فقه المقامات

بقلم
الهادي بريك
فقه مقامات المشرّع ومنازل التّشريع الحلقة 1 : مقدّمات تأصيليّة وتعريفيّة عامّة
 أيّ إطار يتنزّل فيه فقه المقامات؟
هذا الفقه -فقه المقامات- هو فرع من حركة الفقه العامّ الذي يعالجه أهله في محالّه في حقل الشّريعة الإسلاميّة لأجل غرض أكبر عظيم هو: بلوغ أقصى ما يمكن من درجات العلم والمعرفة بأقصى ما يمكن من الصحّة والوثوق والاطمئنان. ذلك أنّ الفقه -بخلاف الشّريعة- نسبيّ في ثمراته؛ فلا يدّعى له قطع تامّ في المعنى، سيّما في المتشابهات والظّنّيّات، وما تخترمه عوامل التّغيّر من زمان لزمان، ومن مكان لمكان، ومن حال لحال، وعرف لعرف. الشّريعة هي الأصل الحاكم الثّابت المقطوع به، إذ هي وحي يوحى.
ولكنّ الشّريعة مساحات ومناطق: منها القطعيّ المحكم الذي لا خلاف عليه دراية وعلما، وهو أمّ الكتاب وأسّ التّكليف. ومنها الظّنّيّ المتشابه، وهو أوسع دائرة، وعلاقته بالمحكم القطعيّ تكافليّة متينة. ولكنّ معالجته -مهما كثر فيها المعالجون- مشروطة بعدم الكرّ على القطعيّ الذي يحكمه، وبرصّ الصّفّ لا توهينه. وفي ذلك يتنافس المتنافسون، ومن ذا جاءت مشروعيّة الاختلاف وسنّة التّعدّد. وكانت -ولن تزال- مدارس ومذاهب واجتهادات وآراء تقودها حركة النّظر التي بها يتجدّد الدّين في المحالّ التي هو لها منفتح.
العامل الآخر الذي يجعل من حركة التّفقّه مثل حركة الدّماء في الأبدان -إذا تدفّقت طابت الحياة وإذا انحبست فسدت- هو عامل التّغيّر الذي يصيب الزّمان والمكان والحال والعرف وأشياء أخرى، بما لا مناص من معالجة كلّ جديد وفق أصول مؤسّسة راسخة ومتغيّرات طارئة؛ ليكون الإسلام قيّوما على الحياة في كلّ زمان ومكان ووضع يرعاه بعلاقة وطيدة بين الأصول والعقول والنّقول، اجتهادا وتجديدا واعتبارا للضّرورات والحاجات. ذلك هو غرض حركة الفقه، سواء كانت أصولا، أو مقاصد، أو مقامات، أو قواعد، أو موازين وأفضليّات، أو رواية، أو دراية، أو سننا غلاّبة، أو غير ذلك من أنواع الفقه في الدّين وفي الحياة.
حركة الفقه مثل حركة المال: كلّما انداح منصرفا في قنواته يكون رغد عيش واستقرار اجتماعيّ وسيادة وأمن وسلام. وكلّما انحبس يكون قحط وأثرة واحتراب طبقيّ وبغضاء فئويّة واستلاب سيادة وذهاب ريح. قانون الحركة في الكون قانون سيّد حاكم غلاّب؛ في الجسم، وفي المال، وفي الفقه والعلم والمعرفة.
ما هو فقه المقامات ومنازل التّشريع؟
هما في الأصل فقهان متلازمان متكافلان: فقه منازل التّشريع أعمّ، وهو العلم بدرجة النّصّ من الوحي، هل هو ملزم تشريعا (أيّ قانونا بالتّعبير الجديد) أم هو غير كذلك؟ فقه منازل التّشريع ينسحب على القرآن والسّنّة معا. أمّا فقه مقامات المشرّع -وهو هنا محمّد عليه السّلام- فهو العلم بالمنزلة التي يكون عليها عندما يقول قولا، أو يفعل فعلا، أو يقرّ شيئا. والأمر نفسه في حياته كلّها -عليه السّلام- مذ نزل من بطن أمّه حتّى موته. وصفه بأنّه مشرّع نابع من وظيفته نبيّا ورسولا خاتما، وهي وظيفة التّبيين التي حدّها القرآن الكريم نفسه حدّا، وأجملها في مهمّات أربع كبرى هي: تلاوة الآيات، والتّزكية، وتعليم الكتاب (أيّ القرآن الكريم)، وتعليم الحكمة.
