مراجعات
| بقلم |
![]() |
| د. سعيد الشبلي |
| قراءات في التأويل(الحلقة 1/9) مقدّمات |
يسعدني أن أضع بين يدي القارئ الكريم هذه السلسلة من المقالات التي ستصدر تباعاً، بحول الله، خلال 9 حلقات على أعمدة «مجلة الإصلاح» الغرّاء. تتضمّن هذه السلسلة ثلاثة محاور أساسيّة، هي في الأصل بحوث أعددتها ضمن إطار المشاركة في بعض الملتقيات الدّوليّة التي اهتمت بالتّصوّف.
المحور الأول عنوانه «تأويل النّصّ القرآني عند محيي الدّين بن عربي»، وقد قدمته ضمن أشغال ملتقى «التّأويل في الفكر الإسلامي» الذي نظّمه المعهد الأعلى للشّريعة الإسلاميّة (أحد معاهد جامعة الزّيتونة). والمحور الثّاني عنوانه «علم القلوب: نظام الفهم وحدود التّأويل: بين الغزالي وابن عربي»، قدّمته ضمن أشغال الملتقى الذي نظّمته مؤسّسة «بيت الحكمة» بتونس بمناسبة المئويّة التّاسعة لوفاة الإمام الغزالي. أمّا المحور الثّالث فجاء بعنوان «دلالة الجسد في العرفان الصّوفي»، وقدّمته ضمن أشغال ملتقى الإمام المازري للفلسفة والتّصوّف.
ولمّا كانت علاقتي بالتّصوّف الإسلامي -الذي جعلته موضوع اختصاصي مع علم أصول الدّين ضمن المراحل العليا لدراستي بجامعة الزّيتونة بتونس- قديمة وطويلة، فقد سعيت في هذه الدّراسات المتأخّرة إلى صوغ موقف نقدي من التّصوّف، يتجاوز مجرّد الدّراسة التّحليليّة التّعريفيّة التي اعتنيت بها في البحوث الأكاديميّة التي قدّمتها للمناقشة في رحاب الجامعة.
فلقد اعتنيت خاصّة بدراسة عرفان محيي الدّين بن عربي من خلال تناول الجوانب الوجوديّة والفلسفيّة في مؤلّفاته، فألّفت كتاب «الإنسان والحرّيّة عند ابن عربي»، كما ألّفت الكتاب الذي نلت به درجة الدّكتوراه في العلوم الإسلاميّة وكان عنوانه «الفلسفة الوجوديّة والعرفانيّة عند محيي الدّين بن عربي»، مع أبحاث ودراسات أخرى التزمت فيها بمنهج التّحليل والبيان والتّوضيح قصد إخراج الأفكار كما هي بدون تحامل ولا مجاملة. إلّا أنّ هؤلاء الرّجال الذين كتبوا في التّصوّف وكانوا له أعلاماً، ليسوا سوى بشر يخطئون ويصيبون، ولئن كان من واجبنا باعتبار طبيعة اختصاصنا أن نبرز فكرهم وعقائدهم، فإنّ من واجبنا أيضاً أن نبيّن خطأهم من صوابهم وأن نكون عليهم شهوداً؛ نستفيد من نيّر أفكارهم إذا أحسنوا الفهم وأجادوا التّأويل، ونردّ ما شذّ من أقوالهم ونصدّ غلوّهم ونميّز بالحقّ والميزان خبيث ادعاءاتهم من طيّب تأويلانهم.
ذاك واجبنا اليوم، وهي مهمّة العدول الشّهداء من الأمّة، وخاصّة ممن فقّههم الله في الدّين وفتح عليهم رحاب العارفين. أمّا أساليب التّعظيم المقيتة وأطروحات المديح والإطراء الرّخيصة التي تدّعي احترام إرث السّلف الصّالح، ويزعم أصحابها أنّهم لا يتجاوزون حدودهم مع أقطاب العلماء، ولا يعرف بعضهم سوى إسناد ألقاب المشيخيّة والقطبيّة على الأموات والأحياء، فإنّنا نمقتها أشدّ المقت ونزدريها، ونسأل الله أن يريح أمّة الإسلام من هذا التّيار الجارف من الكذّابين والأفّاكين الذين يلتحفون بسيماء الاحترام والتّبجيل ليوهموا أنّهم يميّزون العالم من الجاهل، وأنّهم على خطى السّلف الصّالح وما هم كذلك، بل هم على التّحقيق عبدة الآباء والأجداد الذين يقولون في كلّ زمان وفي كلّ مكان ﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾(الزخرف: 22).
