في العمق

بقلم
د. حميد حقي
نظريّة المعرفة بين الرّؤية القرآنيّة والفكر الفلسفي الغربي
 مقدّمة
ظلّت المعرفة تشكّل أَحد المقوّمات الأساسيّة الّتي تقوم عليها قيمة الإنسان باعتباره كائناً واعياً عاقلاً، وبها يكتسب تميّزه داخل هذا الوجود. فالإنسان لا يستقيم له عيش، ولا يكتمل له معنى الإنسانيّة، إِلّا بقدرته على التّعلّم، وبما يحصّله مِن معرفة تمكّنه مِن فهم ذاته، والتّعرّف إِلَى خالقه، والتّفاعل مع محيطه الطّبيعيّ والاجتماعيّ. ولهذا كانت المعرفة ضرورة لا يستغني عنها الإنسان، باعتبارها شرطاً لحياة إنسانيّة واعية، يدرك فيها الإنسان موقعه، وحدود فعله، ومسؤوليّته فِي هذاالكون.
وإِذا كان هذا المعطى ثابتاً فِي التّجربة الإنسانيّة الطّويلة فإِنّ حرص الإنسان على المعرفة لم يكن نتيجة تنظير فلسفيّ لاحق، وإِنّما هو وليد تجربة معيشة، أدرك مِن خلالها أَنّ الجهل قرين الضّيق، وأَنّ فقدان المعرفة يؤدّي بالضّرورة إِلَى اختلال فِي النّظر والسّلوك معاً. ولهذا انشغل العلماء منذ أزمنة مبكّرة بمساءلة المعرفة: ما حقيقتها؟ ما مراتبها؟ كيف يحصّلها الإنسان؟ وما الّذي يمكن الجزم به منها وما الّذي يظلّ محلّ ظنّ وتردّد؟ وقد تفرّعت عن هذا الاشتغال مباحث متعدّدة، إِلَى أَن استقرّ فِي صورة حقل معرفيّ مستقلّ عُرف فِي الأدبيّات الحديثة بنظريّة المعرفة، وهو حقل يعالج قضايا إمكان المعرفة، ومصادرها، وحدودها، ومعايير صدقها.
غير أَنّ هذا البحث لا يقصد إعادة عرض هذه القضايا فِي صورتها الفلسفيّة العامّة، ولا تتبّع المذاهب الّتي تشكّلت حولها داخل الفكر الغربيّ، لأَنّ ذلك ممّا استوفته دراسات سابقة كثيرة. وإِنّما يتّجه النّظر هنا إِلَى مساءلة نظريّة المعرفة مِن زاوية مقارنة، تسعى إِلَى الوقوف عند طبيعة التّصوّر المعرفيّ الّذي يقدّمه القرآن الكريم، ومقارنته بما بلوره الفكر الفلسفيّ الغربيّ، مع التّنبّه إِلَى اختلاف المنطلقات، وتباين المرجعيّات، وتفاوت الرّهانات. وقد يُقال: ما الحاجة إِلَى هذه المقارنة؟ فيكون الجواب هو أَنّ الحاجة إليها تزداد كلّما طغت المقاربات الفلسفيّة على النّقاش المعرفيّ المعاصر، دون استحضار موقع الوحي وحدود العقل الإنسانيّ فِي هذا الباب.
وعلى هذا الأساس يتحدّد الإشكال المركزيّ الّذي يعالجه هذا البحث فِي السّؤال الآتي: إِلَى أَيّ حدّ يلتقي التّصوّر القرآنيّ للمعرفة مع ما انتهى إليه الفكر الفلسفيّ الغربيّ فِي بناء نظريّة المعرفة؟ ويتفرّع عن هذا السّؤال العامّ عدد مِن الأسئلة الجزئيّة الإجرائيّة، مِن قبيل: كيف ينظر كلّ مِن الوحي والفلسفة إِلَى إمكان المعرفة؟ وما المصادر الّتي يعتمدها كلّ تصوّر فِي تحصيلها؟ وما حدود المعرفة الّتي يمكن للإنسان بلوغها فِي كلّ منهما؟
أَمّا الغاية مِن هذا العمل فتتمثّل فِي محاولة تبيان خصوصيّة الرّؤية المعرفيّة القرآنيّة، خاصّة فِي موقفها مِن مسألة إمكان المعرفة بين الشّكّ واليقين، وفِي إبراز موقع الوحي داخل النّسق المعرفيّ الإسلاميّ، وعلاقته بالعقل والحسّ، وهي علاقة تقوم على التّكامل والتّعاضد. كما يسعى البحث إِلَى التّأكيد على التّمييز القرآنيّ بين ميدان الشّهادة الّذي تتعلّق به المعرفة الإنسانيّة، وميدان الغيب الّذي يختصّ الله بعلمه، وهو تمييز له أثر بالغ فِي ضبط طموح العقل، وتوجيه مساره.
