مكاشفات

بقلم
أ.د عبد الفتاح داودي
اقتحام العقبة: من الانكفاء الحضاري إلى استعادة الفاعليّة التاريخيّة
   لاتنهض الأمم بالصّدفة، ولا تسقط فجأة، بل تتحرّك داخل قوانين تاريخيّة صارمة تحكم علاقتها بالزّمن، وبذاتها، وبالعالم. وفي لحظات التّحوّل الكبرى، حين تتراكم الأزمات وتتعطّل البوصلة، لا يعود السّؤال الجوهريّ متعلّقًا بما تملكه الأمّة من موارد، بل بما تملكه من قدرة على الفعل، أي بمدى فاعليّتها التّاريخيّة. هنا يتقدّم مفهوم «اقتحام العقبة» بوصفه مفتاحًا سننيًّا لفهم حركة الحضارات بين النّهوض والانكفاء، لا باعتباره توجيهًا أخلاقيًّا فرديًّا، بل قانونًا حركيًّا يربط بين البنية النّفسيّة للجماعة وموقعها في معادلة التّاريخ. 
إنّ قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ لا يصف نقصًا في الإمكانات، بل يكشف خللًا في الإرادة والوعي. فالعقبة، في معناها العميق، ليست عائقًا خارجيًّا طارئًا، وإنّما هي تلك اللّحظة الحرجة التي يُختبر فيها استعداد الأمّة لمغادرة منطقة الأمان، وكسر أنماط التّكيّف مع التّخلّف، وتحمّل كلفة التّحوّل. إنّها نقطة الفرز التّاريخيّ بين جماعة تكتفي بتبرير عجزها، وأخرى تملك الشّجاعة لتشخيص ذاتها والانخراط في فعل التّغيير. 
ومن هذا المنطلق، تتقاطع الرّؤية القرآنيّة مع التّحليل الحضاريّ الحديث، خاصة عند مالك بن نبيّ، الذي أعاد تعريف الأزمة الحضاريّة بوصفها أزمة «قابليّة للاستعمار»، أي قابليّة داخليّة للهيمنة قبل أن تكون عدوانًا خارجيًّا. فالمجتمع الذي يفشل في اقتحام عقبته الفكريّة والنّفسيّة، يتحوّل إلى كيان استهلاكيّ، مهما امتلك من ثروات، ويصبح تابعًا في حركة التّاريخ، مهما رفع من شعارات السّيادة. العقبة هنا هي تعطّل «الفكرة الصّانعة» القادرة على جمع الإنسان والتّراب والزّمن في مركب حضاريّ حيّ، وتحوّل القيم من محرّكات للفعل إلى رموز معطّلة بلا أثر عمليّ. 
ويتكامل هذا التّشخيص مع رؤية ابن خلدون في قوانين العمران، حيث يربط صعود الدّول بوجود عصبيّة فاعلة، لا بمعناها الضّيّق، بل بوصفها طاقة تضامن وهدف مشترك. وحين تفقد المجتمعات هذه الرّوح الجامعة، وتغرق في التّرف والتّقليد، تدخل طور الانكفاء، حيث يصبح التّقليد بديلاً عن الإبداع، والتّبرير بديلاً عن النّقد، والانفعال بديلاً عن الفعل. في هذا السّياق، لا يكون اقتحام العقبة مجرّد خيار أخلاقيّ، بل ضرورة تاريخيّة لاستعادة شروط الفعل العمرانيّ، وإعادة وصل القيم بالممارسة. 
وتتجلّى خطورة العقبة في كونها غالبًا غير مرئيّة؛ فهي ليست الفقر ولا الاستبداد ولا التّبعيّة في ذاتها، بل قبول هذه الحالات بوصفها واقعًا لا يُقاوَم. إنّها الفصام بين ما تؤمن به الأمّة وما تمارسه، بين خطابها القيميّ وسلوكها المؤسّسيّ، بين وعيها النّظريّ وعجزها العمليّ. وحين يستقرّ هذا الفصام، تتحوّل القيم إلى مخزون رمزيّ بلا وظيفة، ويتحوّل التّاريخ إلى قوّة خارجيّة تُمارس على المجتمع لا من خلاله. 
وفي ظلّ النّظام الدّوليّ الرّاهن، تزداد أهمّيّة هذا المفهوم، إذ يشهد العالم حالة من السّيولة التّاريخيّة مع تآكل اليقينيّات الغربيّة وبروز ملامح نظام متعدّد الأقطاب. غير أنّ هذه اللّحظة لا تُستثمر بمجرّد تغيير التّموضع الجيوسياسيّ أو الارتماء في أحضان قوى صاعدة، بل تتطلّب اقتحام عقبة أعمق: عقبة «الاستقالة الحضاريّة». فالأمّة التي لا تمتلك مشروعًا قيميًّا مستقلًّا، ستظلّ تابعًا مهما تغيّرت مراكز القوّة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء «قطب حضاريّ قيميّ» لا ينافس في منطق الهيمنة، بل يقدّم نموذج «العمران الأخلاقيّ» القائم على التّوازن بين القوّة والعدل، وبين التّقدّم التّقنيّ والمسؤوليّة الإنسانيّة. 
إنّ استعادة الفاعليّة التّاريخيّة تمرّ حتمًا عبر تفكيك العقبات البنيويّة التي تعيد إنتاج العجز، وفي مقدّمتها التّعليم المنفصل عن الوظيفة الحضاريّة، والاقتصاد القائم على الرّيع لا الإنتاج، والسّياسة المقطوعة عن القيم. فاقتحام العقبة هو تحرير الوعي من الاستلاب، وإعادة الاعتبار للمعرفة بوصفها أداة فعل لا زينة ثقافيّة، وتحويل الإيمان من خطاب وعظيّ إلى طاقة تنظيميّة تضبط السّلوك وتنتج المؤسّسات.
وفي هذا المعنى، يصبح اقتحام العقبة فعلًا ثوريًّا هادئًا، لا يرفع الشّعارات بقدر ما يغيّر الشّروط، ولا يكتفي بتشخيص الواقع بل يعيد بناء الإنسان القادر على تغييره. إنّه انتقال من منطق الشّكوى إلى منطق المسؤوليّة، ومن ثقافة الانتظار إلى ثقافة المبادرة، ومن التّمركز حول الذّات الجريحة إلى الانفتاح على العالم بوصفه مجالًا للشّهادة لا للتّبعيّة.
ختامًا، فإنّ اقتحام العقبة ليس لحظة عاطفيّة ولا اندفاعًا أخلاقيًّا عابرًا، بل مسارًا سُننيًّا طويل النّفس، تُقاس نتائجه بمدى قدرة الأمّة على استعادة فاعليّتها التّاريخيّة المستقلّة. فالأمم لا تُخلَّد بكثرة خطابها، بل بقدرتها على تحويل القيم إلى قوّة، والمعرفة إلى إنجاز، والإرادة إلى عمران. وحين تنجح الأمّة في اقتحام عقبتها الدّاخليّة، فإنّها لا تغيّر موقعها في التّاريخ فحسب، بل تساهم في إعادة التّوازن إلى عالم أنهكته الهيمنة المادّيّة وفقدان المعنى، لتعود فاعلًا شاهدًا لا تابعًا، وصانعًا للتّاريخ لا مادّةً فيه.