لذلك، فقد تخلّصت بفضل الله وبحمده من آفة التّعظيم والتّقزيم، وشفاني الله من هذا المرض العضال الذي أضرّ بي أشدّ الضّرر في سنّي الشّباب الأولى، لا سيّما وقد ورثته عن جلّ من لاقيتهم من الأساتذة والمربّين، فما وجدت فيهم غير ضعف في الفهم ونكوص عن النّظر، وخوف بل ورهبة لا مزيد عليها من مجرّد التّجرّؤ على النّقد والتّمحيص، فكيف بالتّقويم والتّجديد. لا غرابة، مع مثل هؤلاء، أن يصبح العلم مجرّد ترديد لأقوال السّابقين، وأن تكون الأطاريح التي تنال بها درجات «الماجستير» و«الدّكتوراه»، تلاخيص تُعيد أقوال السّابقين وتُشيد باليسير ممّا كسبوه فتجعل منه «صروحاً» ممدّدة و«بروجاً» مشيّدة. كم أشادوا بـ «عالم» من السّابقين لم يكن في الحقيقة سوى «زنديق» خليق باللّعنة، وكم عظّموا من «شيخ» سوء أصبح في أذهانهم المريضة بمرض «التّعظيم» قطباً للعارفين ومرجعاً للمتأمّلين.
والواقع أنّ الثّقافة الإسلاميّة كانت، بما ورثت من كتاب الله المبين، جديرة بأن لا تقع في ضلال التّعظيم والتّقزيم والمدح والهجاء، وأن تلتزم خطّ الموضوعيّة، لولا تلك الأصول الجاهليّة البغيضة الموروثة عن الأسلاف من كفّار الفرس وجهلة العرب، الذين لم تتخلّص قلوبهم من تعظيم الخلق تأسّياً بأسلافهم في تعظيم الأكاسرة في بلاد فارس، وتمجيد الفرسان في بلاد العرب.
فلو نظرنا في كتب التّصوّف، لوجدناها مليئة بتعظيم «المشائخ» من كلّ من هبّ ودبّ ممّن لا يجوز حتّى مجرد عدّه في الرّاشدين، ناهيك باعتباره في «الرّاسخين» الذين لا تزلّ لهم قدم. قدّمت هذا القول وقد هالني ما وجدت عليه الكثيرين من كتّاب التّصوّف من انخراطهم في «تعظيم» محيي الدّين بن عربي حتّى عدّوه «شيخاً أكبر» في الدّين، وكأنّهم لم يقرؤوا شيئاً من غلوّه في التّأويل وتجاوزه الحدود في التّفسير، ومناقضته للمعلوم من الدّين بالضّرورة، ممّا لا يخفى على عابر السّبيل في سوق العلم والأدب فكيف على المستقر المقيم.
لقد تجاوز ابن عربي «الحدود» وهو المخلوق المحدود ليخوض في «الوجود»، وتطاول على كلّ حدّ فسعى في تكسيره، فلم يعر انتباهاً إلى الفرق بين المحكم والمتشابه، ولم يكترث بالفاصل بين التّشبيه والتّنزيه، ولم يعبأ بالفرق بين الخير والشّر، وادّعى أنّه لا فضل للجنّة على النّار.. وكان من الطّبيعي أن يؤول به اعتقاده هذا إلى ادّعاء أنّه لا فرق بين الحقّ والخلق ليؤكّد أخيراً أنّ الخلق وجه ظاهر للحقّ وأنّ الحقّ وجه باطن للخلق، لتصل فلسفة «وحدة الوجود» على يديه إلى مرحلة متقدّمة من التّطوير والبحث.
هذه العقيدة الاتحاديّة التي تصدّى لها جمع طيّب من كبار العلماء، منهم ابن تيميّة رحمه الله وابن خلدون الذي ميّز بدقّة العالم المتمكّن وبفراسة النّاقد المتبصّر بين مجاهدة الكشف المتجاوزة للحدود ومجاهدة الاستقامة المتفاعلة مع حقائق القرآن الكريم والمنسجمة مع توجيهات السّنّة الشّريفة، كانت منجماً ظهرت منه شتّى البدع على مستوى الاعتقاد وعلى مستوى السّلوك، كما كانت الحامل «الإيديولوجي» للتّصوّف المغالي الذي سمّم الشّعور الدّيني وزيّف الصّدق الإيماني. إنّ التّصوف البدعي المخالف لثوابت الاعتقاد الإسلامي كان مثل التّشيّع، نكبة أصابت المسلمين في صميم دينهم، وفعلت بهم ما عجز عدوهم عن فعله.
في المقابل، عاش أبو حامد الغزالي رحمه الله تجربة وجوديّة حقيقيّة تحدّث عنها في كتابه «المنقذ من الضّلال»، كانت سبباً في تخلّصه من آفات التّديّن الشّكلي الظّاهري الميّت القائم على إلزامات الفقهاء وتشدّدهم الذي طالما حذّر منه رسول الله ﷺَ. هذه التجربة الصّادقة التي فارق لأجلها الأصحاب وتخلّى في سبيلها عن المراتب والألقاب، قرّبته من الله تعالى وعرّفته بربّه معرفة حقيقيّة قائمة على الصّدق والتّحقّق بالحقّ، معرفة ليست مسطورة في كتاب، ولا مأخوذة عن شيخ، بل نابعة من ممارسة الذّكر، وعمق تسريح الفكر، والاعتكاف طلبا لتحقيق صفاء السّريرة، فكانت الثّمرة، انقلابا عميقا في الفهم ونفوذا إلى أسرار الرّسالة الخاتمة وفهما لدقائق القرآن العزيز، أهّلت الغزالي ليصبح بحقّ أحد علماء الإسلام الكبار الجديرين بأن تقرأ كتبهم، وأن تتّخذ سِيرهم نماذج للاحتذاء.