1. سؤال إمكان المعرفة
يحتلّ سؤال إمكان المعرفة موقعاً تأسيسيّاً داخل مباحث نظريّة المعرفة؛ ذلك لأَنّه السّؤال الّذي تتفرّع عنه سائر القضايا اللّاحقة. فقبل البحث فِي طبيعة المعرفة أَو فِي مصادرها يفرض هذا السّؤال نفسه بإلحاح: هل الإنسان قادر مِن حيث هو كائن عاقل على تحصيل معرفة صحيحة بالواقع؟ أَم أَنّ ما يبلغه لا يتجاوز حدود الظّنّ والتّمثّلات النّاقصة؟ وهو سؤال قديم متجدّد، كما أَنّه لم يكن سؤالاً نظريّاً خالصاً، بل ظلّ متّصلاً بتحديد موقع الإنسان مِن الحقيقة، وبضبط علاقته بالعالم وبذاته وبما يتجاوزه.
وإِذا كان الأمر كذلك فإِنّ الجواب عن هذا السّؤال يتجاوز دائرة النّقاش الفلسفيّ، إِذ يمتدّ أثره إِلَى بناء المواقف الدّينيّة والأخلاقيّة. فالقول بإمكان المعرفة أَو نفيها ينعكس مباشرة على تصوّر العقل، وعلى قيمة الخبرة المكتسبة، وعلى معنى التّكليف والمسؤوليّة... ولهذا تعدّدت المذاهب الّتي قاربت هذا الإشكال، واختلفت مقارباتها ونتائجها، الأمر الّذي يقتضي الوقوف عند أبرزها قبل الانتقال إِلَى بيان الموقف القرآنيّ.
1.1 مذهب الشّكّ المطلق (المذهبيّ)
يقوم مذهب الشّكّ المطلق أَو ما يُعرف بالشّكّ المذهبيّ على الطّعن فِي أصل المعرفة وموضوعها معاً؛ ممّا ينتهي به إِلَى نفي إمكان الوصول إِلَى حقيقة ثابتة يمكن الاتّفاق عليها. فهو لا يكتفي بمساءلة بعض المعارف الجزئيّة أَو بانتقاد وسائل تحصيلها، وإِنّما يتجاوز ذلك إِلَى التّشكيك فِي إمكان المعرفة مِن حيث هي معرفة، ويجعل كلّ دعوى للحقيقة موضع ارتياب دائم.
وتعود جذور هذا الاتّجاه إِلَى القرن الخامس قبل الميلاد؛ حيث نشأ فِي سياق الصّراع بين الفلسفة والسّفسطة، فِي مرحلة تاريخيّة اختلط فيها البرهان بالخطابة، وكثرت فيها المغالطات، وضعف فيها التّمييز بين الإقناع العقليّ والإبهار اللّفظيّ. ويُعدّ بروتاغوراس(1) مِن أبرز ممثّلي هذا المذهب، القائلين بعدم وجود حقيقة مطلقة، وكان يقول: «ما دام كلّ شيء يتحوّل، ولا شيء يبقى فليس هناك حقيقة مطلقة، وأَمّا ما يسمّيه كلّ واحد منّا حقيقة، فهو ما يظهر له فِي الوقت الّذي يتحدّث فيه»(2).
وحاصل كلامه أَنّ الحقيقة رهينة الإحساس الفرديّ، وأَنّ المعرفة تجربة ذاتيّة مغلقة، وأَنّه لا معيار لها خارج عقل صاحبها. ولا ينتج عن هذا التّصوّر -فِي تقديري- نفي الحقيقة المشتركة فحسب، وإِنّما تقويض إمكان التّواصل المعرفيّ بين البشر، لأَنّ كلّ فرد يصبح مرجعاً نهائيّاً لما يراه أَو يشعر به، دون ميزان يضبط القول أَو يحدّده. فيصبح بذلك الاختلاف المعرفيّ اختلافاً بدون أفق، لكونه لا يقوم على أسس قابلة للنّقاش أَو التّرجيح.
