تدبير

بقلم
محمد أمين هبيري
الإستراتيجيا (الحلقة 1/12): مسارات تشكّل المفهوم
 يعدّ مفهوم الإستراتيجيا (Strategy) من أكثر المفاهيم تداولا في الفكر المعاصر، حيث تجاوز حدود الثّكنات العسكريّة ليصبح ركيزة أساسيّة في تدبير الشّأن العامّ، وإدارة المؤسّسات الاقتصاديّة، وحتّى في صياغة مسارات الحياة الفرديّة. إنّ هذا الحضور الطّاغي للمصطلح في الخطاب الأكاديميّ واليوميّ على حدّ سواء، أدّى إلى نوع من «التّضخّم الدّلاليّ» الّذي قد يحجب الجوهر المعرفيّ للمفهوم. فبينما يستخدم المصطلح اليوم للإشارة إلى أيّ خطّة طويلة الأمد، فإنّ جذوره تضرب عميقا في فلسفة الصّراع وإدارة القوّة. تبرز الحاجة الملحّة لتتبّع مسارات تشكّل هذا المفهوم، ليس فقط من باب التّأريخ، بل لفهم المنطق العقلانيّ الّذي يوجّه الفعل الإنسانيّ المعاصر، ولتأسيس أرضيّة صلبة قبل الانتقال إلى نقد الأسس النّظريّة الّتي يقوم عليها هذا العقل الإستراتيجيّ.
1. الإستراتيجيا (Strategy)
اشتقاقيّا، تعود الكلمة إلى الأصل الإغريقيّ «Strategos»، وهي مركّبة من «Stratos» (الجيش) و«Agein» (القيادة)(1)، ممّا يعني حرفيّا «فنّ الجنرال» أو «قيادة الجيوش» (2). يمكن باختصار تعريفها على أنّها الطّريق الّذي يؤدّي للأمر. اصطلاحا، تعرّف الإستراتيجيا بأنّها العلم أو الفنّ الّذي يعنى بتوظيف الوسائل المتاحة لتحقيق غايات محدّدة في سياق يتّسم بالصّراع أو المنافسة(3).
من الضّروريّ التّمييز بين الإستراتيجيا ومصطلحين متداخلين معها:
• التّخطيط (Planning): هو عمليّة فنّيّة إجرائيّة لتحديد الخطوات الزّمنيّة والموارد، بينما الإستراتيجيا هي الرّؤية الكلّيّة الّتي توجّه هذا التّخطيط وتتكيّف مع متغيّرات البيئة.
• التّكتيك (Tactics): يتعلّق بإدارة المعارك الصّغرى أو الإجراءات الميدانيّة المباشرة، في حين أنّ الإستراتيجيا تتعلّق بإدارة الحرب ككلّ أو المسار العامّ لتحقيق الهدف النّهائيّ.
2.  تشكّل المفهوم
المقصود بمسار تشكّل المفهوم هو تتبّع التّحوّلات الدّلاليّة والمعرفيّة الّتي طرأت على المصطلح عبر الزّمن، وكيف انتقل من سياق عسكريّ ضيّق إلى سياق معرفيّ شموليّ. إنّ دراسة هذا التّحوّل تتيح لنا فهم كيف تصبح المصطلحات «مركّبات معرفيّة» تحمل في طيّاتها رؤية العالم الخاصّة بكلّ حقبة تاريخيّة.
ترتبط الإستراتيجيا تاريخيّا بالحاجة الإنسانيّة لإدارة الصّراع. فمنذ العصور القديمة (صن تزو، ثوسيديديس)، كان المفهوم أداة لضمان البقاء والغلبة. ومع تطوّر الدّولة الحديثة، انتقل المفهوم من «فنّ الحرب» الميدانيّ إلى «إستراتيجيّة الدّولة» الشّاملة، ممّا يعكس تطوّر بنية السّلطة وأدوات الهيمنة عبر العصور.
تتموضع الإستراتيجيا اليوم في قلب العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، خاصّة في العلوم السّياسيّة، وعلم الاجتماع التّنظيميّ، ونظريّات القرار. إنّها تمثّل تجسيدا لـ «العقل الأداتيّ» (Instrumental Reason) الّذي يسعى لاختزال الفعل الإنسانيّ في معادلة «الوسيلة والغاية»، ممّا يجعلها موضوعا غنيّا للدّراسات الإبستمولوجيّة الّتي تبحث في كيفيّة تشكّل العقلانيّة الحديثة.