أمّا محيي الدّين بن عربي، فقد بذل غاية الجهد ليؤكّد أنّه أوحد أهل زمانه، وأنّه العبقري الذي لم تلد النّساء مثله، والذي أشعّت عبقريّته على سماء المعاني منذ نعومة أظفاره، وأنشد شيطان شعره مترنّما:
أنا القرآن والسّبع المثاني *** وروح الرّوح لا روح المعاني
وعوض أن يورّثه سلوك طريق التّصوّف تواضعاً وصدقاً، نافس المتكبّرين على كبرهم، وازدرى كلّ السّابقين، وتعهّد بأن لا يضاهيه اللاّحقون بزعمه أنّه خاتم الأولياء وخلاصة الأصفياء.
فإذا ما قرأت سائر مؤلّفاته، فستكتشف بوضوح أنّ الرجل مصرّ على الإغراب والمخالفة وأنّه لا يهنأ له بال حتّى ينتقد ما سبق من أقوال ويأتي بحسب زعمه بالفتح الجديد. ومازال داعي الإغراب وطلب التّفرّد يرميه في كلّ بدعة حتّى أهوى به إلى قاع الوهم بمجادلته في المحكمات وتعسّفه على الواضحات حتّى لقد جادل عن «فرعون» رمز الاستكبار في الأرض، وعدّه في الأوّابين التّائبين لولا رْوح ضعيف من بقيّة حياء جعله يسلّم لما أجمع عليه الخلق قاطبة وقلبه للحقّ منكر.
إنّ فلسفة ابن عربي وأفكاره المتحرّرة، تكشف عن خواء قلبي رهيب، يسعى إلى التّعمية عنه بشتّى فنون الجدال، وسائر أنواع الأفكار الضّالّة، لكي نجد أنفسنا أخيرا أمام موسوعة صوفيّة قلّ مثيلها من حيث الكمّ، ومن حيث آثارها المضلّة الموهمة أيضا. وما ذلك إلاّ لكون الرّجل لم يرض أن يؤمن كما آمن النّاس، بل كما يحبّ هو وكما يصوّر له هواه.
على كلّ حال، ليست لي مع الغزالي رحمه الله قرابة دم لأصطفيه، كما أنّه ليس لديّ مع ابن عربي ثأر لكي أنتقده وأقصيه، وقد أفضى كلاهما إلى ما عملا، ولكن واجب التّقويم والتّصحيح يدفعني إلى الإدلاء بهذه الشّهادة عبر هذه السّلسلة من المقالات. سيكتشف القارئ الكريم من خلالها أفكار هذين المفكّرين البارزين حول موضوعين من أهمّ مواضيع الثّقافة الإسلاميّة: موضوع «علم القلوب»، وموضوع «التّأويل»، أي علم التّصوّف في لبّ هويّته وأصل معناه؛ وموضوع «التّأويل»، وهو المجلّى الأخطر للخصوصيّة العرفانيّة، والمجال الذي فيه انطلقت من عقالها قلوب العارفين فجاءت بجديد الفهم ومحدث المعنى.
إنّ التّأويل، سلاح ذو حدّين، استعمله العارفون لتحصيل الفهم العميق، واستعمله الذين في قلوبهم مرض لادعاء العلم وللإتيان بما لم يأت به الأوائل حسب زعمهم، وادّعاء التلقّي بمحض التّجلّي والصّلة المباشرة بالحقّ، فلم يجنوا من ذلك سوى الخسران. والتّأويل إلى ذلك علم من علوم الفتح يمنّ الله تعالى به على من يشاء من عباده كما منّ به على يوسف عليه السّلام، فكان باباً لنجاته ونجاة أمّة كاملة من الهلاك(1).
ذلك ما سعينا إلى إبرازه في بحث التّأويل. أمّا بحث دلالة الجسد في العرفان الصّوفي، فقد ركّزت فيه على تناول الجسد كمعنى وكرمز وكلغة، شكّلت بالنّسبة للصّوفيّة منجماً للقراءات، لئن وجدت فيها بعض الاختلافات إلّا أنّها التقت في معظمها حول كون الجسد عقبة وجوديّة وحسّية لابدّ من اقتحامها لمعرفة أسرارها. الجسد العالَم، والجسد اللّغة، والجسد السدّ، ولكن أيضا الجسد الباب، كلّ تلك المعاني نجدها في الرّؤية الصّوفيّة للجسد، تلك الرّؤية التي تسعى دائما إلى التّأويل، وإلى النّفوذ إلى الأعماق وعدم الرّضا بالقشر دون اللّبّ.
اللهم أسألك التّوفيق والهداية وأعوذ بك من الضّلالة والغواية. والحمد لله أولاً وآخراً.
الهوامش
(1) - يراجع كتابنا، انتصار الإنسان في القرآن الكريم: قراءة تأويلية في قصة يوسف عليه السلام. منشورات مكتبة حسن العصرية لبنان ودار علاء الدين دمشق ودار مكتبة بيبليون بيروت |