2.1  مذهب الشّكّ النّسبيّ (المنهجيّ)
على خلاف مذهب الشّكّ المطلق ظهر مذهب آخر تعامل مع الشّكّ تعاملاً مغايراً، فجعل منه سبيلاً وشرطاً لبناء اليقين. وهذا المذهب لا ينطلق مِن نفي الحقيقة، وإِنّما يتّخذ الشّكّ سبيلاً لاختبارها، وتنقية العقل ممّا قد يعتريه مِن تصوّرات غير ممحّصة أَو أحكام متسرّعة. فالشّكّ هنا فعل مقصود، يُراد به تعليق الحكم مؤقّتاً، إِلَى أَن تتّضح الأدلّة وتستبين المعاني. وهو موجّه أساساً إِلَى المعارف السّابقة، لا إِلَى أصل المعرفة، ويقوم على تمحيص الأحكام تمحيصاً دقيقاً، حتّى لا يُقبل منها إِلّا ما ثبتت صحّته. ولهذا يظلّ الشّكّ المنهجيّ مرحلة مؤقّتة تنتهي متى تحقّق الاطمئنان ببلوغ اليقين.
وقد أشار أحمد الدّغشيّ إِلَى هذا الفرق حين بيّن أَنّ مثل هذا الشّكّ مطلوب، بخلاف الشّكّ المطلق الّذي يشكّك فِي وسائل المعرفة نفسها. كما أوضح أَنّ القرآن يذمّ الشّكّ الّذي يهدم ولا يبني، ويقرّ الشّكّ الّذي يفتح أفق النّظر ويقود إِلَى البناء. وهو المعنى ذاته الّذي عبّر عنه الغزاليّ بقوله: «الشّكوك هي الموصلة إِلَى الحقائق، فمَن لم يشكّ لم ينظر، ومَن لم ينظر لم يبصر، ومَن لم يبصر بقي فِي العمى والضّلال»(3).
فالشّكّ بهذا المعنى لا يقف موقف السّلب مِن الحقيقة، فهو خطوة ضروريّة فِي مسار البحث عنها، وهو كذلك ضابط لحركة العقل حتّى لا يستسلم للمألوف أَو يركن إِلَى التّقليد.
3.1  مذهب اليقين
وأَمّا مذهب اليقين أَو التّيقّن فهو الاتّجاه الّذي يذهب إِلَى تأكيد إمكان المعرفة، بل إِلَى توسيع هذا الإمكان أحياناً دون ضبط دقيق لحدوده. وقد ارتبط هذا المذهب فِي الأدبيّات المعاصرة بأنصار الاتّجاهين العقليّ والتّجريبيّ، فِي مقابل الاتّجاه النّقديّ. ومِن معالم هذا الموقف الانطلاق مِن نقطة يعدّها أصحابها بدهيّة لا تحتاج إِلَى برهان، ثمّ البناء عليها باعتبارها أساساً لمعرفة يعتقدون أَنّها قادرة على الإحاطة بالواقع دون قيود معتبرة. وقد تطوّر هذا الاتّجاه تاريخيّاً مِن مواجهة الشّكّاك فِي العصور القديمة، إِلَى مواجهة النّزعات النّقديّة فِي العصور الحديثة.
غير أَنّ هذا التّوسّع فِي ادّعاء اليقين لا يقلّ إشكالاً عن نفي المعرفة مِن أصلها، لأَنّ الجزم بامتلاك الحقيقة النّهائيّة قد يؤدّي إِلَى إغلاق باب المراجعة، ويؤسّس لتعصّب فكريّ، يجعل صاحبه يرى مخالفه خارجاً عن منطق العقل أَو بعيداً عن الحقيقة، وهو ما لا يخدم البحث ولا يثري المعرفة.
4.1  موقف القرآن مِن إشكال إمكان المعرفة
حاصل القول فيما تقدّم أَنّ كلّاً مِن الشّكّاكين والوثوقيّين وقعوا فِي طرف مِن الإفراط أَو التّفريط؛ فالأوّلون بالغوا فِي النّفي، والآخرون أسرفوا فِي الإثبات. ومردّ هذا الاضطراب إِلَى وهم مطابقة الإدراك البشريّ للمطلق، وإِلَى غياب التّمييز بين ما هو ممكن للإنسان وما هو خارج عن طاقته.
