا يفصل المربّي عن بيئة التّعلّم كما فصل الإنسان عن البيئة الّتي ينمو فيها ويتطوّر. على المربّي اليوم أن ينظر إلى التّجربة التّربويّة وفق منظور فلسفيّ مغاير للمنظور التّأمّليّ المتعالي لأنّه يعتبر أنّ التّفاعل بين المعلّم والمتعلّم يتحدّد من الانطلاق من بيئة المتعلّم الطّبيعيّة والاجتماعيّة أين تتفاعل خبراته وتنمو وتتطوّر. فلا تفقد بذلك موادّ الدّراسة تأثيرها على المتعلّم فتتكامل فيما بينها كما تتكامل الخبرات، وتصير مفيدة في ظروف الحياة الواقعيّة ولا يكون التّعلّم مضادّا لقوانين الخبرة.
على المربّي الّذي يحتكم إلى فلسفة جديدة في التّربية «إعداد الظّروف الملائمة لنوع الخبرة الحاضرة ذات الأثر الصّالح في المستقبل. فالتّربية بوصف كونها عمليّة نموّ أو نضج ينبغي أن تكون عمليّة مجالها في الحاضر على الدّوام»(38)
ولمّا كانت التّربية في جوهرها عمليّة اجتماعيّة فإنّ على المربّي مهمّة توجيه وتنظيم الضّبط الاجتماعيّ لكن ذلك لا يعني تغييب الحرّيّة بل مراعاة النّزعة الفطريّة للمتعلّمين ولكن توجيهها لتحقّق نموّ الخبرة لا عرقلتها.
إذا كانت فلسفة التّربية الّتي أسّسها جون ديوي تعتبر أنّ خبرات الطّفل تنمو وتتطوّر فإنّ مهمّة المربّي أن يجعل من التّعلّم جزءا من خبرة الحياة اليوميّة. ومن الأفضل أن يبدأ بالأنشطة الحياتيّة البسيطة مع الصّغار ثمّ يتدرّج حتّى يصل إلى موادّ أكثر تعقيدا وتتناسب مع نضج خبرات الصّغار. فيبدأ معهم بتجربة الحوانيت والمطابخ، لأنّها تساعد على معرفة العلاقة بين الوسائل والنّتائج والتّدرّج في معرفة مبادئ المنهج العلميّ.(39)
الخاتمة:
إنّ العودة إلى كتابي جون ديوي «الفنّ خبرة» و»الخبرة والتّربية» كشفت عن قدرة الفلسفة على جعل التّربية والفلسفة تستعيدان دورهما في حياة الإنسان. إنّ هذه القدرة تحقّقت من خلال إعادة تأهيل التّجربة الفنّيّة عبر ربطها بمفهوم الخبرة في دلالاتها البيولوجيّة بعد تحويل مفهوم الصّراع البيولوجيّ إلى مفهوم التّفاعل الجماليّ والتّعليميّ. التّجربة إذن كانت جسر العبور من الفنّ إلى التّربية وعدّة جون ديوي لإصلاح الفنّ والتّربية في آن.
الهوامش
(1) جون ديوي (John Dewey) (1952 - 1859) هو فيلسوف، وعالم نفس، ومصلح تعليمي أمريكي بارز. يُعدّ من أهم المفكرين في القرن العشرين، وأحد الأعمدة الرئيسية التي قامت عليها الفلسفة البراغماتية (العملية أو الذرائعية) في الولايات المتحدة. وهو المفكر الذي أنزل الفلسفة من أبراجها العاجية، وحوّلها إلى أداة عملية تسير في صفوف المدارس، وتتفاعل مع تجارب الناس اليومية العادية.
(2) اختارت الترجمة العربية لكتاب جون دوي اعتماد مصطلح الخبرة عوض مصطلح «التجربة› عند ترجمة المصطلح الإنجليزي الأصلي في الكتاب Expérience لتتم بذلك ترجمة العنوان الإنجليزي للكتاب Art as Experience الى العنوان العربي « الفن خبرة « وترجمة الكتاب أنجزها زكريا إبراهيم وراجعها وقدم لها زكي نجيب محمود ثم اعيد نشرها في طبعة جديدة سنة 2011 عن طريق المركز القومي للترجمة . القاهرة و قام سعيد توفيق سعيد بتقديم جديد لهذا الكتاب . يبدو اختيار الخبرة بديلا عن التجربة أكثر وفاء لمقاصد الكاتب جون ديوي لان التجربة الفنية التي يفصل الكاتب القول فيها تحيل الى الخبرة التي تجسد التصاق الفنان بالبيئة التي أنتجت أثره الفني .
(3) « Le projet présenté par L’Art comme expérience est bien de critique sociale : le fait que l’art ne remplisse pas sa fonction est là pour prouver que nos sociétés ne fonctionnent pas» Michel-Guy Gouverneur, « Penser l’art aujourd’hui avec John Dewey », Acta fabula, vol. 19, n° 2, Notes de lecture, Février 2018 URL : https://www.fabula.org/revue/document10763.