على المستوى التّطبيقيّ، أصبحت الإستراتيجيا أداة التّوجيه الأساسيّة للفعل الجماعيّ. في السّياسة، تصاغ السّياسات العامّة وفق رؤى إستراتيجيّة؛ وفي الاقتصاد، تبنى تنافسيّة الشّركات على نماذج إستراتيجيّة (مثل نماذج مايكل بورتر) . إنّها الأداة الّتي تحوّل الرّؤى النّظريّة إلى برامج عمل واقعيّة قادرة على مواجهة التّحدّيات المعقّدة (4).
تتمحور إشكاليّة هذا المقال حول التّساؤل المركزيّ التّالي: إلى أيّ مدى خضع مفهوم الإستراتيجيا لتحوّلات جوهريّة في مساره التّاريخيّ والمعرفيّ، وكيف ساهم هذا التّشكّل في إعادة صياغة منطق الفعل الإنسانيّ المعاصر؟
ويتفرّع عن هذا السّؤال تساؤلات فرعيّة:
• كيف انتقل المفهوم من الميدان العسكريّ الصّرف إلى الفضاءات السّياسيّة والإداريّة؟
• هل حافظت الإستراتيجيا على جوهرها القائم على «الصّراع» أم تحوّلت إلى نموذج عقلانيّ للتّعاون والتّدبير؟
• ما هي الآثار المعرفيّة لتعميم النّموذج الإستراتيجيّ على كافّة مناحي الحياة؟
3. الجزء الأول: المسار التاريخي لتشكّل مفهوم الإستراتيجيا
1.3. العنصر الأول: الجذور العسكرية للمفهوم
نشأت الإستراتيجيا في أحضان الفكر الحربيّ القديم كضرورة وجوديّة. في الصّين القديمة، وضع «صن تزو» في كتابه «فنّ الحرب»  أسس الفكر الإستراتيجيّ القائم على الخداع، وتوفير الجهد، وتحقيق النّصر بأقلّ التّكاليف (5). أمّا في الفكر الغربيّ، فقد ارتبطت الإستراتيجيا بالقائد العسكري الإغريقيّ الّذي يمتلك الحكمة والقدرة على المناورة.
تميّزت هذه المرحلة بمركزيّة «الصّراع» و«الغلبة». كانت الغاية واضحة (هزيمة العدوّ)، والوسائل عسكريّة صرفة. إنّ العلاقة بين القيادة والقرار والغاية كانت علاقة خطّيّة مباشرة، حيث يمثّل القائد العقل المدبّر الّذي يطوّع الواقع الميدانيّ لتحقيق إرادة الدّولة. مع «كلاوزفيتز»  في القرن التّاسع عشر، حدث تحوّل نوعيّ بتعريفه للإستراتيجيا بأنّها «استخدام المعارك لخدمة هدف الحرب»، وربطه الشّهير بين الحرب والسّياسة («الحرب هي استمرار للسّياسة بوسائل أخرى»)، ممّا مهّد الطّريق لخروج المفهوم من الثّكنة (6). 
2.3. العنصر الثاني: انتقال المفهوم إلى المجال السياسي
بدأ المفهوم يتوسّع خارج الميدان العسكريّ مع بروز الدّولة القوميّة الحديثة وتعاظم تعقيدات الحكم. لم تعد الإستراتيجيا تقتصر على تحريك القطعات العسكريّة، بل شملت «إستراتيجيّة الدّولة» الّتي تدير الموارد الاقتصاديّة، والدّبلوماسيّة، والتّماسك الاجتماعيّ لضمان الأمن القوميّ (7).
هنا، تحوّل التّركيز من «الحرب» كفعل صداميّ مباشر إلى «الحكم» كفعل تدبيريّ للصّراع. أصبحت السّلطة السّياسيّة تمارس «إستراتيجيّة» دائمة في السّلم والحرب، حيث ينظر إلى الخصوم السّياسيّين أو القوى الدّوليّة كأطراف في رقعة شطرنج كبرى تتطلّب مناورات إستراتيجيّة مستمرّة. هذا الانتقال جعل الإستراتيجيا مرادفة لـ «فنّ الممكن» وتدبير التّوازنات القلقة.
4. الجزء الثاني: المسار المفاهيمي والمعرفي للمفهوم
1.4. العنصر الأوّل: الإستراتيجيا كمنهج عقلانيّ لتوجيه الفعل
مع صعود العقلانيّة الحديثة، خاصّة في القرن العشرين، أعيدت صياغة الإستراتيجيا كمنهج علميّ صارم. لم تعد تعتمد فقط على «عبقريّة القائد»، بل على الحسابات الكمّيّة، ونظريّة الألعاب (Game Theory) ، والنّمذجة الرّياضيّة. ارتبطت الإستراتيجيا بمفاهيم «النّجاعة» (Efficiency) و«الفعّاليّة» (Effectiveness)ا (8).