أَمّا القرآن الكريم فإِنّه لا يتعامل مع إمكان المعرفة على أَنّه إشكال فلسفيّ مجرّد، بل يقرّره تقريراً عمليّاً، ويؤسّس له على مسلّمات واضحة، عليها يقوم واجب التّكليف والمسؤوليّة. وقد توسّع المفسّرون فِي بيان ذلك مِن خلال مفردات قرآنيّة كثيرة مِن قبيل: المعرفة، العلم، الحكمة، اليقين... وهي ألفاظ تحيل على إمكان الفهم، وعلى قدرة الإنسان على إدراك الحقائق فِي حدود ما أذن الله له فيه.
وفِي هذا السّياق يؤكّد راجح كرديّ أَنّ «مسألة إمكان المعرفة كمشكلة فلسفيّة لم يحفل القرآن بها، ولم يهتمّ بها ذلك الاهتمام الفلسفيّ المجرّد الّذي يجعل مِن الأمور البدهيّة الواضحة مشكلة تحتاج إِلَى حلّ››(4).
حيث يجعل القرآن الكريم إمكان المعرفة منطلقاً عمليّاً للفعل الإنسانيّ، وأساساً لبناء الإيمان والعمل، ولا ينظر إِلَى الأمر على أَنّه موضوع لجدل نظريّ يستغرق العقل دون أَن يهديه.
2. مصادر المعرفة
إِذا كان سؤال إمكان المعرفة يحدّد الموقف مِن أصل المعرفة فإِنّ سؤال مصادرها يحدّد الطّريق الموصل إليها، وبيّن الأدوات الّتي يملكها الإنسان فِي سعيه إِلَى الفهم والإدراك. ومِن الملاحظ أَنّ القرآن الكريم -وهو يعالج مسألة المعرفة- لم يحصرها فِي مصدر واحد، ولم يطلق العنان لمصدر دون ضابط، وإِنّما قرّر تعدّد مصادرها، وربط بينها ربطاً يقوم على التّساند لا على التّنافي. وعلى هذا الأساس فإِنّ المعرفة فِي المنظور القرآنيّ تقوم على ثلاثة مصادر كبرى: الحسّ، والعقل، والوحي. وهي مصادر تتوزّع أدوارها، وتتحدّد مجالات اشتغالها، دون أَن يستغني أحدها عن الآخر.
1.2  الحسّ
أَمّا الحسّ فهو أوّل منفذ يتّصل به الإنسان بالعالم مِن حوله؛ فكلّ إنسان مزوّد بمجموعة مِن الحواسّ الّتي تمكّنه مِن إدراك جانب معيّن مِن الوجود، وهو جانب المحسوسات. فالعين تبصر الأشياء، والأذن تسمع الأصوات، والأنف يشمّ الرّوائح، واللّسان يتذوّق المطعومات والمشروبات، واليد تلمس الأجسام فتعرف بعض خصائصها مِن حرارة وبرودة وخشونة ونعومة.
غير أَنّ إدراك الحسّ يظلّ إدراكاً جزئيّاً ومحدوداً؛ لكونه لا يتجاوز دائرة الظّاهر المحسوس. فهو ينقل إِلَى الإنسان صور الأشياء وأصواتها وألوانها... لكنّه لا يمنحه بمفرده القدرة على فهم العلاقات، أَو إدراك المعاني الكلّيّة، أَو تجاوز المعطى المباشر. ولهذا كان الحسّ فِي المنظور القرآنيّ مدخلاً أوّليّاً للمعرفة، ولا بدّ له مِن مصادر أُخرى تكمّل وظيفته.
2.2  العقل
ويمثّل المرتبة الثّانية فِي سلّم المعرفة، وهو النّعمة الّتي بها يخرج الإنسان مِن مجرّد التّلقّي الحسّيّ إِلَى الفهم والتّأمّل والتّرتيب. ولعلّ وصف الإنسان بالعقل هو الّذي منحه مكانته الخاصّة بين سائر المخلوقات، إِذ لولا العقل لما تجاوز إدراكه مستوى الإحساس المباشر. «ولمّا كان العقل شيئاً لا يُحسّ، وإِنّما يُدرك بأثره لأَنّه ليس شيئاً محسوساً، فإِنّ وظيفته تتناسب مع حقيقته، فهو يدرك الجانب الثّاني مِن الحياة وهو ما كان خارجاً عن دائرة الحسّ، وإِن كان هناك تلازم بين عمل الحسّ والعقل، إِذ لولا العقل لما كان للحواسّ فائدة فِي المعرفة»(5).