وبسبب أنّ ذلك التّبيين -وفرعه هنا هو تعليم الكتاب والحكمة- يقتضي (بلغة الأصوليّين) تخصيص عامّ في الكتاب، أو تقييد مطلق فيه، أو تفصيل مجمل؛ فإنّه يعدّ -عليه السّلام- مشرّعا. عدا أنّه هل يكون ذلك كافيا لاستقلاله بالتّشريع أم لا؟ وهل يكون ذلك الاستقلال وظيفيّا أم ابتدائيّا استئنافيّا وغير ذلك؟ هذا مبحث آخر قد يأتي في مظانّه المناسبة.
عبّر بعضهم عن هذا العلم -فقه المقامات- بانقسام السّنّة إلى سنّة تشريعيّة (أيّ ملزمة للمؤمن الذي رضي بالإسلام دينا)، وإلى سنّة غير تشريعيّة (أيّ غير ملزمة له بسبب تلبّسها بعلاقات يقع التّفصيل فيها في هذه السّلسلة إن شاء الله). فقه المقامات إذن هو ثمرة النّظر في الحديث النّبويّ -عندما يقع الاستيثاق من روايته- لعلّه يكون فيه محمّد -عليه السّلام- متقمّصا لرداء غير رداء البلاغ النّبويّ لكافّة النّاس. وفيما يأتي من أمثلة يكون بيان ذلك. قد يقول عليه السّلام قولا، أو يفعل فعلا، أو يقرّ شيئا -سنّة وسيرة بالتّعبير الذي يفصل بينهما- ولا يكون في ذلك القول أو العمل أو الإقرار لزوم تشريعيّ عامّ للتّأسّي والاقتداء. قد يكون ذلك من باب الجبلّة التي تجعله لا يأكل لحم ضبّ بسبب عدم اعتياده عليه، وليس تشريعا يحرّمه؛ أو ينهى عليّا -عليه الرّضوان- عن زواج امرأة أخرى على فاطمة -عليها الرّضوان- ولا يكون ذلك تشريعا يكرّ على تشريع التّعدّد، ولكنّه لدواع أخرى، وغير ذلك ممّا توضّحه الأمثلة بحول الله فيما يأتي من حلقات في هذه السّلسلة.
أيّ حاجة لفقه المقامات؟
الحاجة إلى حسن الفقه عامّة -لأجل تحسين الفهم ليكون العمل أصحّ- لا تحتاج إلى كلام، إذ لا يستقيم عمل إلاّ باستقامة فهم. العمل من الفهم هو الظّلّ من العود. النّصّ من الوحي وعاء وحسن فقهه روح. لكلّ شيء عرض وجوهر بلغة الفلاسفة. ولا يتميّز فيزيائيّ، ولا كيميائيّ، ولا رياضيّ، ولا أيّ عالم ولا طالب علم في أيّ حقل معرفيّ البتّة حتّى يستكمل مراحل الفهم مرحلة تلو مرحلة، تجديدا واجتهادا وتطويرا. ولو قصر همّه على الحفظ وتكديس المعلومات في رأسه فهو ناقل في أحسن الحالات، في زمن أعفتنا فيه ثورة التّواصل من همّ الحفظ والنّقل. إنّما يبدأ العلم -في رحلة طويلة مضنية لولا عذوبة ألمها- بالنّظر والتّفكّر والتّدبّر والسّؤال كرّا وفرّا، وصولة وجولة، وملاحظة وحوارا وجدلا.
فقه الدّين من صميم فقه الحياة التي يغذّيها الدّين عند المسلم -فردا وجماعة- بقيمه. تلك حاجة عامّة ليست خاصّة بعلم فقه المقامات. ولكنّ الحاجة الخاصّة إلى علم فقه المقامات هي تمييز مستويات الوحي، إذ هي -بسبب علويّة قانون التّفاضل والتّمايز في كلّ شيء- مختلفة متنوّعة تعدّدا وظيفيّا دوره الائتلاف بينها جميعا لخدمة غرض واحد هو: حسن فقه الإنسان لرسالته في الحياة (مقتضى لحسن فقه مصدريّته ومرجعه الأخير) بما يكفل له حسن معالجة لتلك الحياة في دروبها المختلفة.