في هذا السّياق، تمّ اختزال الفعل الإنسانيّ في «التّخطيط والتّحكّم». أصبح العقل الإستراتيجيّ عقلا أداتيّا بامتياز، يبحث دائما عن الطّريق الأقصر والأقلّ كلفة لتحقيق الغاية. هذا «التّنميط العقلانيّ» للفعل أدّى إلى تهميش الجوانب العفويّة أو القيميّة لصالح الحسابات الإستراتيجيّة الباردة، حيث ينظر إلى الواقع كمجموعة من المتغيّرات الّتي يجب التّحكّم فيها.
2.4. العنصر الثّاني: تعميم الإستراتيجيا على مجالات الحياة
في النّصف الثّاني من القرن العشرين، شهدنا «انفجارا» في استخدام المفهوم. انتقلت الإستراتيجيا إلى عالم الإدارة والاقتصاد (الإدارة الإستراتيجيّة)، حيث أصبحت الشّركات تضع «إستراتيجيّات تنافسيّة» للبقاء في السّوق. ثمّ امتدّت إلى الثّقافة والتّنمية، فأصبحنا نتحدّث عن «إستراتيجيّات التّنمية المستدامة» و«الإستراتيجيّات الثّقافيّة» (9).
لقد تحوّلت الإستراتيجيا إلى «نموذج كونيّ للفعل» (Universal Paradigm). لم يعد هناك فعل ذو قيمة ما لم يكن «إستراتيجيّا». هذا التّعميم يعكس هيمنة منطق «السّوق» و«المنافسة» على كافّة الأنشطة البشريّة. حتّى التّعليم والصّحّة والعمل الخيريّ أصبح يدار بعقليّة إستراتيجيّة، ممّا يشير إلى أنّ الإنسان المعاصر لا يمكنه تصوّر فعله خارج إطار التّخطيط المسبق والبحث عن الميزة التّنافسيّة (10). 
الخاتمة
ختاما، يمكن القول إنّ مسارات تشكّل مفهوم الإستراتيجيا تكشف عن رحلة طويلة بدأت من فنّ قيادة الجيوش لتنتهي كمنطق مهيمن على العقل الحديث. لقد أثبت المفهوم طابعا تحوّليّا مرنا، مكّنه من التّكيّف مع مختلف السّياقات المعرفيّة والسّياسيّة. إنّ تتبّع هذا المسار يظهر كيف انتقلنا من «إستراتيجيا القوّة» إلى «قوّة الإستراتيجيا» كأداة لتنظيم الفعل الإنسانيّ وتوجيهه.
إنّ هذا العرض الوصفيّ-التّحليليّ لمسارات المفهوم يضعنا أمام حقيقة أنّ الإستراتيجيا ليست مجرّد مصطلح تقنيّ، بل هي بنية معرفيّة تؤطّر رؤيتنا للواقع. وهذا التّأسيس التّاريخيّ والمفاهيميّ يمهّد الطّريق في المقال الموالي للانتقال من التّتبّع الوصفيّ إلى التّفكيك النّقديّ للأسس النّظريّة الّتي يقوم عليها هذا العقل الإستراتيجيّ، وفحص مدى قدرته على استيعاب تعقيدات الفعل الإنسانيّ خارج منطق الغلبة والتّحكّم..
الهوامش
(1)  Freedman, Lawrence. (2013). Strategy: A History. Oxford: Oxford University Press. P.15
(2)  النعماني، جواد صالح مهدي. (2010). تقييم جغرافي لاستراتيجية الأمن القومي العراقي للعام 2007 – 2010. بغداد: جامعة بغداد. ص7
(3)  Beaufre, André. (1965). An Introduction to Strategy. London: Faber & Faber.  P.30
(4)  الأعرجي، عاصم. (1975 ). بين الاستراتيجية والتكتيك في التخطيط للتطوير الإداري. الكويت: مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت.  صفحة 70
(5)  Sun Tzu. (2003). The Art of War. Translated by Lionel Giles. New York: Barnes & Noble.   P25
(6)  كلاوزفيتز، كارل فون. (2004). عن الحرب. ترجمة أكرم ديري والهيثم الأيوبي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.  ص30
(7) النعماني، جواد صالح مهدي. (2010). تقييم جغرافي لاستراتيجية الأمن القومي العراقي للعام 2007 – 2010. بغداد: جامعة بغداد. ص9
(8)  الخويلدي، زهير. (2023). الحاجة في الفلسفة إلى الاستراتيجية. مجلة ميدل إيست أونلاين.
(9)  . Freedman, Lawrence. (2013). Strategy: A History. Oxford: Oxford University Press. P150
(10)  Mintzberg, Henry. (1994). The Rise and Fall of Strategic Planning. New York: Free Press.p180