ومِن الملاحظ أَنّ هذا التّلازم بين الحسّ والعقل يجعل كلّ واحد منهما محتاجاً إِلَى الآخر. فالحسّ يمدّ العقل بالمعطيات، والعقل ينظّمها ويستنبط منها المعاني والعلاقات. وهذا التّوازن هو الّذي يمنع العقل مِن الانفصال عن الواقع، كما يمنع الحسّ مِن أَن يبقى حبيس الجزئيّات المتناثرة.
3.2  الوحي
وأَمّا الوحي فهو المصدر الّذي يتجاوز حدود الوسائل البشريّة كلّها. فمهما بلغت قدرات الحسّ والعقل فإِنّهما يعجزان عن معرفة الله الخالق معرفة مستقلّة، وعن إدراك الغاية مِن الوجود، ومصير الإنسان بعد الموت. ولهذا كان الوحي مصدراً معرفيّاً ضروريّاً، لا يمكن لأَيّ مصدر آخر أَن يقوم مقامه. وقد أنعم الله على البشريّة بإرسال الرّسل، وإنزال الكتب، بقصد تعريف النّاس بخالقهم، وبيان الحكمة مِن وجودهم، ثمّ ختم ذلك برسالة نبيّنا محمّد ﷺَ ، فأنزل عليه كتابه ليبيّن للنّاس ما لا سبيل لهم إِلَى معرفته بأنفسهم استقلالاً.
وفِي هذا السّياق يرى بليل عبد الكريم أَنّ مصادر المعرفة فِي النِّظام المعرفيّ القرآنيّ مصدران متكاملان متآزران هما(6):
1. الوحي: (الآيات المتلوّة، وسنّة الأنبياء، والرّؤيا، والإلهام، والحدس).
2.الكون: (الآيات المخلوقة، الآفاق، الأنفس، قصص الأوّلين، أخبار التّاريخ والحاضر).
ويضيف قائلاً: «طرق اكتساب المعرفة مِن كليهما هي العقل والإحساس»(7). وهذا التّصوّر يؤكّد أَنّ معارف الوحي ومعارف الكون لا تُنال دون إعمال الفكر والتّدبّر، وأَنّ العقل ليس عضواً مادّيّاً، وإِنّما قدرة حيّة وعمل مستمرّ.
4.2  التّكامل بين مصادر المعرفة فِي المنظور القرآنيّ
مصادر المعرفة فِي القرآن تجمعها علاقة تكامل وترابط، فلا يمكن للعقل أَن يستقلّ عن الوحي، ولا للوحي أَن يستغنى عن العقل فِي الفهم، كما أَنّ الحسّ ضرورة أُولى لإعمال العقل وفهم دلالات الوحي. وهذا التّصوّر يختلف اختلافاً بيّناً عمّا انتهت إليه الاتّجاهات الفلسفيّة فِي مقاربتها لمصادر المعرفة. فالتيّار الحسّيّ حصر المعرفة فِي نطاق الحسّ، وجعل كلّ ما لا يستند إِلَى انطباع حسّيّ وهماً لا حقيقة له. بينما جعل التيّار العقليّ العقل وحده طريق المعرفة، وأهمل دور الحواسّ فِي تلقّي المعطيات. أَمّا الاتّجاه الحدسيّ، فقد نفى دور العقل والحواسّ معاً، وجعل الحدس وحده سبيل المعرفة.
وفِي مقابل هذه التّصوّرات الجزئيّة يقرّر المنظور القرآنيّ أَنّ العلاقة بين هذه المصادر كلّها «علاقة تكامليّة، لا تعارض بينها، ويستحيل التّعارض بين العقل والنّقل القطعيّين، والنّقل منه ما هو ظنّيّ ومنه ما هو قطعيّ، وكلّ المصادر منها ظنّيّة ومنها قطعيّة، ولا يعني وجود الظّنّيّ إلغاء المصدر كلّه، فعندما نقول مصادر المعرفة متنوّعة، نقصد بها المصادر القطعيّة، وأوسع المصادر هو النّقل»(8).