كلّ ما في الوحي والدّين -مهما كان في أعلى العلا من القيمة- ليس هو على درجة واحدة. القرآن مثلا أعلى من الحديث، الموضوعيّة مثلا أولى من الموضعيّة، المقاصديّة في محالّها أولى من الوسائليّة المتغيّرة، اجتهاد الصّحابة مثلا متأخّر قيمة عن فعله عليه السّلام، وهكذا. كما أنّه لكلّ عمل صالح أجرا محدّدا ولكلّ عمل فاسد وزرا معيّنا، فإنّه لكلّ نصّ في الوحي -قرآنا وسنّة معا- درجة محدّدة وقيمة محدّدة لا تجور بها على غيرها ولا تخسر.
فيما يلي من حلقات في هذه السّلسلة أمثلة تبيّن ذلك. وقبل ذلك بعض الأمثلة: ثبت قوله عليه السّلام في غزوة حنين التي شهدت في البداية هزيمة عسكريّة ثقيلة مني بها الأصحاب عليهم الرّضوان: «من قتل قتيلا فله سلبه». هذا حديث صحيح. كيف نعالجه اليوم؟ لو عالجناه عفوا من ملابسات تخصّصه وتقيّده -أيّ تحدّ من إطلاقه وعمومه- لوقعنا في تعارض مع الكتاب العزيز الذي هو حاكم في الأصل على السّنّة، وفيه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ..﴾(آل عمران: 161). هذا دون اعتبار أنّ المقاتل -حتّى وهو مسلم مؤمن مجاهد صدوق خالص- قد يقدّم في مناسبات معيّنة قتل المحارب الفلانيّ بسبب ما يؤول إليه من سلبه الكثير؛ ومن ذا تنخرم مقاصد القتال، ومع الأيّام يتحوّل الجهاد إلى مغنم يسيل اللّعاب.
الفقه الأصحّ هو إذن تقييد ذلك الإطلاق الذي في الحديث، ونؤول إلى القول بأنّه عليه السّلام قال ذلك الحديث في تلك الغزوة بالذّات لأجل التّحريض والتّعبئة لدفع هزيمة عسكريّة لو تواصلت لكانت عواقبها سيّئة. وبذلك يظلّ قوله ذاك عليه السّلام مفهوما في مقام القائد العسكريّ الذي يبحث عن نصر أو دفع هزيمة، وليس هو حكم تشريعيّ عامّ مطلق في كلّ آن وأوان. ذلك مثال واحد في هذه الحلقة الأولى، وما سيأتي يكون كافيا ضافيا شافيا إن شاء الله لتوضيح معنى فقه المقامات.
فقه المقامات في تراثنا
من أولى علوم طالب المعرفة هو استذكاره دوما التّمييز بين الفقه مفهوما في الصّدور يقضي به أهله، وبين الفقه مسطورا في الكتب بدءا من عصر التّدوين. أخطاء كثيرة مرجعها عدم العلم بذلك أو عدم التّمييز بين المرحلتين. الغنم العمليّ من ذلك الوعي التّمييزيّ هو أنّ المدوّن -مهما علا كعبه- لا يحيط بكلّ ما كان في الصّدور، ولا بكلّ حيثيّات القضاء به وتعليمه وبثّه وغير ذلك.
عمليّة التّدوين في كلّ علم ومعرفة -سواء كانت دينيّة أو كونيّة بالتّصنيف الغربيّ الفاسد- عمليّة جمعت بين الحسنة والسّيّئة معا. حسنتها نقل العلوم وترسيخ المعارف حتّى يستأنف الجدد برساميل قديمة زاخرة راسخة، ومن حسنتها كذلك إبراز الاختلاف وأسبابه وغير ذلك. ولكنّ سيّئتها هي اتّخاذها من أولئك الجدد مثالا ونموذجا للتّأسّي والاحتذاء والاقتداء، ومن ذا تقدّس -وهي نسبيّة في اجتهاداتها- والثّمرة المرّة هي سيادة التّقليد وشيوع النّقول أنّها علوم ومعارف، وما هي بذلك؛ عدا ما هو كذلك، ولا شيء كذلك عدا الوحي الكريم قرآنا وسنّة.
عندما تعي أنّ النّقول التي بين يديك -في كلّ حقل عدا الوحي- ليست أدلّة، بل هي ثمرات أدلّة، قال عنها أصحابها كلّهم: «لا تقلّدونا ولكن خذوا ممّا أخذنا»، عندما تعي هذا فأنت متحرّر من إثم التّقليد الأعمى. ذلك هو الفرق الواسع والبون الشّاسع بين الوحي الثّابت المعصوم الذي هو مرجع تلك النّقول -سواء اقتربت منه أو ابتعدت- وبين التّراث والتّاريخ الذي هو عمل النّاس اجتهادا في ذلك الوحي المعصوم.