(4) نعيمة بن عروسة ، التجربة الفنية والجمالية عند جون ديوي ، مجلة آفاق فكرية ، المجلد 11 ،العدد 01 ، ماي 2023
(5) المرجع السابق
(6) تقديم سعيد توفيق، جون ديوي، الفن خبرة، ترجمة زكريا إبراهيم، مراجعة وتقديم زكي نجيب محمود ، المركز القومي للترجمة ، القاهرة ، 2011 ، ص (ك).
(7) جون ديوي،الفن خبرة ، ترجمة زكريا إبراهيم، تقديم سعيد توفيق ، نشر المركز القومي للترجمة ،القاهرة 2011 ص10.
(8) جون ديوي الفن خبرة مرجع السابق ص 35-36
(9) جون ديوي ،الفن خبرة ،المرجع نفسه ص 46
(10) المرجع السابق ،ص 11
(11) يسرى الهراق، مفهوم الخبرة الجمالية عند جون ديوي ،مجلة نقد وتنوير، العدد الثاني عشر ـالسنة الثالثة، حزيران يونيو،2022 ص 263
(12) Stéphan Galetic : « John Dewey et la pédagogie par l’expérience » - www.philocite.eu – 2009 P1
(13) المرجع نفسه ،ص2
(14) نفسه،ص4
(15) اذا كان الجمع بين الخبرة والترجمة في اللغة العربية ليس محل اجماع رغم تقارب دلالتهما فان التماهي بينها يكاد يكون كليا في اللغة الأجنبية،فالتجربة تعني « المعرفة والمهارة المستهدفة تدريجيا من ممارسة الحياة والتي تثري الفكر والشخصية» [ Gerard Durzoi et André Roussel.Dictionnaire de philosophie .Edition Natan .Paris .2eme édition.1990.P124 أورده محمد جديدي ، فلسفة الخبرة : جون ديوي نموذجا ،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، هامش 4 ،ص 45 ]
(16) جون ديوي ، الفن خبرة ،مرجع سابق ،ص 34
(17) المرجع نفسه ،ص 68
(18) « يرى ديوي أن العودة الى التجربة، و نبذ المطلقات الفلسفية، والامتناع معالجة المشكلات التي تصدى لها الفلاسفة القـدماء الفلسفة هو سبيل الفلسفة الى إصلاح نفـسها وتحولها الى منهج لمعالجة مشكلات البشر والتحكم في الطبيعة بوساطة الذكاء الخلاق [ أنظر: صابر جيدوري، الخبرة الجمالية وأبعادها التربوية في فلسفة جون ديوي ، مجلة جامعة دمشق ، المجلد ،26، العدد الثالث، 2010، ص 108 ]
(19) جون ديوي ،الخبرة والتربية ،ترجمة محمد رفعت رمضان ،نجيب إسكندر، راجعه محمد بدران /نشر مكتبة الأنجلو المصرية،ص13
(20) المرجع نفسه،ص22
(21) Stéphan Galetic : John Dewey et la pédagogie par l’expérience ، مرجع سابق، ص 7
(22) جون ديوي ،الخبرة والتربية ، ترجمة محمد رفعت رمضان ، نجيب إسكندر ، راجعه محمد بدران ، نشر مكتبة الأنجلو المصرية .د.ت.
(23) أحمد فؤاد الأهواني ، جون دوي ، الطبعة الثالثة ، دار المعارف ، القاهرة ،د.ت، ص 38
(24) جون ديوي ،الخبرة والتربية المرجع نفسه ،ص 20
(25) جون ديوي ،الخبرة والتربية المرجع نفسه ،ص 27
(26) نفسه
(27) المرجع نفسه ،ص 20
(28) المرجع نفسه ،ص 27
(29) جون ديوي ،الديموقراطية والتربية ،،قله الى العربية منى عفرواوي و زكرياء ميخائيل ، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1946 ،ص55
(30) « . L’enfant à qui l’on mâche le travail, de même que celui à qui l’on inculque des leçons toutes faites sans qu’il ne participe à leur élaboration, apprend. Mais il apprend mal ». Aurore Compère Le rôle de l’esthétique en éducation, de Schiller à Dewey (et alentours )
https://orbi.uliege.be/bitstream/2268/259436/1/M%C3%A9moire%20Aurore%20Comp%C3%A8re.pdf. P60
(31) أحمد فؤاد الأهواني ,جون ديوي ، مرجع سابق ، ص 43
(32) جون ديوي ،الخبرة والتربية مرجع سابق .ص 33
(33) المرجع السابق ،ص33
(34) جون ديوي ، الديموقراطية والتربية .مرجع مذكور 187
(35) جون ديوي، الخبرة والتربية، المرجع نفسه، ص37
(36) المرجع السابق 38
(37) المرجع السابق ، ص 39
(38) المرجع السابق،ص44
(39) المرجع السابق ص80
|