ومِن ثمّ فإِنّ أكثر ما يُؤخذ على الاتّجاهات الفلسفيّة المختلفة هو تغييبها للوحي، وتركيزها على مصادر جزئيّة، فِي حين أَنّ الوحي فِي المنظور الإسلاميّ هو الأصل الّذي تنتظم حوله بقيّة المصادر «فإِذا كان الإنسان مخلوقاً لله تعالى والكون كلّه مخلوق كذلك، ووسائل اتّصال هذا الإنسان بالكون مِن حوله كالعقل والحواسّ هي مخلوقة لله أيضاً، فإِنّ الخالق الحقّ لمعارف الإنسان إِنّما هو الله تعالى»(9). وفِي هذا يقول ابن تيميّة: «المعرفة المكتسبة مِن الوحي معرفة يقينيّة مطلقة ذلك أَنّ الوحي بصفته جزءاً مِن علم الله له ما لهذه الصّفة مِن كونها حقيقة مطلقة غير محدودة، ودلالة الوحي فِي إفادة المعرفة الدّينيّة دلالة شرعيّة سمعيّة وعقليّة»(10).
3. طبيعة المعرفة
إِذا كان البحث فِي إمكان المعرفة يتّصل بإثبات أصلها، وكان النّظر فِي مصادرها يحدّد وسائل تحصيلها، فإِنّ البحث فِي طبيعة المعرفة يتّصل اتّصالاً مباشراً بقيمتها وحدودها ومجال اشتغالها. ولهذا لا يقلّ هذا العنصر أهمّيّة عن سابقيه، لأَنّه يضع المعرفة فِي إطارها الصّحيح، ويحدّد ما يمكن للإنسان أَن يبلغه منها، وما يقف عنده ولا يتجاوزه. وقد انشغل غير واحد مِن الباحثين بهذا المبحث، ومنهم أحمد الدّغشيّ فِي كتابه «نظريّة المعرفة فِي القرآن الكريم وتضميناتها التّربويّة»، وأحمد الكرساويّ فِي كتابه «مدخل إِلَى نظريّة المعرفة»(11).ويُلاحظ أَنّ هذا الانشغال لم يكن واحداً فِي منطلقاته ولا فِي نتائجه، لاختلاف المرجعيّات الّتي انطلق منها كلّ اتّجاه.
والمعرفة مِن حيث طبيعتها تختلف باختلاف المنظور الّذي تُنظر مِن خلاله؛ فإِذا كانت بعض الاتّجاهات الفلسفيّة الغربيّة ترى أَنّ الإنسان قادر على معرفة كلّ شيء، فإِنّ اتّجاهات أُخرى ذهبت إِلَى نفي إمكان الوصول إِلَى أَيّ حقيقة ثابتة. وبين هذين الطّرفين يأتي التّصوّر القرآنيّ ليضع تمييزاً أساسيّاً فِي ميدان المعرفة؛ إِذ يميّز بين ميدان الشّهادة وميدان الغيب، وهو تمييز له أثر بالغ فِي ضبط مجال المعرفة الإنسانيّة. فنحن «عندما نبحث طبيعة المعرفة لدى المثاليّة والواقعيّة، ومِن ثمّ لدى فلاسفة المسلمين نكون بصدد البحث عن المعرفة لدى اتّجاهات إنسانيّة وتفكير إنسانيّ، سواء كان فِي أصول المعرفة أَو فِي تفسيرها»(12).
ومِن هنا فإِنّ المقارنة بين الاتّجاهات الفلسفيّة المختلفة تظلّ مقارنة داخل الإطار الإنسانيّ، أَمّا المقارنة بين المنهج الإنسانيّ والمنهج الرّبّانيّ، فإِنّها تطرح إشكالاً مِن نوع آخر، لأَنّ علم الله علم مطلق لا تحدّه حدود؛ فهو يشمل الماضي والحاضر والمستقبل، فِي حين أَنّ علم الإنسان علم محدود بزمان معيّن ومكان معيّن، وهو بطبيعته نسبيّ، مهما بلغ مِن الاتّساع.
وقد بسط أحمد الدّغشيّ القول فِي طبيعة المعرفة فِي القرآن ضمن مبحث سمّاه «ميدان المعرفة»، سعى فيه إِلَى التّمييز بين الغيب والشّهادة، باعتبارهما ميدانين متلازمين لا ينفكّ أحدهما عن الآخر. فلا يُذكر أحدهما إِلّا استدعى ذكر الثّاني، ولا يستقيم فهم أحدهما دون استحضار الآخر.