لا يحجبنّ عنك المنقول -مهما فقه أصحابه- طراوة الوحي وطلاوته ورونقه وتجدّده ونبعه الصّافي؛ فهو البحر الذي تتجدّد مياهه مع كلّ طرفة عين جديدة، ومنه شرب الشّاربون ولا يزالون حتّى تقوم السّاعة. تسلّح بما تسلّح به أولئك الذين أنت بهم معجب وسيجود عليك ذلك البحر الطّامي بما لم يجد عليهم في زمانك ومكانك؛ لأنّك تعالج بتدفّق ذلك البحر الزّاخر تحدّيّات جديدة.
عالج الأصحاب أنفسهم ما طرأ لهم بفقه المقامات -وبغيره من ضروب الفقه- ولكنّهم، ومن كان بعدهم لعقود أخرى، لم يدوّنوا ذلك بسبب ما هو معروف. ومن ذلك ما قاله عثمان -عليه الرّضوان- في ضوالّ الإبل، إذ عالجها بما لم يعالجه بها محمّد -عليه السّلام-: فعل هو -أيّ محمّد عليه السّلام- الأصلح في زمانه، وأفعل أنا الأصلح في زماني. ذلك مثال واحد من أمثلة لا تحصى ولا تعدّ. أيّ أنّه -عليه السّلام- لمّا عالج مشكلة ضوالّ الإبل بتركها، فعل ذلك ليس بمقام النّبوّة، بل بمقام وليّ الأمر، أيّ مقام الدّولة التي ترعى مصالح النّاس. عندما يجهل أكثر المسلمين اليوم أنّ محمّدا -عليه السّلام- لم يكن نبيّا رسولا خاتما فحسب، بل كان مع ذلك رئيس دولة بالتّعبير المعاصر؛ فلا يكن حظّك من ذلك الجهل مثل حظّهم.
وعندما عالج الفاروق عمر -عليه الرّضوان- مشكلة استبداد النّاس بالطّلاق ورعونتهم فيه، واستخفافهم بذلك الحدّ المحدود منه سبحانه في كتابه العزيز بإمضاء الطّلاق ثلاثا وبكلمة واحدة في مجلس واحد طلاقا بائنا؛ فإنّه لم يفعل ذلك بمقام المشرّع الذي له ما لمحمّد -عليه السّلام- من تخصيص وتقييد، وما ينبغي له ذلك. وإنّما عالج ذلك -وهو يعلم أنّه مخالف للقرآن ذاته ولفعله هو عليه السّلام نفسه ولقضاء أبي بكر قبل ذلك- بمقام الولاية، أيّ أنّه وليّ أمر الأمّة، فهو يرعى مصالحها، ومن مصلحتها في تلك الأيّام تأديب المتنطّعين في الطّلاق. كذلك عالج الصّحابة فقه المقامات، فإذا لم يدوّنوا ذلك فلا يعني أنّه فقه غريب عنهم. وهنا يبرز لك التّمييز بين من يعمل بفقه ما ولا يدوّنه، وبين من يدوّن ذلك.
ممّا كتب في فقه المقامات معلوم أنّ الأسماء تتغيّر، ومعلوم أنّه حتّى في عصر التّدوين نفسه لم يكن الحرص كثيرا على الأسماء، بل على المعاني. ويختلفون في الأسماء نفسها من مثل قولهم -السّيوطيّ مثلا والواقديّ وغيرهما- إنّ تخصيص عامّ هو نسخ، ومثله تقييد مطلق. لا يعنون بالنّسخ هنا ما نعنيه نحن اليوم (أيّ تغيير حديث بحديث مثلا من حيث حكمه)، ولكنّها اختلافات لفظيّة فحسب. تمييزك -يا طالب العلم- بين المباني والمعاني من أولى ما تحرص عليه أن تضلّ. الانشغال بالتّسميات هو من عمل عصرنا وعصور أخرى خلت؛ فانفذ إلى المعنى لأنّه ثابت، وليس إلى المبنى لأنّه متحوّل.