فأَمّا ميدان الغيب فيعرّفه بأَنّه ما وراء المحسوس على وجه الإجمال. ومِن أبرز خصائصه أَنّ علمه مستغرق للجزئيّات والكلّيّات، وأَنّه لا يطّلع عليه أَحد مِن المخلوقات، إِلّا مَن أذن الله له مِن الأنبياء. ولهذا كان الغيب خارجاً عن متناول المعرفة الإنسانيّة المباشرة، ولم يجعل القرآن الإنسان مطالباً بمعرفته على جهة الإحاطة، بل على جهة الإيمان والتّسليم. وقد وقف الدّغشيّ عند علاقة الإنسان بالغيب، فذكر جملة مِن المبادئ والمعطيات الّتي تضبط هذا المجال، وأوصلها إِلَى ثلاثة عشر مبدأً، تبيّن حدود ما يعلمه الإنسان وما لا يعلمه.
وأَمّا ميدان الشّهادة فيعرّفه بأَنّه مجال المعرفة المشاهدة، الّتي يمكن إدراكها بالحواسّ، وتعقّلها بالعقل. وقد قسّمه إِلَى ميدان الآفاق وميدان الأنفس، وبينهما –كما يقول– علاقة قائمة على التّفاعل والتّأثير المتبادل.
فميدان الآفاق يتمثّل فِي الكون وما يشتمل عليه مِن ظواهر، وقد حفلت نصوص قرآنيّة كثيرة بالإشارة إِلَى هذا الميدان، والدّعوة إِلَى النّظر فيه، والتّأمّل فِي نظامه وتسخيره. غير أَنّ الوصول إِلَى دلالاته لا يتحقّق بنظرة سطحيّة، وإِنّما يتطلّب إعمال قوى العقل فِي التّفكّر والتّعقّل، وفهماً سننيّاً لطبيعة الكون ووظائفه. ومِن أهداف النّظر فِي الآفاق الوصول إِلَى الحقيقة القرآنيّة الكبرى، دون الانشغال بتفصيل جزئيّات الكون على نحو يستغرق العقل ويبعده عن مقصده.
وأَمّا ميدان الأنفس فقد أولاه القرآن كذلك عناية خاصّة؛ إِذ تناول فيه أصل الإنسان، ومراحل وجوده، ووظيفته فِي هذا العالم، وما يحكم حياته مِن سنن. ويؤكّد الدّغشيّ أَنّ الإنسان يحتلّ موقعاً محوريّاً فِي هذا الوجود على مستوى المعرفة، لأَنّ الله خصّه بقدرة على الاستيعاب المعرفيّ للكائنات، وجعله قادراً على نقل العالم الخارجيّ مِن صورته الكمّّيّة والكيفيّة إِلَى عالمه الدّاخليّ.
الخلاصة أَنّ هذا التّمييز القرآنيّ بين الغيب والشّهادة يكشف عن تصوّر متوازن لطبيعة المعرفة، توازن يحفظ للإنسان مجاله الّذي أُريد له أَن يعمل فيه، ويمنعه مِن التّطلّع إِلَى ما ليس مِن شأنه. فالمعرفة فِي ميدان الشّهادة مجالها البحث والنّظر والاجتهاد، أَمّا الغيب فمجاله الإيمان والتّسليم، وبهذا التّوازن يستقيم العقل، وتنتظم المعرفة، دون إفراط فِي الادّعاء ولا تفريط فِي الفهم.
خاتمة
إِذا كان هذا البحث قد انطلق مِن مساءلة إمكان المعرفة، ثمّ نظر فِي مصادرها، وانتهى إِلَى تحديد طبيعتها وحدودها، فإِنّ الخلاصة الّتي يستقرّ عندها تؤكّد أَنّ المعرفة ليست شأناً عرضيّاً فِي الوجود الإنسانيّ، وإِنّما هي شرط أساسيّ لقيام إنسانيّة الإنسان؛ فبها يتحدّد موقعه فِي العالم، وبها تستقيم علاقته بذاته وبخالقه وبما يحيط به، وهي لهذا ضرورة لا يستغني عنها فِي بناء معنى وجوده.
ويتأكّد كذلك أَنّ القرآن الكريم لم يقف موقف الحياد إزاء القضايا الّتي شغلت نظريّة المعرفة، بل قدّم تصوّراً متوازناً يقرّر إمكان المعرفة دون إفراط، ويضبط حدودها دون تعطيل. فهو يفتح باب النّظر، ويؤسّس للثّقة العقليّة، لكنّه فِي الوقت نفسه يحول دون توهّم الإحاطة أَو السّقوط فِي الارتياب. وهذا التّوازن هو ما افتقدته اتّجاهات فلسفيّة مالت إِمّا إِلَى نفي المعرفة، أَو إِلَى توسيعها توسيعاً غير منضبط.
كما يتبيّن أَنّ مصادر المعرفة فِي المنظور القرآنيّ لا تقوم على الإقصاء، بل على التّساند والتّكامل؛ فالحسّ مدخل أوّليّ إِلَى العالم، والعقل قوّة للفهم والتّرتيب، والوحي مرجع هادٍ يرشد هذه القوى ويمنعها مِن الانحراف عن وظيفتها. ولهذا لم يكن الوحي منافساً للعقل، ولا بديلاً عنه، وإِنّما موجّهاً لمساره وضابطاً لحدوده.
وأَمّا طبيعة المعرفة فقد كشف التّمييز القرآنيّ بين ميدان الشّهادة وميدان الغيب عن تصوّر دقيق لمجال اشتغال العقل الإنسانيّ؛ فالمعرفة الّتي كُلّف الإنسان بتحصيلها تتعلّق بعالم الشّهادة؛ حيث البحث والنّظر والاجتهاد. أَمّا الغيب فمجاله الإيمان والتّسليم. وأحسب أَنّ استحضار هذا التّمييز كفيل بحماية العقل مِن الادّعاء، دون أَن يوقعه فِي الشّكّ المعطّل.
الهوامش
(1) بروتاغوراس (Protagoras): سفسطائيّ يونانيّ، عاش فيما بين (485 - 411 ق. م)، كان صاحب مذهب حسّيّ ونسبيّ، عارض فكرة الحقيقة المطلقة بتعدّد الآراء ووجهات النّظر، صاحب القول المشهور «الإنسان مقياس الأشياء» وهو القول الّذي نقده أفلاطون فِي محاورة ثيتاوتوس، كان متشائماً، ولكنّه لم يذهب فِي تشاؤمه إِلَى حدّ عدميّة غورغياس، وكان يرى أَنّ كلّ شيء نسبيّ. انظر فِي ترجمته الموسوعة الفلسفيّة المختصرة، ص120 - 123. وانظر: جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، ص170. وانظر الموسوعة الفلسفيّة، ص81.
(2) ألبير ريفو، الفلسفة اليونانيّة أصولها وتطوّراتها التّاريخيّة (ترجمة عبد الحميد محمود) طبعة مكتبة دار العروبة، القاهـرة، ب.ت، ص102.
(3) الغزاليّ أبو حامد، ميزان العمل، تحقيق سليمان دنيا، القاهرة، 1964م، ص409
(4) راجح الكرديّ، نظريّة المعرفة بين القرآن والفلسفة، دار الفرقان، 2004م – الرّياض، ط1 ص 149
(5) مجلّة البحوث الإسلاميّة - مجلّة دوريّة تصدر عن الرّئاسة العامّة لإدارات البحوث العلميّة والإفتاء والدّعوة والإرشاد، عدد:12، ص: 249
(6) بليل عبد الكريم، مصادر المعرفة فِي القرآن الكريم، شبكة الألوكة الشّرعيّة، رابط المقال: http://www.alukah.net/sharia/0/8392/
(7) المصدر نفسه
(8) مصادر المعرفة فِي الإسلام والعلاقة بينها، مركز سلف للبحوث والدّراسات، رابط المقال: https://salafcenter.org/2391/
(9) عيّاش محمّد، مصادر المعرفة ووسائلها فِي القرآن الكريم، كلّيّة الشّريعة، جامعة قطر، ص: 86
(10) - ابن تيميّة، مجموع الفتاوى: (13/136)
(11) تحدّث عن العلاقة بين الذّات العارفة والشّيء المعروف، وطريقة اتّصال قوى الإدراك بالشّيء المدرك، وذكر أهمّ المذاهب فِي المسألة، ومنها المذهب الواقعيّ، الحسّيّ، الفينومولوجيّ...
(12) راجح الكرديّ، نظريّة المعرفة بين القرآن والفلسفة، مرجع سابق، ص429