المؤلّفات في هذا العلم على اختلاف تسمياته كثيرة، منها على سبيل الذّكر وليس الحصر: «فروق القرافيّ» الشّهيرة وكذلك كتابه «تصرّفات الإمام»، وكذلك سفر ابن القيّم «إعلام الموقّعين» الذي توسّع فيه في تحليل عشرات كثيرة من الأحاديث النّبويّة وردّها إلى مقاماتها المناسبة. ومن المؤلّفات المهمّة في علم المقامات كتاب «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة. وكذلك ابن عاشور في «مقاصد الشّريعة» الذي خصّص فيه صفحات طويلات لهذا العلم وأحصى من المقامات زهاء ثلاثة عشر مقاما. ومنهم من عالج هذا العلم بعنوان: السّنّة التّشريعيّة وغير التّشريعيّة، ومنهم الإمام شلتوت.
وقبل أولئك أحد أكبر جهابذة الحديث في عمدته العظمى، وهو ابن الصّلاح. ومنهم من عالج هذا العلم معالجة أخرى بطريقة أخرى، منهم ذلك الرّجل الكبير الذي أغدق الله عليه بتحرير علم المقاصد من علم الأصول تحريرا فقهيّا، أيّ الإمام الشّاطبيّ. ومن المعاصرين كذلك الشّيخ الزّرقا. لا بدّ من ذكر ما كتبه الدّهلويّ كذلك في «حجّة الله البالغة» وهو معاصر كذلك. ولكنّ مؤلّفا معاصرا كتب كثيرا في مقام واحد من المقامات النّبويّة -وهو مقام الإمامة السّياسيّة بالتّعبير المعاصر، أيّ مقام الولاية العامّة بالتّعبير القديم- وهو الدّكتور العثمانيّ. كما كتب الإمام القرضاويّ في هذا العلم بحوثا ومحاور مهمّة منثورة في كثير من كتبه. ولكنّه نحا -في بعض منها- منحى تجديديّا أسماه: «السّنّة مصدرا للمعرفة». هو في الحقّ اجتهاد جديد لم يسبق إليه، ويمكن ضمّه إلى فقه المقامات، ولكن بوجه آخر. ونعالج ذلك إن شاء الله في هذه السّلسلة. ومؤلّفات أخرى يضيق عنها المجال هنا.
فقه متجدّد ظلّ في العموم ضامرا
ضمور فقهنا في جوانب كثيرة ومهمّة منه لا خلاف عليه عند أهله. ضمور فقهنا العامّ بالأسّ الأوّل، سواء كان فقها سياسيّا، أو اجتماعيّا، أو إداريّا، أو عسكريّا جهاديّا، أو ماليّا اقتصاديّا استثماريّا، أو علاقات خارجيّة بمختلف من تعجّ بهم الأرض عجّا من أقوام وشعوب وأمم مختلفة دينا وحضارة؛ ذلك ضمور معلوم عند أهله ومازالت الإنتاجات فيه على قيمتها الكبرى قليلة، كما هو ضمور علوم ومعارف لصيقة بالشّريعة ومشروط حسن فقهها بها. منها فقه المقاصد نفسه الذي هو أصل كلّ فقه -مع الأصول أو بعدها-. ثروة الشّاطبيّ: من عالجها عدا ابن عاشور والفاسي؟ لا أحد، عدا بإعادة النّقل والتّحليل، ولكن تجديدا لا أحد تقريبا.
ضمور فقه المقاصد يعني -قولا واحدا فصلا- تخلّف الفهم الحسن، أيّ خطأ العمل ثمرة مرّة. ولكنّ فقه المقامات شهد الضّمور الأكبر والتّعويق الأعظم، وخاصّة بعد القرافيّ في سفره «الفروق» أو في «تصرّفات الإمام». وهذا مع ما كتبه الدّكتور العثمانيّ، وهو خاصّ بمقام الولاية العامّة، أيّ مقام الدّولة. السّنّة بصفة عامّة كانت العناية بعلوم الرّواية فيها ما لم تبلغه أمّة (علم الجرح والتّعديل). ولكنّ علوما أخرى منها مازالت ضامرة بعيدة عن الاعتبار، ومنها فقه المقامات الذي بدونه يغدو الفهم سقيما، ومن ذا يضلّ العمل.
علم المقامات هو فصل من فصول فقه الدّراية الذي يعضد فقه الرّواية. هل يرتاب أحد في أنّ استعادة أمّتنا لموقعها الرّياديّ مشروط باجتهاد علميّ معرفيّ -دينا ودنيا معا- تحريرا للعقل الذي هو أداة النّهضة، وبجهاد عسكريّ لتحرير الأرض المحتلّة؟ هما جناحا التّحرّر الذي هو شرط استعادة تلك المنزلة القياديّة.